مشاهدة النسخة كاملة : المكتبة الالكترونية
ابو تراجى
05-19-2009, 09:49 PM
سادتى اود من الجميع انزال كتب هنا لتاسئس مكتبة ونرثى منهج الاطلاع والمناقشه حول الكتب التى يتم مداولتها هنا وبعد زمن ليس بالطويل سوف نمتلك مكتبة ضخمة
ولكم حبى
ابو تراجى
ابو تراجى
05-19-2009, 09:53 PM
مُدْخل:
كما ورد في بيان حركة العدل والمساواة، يواجه السودان اليوم أخطار جسيمه تهدد بتفتيت وحدته وتقسيمه إلى دويلات نتيجة للظلم الذي وقع وما زال على بعض أقاليمه من قبل المجموعة المتسلطة الحاكمة.
هنالك بادرة أمل قوية لتفادي ذلك في إطار الحل السياسي الشامل للمشكلة السودانية من خلال مؤتمر جامع يعطي لكل حقه حيث يصبح الحوار صادقاً وحراً يعلوه شعار أعدلوا هو أقرب للتقوى.
سنستعرض في هذا الكتاب بلغة الأرقام للإحصاءات والبيانات التي توضح بجلاء نماذج لاختلال تقسيم السلطة والثروة في السودان خاصة في عهد الإنقاذ الأمر الذي يحتم إعادة النظر بصورة جادة في حال السودان باعتباره يتكون من أقاليم تعاني بعضها ويلات احتكار السلطة ، محاباة توزيع الثروات ، انعدام التنمية وسوء الخدمات مما يستوجب العدل والإنصاف.
وقد أخذت هذه البيانات والأرقام من المصادر الرسمية والتقارير الإستراتيجية وقرارات رئاسة الجمهورية بمجلس الوزراء وديوان الحكم الاتحادي ومضابط ووثائق الخدمة المدنية وكتاب التحولات الكبرى في السودان وغيرها من المصادر.
ابو تراجى
05-19-2009, 09:54 PM
--------------------------------------------------------------------------------
حتى يسهل علينا قراءة الأرقام والبيانات أرجعنا تسمية الولايات الى الولاية الكبرى السابقة ((الإقليم)) حيث الاقليم الشرقي يضم ولايات البحر الأحمر والقضارف وكسلا، والإقليم الشمالي يضم ولايتي نهر النيل والشمالية،والإقليم الأوسط يضم ولايات الجزيرة والنيل الأزرق وسنار والنيل الأبيض ، بينما إقليم كردفان يضم ولايات شمال وجنوب وغرب كردفان، وإقليم دارفور يضم ولايات شمال وجنوب وغرب دارفور وإقليم الإستوائية يضم ولايات بحر الجبل وشرق وغرب الإستوائية وإقليم بحر الغزال يضم ولايات البحيرات وواراب وغرب وشمال بحر الغزال وإقليم أعالي النيل يضم ولايات جونقليٍِ والوحدة وأعالي النيل وقد اجملناها في الاقليم الجنوبي وأصبح أقليم الخرطوم يعني العاصمة القومية.
قراءة الجدول حسب الأقاليم:-
نسبة السكان
تعداد السكان
الإقليم
الرقم
20%
6559000
الأوسط
1
20%
5992000
دارفور
2
16%
5035000
الجنوبي
3
15%
4740000
الخرطوم
4
12%
3718000
كردفان
5
11%
3655000
الشرقي
6
5%
1482000
الشمالي
7
-
31181000
الجملـــــــــــــــــــة
ابو تراجى
05-19-2009, 09:54 PM
حتى يسهل علينا قراءة الأرقام والبيانات أرجعنا تسمية الولايات الى الولاية الكبرى السابقة ((الإقليم)) حيث الاقليم الشرقي يضم ولايات البحر الأحمر والقضارف وكسلا، والإقليم الشمالي يضم ولايتي نهر النيل والشمالية،والإقليم الأوسط يضم ولايات الجزيرة والنيل الأزرق وسنار والنيل الأبيض ، بينما إقليم كردفان يضم ولايات شمال وجنوب وغرب كردفان، وإقليم دارفور يضم ولايات شمال وجنوب وغرب دارفور وإقليم الإستوائية يضم ولايات بحر الجبل وشرق وغرب الإستوائية وإقليم بحر الغزال يضم ولايات البحيرات وواراب وغرب وشمال بحر الغزال وإقليم أعالي النيل يضم ولايات جونقليٍِ والوحدة وأعالي النيل وقد اجملناها في الاقليم الجنوبي وأصبح أقليم الخرطوم يعني العاصمة القومية
ابو تراجى
05-19-2009, 09:55 PM
مدخل :بسم الله الرحمن الرحيم
والتين والزيتون [1] وطور سينين [2] وهذا البلد الأمين [3] لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم [4] ثم رددناه أسفل سافلين [5] إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون [1] فما يكذبك بعد بالدين [7] أليس الله بأحكم الحاكمين [8] )
صدق الله العظيم
* * * * *
الروح والجسد ، العقل والقلب .. هذا أنت أيها الإنسان ، أنت إما فيلسوف يبحث عن الحقيقة أو أخلاقي يبحث عن قيم الخير أو فنان يبحث عن الجمال … هذه هي حياة فكرك وشعورك إذا كنت غير ذلك ، فستكون كالأنعام أو أضل سبيلا .
* * * * *
الفلسفة السودانية*
دنيا لا يملكها …
من يملكها .. أغنى أهاليها
سادتها الفقراء ..
العاقل … من يأخذ منها
ما تعطيه
على إستحياء ..
والجاهل من ظن الأشياء
هي الأشياء ..
*محمد مفتاح الفيتوري شاعر من السودان
ابو تراجى
05-19-2009, 09:56 PM
مقدمة :
لماذا الإنسان ؟!
ما أكثر الأشياء التي تحيط بالإنسان ، هذه الأشياء تتمظهر على شكل مألوف ينسجم مع التفكير الإنساني للشخص العادي التفكير والسلوك وتسمى هذه الأشياء بالأشياء الطبيعية أحياناً تنبعث أشياء غريبة بدون علة منطقية ظاهرة وتسمى هذه الأشياء بالظواهر (Phenomenon) … هذه الأشياء لا يستطيع العقل إستيعابها من أول وهلة وتترك رد فعل ذو حدين ... عقل يرفضها ولا يألوا جهد أبداً في سبر غورها ، عقل يرفضها ويبحث عن أسباب ظهورها لعلاجها واستئصالها إذا كانت الظاهرة قبيحة وهذا في حقل الظواهر الإجتماعية والبيئية ، أما إذا كانت الظاهرة طبيعية فيزيائية أو كيميائية أو احيائية … فلا بد أن يتقصى العقل أسلوب المنهج والبحث العلمي في دراسة الظاهرة وإعطاء إجابة علمية شافية لسبب حدوثها …
ليس هناك فرق نوعي بين العلوم الطبيعية والعلوم الإجتماعية من حيث القوانين الخفية التي تربط الأشياء مع بعضها البعض من حيث أنه لكل معلول علة وقد نجد أن هناك محاولات مؤسسة من البعض لتغيب وعي الناس بربط الظواهر الإجتماعية .. كالفقر مثلاً بالغيب ويعطيها بعدا ميتافيزيقيا وذلك ناجم عن الجهل المريع الذي يعشعش في أصقاع البلاد العربية والإسلامية (الجهل هو الجنرال الذي هزم العرب والمسلمين).
إن علم الظواهر (Phenomenology) لا بد أن يتمتع بأدوات البحث والتحليل والإستقراء العلمي للوصول إلى النتائج السليمة التي تستقيم مع العقل المتجرد من نوازع الهوى ودواعي الجبلة والغرض … إن أجلّ ما يمكن أن يقدمه هذا العلم في الوقت الراهن هو دراسة الظواهر السلوكية المدمرة التي يعاني منها الإنسان في زمن أضحى فيه العالم قرية صغيرة مزودة بكل وسائط ووسائل الإتصال ، إن العلوم في مجملها قادمة لتصب في موضع واحد هو النفس الإنسانية
وتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر
حيث أن الإنسان في حد ذاته يشكل ظاهرة غريبة ومزعجة لكل الكائنات الحية في الأرض وذلك لميوله العدوانية الناجمة لتعرضه لمؤثرات مختلفة متباينة تؤثر عليه سلباً وإيجاباً خلال مشواره الطويل القصير في الحياة .. أنا كان مجتمعه أو بيئته ..
البشر يعملون على افساد البيئة وتلويثها وعلى مسخ فطرة الحيوان بهدف الإستفادة القصوى من العائد المادي وذلك للتفكير الرأسمالي النفعي ويمكننا أن نضرب مثلاً بشعاً لذلك وهو استغلال الحيوانات في الأفلام الإباحية ومثال آخر أقل بشاعة إطعام الأبقار اللحوم كما حدث في بريطانيا "جنون البقر" … وبذلك تقوقع الإنسان في الدرك الأسفل من سلم الكائنات الحية وأصبح كالأنعام أو أضل سبيلا … البشر يصنعون آلة الحرب ويهلكون الحرث والنسل من أجل علل وطموحات ذاتية مريضة ونزعات عرقيه إستعلائية ما أنزل الله بها من سلطان …
ويبقى السؤال الحائر كيف تكون البداية ؟! من أجل تقويم النفس البشرية ووضعها على جادة الطريق …
"والمهم أولاً وأخراً ، ليس أن نجد حلاً ما لمشكلة الإنسان ونعيد صياغة الإنسان بطريقة مصطنعة لتقبل هذا الحل .. وذلك لأن كل الحلول إنما تستمد قيمتها من قيمة الإنسان وينبغي لها أن تكون على صورته ، لا أن يكون هو على صورتها .. فالإشتراكية والليبرالية نشأتا من أجل الإنسان وليس الإنسان هو الذي خلق من أجل التجارب للإشتراكية والليبرالية . وهذا الكائن المقدس الذي هو الإنسان يستحق بالضرورة كل الجهد الذي بذله من أجله .. أوَليس بالخير الملاك النائم في أعماقه هو الذي نريد له أن يستيقظ ليعمر الأرض بالخير والمسرة والهناء؟! . ثم أليس في الدنيا ألف باب من أبواب الشقاء للإنسان ؟ وهل ينبغي أن نضيف إلى الموت عصرة القبر بتجارب غير مسؤولة نهبها هي القداسة … بدلاً من الإنسان ؟" *
ما من مجتمع يستطيع أن يعيش من غير مثل أعلى ، يستلهمه في حياته ، ومن دون معرفة واضحة للمبادئ التي تواجه تنظيمه ، فالعهود الكبيرة للحضارة والمدنية هي تلك التي يجتمع فيها هذان الشرطان …
العقل العربي أكثر من أي عقل آخر يحس هذه الحاجة إلى الفهم … إن مواطنينا يريدون أن يعرفوا نوع المبادئ التي يحكمون بموجبها وأي مستقبل يتجهون إليه في النظام العالمي الجديد .
ابو تراجى
05-19-2009, 09:56 PM
الفصل الأول
نظرية المعرفة
خلق الله آدم في الجنة وعقله يزخر بالمعارف والعلوم كلها ، كان يعيش حياة كاملة ، وعندما هبط إلى الأرض احتجبت هذه المعرفة بغطائين ، حجاب ظلماني (Dark Screen) وهو حجاب الغريزة (شهوتي البطن والفرج) وأصبح هناك جزء من عقله يؤدي وظائف الجسد ومطالبه يسمى عقل المعاش (Living Mind) والجزء الآخر برمجت فيه المعرفة الأزلية يسمى عقل المعاد (Post Living Mind) أما الحجاب الثاني فهو حجاب نوراني (Light Screen) وهو حجاب العقل نفسه ذلك العقل الذي يفسر الأشياء بأضدادها ، نجد أن تركيبه الإنسان من روح وجسد لعبت دوراً كبيراً في انقسام عقل الإنسان تبعاً لذلك ليؤدي مطالب الروح التي تنشد المعرفة الأزلية التي تعلمتها في عالم الذر .
قام آدم بتوريث هذه المعرفة إلى ذريته التي جاءت من بعده ، إن الإنسان في هذه الحياة يتذكر ولا يتعلم ، أي أن المعرفة تنبع من داخل عقل الإنسان ، والإنسان المجود للسلوك والمتأمل يستطيع أن يرفع الحجب ويبدأ مشوار السير إلى الله ، والسير إلى الله ليس بقطع المسافات ولكن بتقريب الصفات إلى الصفات . إن آيات الآفاق وآيات النفوس هي دليل الإنسان في البحث عن الحقيقة ، قال تعالى [سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ، أوَلم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد] (53 فصلت) .
إن التعارض في النفس البشرية بين مطالب الجسد والروح هو الذي يجعل الإنسان يتأرجح بين الخطأ والصواب ويتقدم إلى الأمام في حياة الفكر والشعور ، لذلك الخطأ شيء موجود في تركيبة الإنسان ولا بد منه حتى يتعلم الإنسان ويتذكر ، إن حياة الجسد والروح في تركيبتهما الفريدة حياة ذات حدين إما كان الجسد سجن للروح يجعلها تتوق للإنعتاق عنه أو أصبح الجسد بيت لها تستأنس به وتحضه على عمل الأعمال الصالحة وبذلك يكون الإنسان في حالة تقلب بين الخير والشر.
إن العبادات من صلاة وصوم وزكاة جاءت لتعين الجسد على خدمة الروح التي تتوق للكمال وإن تجويد الإنسان للعبادات يجعله يحس بالسمو والتقدم من الحالة الحيوانية التي يعاني منها إلى مصاف الإنسان الذي خلق لأجله كل هذا الكون .
