الكلام ذو شجون .. والحسرة تملأ النفس عندما أتذكر أن مستوى التعليم عندنا كان راقياً لدرجة أنه يمكن مقارنته بإنجلترا , أما الدول العربية بما فيها مصر فقد كانت خلفنا بكثير من حيث المستوى والكفاءة , حتى أن الخريج السوداني لا يحتاج لشهادة معادلة أو تقييم عند تقديمه للدراسات العليا في أرقي جامعات العالم , حتى أن جامعات مثل اكسفورد وكامبردج وهارفارد وييل وكاليفورنيا وهي الجامعات التي تحتل صدارة التصنيف العالمي , تكتظ بالباحثين والدارسين السودانيين في جميع التخصصات , في الوقت الذي نجد فيه الآن أنه لا مجال لدينا إلا جامعات ماليزيا والفلبين والصين , وبعد أن كان أخصائينا ينالون شهادات الكلية الملكية البريطانية والبورد الأمريكي بجدارة , صاروا ينالون تخصصاتهم في مصر والهند والأردن , وبعد أن كان الخريج السوداني الذي يتقدم لأي وظيفة في المنظمات الدولية أو الأم المتحدة أو حتى في المهاجر القريبة مثل المملكة العربية السعودية وغيرها , ينال أفضلية تلقائية على أساس السمعة الأكاديمية العالية لمؤسسات التعليم العالي السودانية مقارنة بغيره من المتقدمين , صار التشكيك في صحة الشهادة نفسها بأنها ربما تكون مزورة ناهيك عن التقييم المتدني لمحتواها الأكاديمي هو السائد لدى المخدمين .
عندما تقدمنا لإمتحان الشهادة السودانية قبل حوالي أربعين سنة تقريباً , كنا حوالي سبعة أو ثماني آلاف , والآن العدد يقارب نصف المليون , وهذا يمكن أن يعتبر إنجازاً ضخماً وثورة تعليمية حقيقية إذا كان قد صحب معه النظام والإنضباط وتوفر له من الإمكانيات تلك التي جعلت نظامنا التعليمي السابق بتلك الكفاءة والقدرة , ولكن أن تحول مدارس ثانوية مثل خورطقت وحنتوب ووادي سيدنا وغيرها من مدارس المدن السودانية المختلفة إلى جامعات , بدون أن يتوفر لها ما يؤهلها لذلك ,هو السبب المباشر لرفد الشارع بمئات آلاف أنصاف المتعلمين , الغير مؤهلين , الذين لو كنت تركتهم يعتركون في دروب الحياة لربما كانوا قد تعلموا صنعة ما أو مهنة تفيدهم وتفيد المجتمع , وهذه هي العلة الحقيقية للتعليم العالي , فالجامعات مؤسسات غير ربحية في الغالب وباهظة الكلفة ولا أعتقد أن السودان بإمكانياته المحدودة حالياً قادراً على تحمل الصرف علي كل مؤسسات التعليم العالي القائمة بالصورة المطلوبة التي تمكنها من آداء دورها , وقد كان الأجدى التركيز على التدريب الفني الوسيط ذو التكلفة المنخفضة لإمداد السوق بما يحتاجه من عمالة ماهرة , وفي نفس الوقت تقليل أعداد الخريجين بتركيز الصرف على إعداد التخصصات الضرورية لتكون على أعلى مستوى كما كان في السابق , علماً بأن أكثر من70 في المائة من أعداد المقبولين للجامعات اليوم هم ذوي التخصصات الأدبية الذين من الصعب عليهم إيجاد عما بعد تخرجهم .
عموماً الموضوع مهم والكلام فيه يطول , وأكتفي بهذه القدر .