إن المعرفة الإنسانية تنقسم إلى قسمين ، معرفة إيمانية وهذه المعرفة معرفة تصديق . إذ لا يكون السامع أو المتلقي ملزم بأن يصدق الخبر أو لا يصدقه … مثلاً إذا قلنا لأحد سكان الأسكيمو في القطب الشمالي أن هناك فاكهة عند خط الإستواء يقال لها البطيخ ، خضراء اللون من الخارج وحمراء من الداخل وحلوة المذاق فإنه في هذه الحالة قد يصدق ما نقوله أو لا يصدق وتصبح المعلومة في عقله في حالة عدم اتزان.
النوع الآخر من المعرفة هي المعرفة اليقينية وهذه معرفة تحقيق إذ إنه لا يصل إليها الإنسان إلى بعد إجراء تجربة عملية للتأكد من الخبر الذي نسمعه ، نعود للمثل الذي ضربناه في الفقرة السابقة ، إذا ركب هذا الرجل الأسكيمو الطائرة وجاء إلى بلد عند خط الإستواء وذهب إلى السوق . وسأل عن البطيخ فدلوه عليه فاشترى قطعة فنظر إليها فوجدها خضراء من الخارج وشقها بالسكين وجدها حمراء من الداخل ، ثم تذوقها فوجدها حلوة الطعم ، بذلك يكون حصل على معرفة مؤكدة للخبر الذي سمعه أول مرة في بلاده .
إن الفرق بين المعرفة الإيمانية والمعرفة اليقنية فرق مقدار كما أن الفرق بين الإيمان واليقين هو أن الإيمان معرفة قلقة ناقصة إلى حد ما بينما اليقين معرفة مستقرة تكاد تكون كاملة . قد سبق القرآن فلاسفة الغرب في ماهية العلم المادي التجريبي (Matrial Expermental Science) إلى نوع أسمى من المعرفة يمكننا أن نطلق عليها مجازاً العلم الروحي التجريبي(Spritual Expermental Science) ولندلل على ذلك نذكر تجربة سيدنا إبراهيم عليه السلام في إثبات قدرة الله المطلقة على إحياء الموتى والتي تضمنتها الآيات قال تعالى [وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أوَلم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ثم أدعهن يأتينك سعياً واعلم أن الله عزيز حكيم] (260البقرة).
ومن هنا نرى أن التجربة التي قام بها سيدنا إبراهيم كانت تجربة تأكيدية لقدرة الله على إحياء الموتى ونال بذلك طمأنينة القلب وبرد اليقين ، وقد ذكر ذلك في سياق آية أخرى : [ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين] (75 البقرة) .
ابو تراجى
05-19-2009, 09:57 PM
إن الناس تتباين في المعرفة وفقاً لطبيعة المعلومات التي يتلقونها وتختزنها عقولهم ، ويمكننا أن نقسمها إلى ثلاث أنواع من القضايا :-
(1) 2 + 2 = 4 قضية صائبة ( درجة أولى )
(2) ص + س = 4 قضية ظنية ( درجة ثانية )
(3) 2 + 2 = 3 قضية خاطئة ( درجة ثالثة ) .
بذلك يكون الناس أربعة ، مثقف ومتعلم وأمي وجاهل ، وفقاً لطبيعة القضايا التي يحملونها أو مبرمجة في عقولهم ، فالمثقف إنسان يجيد القراءة والكتابة ومستقيم أخلاقياً وتأثيره إيجابي على المجتمع وجل القضايا التي يختزنها عقله من الدرجة الأولى ، المتعلم يجيد القراءة والكتابة ، ضعيف أخلاقياً وينطبق عليه المثل الإنجليزي (The half Lerned man is a dengrous man) وتأثيره سلبي على المجتمع والمعلومات في عقله من النوع الثاني والثالث .. الأمي إنسان لا يجيد القراءة والكتابة ، مستقيم أخلاقياً وتأثيره إيجابي على المجتمع ، المعلومات في عقله من النوع الأول والثاني ، أخيراً الجاهل وهذا لا يجيد القراءة والكتابة ضعيف أخلاقياً وتأثيره ضار في المجتمع والمعلومات في عقله من النوع الثالث في الغالب ..
الفصل الثاني
نسبية المعرفة
إن القرآن نزل يخاطب العقل الإنساني السليم والخالي من الهوى وذلك بتثبيت قيم الحق ومحو الباطل ولكن لأن العقل الإنساني يتعرض لنوازع الهوى ودواعي الجبلة نجد أنه كثيراً ما ينحرف عن جادة الطريق ، بما أن القرآن يحمل رسالة عالمية فقد كان لا بد له على مر العصور أن يتفاعل مع الأفكار والقيم المتوارثة والسائدة والمعاصرة في نفس الفترة الزمنية .
إن المعرفة أو الفهم الذي يقذفه الله تعالى في قلوب من يشاء من عباده سواءً من داخل الأمة الإسلامية ، علماء المسلمين أو خارج الأمة الإسلامية ، علماء الملل الأخرى ، هذه المعرفة ليست مطلقة بل نسبية ، كما إنه لا يوجد أحد يملك علم مطلق على حسب القاعدة الربانية ، قال تعالى فوق كل ذي علم عليم] (76 يوسف)
لذلك تطلب عالمية الرسالة الإسلامية أن ينهض علماء الإسلام بالفكر الإسلامي إلى مستوى العصر بفتح باب الحوار والحجة والمنطق العلمي السليم وليس الانسحاب بعيداً عن منابر الحوار واتباع وسائل عنيفة للتعبير بالصورة المؤسفة التي جعلتنا أشبه بالعنكبوت التي أتخذت بيتاً ، قال تعالى [ مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت] (41 العنكبوت) .
إن القرآن كمنهج عقلي رباني يطالب الناس بتداول الأفكار والمعرفة ومن خلال هذا التفاعل والتلاقح الفكري يولد الحق ويمحق الباطل حسب القاعدة الربانية ، قال تعالى [ أنزل من السماء ماءً فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبداً رابياً وما يوقدون عليه في النار إبتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال] (17 الرعد).
لذلك نجد أن المناظرات العلمية هي أكبر الأسس العلمية لظهور الحق وأنسبها للقرن العشرين ، كما رأينا في الماضي أن الأنبياء كانوا دائماً يلجأون للمحاورة مع أهل الباطل بكل لباقة واقتدار كما فعل سيدنا موسى مع فرعون وسيدنا إبراهيم مع النمرود .
ومن كل ذلك نجد أن قيم الحق باقية لأنها هي الأصلح والبقاء دائماً للصالح مهما كثر الخبيث .
إن نسبية المعرفة تدعوا إلى تداول المعرفة على أوسع نطاق في العالم الذي أصبح قرية صغيرة مزودة بكل وسائل ووسائط الإعلام . إن التفكير العقلي والتعامل المباشر مع القرآن والسنة في القضايا المعاصرة قد يكون أكثر إيجابية من تناول تفسيرات قديمة لقضايا مستجدة فيما يعرف بالتفكير النقلي قال تعالى [ إذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه أباءنا أوَلو كانوا أباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون] (104 المائدة).
قد ترون في هذه الآيات إستشهاداً بعيداً ولكن بالرجوع إلى حديث الغرباء ( بدأ الاسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ ، قيل : من هم الغرباء؟ قال : الذين يحيون سنتي بعد إندثارها) (صحيح البخاري)
نحن نرى ملامح اندثار السنة في كثير من مجتمعاتنا العربية والإسلامية وانصباب هذه المجتمعات في قوالب العرف والفقه والتفاسير اللاحقة في العصور الوسيطة التي بيننا وبين القرن السابع ، رغم ما شاب تلك العصور من ظلم واستبداد .
ابو تراجى
05-19-2009, 09:58 PM
الفصل الثالث :
التفكير النقلي .. المزايا والعيوب
ويقصد به التفكير المنقول عن الغير وذلك بأن يعتمد الإنسان على تفكير غيره ويسلم بصحته بدلاً من أن يفكر الإنسان بنفسه ويلجأ الإنسان إلى هذه الطريقة في مرحلة التعلم وعندما يشعر الإنسان أنه قد حصل من المعلومات ما يسمح له بالتفكير المستقل فإن إستمراره بعد ذلك في إصطناع أسلوب التفكير النقلي يسبب له أضراراً منها :-
1- ضعف الشخصية والإمعية أي اتباع الغير في أحكامهم بدون القدرة على الإستقلال عنهم .
2- جمود تفكيره الشخصي لأنه لن يقدر على الإبتكار .
3- فقد القدرة على النقد .
4- استمرار الأخطاء القديمة خاصة وان ليس هناك ما يضمن صحة تفكير الغير أو حسن نيتهم .
يصاب المجتمع الذي يسود فيه هذا الأسلوب من التفكير بالأمعية الثقافية إذ أن أفراده لا يقدرون على التفكير مما يدفعهم إلى الذوبان في غيرهم ، وقد هاجم الإسلام التفكير النقلي ودعا إلى عدم اتباع الآخرين بدافع التقليد ونوازع الضعف قال تعالى ] وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أوَلو كان ءاباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون] (170 البقرة) ، فالأصل تحكيم هدى الخالق واستخدام العقل البشري للتمييز وليس التبعية العمياء تحت ضغوط الشهوات والأهواء قال تعالى ] يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ءابآءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون] (23 التوبة) . وقد هاجم الإسلام الذين يتبعون الأحبار والرهبان بدون تفكير فقال تعالى ] إتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح إبن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون] (31 التوبة) .
وينساق الناس للتفكير النقلي للأسباب الآتية :-
1- نشأتهم في الصغر معتمدين على تلقي أفكار من هم أكبر منهم .
2- تعود احترام أقوال الكبار والثقة في صحة معلوماتهم .
3- اعتقادهم أن شهرة بعض الناس أو نجاحهم يرجع إلى صحة أفكارهم .
4- قد يعجز الإنسان عن معالجة معضلة فيلجأ إلى غيره لحلها .
5- يميل الإنسان إلى التأثير بأفكار الآخرين وتفضيلها على التفكير الذاتي .
6- شيوع الفكرة وانتشارها يجعلها بمثابة أمر واقع يوحي بالثقة في صوابها .
الخلط بين النجاح في مضمار العلوم وبين الأفكار والمبادئ التي يعتنقها أصحاب ذلك النجاح ، والقاعدة للمسلم أن يطلب العلوم والمعارف من أي وعاء خرجت وقد أغناه الله في الجانب الآخر وهو الجانب الفكري والعقائدي فأوحى إليه بالإسلام كنظام شامل للحياة فهو ثابت في قواعده وأسسه العامة متطور في جزئياته وتفاصيله الفرعية.
ويبقى السؤال المحزن : لماذا ننتظر علماء الشرق والغرب يكتشفون دقائق وأسرار الكون والنظريات العلمية ، ثم نأتي بعد ذلك لنبحث لها عن أدلة من القرآن والسنة ، لماذا لا نكون نحن السباقون في كل مجالات الحياة ؟!!
الفصل الرابع
نظرية داروين وإشكالية الحلقة المفقودة
يعتبر البشر الذين يعمرون الأرض الآن من نسل آدم (Homo Sapiens) . ينقسم عقل الإنسان الحالي إلى قسمين تبعاً لتركيب الإنسان نفسه ، فالإنسان جسد وروح ولكل منهما مطالب وحاجات يسعى كل عقل لاشباعها .
أولاً : عقل المعاش (Living Mind) يقوم عقل المعاش بتلبية متطلبات الجسد أي إشباع شهوتي البطن والفرج .
ثانياً : عقل المعاد (Post Living Mind) يقوم بتلبية حاجات الروح وهي المعرفة الأزلية والعلم الذي تعلمته وهي في عالم الذر .
عملت نظريات كثيرة على تفسير نشأة الكون وكيف بدأ الخلق ، وقد حث القرآن الكريم الإنسان على البحث في هذا النوع من المعرفة قال تعالى [ قل سيروا في الأرض فأنظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة ، إن الله على كل شيء قدير] (20 العنكبوت) .
إذا اعتمدنا في موضوع بحثنا هذا على نظرية السوبر نوفا (Super Nova) وهي فكرة وجود سحابة ضخمة من الهيدروجين المشتعل كانت البداية ثم أنقسمت هذه السحابة إلى شموس كثيرة ، خرجت من كل شمس مجموعتها من الكواكب التي تدور في فلكها وخرج من كل كوكب التابع الذي يدور في فلكه ، قال تعالى أوَلم يرَ الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون] (30 الأنبياء) .
وإذا نظرنا إلى الجدول الدوري الحديث في الكيمياء (Modern Periodic Table) الذي يرتب العناصر دوريا بأزدياد أرقامها الذرية "عدد الألكترونات" الشيء الذي يجعل هذه العناصر تتباين في خواصها الفيزيائية (Physical Properties) وخواصها الكيميائية (Chemecal Properties) وهذا التباين كميا (Quantitative) وليس نوعيا (Qualitative) . هذا الجدول يوضح ظهور المركبات الكيميائية التي يتكون منها الجسم الصلب لكوكبنا الأرض وبظهور مركب الماء الناجم من اتحاد عنصري الهيدروجين والأكسجين بدأت خطوات ظهور الحياة والكائنات الحية ، نشأت أولاً المادة العضوية (Organic Matter) وهي تتكون من جزيء الماء والكربون ومن المادة العضوية نشأت الأحماض النووية (DNA) و (RNA) وتلي ذلك ظهور الكائنات الدنيا مثل الفيروسات (Virus) والبكتيريا (Bactria) من مملكة البدائيات (Kingdom Monera) ثم ذات الطبقة الواحدة (Monoplastica) ثم ذات الطبقتين (Diploplastica) ثم ذات الثلاث طبقات (Triploplastica). قال تعالى والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير] (45 النور) .
وقد كانت هذه التفاعلات تعتمل في معمل الطبيعة عبر ملايين السنين وأصبحت الأرض قبل نزول آدم على قمتها البشر غير المكلف من سلالة الإنسان البدائي (Homo errectos) وعلى قاعدتها ذرة الهيدروجين ، هذا الإنسان غير المكلف كان نتاج التطور الطبيعي للحياة ، يمتلك عقل المعاش فقط (Living Mind) لذلك أنفق ملايين السنين دون أن يؤسس حضارة أو ثقافة بل كان يعيش فقط على الغرائز كسائر الحيوانات بينما آدم الذي هبط إلى الأرض والمزود بعقل المعاد (Post Living Mind) ولأنه كائن مبرمج استطاع أن يؤسس حضارات وثقافات في زمن وجيز نسبياً*.
إذن لا توجد حلقة مفقودة بين الإنسان العالم من نسل آدم (Homo Sapiens) والإنسان البدائي (Homo errectos) . وهذا يعني أنه ليس هناك علاقة بين الإنسان الحالي وسلالة القرود ، لأن آدم جاء إلى الأرض من عالم خارجي يعتبر بذلك مخلوق غير أرضي(Extra – terestrial) .
ابو تراجى
05-19-2009, 10:02 PM
متابعة الترتيب
ابو تراجى
05-19-2009, 10:03 PM
متابعة الترتيب
ابو تراجى
05-19-2009, 10:04 PM
الفصل الخامس
ميتافيزيقيا الزمان والمكان
1- مقدمة : إن جميع أفكارنا تقوم على تمثلنا للأشياء تمثلاً يأخذ فيه اللاحق بعنق السابق من الزمان ، فالزمان والمكان فكرتان واضحتان ، يبدو أنه من المستحيل تعريفهما بكلمة غيرهما ، يخيل إلينا إنهما أمران موجودان خارج وعينا وجوداً عينياً ، هذا وقد أستبدت فكرة إطلاق الزمان والمكان وتأصلهما في الوجود بجميع الأذهان الباحثة على مر العصور ، وكانت مناط البحث العلمي حتى جاء العالم إلبرت أينشتين(1) . عندما سئُل هذا العالم الألماني الفذ فور وصوله ميناء نيويورك من قبل الصحفيين أن يفسر لهم النظرية النسبية بأبسط الكلمات قال :
" لقد كان الناس من قبل يعتقدون أنه لو أختفت جميع الأشياء المادية من العالم لبقي الزمان والمكان مع ذلك !! أما النظرية النسبية فإنها ترى أن الزمان والمكان يختفيان أيضاً كسائر الأشياء !! " لنتأمل كلام هذا الرجل العبقري بتجرد ونزاهة حتى نتكمن من الحصول على تعريف علمي لماهية الزمان والمكان .
2- تعريف الزمان / المكان
قد يخطر في بال أحدنا هذا السؤال الغريب ، بما أن الزمان والمكان مخلوقان .. أيهما بدأ خلقه أولاً ؟! إذا قلنا بدأ خلق الزمان لزم ذلك وجود مكاناً يتحرك ليدل عليه وإذا قلنا بدأ خلق المكان فلا بد أن يستغرق ذلك زمناً ، لنتخلص من هذه المعضلة يجب أن نقول أن المكان يقع بين زمانين ، زمن الخلق وهو الزمن الذي تنزل من الزمن المطلق الذي يشير إلى غيب الغيوب "الله خالق هذا الكون" والزمن المعاش "الحادث" وهو الزمن الإنساني الذي أحدثته حركة الأجرام السماوية والأرض التي نعيش فيها ، إجمالاً يمكن أن نقول أن هناك زمناً مطلقاً خارج وعي الإنسان وزمناً نسبياً ، هذا الزمن النسبي من عدة أنواع .
زمن الخلق : هذا الزمن الذي تستغرقه عملية الخلق على مبدأ كن فيكون ، قد يكون كلمح البصر "جزء من المليون من الثانية" أو من أيام الله التي لا تشبه أيامنا.
الزمن المعاش "الحادث" : الزمن الإنساني أو الزمن الذي نجم عن حركة الأرض والأجرام والكواكب والنجوم .
وللربط بين هذه الأزمنة المختلفة يمكننا إعتماد الزمن الضوئي .
الزمن الضوئي : هو المسافة التي يستغرقها الضوء عند إندفاعه بسرعته المهولة (186.000 ميل / ث)
3- تداخل الأزمنة :
إن العلاقة بين هذه الأزمنة المذكورة آنفاً علاقة متداخلة في إنسجام رائع ، يمكن تمثيلها بأربع دوائر متراكزة ، الدائرة الخارجية تشير للزمن المطلق الدائرة التي تليها تشير لزمن الخلق ثم دائرة المكان التي تحوي داخلها الزمن المعاش والزمن الضوئي ، لتقريب المعنى للأذهان لتداخل الزمن نضرب مثلاً معاصراً : تمثل السينما عالماً متخيلاً يشبه عالمنا ، عندما نجلس فيها نشاهد فلماً سينمائياً مدة عرضه ساعة ونصف أو ساعتين ، في هذه المدة قد نشاهد فلماً تاريخياً يعبر عن سنين طويلة أو فلم يعبر عن أيام بلياليها دون يحدث ذلك لبس في عقلنا وذلك لوجودنا خارج الزمان والمكان الذي يمثله الفلم السينمائي ويحدث هذا التداخل المنطقي لأزمان عدة دون أن يخل بهرمونية التفكير الإنساني ، فيقودنا ذلك إلى شيء مهم ألا وهو علاقة العقل بالزمن المعاش.
4- العقل الانساني والزمن المعاش :
إن تركيب العقل الإنساني من منظور معنوي ، ذاكرة/ ماضي وآنية / حاضر . وخيال / مستقبل جاءت لتتلاءم مع فكرة الزمن المعاش ، الذي جعل أيام الإنسان ثلاثة يوم مضى ويوم معاش ويوم قادم وتحولات عقل الإنسان بين الذكرى والخيال تولد التفكير ، كما توجد في الكائنات الحية بما فيها الإنسان ساعة طبيعية ((Biological Watch ، هذه الساعة تنقل للإنسان الإحساس بالزمن عبر منافذ الحواس العقلية المعروفة كالسمع والبصر . إذا تعطلت إحدى هذه الحواس بسبب ما ، كتعطل حاسة الإبصار بالنوم مثلاً ، يفقد الإنسان الإحساس بالزمن ، لا يعرف كم من الزمن نام ؟! . كما أن الحالة النفسية للإنسان هي التي تحدد له طول المدة الزمنية . مثلاً ، الذي يركب قطار في سفرة مملة إلى مدينة تبعد ثلاث ساعات قد يحس بوطأة الزمن وإنه يمضي بطيئاً ، لأن لحظات الإنتظار هي اللحظات المهدرة من الزمن الإنساني ، بينما الذي يجلس لحل اختبار في مادة الفيزياء الصعبة لنفس المدة يحس أن الزمن يمضي سريعاً ولن يسعفه ويشعر بحركة الزمن السريعة ، بل أن هذا المفهوم النسبي لتمدد وإنكماش الزمن قد ينطبق على حدث واحد بالنسبة لشخصين مختلفين ، مثلاً في مباراة كرة القدم ، الشخص الذي يؤازر الفريق المنتصر يتمنى أن ينتهي زمن المباراة سريعاً ويحس بأن الزمن يمضي بطيئاَ ، بينما الذي يؤازر الفريق المهزوم يتمنى أن يمضي الزمن بطيئاً حتى يتمكن من تغير النتيجة ولكنه يحس بأن الزمن يمضي سريعاً ولن يمكنه من تحقيق ذلك .
نلخص من ذلك أن الزمان حركة وأن مجرى الزمن مرتبط بتغير المواد الغروية لخلايا أجسامنا وعلى الخصوص خلايا الدماغ ، فإن أي نوع من الإختلاف يطرأ على شعورنا بالزمن المعاش "الحادث" ، في بعض الحالات بسبب النوم أو الحالات المرضية (الحمى ، التسمم) ، يقابلها تغيرات في توازن الغرويات للجهاز العصبي ويخضع تغير هذه الغرويات للمبدأ الثاني من مبادئ الدنميكا الحرارية "مبدأ اللارجعة"(2) ، فمحور الزمن له اتجاه واحد هو الإتجاه الأمامي ولا يرجع إلى الوراء أبداً ، ومبدأ اللارجعة هذا يسيطر على حركة التطور في الكائنات جميعاً ، تسود فيه فكرة الاحتمالات ، فالحالة الأكثر احتمالاً تعقب حالة أقل احتمالاً من غير أن ترجع إلى وراء ، هذا السبب الذي يحول دون نكوص المجاميع المعقدة بما فيها الإنسان وتقهقرها عبر الزمن . إن مجرى حياتنا وزمننا المعاش الذي لا يقهر هي حالة خاصة من حالات مبدأ من مبادئ فيزياء المجاميع المعقدة .
العقل الإنساني والآنية :-
تحدثنا في البند السابق عن علاقة العقل بالزمن وعرفنا أن الزمن حركة مستمرة إلى الأمام وأن العقل وفقاً لذلك يكاد ينقسم إلى ذاكرة / ماضي وخيال / مستقبل .. ألا توجد (لحظة آنية) آنية تخرج بالإنسان من الزمان والمكان ؟!
إن هذه اللحظة ممكنة للعقل المؤدب بأدب اللحظة الحاضرة للإنسان العميق المعرفة بالذات الإلهية ، ذلك الإنسان الذي لا يتحسر أبداً على الماضي أو يجزع لهواجس المستقبل في هذا العالم القلق ، هذا بالنسبة للإنسان العارف .
وقد تحدث أيضاً للإنسان الغافل وذلك بأن يشغل حواسه كالسمع والبصر بشيء لحظي مثل مباراة أو فلم سينمائي أو موسيقى أو جلوس مع شخص حبيب إلى القلب وذلك لأن الإنسان في داخله فراغين معنويين هما السر وسر السر قال تعالى وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى] (7 طه) ، هذا الفراغ هو الذي يجعل التفكير يتأرجح بين الماضي والمستقبل ، عندما يجلس الإنسان وحيداً في مكان يشوبه الصمت ، لا بد أن ينتقل فكره بين الماضي وأحزانه أو المستقبل وهواجسه وقد يسبب ذلك له التعاسة الشديدة لذا عليه أن يغتنم متعة اللحظة الحاضرة ويسلم أمره لله.
إن الإنسان منقسم على نفسه ، إنه جملة من المتناقضات ، عليه أن يوحد نفسه بكافة السبل حتى يحصل على السعادة المرجوة ، عليه أن يكون وحدة ذاتية في وحدة زمانية في وحدة مكانية ، إن الإنسان الحر هو الإنسان السعيد "الإنسان الذي يفكر كما يريد ويقول بما يفكر ويعمل بما يقول ثم لا يكون نتيجة فكره وقوله وعمله إلا براً بالأحياء والأشياء " (3) .
(1) البرت انشتين والنظرية النسبية – د . محمد عبد الرحمن مرحبا – دار القلم بيروت لبنان
(2) مبدأ كارنو ( نفس المصدر السابق )
(3) مفكر سوداني راحل
ابو تراجى
05-19-2009, 10:11 PM
الفصل السادس
الحقيقة والجمال
مقدمة : كان "وحيد" الجميل يمتلك مرآة ، هذه المرآة يعلوها الصدأ ، حتى أنه كان يرى فيها صورة مشوشة ومبهمة لنفسه ، صورة باهتة لا تدل أبداً على حقيقته ، أخذ وحيد يجلي هذه المرآة الصادئة ، ومع مرور الأيام أخذت في اللمعان ، فماذا رأي عندما نظر إليها ؟.. رأي نفسه ، كان جميل جداً ، ثم أمعن في جلي المرآة ونظافتها ، ماذا رأى هذه المرة؟! رأى الجمال فقط ، ذلك الجمال والسحر الذي يغلف الأشياء ، الجمالي الرباني .
هذه المرآة التي كان يمتلكها وحيد هي مرآة الكون التي في قلبه أما وحيد فهو الإنسان الذي كان الصدأ يغطي قلبه ، لذلك كان لا يرى حقيقة الجمال الإلهي الذي يغلف الأحياء والأشياء "كن جميلاً ترى الوجود جميلا" (1) .
إن الكون الذي نعيش فيه مظهره مادي ومخبره روحي وفطرة الإنسان الطيبة تبحث دائماً عن الحقيقة والجمال(2) وتستشفها في كل المحسوسات حوله ، لماذا قلنا الحقيقة أولاً والجمال ثانياً ؟ إن للمعاني غير المنظورة قيمة جمالية يمكن أن يرمز لها الإنسان بشيء محسوس ، مثلاً رمزنا إلى الحقيقة بالشمس وللجمال بالقمر ، فمنذ الأزل أضحت الشمس رمزاً للحقيقة والقمر رمزاً للجمال بما أن القمر يستمد ضوءه الفضي الساحر من الشمس ، كان لا بد أن يستمد الجمال سحره من الحقيقة ، لذلك نجد الجمال ليس قيمة مجردة بل تستمد عناصر من الحقيقة . إذاً ما هي الحقيقة ؟ لنرى ذلك من منظور أفلاطوني معاصر (الكهف الأفلاطوني) ونرجع لنضرب مثلا بالسينما ذلك الواقع السحري الذي يشبه حياتنا كثيراً ، عندما نجلس على مقعدنا في دار السينما نحملق في الشاشة البيضاء ، لحظات ثم تظلم القاعة وينبعث أمامنا عالم حقيقي يضج بالحركة والحياة ، لكن هل ما نشاهده موجود حقيقة أمامنا ؟ إنه في الحقيقة ليس أمامنا بل انعكاس لعالم خلفنا مجرد ظلال وأشباح فقط . فالحياة التي نعيشها بريق زائف يخدع الإنسان سرعان ما ينقضي ويستيقظ الإنسان من هذا الحلم الجميل .. ويواجه الحقيقة !!
ماذا عن الجمال ؟ إذا أردنا أن نعرف الجمال لا بد من تصنيفه إلى نوعين من الجمال : الجمال الحسي وهو الجمال الذي يحدث إختلاجات في الجسد أو بمعنى أدق في النفس وهذا جمال المخلوقات المحسوسة كلها ، هذا النوع من الجمال يزول بزوال المؤثر ، النوع الثاني الجمال المعنوي ، هذا الجمال الذي تجسده القيم غير المنظورة في المجتمع الإنساني (الأخلاق) ويسمى الجلال ويبقى تأثيره بعد زوال المؤثر ، فنحن دائماً نذكر المآثر الحميدة لأناس طواهم الموت منذ دهور .
إن تركيبة الإنسان من روح وجسد هي العلة الفاعلة فيه التي تجعله يشعر بقيمة الجمال بنوعية إن تركيبة الإنسان الغريبة من روح أزلية وجسد فاني تولد في نفسه الأحساسيس المتناقضة والمبهمة عن الجمال ، فالإنسان العادي يسعى لتحقيق السعادة المطلقة باستغلال جسده وإنهاكه في المتع الحسية وقد يسبب له ذلك آلاماً شديدةً لأن القيمة المحدودة للجسد لا يمكن أن تعطي سعادة مطلقة ، لذلك نرى بعض الناس في سعيه لهذه السعادة المرجوة يسحل روحه ويسحبها بعنف في أوحال الحياة ومباهجها الزائفة . كيف نحصل على السعادة المطلقة ؟! .. إن السعادة الحقيقية في الحب ، لأن الحب من خصائص الروح ، ينبع الحب في منطقة النفس ، هنا يجب علينا أن نعرف النفس ، إنها البرزخ الذي يربط بين الروح والجسد إذا رمزنا للروح والجسد بقطبي مغناطيس ، الجسد من أسفل والروح من أعلى ، النفس تحتل منطقة الوسط وتتدرج سبع درجات في سلم المعاني السامية ، وهي كالآتي من أسفل إلى أعلى (النفس الأمارة ، النفس اللوامة ، النفس الملهمة ، النفس المطمئنة ، النفس الراضية ، النفس المرضية ، النفس الكاملة) والنفس الكاملة الأخيرة كما لها نسبي يتفاوت فيه الناس ، إن الحب الذي ينشأ في منطقة النفس حباً جسدياً مرتبطاً بالجنس لغرض الزواج وإثمار الولد وذلك للمحافظة على النوع الإنساني ثم يسمو هذا الحب ويتدرج إلى حب المخلوقات ثم يرتفع في المراقي السامية إلى حب واجد الموجودات "الله جل جلاله" لذلك فالدعوة للسعادة هي دعوة إلى مزيد من الحب ، حتى يفيض الكأس ، وإقصاء الكراهية والحقد لأنها تسود حواشي القلب ، أيها الإنسان إن الكأس لا يتسع لمشروبين إملأ الكأس بخمر الحب وأنثره على الجميع ، دعك من الخمر المغشوشة التي يجسدها النفاق ، الذي هو آفة الآفات ، إن النفاق شجرة لا تثمر إلا الشوك ، فكن صادقاً مع نفسك ومع الآخرين فيستقيم الميزان وتنعم بالسعادة الحقيقية .
إن أول الحقائق التي يجب أن يعرفها الإنسان هي حقيقة نفسه ، الإنسان الذي يجهل حقيقة نفسه لا بد أن يجهل حقيقة الآخرين ، فيسيء معاملتهم وتتشوه مرآة قلبه . هناك أربع أنواع من مرايا القلوب ، البعض يملك مرآة مقعرة تعظم له الأشياء التافهة وهذا هو الشخص المنافق ، البعض يملك مرآة محدبة تصغر له الأشياء العظيمة وهذه مرآة المغرور والبعض يملك مرآة مهشمة تريه الأشياء مشوهة وهذه مرآة الجاهل ، والبعض الأخير يملك مرآة مستوية تريه الأشياء على حقيقتها وهذه مرآة الإنسان الواعي ، أيها الإنسان تأكد أي نوع من المرايا تملك وأبدأ معنا رحلة البحث عن الذات ، عن ذلك الفردوس المفقود "إن المسرح الحقيقي الوحيد هو ما كان مرآة للحياة ، حيث يجيء كل إنسان ليشاهد ويتأمل ، يتأمل عصره ، ويجعل من نفسه في ذات الوقت صورة عالمية للنوع البشري "(3) .
(1) إيليا أبو ماضي - شاعر لبناني
(2) حمزة محمد الحسن من ديوان . " rise of sunset"
(3) فرانسيس أمبير – أدب التمرد
ابو تراجى
05-19-2009, 10:13 PM
الفصل السابع
الدين والأخلاق
إن الأخلاق (Manner) معايير سلوكية يتمتع بها الإنسان ، الأخلاق النبيلة من صدق وأمانة وشجاعة وغيرها موروثات فطرية في الإنسان وهي من خصائص الروح وقد صدق صلى الله عليه وسلم عندما قال : "كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" … لذلك تعتبر الأخلاق من منظور معاصر هي الدين الطبيعي (Natural Riligion) الذي يعتنقه كل الناس وإن القيم الأخلاقية هي ما يجسده الفرد سلوكاً ومنهاجاً وليس ما يدعيه ، وفي الطرف النقيض للأخلاق نجد السلوكيات السيئة وهي الصفات السالبة والمضادة للصفات الحميدة وتنشأ في النفس وتكون مطمورة في اللاشعور ولا يمكن التنفيس عنها بسهولة أو إظهارها ، لذلك تتشرب في الأحلام كمتنفس طبيعي أو تتسامي ، وتظهر في شكل أعمال ابداعية وفنون مختلفة أو تظهر كما هي وتعتبر نقص في حق صاحبها حتى يدعها ، إن الأخلاق يمكن اعتبارها مقادير فيزيائية (Physical quantities) لها كم ولها اتجاه وقابلة للانتقال من شخص إلى آخر (Vector Quantity) ، رغم صعوبة قياسها وعدم توافر أجهزة لذلك ولكنها يمكن أن تقاس من ناحية إحصائية (Statistical Measurement) بحيث يمكن دراسة المجتمعات ومدى انسجامها مع الأخلاق ، ليس هناك تباين شديد بين الأخلاق (Manner) والأخلاقيات (Ethics) ، إن الأخلاق تتحول إلى أخلاقيات عندما ننتقل من دراسة الفرد (علم النفس) إلى دراسة المجتمع الذي يعيش فيه هذا الفرد (علم الإجتماع) ويعني ذلك أن الأخلاق تتحول إلى أخلاقيات عندما ندرسها من ناحية كمية (Quantitative) وتعود ترجع نوعية (Qualititive) في الاتجاه المعاكس عند دراسة الفرد .
لنرى مسيرة الأخلاق عبر الفلسفات القديمة "العصر الذهبي للفلسفة اليونانية" (1) فلسفة سقراط وأفلاطون وأرسطو حتى نزول الأديان السماوية الثلاثة .. اليهودية والمسيحية والإسلام .
– كانت نظرة سقراط (469 – 399 ق . م) للأخلاق نظرة يشوبها التجرد والمثالية فقد كان يعتبر ماهية الإنسان هي أنه مع ما يؤكد كائن عاقل ، لأنه إنسان بعقله لا بحواسه وجسده وفضلية الإنسان إذاً أن يفعل ما يتفق أنه عاقلاً إذا عرف الإنسان نفسه أدرك أنه خيّر بطبيعته ، فينبغي أن يكون فعله خير دائماً ، وعلى هذا المنوال اعتبر سقراط الفضيلة علم والرذيلة جهل يرتكبه الإنسان لأنه لا يعرف أنها رذيلة ، فإذا قيل لسقراط : إن المرء قد يعرف الرذيلة ومع ذلك يمارسها وقد يعرف الفضيلة ويتجاهلها فإن سقراط يرد قائلاً : إن المعرفة في هذه الحالة تكون ناقصة ، الحقيقة أن سقراط كان يحسب الناس يستطيعون أن يعيشوا مثله وفقاً لعقولهم مثلما عاش هو زاهداً متقشفاً جاعلاً حياته تطبيقاً عملياً لفلسفته التي عاش ومات من أجلها .
جاء بعده تلميذه أفلاطون (427 – 347 ق . م) وقسم النفس الإنسانية إلى ثلاث قوى هي قوة عقلية وقوة غضبية وقوة شهوية ولا ريب أن كلاً منها يعمل بوحي طبيعتها ، لهذا كان لا بد أن تتعارض أفعالها فتؤدي إلى ضرر الإنسان في العالم الآخر وعلى هذا فالفضيلة هي قارب النجاة لنا في حياتنا الأخرى ، لأن النفس لا تصحب معها شيئاً عند وصولها إلى العالم الاعلى إلا أفكارها وأعمالها ومن هنا يجب أن نبحث عن الفضيلة ، فنجد لكل قوة من تلك القوى فضيلتها التي تعني استخدام هذه القوة في مصلحة الإنسان لا ضرره ففضيلة القوة العقلية هي الحكمة ، وفضيلة القوة الغضبية هي الشجاعة وفضيلة القوة الشهوية هي العفة ولكن إذا تسلطت أحدى الفضائل على الأخريين اختل التوازن في شخصية الإنسان وأصبح سلوكه يتميز في الغلو من الناحية المتسلطة والتقصير من الناحيتين الأخريين ، فإذا تسلطت عليه الشجاعة صار ضعيف العقل بارد الشعور وإذا تسلطت عليه العفة صار زاهداً محروماً من طيبات الحياة . الخير كل الخير أن تتوازن هذه الفضائل الثلاث ، بحيث تعمل كلها في تناسق وانسجام فينجم عن ذلك فضيلة يسميها أفلاطون العدالة وهي ليست فضيلة رابعة ، بل حالة اتزان بين تلك القوى الثلاث وما دامت الحياة الجسدية هي شبح لعالم المثل وهي ظلال زائلة ليست حقيقية في ذاتها فليس من الحق أن يتمسك الإنسان بعالم الحس فيقبل على ملذاته وشهواته وينسى عالم المثل الذي هو عالم البقاء والخلود … كما نرى أن افلاطون تأثر بأستاذه سقراط في النزعة المثالية والرؤية الشفافة للحياة .
ثم جاء أرسطو (384 – 322 ق. م) بنزعة واقعية بخلاف أستاذة أفلاطون ؛ قال أرسطو إن الناس يطلبون الخير والخير عندهم السعادة ولكنهم يختلفون في فهم السعادة ، لذلك يطلقون السعادة على ثلاث أنواع مختلفة ، السعادة الحسية وهي سعادة اللذة الجسدية ، لذة الطعام والشراب والجنس وهي لذة يشترك فيها الإنسان والحيوان وهي سعادة وقتية ولو طلبت لذاتها لأدى ذلك الإسراف فيها ، ثم إلى فقد الاحساس باللذة ثم تنتهي إلى الألم والمرض ، فتحققها ليس من السعادة بشيء ، أما الثانية فهي السعادة السياسية مطلوبة من الكثير من الناس ، ولكنهم ما يلبثوا أن يشعروا بالتعاسة عندما يفقدوا مراكزهم ، ويعرفوا أن الناس كانوا يعظمونهم لأجل الوظائف التي يمثلونها وليس لأشخاصهم ، كأن هذه السعادة وقتية وهي متوقفة على الناس يمنحونها ويسلبونها وفقاً للمركز الشخصي لا للقيمة الذاتية ، إذاً هي ليس خير في حد ذاتها وليس دائمة فقد يعقبها الإهمال والتحقير . السعادة الثالثة هي السعادة العقلية فهي التي ترمي إلى تحقيق الفضيلة باعتبار أنها العمل بمقتضى الحكمة ، والحكمة ملكة عقلية تكتسب بالتمرين والتعود على طلب الحق والخير الصحيح وفضائل الحكمة عملية ونظرية ، وتبين لنا الحكمة العملية أن الفضيلة قوة تكتسبها عن طريق ممارسة أعمال تتوفر فيها الإرادة الحرة والمعرفة والنزوع إلى الخير ، فالعمل الذي يأتيه الفرد مرغماً أو لا يعرف نتائجه أو يأتيه صدفة دون أن يقصد منه تحقيق الخير فعلاً ليس عملاً فاضلاً ، وما دمنا مقيدين بطبيعتنا الجسدية والاجتماعية بحيث نحقق لأنفسنا السعادة بشروطها الثلاثة وهي أن تطلب لذاتها وأن تكون دائمة وأن لا تؤدي إلى ضرر ، والبحث عن الفضيلة في ظروفنا الواقعية يبين أن في أعمالنا نوعين من الرذائل يتصف نوع منها بالمغالاة ويتصف النوع الآخر بالتقصير مثل التهور والجبن ، وإذا بحثنا عن الفضائل نجد أنها تقع في الوسط ما بين المغالاة "الإفراط" والتقصير "التفريط" مثل الشجاعة وسط بين رذيلتين هما التهور والجبن ، والكرم وسط بين الإسراف والبخل والعدل وسط بين المحاباة والظلم ، وتحكم العقل والإرادة في تعيين الفضيلة يتم عن طريقهما الممارسة الواقعية للفضيلة ، فإذا عود الإنسان نفسه أن يتلمس الفضيلة دائماً ويقوم بها فإنها تصبح طبيعة فيه يتجه إليها من دون تردد وبذلك تتحقق له السعادة الواقعية التي تتفق مع ظروفه ، تحقق الدولة بحكم وظيفتها سعادة عن طريق : إنصاف الفقراء من الأغنياء والضعفاء من الأقوياء والمظلومين من الظالمين ، أما فضائل الحكمة النظرية "العقلية" فهي الفهم والعلم والحكمة والفن وهي فضائل تحقق السعادة الحقيقة لأنها دائمة وثابتة وخيرة ولا يعقبها ألم لأنها فضائل الإله ، إذ ليس هو كالإنسان مركب من مادة وصورة ونفس وإنما هو روح أو عقل خالص في ذاته … هذه هي الأخلاق في عصور الفلسفة الذهبية في الحضارة اليونانية القديمة..
ابو تراجى
05-19-2009, 10:14 PM
نحن لا ننكر أيضاً دور الأديان الوضعية في الحضارات القديمة في بلاد الشرق مثل الصين والهند وبلاد فارس وبابل والحضارة الفرعونية ، كانت هناك قيم سائدة وكان هناك فلاسفة أمثال كنفوشيوس في الصين وزاردشت في بلاد الفرس وبوذا في بلاد الهند وغيرهم من الفلاسفة والحكماء .
ثم نزلت الأديان السماوية الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلام وانتقل الإنسان إلى مستوى رفيع من الأخلاق المرتبطة بالغيب ، ويحده منهج تعبدي محدد .. الأديان السماوية مركزها الفرد وحدودها العالم .. فعندما نزلت الديانة اليهودية بمنهجها المعروف السن بالسن والعين بالعين كانت تتلاءم مع الحالة النفسية للإنسان اليهودي آنذاك ، الإنسان الذي لا يتنازل عن حقه أبداً (2) وظلت هذه المفاهيم الغليظة سائدة في تلك الفترة من قبل ميلاد المسيح ، لقد تشوهت فطرة اليهود نتيجة لحرصهم الشديد على المادة وعرض الحياة الدنيا واختل الانسجام بين رسالة الدين السماوي وبين الدين الطبيعي وانحطت بذلك الأخلاق من قممها الروحية إلى درك المادية وتوجهت لإشباع رغائب الجسد الفاني ، ثم جاءت الديانة المسيحية للتسامح غير المحدود والذي هو من أبرز سمات الديانة المسيحية لتنقل الإنسان إلى الطرف الأقصى والنقيض لليهودية ، دعت المسيحية للتسامح غير المحدود والذي هو من أبرز سمات الديانة المسيحية ، قال المسيح عليه السلام "ومن ضربك على خدك الأيسر فأدر له خدك الأيمن" كان لا بد أن تأتي الديانة المسيحية على هذا المنوال طبقاً للقاعدة الفيزيائية لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ومضاد له في الإتجاه وبذلك اختل الوسط المعنوي بين الديانتين ومع ذلك فقد أضافت المسيحية نزعة التطهير وحاجة الإنسان الماسة للغفران فكان الإعتراف بالذنوب لشخص وسيط يجعل الإنسان يحس بالسلام الداخلي العميق ، وهذا شيء افتقدته الديانة اليهودية والتي قادت الناس إلى طريق مسدود وجعلتهم يعانون دائماً من الإحباط ومركبات الذنب التي تجعلهم في آخر أعمارهم يشعروا بالندم والحسرة على ما فعلوه في الماضي وذلك لأن حياة الآثام حياة الألم (Sinfull Life is apainfull Life) ، بما أن المسيحية منسجمة كثيراً مع النفس الطيبة إلا أنه من سلبيات الإعتراف لشخص ما هو إحساس الإنسان بأنه يتعرى من الداخل أمام إنسان آخر وهذا في حد ذاته كاف لأن يشعر الإنسان بالتعاسة وينغلق على نفسه مع ذنوبه المؤلمة .
مسك الختام كانت رسالة الإسلام العالمية الخالدة بمنهجها العلمي الجبار الذي يطابق بين الدين السماوي والدين الفطري ويضع الإنسان في مواجهة مع نفسه ، إن الإسلام يتيح للإنسان ثلاث مستويات من الأخلاق ، السن بالسن أولاً ، التسامح ثانياً بالإضافة إلى القيمة الاسلامية الإصلاح والنصح للمسيء قال تعالى وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين] 40) الشورى)
وقد ربط الرسول صلى الله عليه وسلم تماماً بين الدين والأخلاق "الدين المعاملة" حيث تمثل الأخلاق الصورة والدين الجوهر .. وقوة الإسلام أيضاً أن الأخلاق الحقيقية ليس إطاراً زائفاً من تعاطي الطقوس العبادية والتي تمثل التزامات العبد للرب ، بل هي انعكاسات تلك العبادات في السلوك الفردي قال تعالى ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتب والنبيين وآتي المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون] 177) البقرة).
تميز الإسلام أيضاً بأسلوب متفرد في التطهير مبني على أسس علمية ، إن الإنسان يرتكب نوعين من الذنوب ، أولاً أخطاء في حق نفسه وهذه نواقص إنسانية ينحصر علمها بين العبد والرب ويتم التكفير عنها وتجاوزها بالإستغفار إلى الحي القيوم دون واسطة وهذا الإستغفار يجعل الإنسان يحس بالرضا ، كما أن قاعدة التوبة تجب ما قبلها تجعل الإنسان في حالة ميلاد دائم وجديد كل يوم تشرق فيه الشمس ، النوع الثاني من الأخطاء هي التي يرتكبها الإنسان في حق الآخرين وهذه أعمق أثراً وأكثر ضرراً وقد تستوجب العقوبة والقصاص وتضع الإنسان تحت طائلة القانون ، وقد حفظ الإسلام كرامة الإنسان حتى حين ارتكابه الجريمة ، إذ لا يجوز لأحد أن يعيره بما فعل ، وغاية الإسلام هي إعادة تأهيل الإنسان المنحرف وليس سحقه وتدميره قال تعالى وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون الكتاب مما ملكت إيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ] 33) النور) .
كما نجد أن عبادة الحج بمثابة التطهير الأكبر والكامل للإنسان وفرصة ليولد من جديد .
إجمالاً نجد أن الأخلاق هي السلوك الفردي بينما الأخلاقيات هي مجموعة ممارسات إجتماعية قد لا تكون شريفة بالمنظور العالمي للأخلاق وهي تعتبر ظواهر يختص بها علم الظواهر (Phenomenology) والأخلاقيات قد تخضع للقياس فنجد في مجتمعاتنا العربية التي تعرضت لنوعين من الإستعمار ، الاستعمار الغربي بريطاني وفرنسي تأثرت كثيراً بالقيم السائدة عند تلك الشعوب من حيث النظام واحترام القانون والدقة في العمل بينما التي تعرضت للاستعمار التركي الرجعي يتفشى فيها الكذب والرشوة والفساد ، نتيجة لإكتساب أخلاقيات المستعمر التركي ، إن الأخلاقيات تنتقل بالتأثير وتبقى حتى بعد زوال المؤثر على المدى البعيد وهذا يفسر ظاهرة التباين في المجتمعات العربية ، ويجب أن نضيف أيضاً الدور الكبير الذي يلعبه الإقتصاد في التأثير على أخلاق الفرد من ناحية وأخلاقيات المجتمع من ناحية أخرى والعلاقة بين الأخلاق والإقتصاد علاقة جدلية كل منهما يؤثر في الآخر . إذا أخذنا تعاليم الدين الإسلامي كمقياس (Para meter) ونزلنا لنطبقها على أرض الواقع سنصاب بالدهشة والإحباط من عدم تطابق الصورة مع الإطار رغم الكموم الهائلة من ما يعرف برجال الدين (3) (Preacher man) في مجتمعاتنا .
ختاماً نجد أننا أوردنا الكثير في مفهوم الأخلاق والتي هي الدين الطبيعي الذي يعتنقه كل إنسان وإن الإنسان الأخلاقي هو الإنسان الفاضل الذي يسمو بقيمه ويجعل من أخلاقه نموذجاَ حياَ للإنسان وأن الأخلاق الفاضلة تنتقل بالتأثير وقد خلدت المفكرين والأدباء أعمالهم وأخلاقهم السامية .
(1) موجز تاريخ الفلسفة – يوسف كرم .
(2) رواية تاجر البندقية – لوليم شكسبير .
(3) مصطلح موروث من الدين المسيحي
ابو تراجى
05-19-2009, 10:15 PM
الفصل الثامن
الفن والعلوم
الله ، الحي ، العالم ، المريد ، القادر ، السميع ، البصير ، المتكلم … خلق الإنسان جعله حي ، عالم ، مريد ، قادر ، سميع ، بصير ، متكلم .. إلا أن صفات الإنسان عند طرف النقص وصفات الله في مطلق الكمال .
إن الجمال الحسي والمعنوي متعة المتأملين ، لهذا الجمال انعكاسات فطرية داخل الإنسان ، جعلته يقلد الخالق في عملية الخلق والابداع (Creatives) ، فكانت الفنون بأنواعها المختلفة ، بدأت في شكل رسومات لحيوانات على جدران الكهوف أو تماثيل منحوتة من الصخر ، تطورت هذه الفنون وتشعبت عبر التاريخ ، إن عملية الإبداع هي خروج الفكرة إلى حيز الوجود ، لا بد لذلك الإبداع الفني من أدوات أهمها الطاقة التي تكمن في الإنسان وتمده بالحياة ، الإرادة الحرة ، الحواس المرهفة القادرة على إبراز العمل في أبهى صوره ، والقرآن قد تناول الحس الجمالي (Sense of Beauty) في العديد في الآيات منها قال تعالى والانعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون (5) ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون (6)] (سورة النحل) .. في آيات أخرى قال تعالى والنخل باسقات لها طلع نضيد] (10 ق) .
كما تناول عملية الإبداع الفني أيضاً في الآية قال تعالى يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات أعملوا آل داود شكراً وقليل من عبادي شكور] (13 سبأ) .
يولد الإنسان وهو مزود بنوعين من الطاقة ، طاقة لطيفة (Soft Energy) وهي الطاقة الفكرية ، طاقة كثيفة (Tough Energy) هي الطاقة الجنسية .
قال العالم الإنجليزي تشارلز داروين .. (إن الدم والغذاء يذهبان إلى الأعضاء الأكثر استعمالاً) لذا تتباين أشكال الناس وأحجامهم ، ووفقاً لهاتين الطاقتين ينقسم الناس إلى ثلاث أنواع .. إنسان عقلاني وهو الذي اكتمل عقله قبل جسده في طور التخلق الجنيني (Gasterulation) ويمتاز شكلاً بالنحافة وبروز العظام وذلك لذهاب جل الغذاء إلى الدماغ ويكون بذلك متفوقاً في الجوانب الفكرية والفلسفية ، النوع الثاني الإنسان العضلي وهذا الذي نشأ عقله وجسده في نفس الوقت في طور التكوين الجنيني أصحاب هذا النوع من الجسد ، الناس العاديين ، بارزين العضلات أجسادهم جميلة ومتناسقة ، هم من المهنيين ، متفوقين في الرياضة بكافة أنواعها وذلك للتركيب القوي للجسد .. النوع الثالث الإنسان الحشوي وهذا من تكون جسده قبل عقله في طور التخلق الجنيني ، لذلك يكون جسده مكتنز وملامحه طفولية وهذا في الغالب يكون من أرباب المال والتجارة والسعادة الحسية حيث تطغى عليه الطاقة الكثيفة (Tough Energy) ، وهذا التقسيم عام ليس قاعدة حيث يتباين الناس في المزاج والشكل طبقاً للأمراض والظروف النفسية والبيئية للشخص ، كما أن كل شخص له خصائصه وقدراته الخاصة بما في ذلك الحس الجمالي الذي يقود الإنسان إلى الإبداع بكافة أنواعه التي سنفصلها لاحقاً .
نعود إلى المخ ونغوص في أعماقه وصفاته التشريحية ، الإنسان يمتلك في المخ منطقة تسمى الوجدان (Sentiment) وهي جزء من اللاشعور (Unconsious) . معروف تشريحياً أن الأعصاب التي تخرج من الجهاز العصبي للإنسان نوعين ، واحد وثلاثون زوج تخرج من النخاع الشوكي (Spinal Nerves) وهي مسؤولة عن عمل الأجهزة بصفة عامة والنوع الآخر أثنى عشر زوج من الأعصاب الدماغية (Cranial Nerves) وهذه الأعصاب تلعب دوراً كبيراً في تجسيد الانفعالات لانتشارها في الوجه وتتصل بأجهزة حساسة مثل القلب لذلك يتولد في الإنسان شعور خاطئ بأن القلب مركز العواطف ، وهذه الأعصاب تضرب بجذورها في منطقة الوجدان في اللاشعور ويتولد بذلك عبرها الانفعالات العميقة مثل الفرح والحزن .. الحب والكراهية . وكل الدوافع اللاشعورية الأخرى ، نعود للموضوع الذي يتعلق بالطاقة في الإنسان "إن الطاقة المادة لا تفنى ولا تستحدث من العدم بل تتحول من صورة إلى أخرى " (1) وهذا ما يحدث للطاقة الجنسية ، هذه الطاقة الجبارة تستطيع أن تتسامى بإرادة الإنسان (Sublimation) ولاتصالها باللاشعور تتحول إلى أعمال فنية وإبداعية مع وجود الذاكرة (Memory) والإلهام (Inspiration) كعامل مساعد (Catalist) لا بد للإنسان حتى يكون مبدعاً خلاقاً (Creative) في أي مجال من مجالات الفنون المختلفة أن يتمتع بذاكرة معدنية / قوية وخيال جامح ، الذين يشكلان أحلام اليقظة التي هي المنابع المثيرة للعملية الإبداعية .
لنسأل أنفسنا ما هو الفن ؟ "الفن هو التعبير عن ملكة التعبير في الإنسان ، كل إنسان قادر أن يعبر عن هذه الملكة في صور الفن المختلفة من الأدب كالقصة والشعر والنثر" ، فنون جميلة "كالرسم والنحت والتلوين" ، فنون تعبيرية "كالموسيقى والغناء والرقص والتمثيل" . هذه الأشكال في الفن رغم اختلافها ظاهرياً إلا أنها ذات جوهر واحد هو التعبير عن الحس الجمالي (Sense of Beauty) في الإنسان.
السينما أم الفنون كلها ، تستوعب كل هذه الفنون مجتمعة ، فيها الإنسان يصنع عالم ، يتحكم فيه ويدير أحداثه "السناريو" يصنع مناظره "الديكور" .. يضيف له الموسيقى التصويرية وغيرها من العوالم السحرية "المؤثرات" لذلك تعتبر السينما فن متكامل لإشباع كل حاجات الإبداعية وهي من أعظم إنجازات القرن العشرين .
لعبت الفنون دوراً بارزاً في خدمة العلم عبر العصور ، فإذا كان الإبداع محاولة للتحرر من قيود الزمان والمكان ، نلاحظ أن المخترعات التي هي صور الإبداع العلمي كانت مستوحاه من إلهامات الفنانين . العين السحرية في أساطير ألف ليلة وليلة ، أصبحت التلفزيون ، وبساط الريح أصبح الطائرة والرياح التي تحمل الكلام في روائع شكسبير أضحت الموجات الكهرومغناطيسية وإن الدور الذي تقوم به السينما اليوم من أفلام الخيال العلمي (Science fiction) ، سيكون غداً واقع ملموس بين أيدي العلماء ، ليس هناك إختلاف جذري بين الإبداع العلمي والإلهام إذ أن الإلهام يشبه الإبداع في أنه أحد مظاهر التخيل وإن الفرد يتوصل فيه فجأة إلى اكتشاف شيء جديد ، إلا أن الإلهام أقرب إلى الأدب والفن ويغلب عليه الطابع الوجداني(Sentimental) فيما الإبداع أقرب للعلم التجريبي ويغلب عليه الطابع العقلي (Mental) .
إن الشعوب الأصيلة هي التي تستلهم من فنونها وآدابها وتراثها إضاءات للتقدم والتحديث (Modrenization) كما تفعل اليابان ، وليس الشعوب التي تحيل تراثها إلى مسخ مشوَّه تقليداً للغرب (Westarnization) كما تفعل أمتنا العربية المستلبة ويصبح المعيار الحقيقي للشعوب هو ما تقدمه تلك الشعوب من فنون وآداب كنماذج حية لروح الإبداع الإنساني المستمر عبر العصور .
(1) قانون بقاء المادة
ابو تراجى
05-19-2009, 10:15 PM
الفصل التاسع
طائر السعادة والمدينة الفاضلة
إن العقل الإنساني هو الأقوى في عالم الخلق ، إنه النعمة التي تميز بها الإنسان ، هذا العقل جعل الإنسان يبدع في كافة المجالات ، وقد عرف الإنسان على مر العصور الكثير من القيم الفاضلة التي تساير فطرة الإنسان ومع تطور الحياة والعلم حتى يومنا هذا ونحن على أعتاب الولوج إلى بوابة القرن الحادي والعشرين ، هناك قيمتان ساميتان سعت لهما الإنسانية وبذلت من أجلهما كثير من الدماء والدموع ، إن الإنسان في سعيه الجاد نحو الكمال والمثالية بذل الغالي والرخيص ، كما كانت هناك إضاءات على مر العصور حول هاتين القيمتين ، ألا وهما الحرية "الديمقراطية" ولنعطيها تعريف جديد التوزيع العادل للسلطة ، والقيمة الأخرى المساواة "الاشتراكية" ونعطيها تعريف جديد التوزيع العادل للثروة .
إن العقل هو الحرية لذلك يكون الإنسان سعيداً على قدر ما يتوفر له من حرية ، ونحن في عالمنا اليوم نجد أن كثير من الدول قد سنت العديد من القوانين التي تحترم حرية الإنسان كما أصبح للحرية تصنيفات عديدة ولها تفسيرات عديدة وذلك في مجال إختصاص فلاسفة القانون .. إن الحرية أشبه بامرأة جميلة تغنى في حبها المبدعون وضحى من أجلها المفكرون ، لأنه لا حياة من غير حرية وبما أنه "ليس هناك إنسان من الجدة والورع بحيث يؤتمن على حرية الآخرين" (1) . جاءت الديمقراطية بمفهومها الغربي "الحكم بالتمثيل النيابي" لتكون الأمثل وهذا شيء الذي جعلها تستمر حتى الآن في دول أوروبا الغربية وكثير من دول العالم التي نقلت النموذج إلى بلادها ولا زالت تتعثر في طريق الحرية غير الممهد ، هذا من أمر الديمقراطية .. ماذا جرى للإشتراكية ؟!
إن الإنسان على قدر ما فيه من عقل إلا أنه ظل يعاني الكثير من الموروثات الحيوانية بحكم ما يملكه من رغبات جسدية في حاجة إلى إشباع ، إن أبشع صفة تكمن في الإنسان كمون النار في الحطب هي غريزة التملك (الأنانية) وهذه الغريزة ناجمة من حبه للحياة وخوفه من الفناء قال تعالى إن الإنسان خلق هلوعا (19) إذ مسه الشر جزوعا (20) وإذا مسه الخير منوعا (21)] (سورة المعارج)
حب الإنسان للتملك وحرصه على استحواذ الأشياء هو الذي يجعله لا يتنازل أبداً بسهولة لذلك فشلت الإشتراكية العلمية وتعثرت وانهار ما يسمى بالمعسكر الإشتراكي السابق ، إن الاشتراكية كقيمة موجودة أصلاً منذ الأزل ولكن الإنسان الإشتراكي وجوده صعب إن لم يكن مستحيل ، إن الإنسان في حاجة إلى تربية حقيقية حتى يتشرب بقيمة التنازل والإيثار ، فالإنسان يستطيع أن يتنازل عن السلطة ولكنه لا يستطيع أن يتنازل عن المال ، لنضرب مثلا قريبا ، عندما ظهر الإسلام في القرن السابع سبب ذلك انزعاج لمراكز القوى آنذاك "المشركين" فبذلوا كل الحيل لوأده في مهده ومن ضمن جهودهم ذهبوا إلى عم الرسول صلى الله عليه وسلم أبو طالب وقالوا له : "إنهم سيجعلون الرسول ملكاً عليهم ، إذا أراد ذلك" هذا يعكس جانب السلطة وأن الإنسان قد يتنازل عنها ، لنرى الجانب الآخر ، جانب المال ، بما أن الإسلام منهج علمي ومتكامل يدعو إلى القيم السامية ، عندما أخبرهم الرسول عن التنازل بالقليل من أموالهم "الزكاة" للفقراء ، ماذا كان رد المشركين ، ردهم تضمنته الآية الكريمة قال تعالى وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا الذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين] (47 يس) .
هذا هو الإنسان ونزعته المادية التي جاءت كل الأديان والفلسفات لمحاربتها ، إن المال هو عصب الحياة ، أحياناً يكون خادم مطيع وأحياناً سيد رديء ، الإقتصاد هو العمود الفقري للمجتمع ، والشخص الذي يهمل جانب تأثير الأقتصاد في حياة الناس هو كذاب أشر ، مهما كان حجم الشعارات التي يرفعها قال تعالى [ ارأيت الذي يكذب بالدين (1) فذلك الذي يدع اليتيم (2) ولا يحض على طعام المسكين (3)] (سورة الماعون) ، هذه الآيات الكريمات تضع بصمات واضحة على تأثير الاقتصاد في المجتمع ، رغم محاولة البعض الالتفاف حوله وتهميشه كعلة فاعلة ومؤثرة .
في عالم اليوم يعزى نجاح الأنظمة الغريبة للديمقراطية وليس لنظامها الرأسمالي لأن الرأسمالية تتماشى مع نزعة التملك في الإنسان ومن أسوأ إفرازات الرأسمالية الفقر والجريمة وتخريب البيئة ، لأن النظام الرأسمالي يسعى خلف الربح فقط . وأن فشل المنظومة الاشتراكية يعزى لغياب الديمقراطية وعدم وجود تربية اشتراكية من الأساس ونحن إذا احتجنا إلى معمل حقيقي لدراسة هاتين القيمتين الديمقراطية والاشتراكية فلننظر إلى الصين كنموذج للمجتمع الاشتراكي واليابان كنموذج للمجتمع الرأسمالي .
نجد أن قيمة الاشتراكية في الصين وقيمة الديمقراطية في اليابان وجدتا أرضية صلبة من التربية الروحية العميقة لهذه الشعوب ، حيث يعتنق معظمها الديانة البوذية والكنفوشية وهي أقرب للتصوف الإسلامي وبها منهج تربوي جبار يجعل الإنسان دائماً ميال للزهد ومحاسبة النفس ولنأخذ عينة صغير من تعاليم كنفوشيوس كمثال "ضع الألفاظ موضعها ، فحين لا تضع الألفاظ موضعها تضطرب الأذهان وتفسد المعاملات ، حين تفسد المعاملات لا تدرس الموسيقى وتؤدى الشعائر الدينية وحين لا تدرس الموسيقى وتؤدى الشعائر الدينية تفسد النسبة بين العقوبة والأثم ولا يدري الإنسان على أي قدميه يرقص ولا ماذا يعمل بأصابعة العشر" (2) … هكذا يظهر الأثر الواضح للتربية في نجاح أفكار وبرنامج هاتين الدولتين .
إن التربية الديمقراطية الاشتراكية هي التي تخلق مجتمع فاضل والتربية ترتكز على أسس علمية ، أن يتوفر في القيادة القدوة والمثل الأعلى ، لأن الإنسان يقتدي دائماً بالمثل العليا ويتأثر بها ، وأن هناك قاعدة فيزيائية تنطبق على الإنسان أيضاً "الشحن بالتأثير يبقى بعد زوال المؤثر والشحن بالإحتكاك يزول بزوال المؤثر" ، أن يتوفر برنامج علمي خالي من الهوى والغرض مع وجود أجهزة إعلامية قادرة على توصيل هذا البرنامج إلى كل فرد بأبسط لغة ممكنة وأخيراً وجود مجتمع واعي بهذا البرنامج بحيث يحس كل فرد فيه أنه ترس صغيرة في منظومة كبيرة وإن التقاعس يخل بكل النظام وتنهار المعادلة فيدفع الثمن بنفسه أولاً قبل غيره ، للأسف نجد أن هناك بعض الدول تسن القوانين التعسفية التي تنصب في رأس المواطن المسكين ، فتقتل فيه روح الإبداع ، ناسية بذلك دور التربية الفعال ، التربية أولاً هي التي تؤسس مجتمع متحضر ثم يأتي القانون لاحقاً ليسد الثغرات التي تخلفها التربية .. مثلاً الفقر ظاهرة إجتماعية بشعة تدفع الإنسان لإرتكاب الجريمة ، نحن يجب أن لا نعاقب فقير محتاج إذا سرق قبل أن نعالج أسباب الفقر نفسها ، لنأخذ نموذج من السويد لمعالجة الظواهر القبيحة في المجتمع . كيف تحارب السويد ظاهرة تعاطي المخدرات ؟ قامت الدولة بعلاج كل المدمنين وسنت القوانين بجعل كل متعاطي مخدرات يفقد كثير من الإمتيازات التي توفرها له الدولة ، بمعنى أن يفقد الكثير من الرفاهية ، وبذلك ردد المسؤلون السويديون "أننا لن نطارد مروجي المخدرات ، ولكن إذا أتوا ليبيعوها عندنا لن يجدوا من يشتريها" .
في النظام العالمي الجديد الآن نجد الكثير من الدول الأوربية تقترب من المدينة الفاضلة "الديمقراطية والاشتراكية" بخطى حثيثة ، إن الاشتراكية الأوربية اعتمدت خطوات إنسانية وأعتبرت أن الأساليب الديمقراطية الدستورية كفيلة بتقدم المجتمع وتطوره ، القيم الإخلاقية أساس مهم لعلاج الظلم والاستغلال في المجتمع ، تحقيق العدالة والمساواة تدريجياً ، تحديد ملكية الدولة وسيطرتها على الانتاج الكبير ووسائل الانتاج الرئيسة ، وجود المنظمات الخيرية الطوعية (N . G . Os) بكثافة مع تمتعها بحرية الحركة جعلها تساهم في رفع الحد الأدنى وتضمد جراح الطبقات المسحوقة وتضع الناس فوق خط الفقر .
في مشوار البحث عن السعادة "كل مفكر لديه إيمان راسخ بأنه ثمة فردوساً مفقوداً" (3) إن طائر السعادة لا يستطيع أن يحلق بجناح واحد "الديمقراطية" إلا أن يتحرر جناحاه القويان "الديمقراطية والإشتراكية" فينطلق عالياً إلى الذرى والقمم الشاهقة .. إلى المدينة الفاضلة ، مدينة الإنسان التي تقبع عند نهاية التاريخ .
* * * * *
اللهم منك السلام وإليك السلام ، فأحيينا في سلام وأمتنا في سلام
وادخلنا دارك دار السلام ، تباركت ربنا وتعاليت يا ذو الجلال والإكرام .
(1) محمود محمد طه مفكر سوداني راحل .
(2) كونفوشيوس مفكر صيني- القدس العربي .
(3) جان جرنية مفكر فرنسي – أدب التمرد . الهيئة العامة للكتاب – مصر
الاخ
ابوتراجى أهنئك على هذه الفكرة الرائعة (المكتبة الالكترونية) نعم سوف نتعلم جميعاً من هذه المقالات الثقافية وانا شخصياً عندما إطلعت عليها وجدت نفسى ضعيف جداً من الناحية الفلسفية ولذلك يجب على الاطلاع أكثر وأكثر لافهم بعض السطور وبعدها أرجعليك وارد لك بفهم ووعى .
ابو تراجى
05-20-2009, 07:10 PM
مشكور ود بله اول زائر للمكتبه واسعدنى حضورك وحزنت ايضاً لعدم معرفتى بشخصك الكريم واساس حزنى اسمك المبهم املى سيدى ان تكون اكثر اقتراب وتوضيح من هو ود بله والتحية مجدداً لبله وابنه
مع حبى وتقديرى لزيارتك
ابوتراجى
احبتي واهالي الجريف شرق اطال الله عمركم جميعا
العندو **كتاب شمس المعارف البرى**الرجاء ارسالو علي اليميل التالي
&&&_______m-bsh@hotmail.com
مشكورين محمد أحمد بشارة
A7MED
06-01-2009, 08:11 PM
لك التحيه ابوتراجى لهذا الجهد ومشكورين جدا جدا ... الاخ ميمو طلب طلب غريب وهو كتاب شمس المعارف الكبرى
وحسب علمى هذا الكتاب مختص بالشعوزه والسحر والسؤال هنا
هل كتاب شمس المعارف معه خدم من الجن ؟
ماحقيقة من أصيب بجنون عندما قراء هذا الكتاب؟
هل هذا الكتاب من شهرته أزدادت الأشاعات حوله
ومنها هذه القصص التي نسمع عنها؟
اخى الفاضل ابو تراجى
تحياتى لك ولتراجى
انت دائما تتحفنا بالواضيع الهادفة والتى تحرك الناس وتجبرنا على قراءة المواضيع التى تشارك بها
تحياتى لك
وبنجيك مرة ثانية
معز ود عبد المنعم
محمد كمال الدين
06-03-2009, 06:13 PM
أخي العزيز / ابو تراجي
ماشاء الله عليك
فكرة جمية ومباركة ، وجهد رائع تشكر عليه ، وبادرة طيبة ، طيبة اصلك . سعادة القنصل ...
ابو تراجى
06-13-2009, 08:50 PM
مشكورين a7med و معز ومحمد كمال الدين
الله يديكم العافية وهمتكم معانا
A7MED
06-17-2009, 07:48 AM
كتــــــــاب الجواب الكافى .. لأبن القيم
غنى عن التعريف
حمــــــل الكتاب (http://www.4shared.com/file/112379111/bec92f30/__online.html)
ابو تراجى
06-20-2009, 08:14 PM
احبتى مواصله فى اتجاه تاسيس مكتبتنا الالكترونية
نتطرق لسيرة الروائى عبدالرحمن منيف اولاً من ثم نعرض
اعماله
عبد الرحمن منيف من هو
ولد عام 1933 وتوفي في دمشق 24 يناير 2004يعتبر منيف أحد أهم الروائيين العرب في القرن العشرين حيث استطاع في رواياته أن يعكس الواقع الاجتماعي و السياسي العربي ، و النقلات الثقافية العنيفة التي شهدتها المجتمعات العربية خاصة في دول الخليج العربية أو ما يدعى بالدول النفطية . ربما ساعده في هذا أنه أساسا خبير بترول عمل في العديد من شركات النفط مما يجعله مدركا لاقتصاديات النفط ، لكن الجانب الأهم كان معايشته و إحساسه العميق بحجم التغيرات لاتي أحدثتها الثورة النفطية في صميم و بنية المجتمعات الخليجية العربية .
يعتبر منيف من اشد المفكرين المناوئين لأنظمة كثير من الدول العربية. من اشهر رواياته "مدن الملح" التي تحكي قصة إكتشاف النفط في السعودية وهي مؤلفة عن 5 أجزاء، ورواية شرق المتوسط التي تحكي قصة المخابرات العربية وتعذيب السجون.
ولد عبدالرحمن منيف في عمان - الأردن عام 1933 عن اب سعودي وام عراقية. درس في الأردن إلى ان حصل على الشهادة الثانوية ثم انتقل إلى بغداد والتحق بكلية الحقوق عام 1952 ثم انخرط في النشاط السياسي هناك أنظم إلى حزب البعث إلى ان طرد من العراق مع عدد كبير من الطلاب العرب بعد التوقيع على حلف بغداد عام 1955 لينتقل بعدها إلى القاهرة لإكمال دراسته هناك. في عام 1958 انتقل إلى بلغراد لإكمال دراسته فحصل على الدكتوراه في إقتصاديات النفط لينتقل بعدها إلى دمشق عام 1962 ليعمل في شركة نفطية ثم انتقل إلى بيروت عام 1973 ليعمل في مجلة البلاغ ثم عاد إلى العراق مرة اخرى عام 1975 ليعمل في مجلة النفط والتنمية. غادر العراق عام 1981 متجها إلى فرنسا حيث كرس حياته هناك لكتابة الروايات ليعود بعدها إلى دمشق عام 1986 حيث عاش فيها حتى توفي عام 2004. و بقي إلى آخر إيامه معارضا لامريكا، كما اعترض دوما على الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 رغم انه كان معارضا عنيفا لنظام صدام حسين .
مؤلفاته
• الأشجار واغتيال مرزوق,
• قصة حب مجوسية
• شرق المتوسط
• حين تركنا الجسر
• النهايات
• سباق المسافات الطويلة
• عالم بلا خرائط
• السفينة بالاشتراك مع جبرا ابراهيم جبرا
• مدن الملح 5 أجزاء
• الآن هنا (شرق المتوسط مرة اخرى)
• أرض السواد (3 أجزاء)
• سيرة مدينة عمان وفيها يقول:حين شرعت بكتابة "سيرة مدينة"، كنت أوفي وعدا قطعته على نفسي، أن أكتب عن المدينة التي رأيت فيها النور، والتي قضيت فيها طفولتي وأول شبابي. أما لماذا قطعت ذلك الوعد ولمن، فلأني حين غادرت تلك المدينة غبت عنها ما يزيد على خمس وثلاثين سنة، ولما عدت إليها من جديد إكتشفت فيها مدينة مختلفة، لذا أردت أن أتذكر، مع ناس تلك الفترة، المدينة التي كانت، التي عرفتها، القديمة، كي تقارن بالمدينة الآن، وكي يستطاع من خلال المقابلة بين الصورتين اكتشاف ما يفعله الزمن، وماذا يعني توالي الأيام وكيف يتغير البشر والأماكن بتقدم العمر.
ابو تراجى
06-20-2009, 08:25 PM
عندما قَدِمَ عبد الرحمن منيف (1933-2004) في حزيران عام 1990 إلى ألمانيا لم يكن قد عرف بعد كاتباً كبيراً في هذه الدولة التي كانت منشغلةً في تفاصيل توحيد شطريها الشيوعيّ والرأسمالي. ولم تترجم له آنذاك إلا مقاطع صغيرة من خماسية "مدن الملح" والتي قرأت في أمسية منيف التي أقامها "بيت ثقافات العالم" ببرلين. لكن الأمر تغيّر فيما بعد، وبات الاهتمام بمنيف، وبالأدب العربي الحديث عموماً، أمراً ملموساً، وبلغ هذا الاهتمام ذروته في معرض الكتاب بفرانكفورت عام 2004 الذي خصص دورته تلك للأدب العربي، باعتباره ضيف الشرف. وأثناء تلك الزيارة البرلينية عام 1990 أجرينا مع الروائي عبد الرحمن منيف حواراً مسجّلاً ننشره هنا للمرّة الأولى:
س: في البرنامج الأدبيّ الصادر عن "بيت ثقافات العالم" كُتب اسمك الأول مصحّفاً، هكذا "عبد الرؤوف"، ووصف فصل روايتك "التيه" المعدّ للقراءة بأنه نثر سوريّ، وفي دراسة للناقد البريطاني روجر ألن والتي ترجمتها شقيقتك إلى اللغة العربية ذُكر بأنك كاتب عراقي، وهناك من يقول إنكّ سعودي، فهل يمكن أن تحدثنا عن ولادتك ونشأتك الأولى؟
عبد الرحمن منيف: بالنسبة لي يعدّ هذا الأمر ميزةً وعيباً في آن واحد، وذلك لأنني مجهول من ناحية "انتسابي" إلى قطر معيّن أو آخر. فهو ميزة لأنّي أنتسب فعلاً إلى منطقة واسعة واعتبر نفسي ابناً لهذه المنطقة. ومن حسن الحظّ أن هذا الأمر ليس التباساً، وإنما واقع موضوعي، إذ تسنّى لي أن أعيش في أماكن متعددة. فأنا ولدت في عمّان، الأردن، لأبّ سعودي وأمّ عراقية، وعشت فترةً من طفولتي في الأردن ثم في السعودية. وبدأت دراستي في بغداد وبعدها انتقلت إلى القاهرة ومن ثمّ انتقلت إلى يوغسلافيا. ومن ناحية العمل فقد بدأت في سوريا وانتقلت بعد ذلك إلى لبنان ومنه إلى العراق. أمّا ما يخصّ مسألة التصنيف فهي، وإن كانت تعطي في بعض الأحيان شيئاً من الدلالة والتحديد، لكنها تكون في أحيان أخرى نوعاً من الافتعال، بمعنى أن هناك الكثيرين الذين يحاولون اعتباري كذا أو كذا! مثلما حدث الآن، في المرحلة الحالية، عندما أصدرت السعودية كتاباً تضمّن أسماء مثقفيها من كتّاب وقصاصين إلخ، وجعلت لي فيه اسماً. وهناك أيضاً بعض الأقطار التي تكرّس الإقليمية، فتمنحني الجنسية على اعتبار أنّي أحد مواطنيها، لكنها تحرّمها على آخرين من ناحية أخرى. وبأختصار: صحيح أنّي من السعودية، لكني موجود في المنطقة بحكم اعتبارات كثيرة، بعضها سياسيّ، ولي فيها صداقات وتربطني بها علاقات، ويمكن أن نعتبر ذلك كلّه بمثابة امتدادات تاريخية.
س: إنّك خبير نفطيّ كما هو معروف، وعملت رئيساً لتحرير مجلة "النفط والتنمية" الصاردة في بغداد سنوات طويلة، إلا أنّك في الوقت ذاته كاتب تتسم لغته بمستوى راق من البناء الدرامي والتقنية الفنيّة والتعامل المرهف مع الجملة النثرية، رغم صعوبة الموضوع الذي تعالجه وقساوته الظاهرة، فهل هناك علاقة ما بين هاتين الوظيفتين؟
منيف: ربما من حسن الحظّ أن الكثيرين ممن يكتبون في بلادنا ليست لهم علاقة مهنية بالدراسات التي بدأوا بها، فليس شرطاً أن يكون الأديب خريج كليّة الآداب، وتحديداً اللغة العربية؛ لكن يحدث أحياناً تطابق بالصدفة بين المهنة والهواية. وهذا هو الأمر بالنسبة للموضوع الذي تسأل عنه، أي موضوع النفط. فالنفط رغم خشونته، ولونه الأسود وما يحيط به من ملابسات، يمكن أن تشتغل عليه باعتباره مادة، لكنه غيرّ مشجّع لكي تتعامل معه روائيّاً. لكنّي أعتبر اكتشاف الثروة النفطية أمراً مهماً في بلادنا، وكان له دور كبير، لأنه غيّر شكل المنطقة وطبيعة العلاقات؛ كما أنه شكلّ نمطاً، أو أنماطاً معينة، وحكمها بأساليب وصيغ ما كان لها أن تكون لولا وجود هذه الثروة. ومن الطبيعي أن مادة في هذه الأهمية يكون لها تأثيراتها وانعكاساتها على مستويات عديدة، ولزمن طويل، لابد من التعامل معها روائيّاً. وأنا بحكم معرفتي بالموضوع ومعايشتي له فترة طويلة نسبيّاً في أكثر من مكان، أتيح لي أن أعرف وقائعه وتفاصيله، الأمر الذي ساعدني على التعامل معه روائيّاً. وبالنسبة للأوصاف التي أطلقتها في خصوص لغة الكاتب وأدواته التعبيرية، فأنا أتصوّر أن الكثيرين منّا يملكون هذه المواصفات، فيما يتعلّق بالشفافية والشعرية الموجودة في لحظات معيّنة. وكلّ من يريد أن يقدم عملاً ما يحرص على أن يكون عمله جيّداً، ويحاول أن يقدمه في أحسن صيغة ممكنة. وأرجو أن تكون "مدن الملح" من ناحية الموضوع والمعالجة قد ادّت غرضها على مستوى البناء الفنّي. وأنا أعتقد، وهذه العبارة ضعها بين قوسين "أنّ الرواية الجديدة والتقدمية هي الرواية المخدومة فنيّاً بشكل جيّد، ولا يشفع لها حسن نيتها، ولا تشفع لها حقيقة أنها تعالج موضوعاً معيناً، إنما يجب أن تكون جيّدة من ناحية البناء الفنيّ". لذلك أتمنى أن تكون هذه القضية قد عولجت فنيّأً بشكل مناسب، لأنها قضية مهمّة بحدّ ذاتها. وهناك مشاكل أخرى قد تعالج بأسلوب أو بآخر: مثلاً موضوع الذهب في أمريكا الذي اكتشف في القرن الثامن عشر مما عجل في الهجوم على هذه البقعة من الأرض، والمغامرات التي رافقت ذلك، أدّى إلى كتابة بعض الروايات والمعالجات الفنيّة ذات المستوى الجيّد؛ وكذلك الحال مع المناجم في جنوب أفريقيا والمواد الأوليّة في أمريكا اللاتينية. هذه كلّها كانت عوامل تغيير ولها تأثير في بناء المجتمع، وقد ساهمت في خلق مناخ فنيّ ونفسيّ يصلح للمعالجة الأدبيّة.
س: لقد نشأت وترعرت في منطقة الجزيرة العربية، وهي، مثلما توضح رواياتك، معزولة وبعيدة عن التيارات الثقافية والفكرية التي اجتاحت العالم العربي، وبالأخص منطقة الشرق الأوسط في مطلع هذا القرن، ومع ذلك فإنّ القارئ يستطيع أن يلمس مستوى النضج الفنّي والتقنية المستخدمة في كتاباتك والتي يمكن مقارنتها بكتابات الجاحظ والتوحيدي، لكنهما ليسا روائيين مثلك، فهل يمكن أن تتحدث لنا عن المؤثرات التي ساهمت في تكوين منهجك الروائي وتطويره؟ وهل أردت مثلاً أن تصدم القارئ من خلال طرح عمق المأساة؟
منيف: أولاً شكراً على الثناء والمقارنات التي ذكرتها، والتي لا أستحقها. والشيء الثاني هو أنّي حاولت في رواياتي تقديم صورة عن الحياة في تجلياتها الأدقّ وربما الأعمق، ومن هنا فأنّي أعتبر الحياة بمثابة مسيرة طويلة وبشر متنوعين، والبطولة هي بطولة الناس المجهولين، أي الناس المغيّبين بشكل مقصود. فأنا عندما عالجت هذا الموضوع، وتحديداً في "مدن الملح"، كان في ذهني أن أحاول قدر الإمكان كتابة التاريخ غير المكتوب، بمعنى أنّ التاريخ الرسمي قد دوّن وانتهى أمره، وهو تقريباً التاريخ الرائج والسائد الآن. فأنا أذن حاولت أن أكتب بمعنى ما تاريخاً موازياً للناس المجهولين وللحياة التي كانت سائدة آنذاك. ولهذا السبب نشأ نوع من الصراع ونوع من المعاناة الكبيرة، بحيث أن الناس (الشخصيات)، عندما تعاملوا مع الوقائع والأحداث فإنهم تعاملوا معها بالكثير من الصدق والنبل. وحتّى غياب الناس، على أساس أنّ عصرهم قد انتهى، لا يعني غياب المشكلة أو غياب الناس نهائياً. ولم أردّ في الواقع أن أصدم القارئ ، لكني أردت أن أبصرّه أكثر، وأقول له إنّ المشكلة فيها وجع وفيها فجيعة وتتطلب انتباه بالضرورة. وإذا كان هناك في بعض الأحيان نوع من المرارة في رسم صور بعض الأبطال فهي مجرد محاولة تنبيه أخيرة قبل فوات الأوان، وإذا كانت هناك إمكانية للإنقاذ الآن فلنحاول إذن أن نفعل شيئاً ما. و"متعب الهذّال" أو "وضحة" أو "أمّ الخوش"، فهم، وإن انتهوا، لكنهم تركوا بذوراً ومناخاً معيّناً يساعد على رؤية أوضح. وأنا أتصوّر أن مهمة العمل الفنّي هي مهمة مزدوجة، فعليه من ناحية أن يعمّق وعي الناس بالمشاكل، وعليه من ناحية أخرى أن يضاعف من حساسيتهم في التعامل معها، وليس مهمته التبشير وطرح الحلول. يعني أنّك كلما تخلق قلقاً إيجابياً عند الآخرين تدفعهم إلى التساؤل، وكلما حاولت معهم لكي يفهموا واقعهم برؤية أوضح فإنّ العمل الفنّي يخدم حينئذ المرحلة ويخدم الناس والفنّ. فالقضية ليست استدرار عطف أو محاولة تبرير مواقف، وليست قضية دفاع عن شخصيات منفردة ومعزولة، وإنما هي رسم بانورامي للحياة في مرحلة معيّنة بما يتخللها من صعوبات وخيبات أمل وأحلام مكسورة. وهي أخيراً صورة أو مجموعة صور، وبالتالي مطلوب من القارئ أن يعيد تركيبها من جديد.
س: في عملك الأخير تناولت بتفصيل وعلى مدى زمنيّ طويل الدور الأمريكي-الغربي في المنطقة وبحثهم عن النفط والموارد الاقتصادية الأخرى، وتحدثت بصراحة عن نشوء المؤسسات القمعية في دول النفط مثل أجهزة الأمن والمخابرات والشرطة والصحافة الحكومية. ألم تضعك هذه الجرأة في مواجهة مع هذه الأنظمة التابعة للغرب؟
منيف: لا أريد هنا أن أبالغ، فأنا لم أتخلّص من الإشكالات إطلاقاً، يعني أنّي لم أكن قد دخلت فيها ثم خرجت منها. والكثير من المثقفين والكتّاب يعيشيون حالة إشكالية مع الآخر، والآخر هذا متنوّع، فممكن أن يكون عبارة عن السلطة الحاكمة أو السلطة الاجتماعية أو المؤسسة الدينيّة. ويحصل هذا الإشكال أحياناًَ مع الأصدقاء، ومن القسوة بمكان أن يتم التعامل عبر هذه الوسائل. وأتصور أن هناك نوعاً من الترضية إزاء هذه الإشكالات التي خلقت ومازالت والتي من المحتمل أن تخلق في المستقبل، بمعنى أن الناس يستقبلون العمل الإبداعي ويستوعبونه ويتجاوبون معه؛ فهي كما ترى واحدة بواحدة. وأنا مستعد أن أتحمّل نتائج أعمالي، لكني أشعر أحياناً بأنّ أعمالي تصل إلى الآخرين، وبأنّ الآخرين يتعاطفون معها ويقدمون لي الحماية من أجلها، لهذا السبب فإني أرى القضية متكافئة إلى حدّ ما ومشروعة.
س: هل حدث مرّةً أن قرأ حاكم أو سلطان عربي شيئاً من أعمالك؟
منيف: تُقرأ له. أنا متأكد أنّ الحاكم العربي يعتبر نفسه أكبر من الرواية وأهمّ منها، وليس لديه الوقت للاهتمام بأمرها. لكن هناك الكثير من الخيّرين، والخيرين بين قوسين، يقرأوا الروايات بغية تحريض الحاكم وتوصيل رسائل معينة لترتيب وضع معيّن. وأنا متأكد من أنّ الحاكم، أيّ حاكم، عندما يقرأ رواية ربما يتحسّن، بل من المحتمل أن يتغيّر. فمثلاً عندما قرأ قيصر روسيا رواية دوستويفسكي "ذكريات من بيوت الموتى" أخذ يبكي وأمر بإيقاف الجلد الذي كان سائداً آنذاك في السجون الروسيّة. وأنا لا أطمح، ولا أتوقع أن يصل الحكّام العرب إلى هذا المستوى، لكني مع ذلك مطالب بإيصال هذه الرسالة.
س: هل من الممكن أن تتحدث لنا عن الأسباب التي جعلتك تترك العراق رغم أنّك كنت تشغل مركزاً ثقافيّاً مرموقاً؟
منيف: بصراحة أنا كنت أعتبر نفسي ضيفاً في العراق، وكنت أنظر إلى إقامتي، مهما طالت، بأنها ستنتهي في وقت من الأوقات، هذا أوّلاً. والشيء الثاني هو اعتقادي بأنّ الكتابة أصبحت بالنسبة لي الهمّ الأساسي، وربما الوحيد، ولا أريد أن انشغل في موضوع آخر، لذلك قررت التفرّغ للكتابة. والشيء الثالث هو أنّي لم أكن مقتنعاً بقضية الحرب (العراقية-الإيرانية)، لأنها كانت حرباً مجانية، وليس لها ما يبررها، وبالتالي ليس لأحد أن يتفق معها.
س: لابد أنّك سمعت بمشروع الوحدة الألمانية، أو قرأت شيئاً عنه، فهل تتمنى أن تحقق وحدة عربية مماثلة؟
منيف: الوحدة العربية أتمناها أمنيةً، لكن هذه الأمنية سوف تكون مستحيلة التحقيق بالنظر إلى أوضاعنا الحالية، فعلينا أن لا نحلم كثيراً أو نُكثر من توقعاتنا. فالوحدة بدون أساس موضوعي قائم على الوعي والمصالح المشتركة وتقارب أنظمة الحكم وأنماط الحياة الداخلية هي نقيض لفكرة الوحدة. فلابد أن يتوفر مناخ للوحدة وشروط معيّنة ونوع من الإيمان أيضاً والاستعداد للتضحية من أجلها. وأنا مع الوحدة الألمانية وأتمنى أن تتحقق وحدة أو وحدات في بلادنا تقرّب الناس من بعضها البعض وتزيل الحواجز. لكن هذا الأمر لا يجوز أن يبقى مجرّد رغبة، بل إنّه يستلزم عملاً صبوراً وطويلاً. وبالأخص أن هناك عقل تجزئة نشأ في المقابل، عقل تجزئة وانفصال وابتعاد، وأصبحت له مقومات على الأرض وبات مكرّساً عملياً. وأنتم باعتباركم مقيمين في ألمانيا تستطيعون أن تقيّموا موضوع الوحدة الألمانية أفضل منّي، وأنا لا أستطيع أن أخوض في هذا الموضوع كثيراً، فربما هناك إشكالات في جوانب معيّنة يمكن أن تؤدّي إلى هذه التيجة أو تلك. إجمالاً، اعتبر الوحدة أمراً طبيعيّاً، وكلّ شعب له الحقّ في إقامة دولته الموحدة؛ ومن غير الطبيعيّ التجزئة والانفصال في أجزاء الوطن الواحد.
ابو تراجى
10-02-2009, 10:27 AM
الشعر في السودان
الأخرى في قبضة العثماني I_ وكان ا =غرب قد فقد بريقه I أما ا =سلمون في
الحبشة فبعد أن ارتفعت رايتهم في حماسة وضعوها في ذل.. وأصبحوا
مغلوب _ على أمرهم !
في هذه العتمة الحقيقية ظهرت ثلاث دول فتية في السودان هي uالك:
الفونج I والفور وتقلى I وقد أسهمت هذه الدول إسهاما رائعا في نشر الإسلام
واللغة العربية I فقد ارتفعت مآذنهم I وتحسنت لغتهم I وكان اهتمامهم واضحا
باستقدام العلماء وإغرائهم بالبقاء I وكان اهتمامهم بنفس الدرجة باستقدام
جيل من الصوفية I uا تولد عنه جيل جديد هو جيل »العالم ا =تصوف I«
وقد كان من ا =ناظر ا =ألوفة هناك أن تحاط زاوية الشيخ بالدواب I وان
eلأ ا =دخل-كما قيل-ببغال الفونج والعرب I بل لقد كان ا =سئولون في دولة
الفونج مثلا يخرجون في حملات منظمة لأسر مجاميع من الناس بقصد
تعليمهم I فإذا أ rت عملية التعليم أطلقوهم لينشروا ما تعلموه ب _ قبائلهم..
كما أنهم كانوا يلاحقون العلماء الساطع _ في أكثر من بلد عربي بالهدايا I
وبالدعوات للحضور.
وقد ترتب على هذا مد الإسلام على مساحات كبيرة من الأرض ومن
النفوس I وترتب عليه الوصول باللغة إلى درجة عالية من الإتقان I وللحقيقة
eكن القول بأن في عربية السودان جزالة وشدة أسر I وجهامة في القالب
تذكرنا Qا هو موجود أحيانا داخل ا =عجمات I ثم إن عامية السودان تعتبر
من أفصح العاميات في العالم العربي I فالدخيل فيها قليل بسب عزلة
السودان I وانطواء كثير من السوداني I_ وهي تقرب-كما يؤكد الدكتور عبد
الله الطيب-من لهجة بني أسد في الجاهلية I ومن هنا يقول الأستاذ حسن
نجيلة( ١) في كتابه ذكرياتي في البادية ».. إذا أتيح لك الاستماع إلى بعض
هذه الألفاظ I أو رأيتهم يبدلون الحروف على غير ما تعهد I فلا تعجل
عليهم باللوم I وإ ا اتهم نفسك بالعجمة أولا I وعد إلى كتب اللغة واستفتها
تنبئك باليق «_ ولهذا رأينا البعض-كالشاعر صلاح أحمد إبراهيم-يكتب
تحت عنوان »نحن عرب العرب « ويقول: إن شعره خشن كالخيش I ويرى أن
تلك الخشونة هي الجزالة التي ظلت rيز الذوق السوداني حتى اليوم I
( ١) ذكرياتي في البادية ص ٢٢١ وراجع مثلا خصائص العربية في السودان في كتابنا الشعر
الحديث في السودان ص ٩١ وما بعدها.
9
تقدمة
وبصفة عامة فهم يستعملون مثلا الأضاة بدلا من الغدير I والبطحا للمكان
ا =تسع I والبرمة للجرة من الخزف I والقلوص للجمل الصغير I والتلتلة للحركة
بعنف I والجداية للظبي I والحوار للتلميذ I و الزول للإنسان I والسرحان
للفجر I والكراع للرجل.. . الخ.. حتى أن الدكتور طه حس _ ح _ أخذ على
الدكتور عبد الله الطيب ورود هذه الكلمات الفصيحة الخشنة في شعره I
رد عليه بأن هذه الكلمات-وأمثالها-من ا =تداول في السودان I وأنها كما
rثل جزالة لغته rثل جزالة قومه. وبصفة عامة فقد أعطى الناس لغة-
وشعرا-شبيها بهم I في إطار ما يطلق عليه اسم العربية في السودان.
وابتداء فقد كان بينهم وب _ القصيدة العربية »كمال الاتصال « للتشابه
في ا =ؤثرات-الجغرافيا والتاريخ-والاعتماد على تقاليد الكلمة ا =سموعة
عن طريق الإلقاء والغناء I والترنيم I بالإضافة إلى بعض الوراثات الأفريقية
التي مازالت عميقة الجذور في النفوس I فإذا كان السودان القد G مثلا قد
عرف فكرة »القربان البشري « Qعنى التضحية با =لوك للمصلحة العليا I
فإننا نجد بعد ذلك في »سنار « عاصمة الفونج أن اخوة الأمير الذي يصعد
إلى العرش كانوا يقتلون جميعا خوفا من الفتنة I وفي »فاز وغلى « كانوا
يشنقون ا =لك ح _ eرض مرضا يحول دون قيامه بواجبه ولو ليوم واحد I
وقد كان »الشلك «-وهم من أكثر القبائل التي اختلط بها العرب-يتخلصون
من »الرث I« إذا مرض.. ولعل هذا يذكر با =وت الدرامي الذي يوجد عند
السوداني _ ح _ يحيط بهم الخطر فهم يرفضون الفرار ويجلسون على
»فروة « استعدادا للموت I وقد بلغ هذا النوع من ا =وت قمته الحزينة فيما
نعرف من موت الخليفة عبد الله التعايشي !
ومن عملية ا =زج الشديد ب _ العروبة والزنوجة ولد خط روحي حفر
عميقا-ومازال-في النفسية السودانية وهو عالم التصوف I وقد اختلطت
فيه الظواهر الإسلامية بظواهر »العرافة « و »الكجور « وتولد عنها-تحت ضغظ
ا =ؤثرات الأفريقية-الانصراف عن الذات الآلهية إلى الذات المحمدية I وما
يسمى بقضية النور المحمدي السائر في العصور ثم كان التحول إلى حد ما
إلى »الذات ا =هدية « ثم كان الانشطار حول شخصيت _ eثلان ا =هدية
وا =يرغنية وهما السيدان عبد الرحمن ا =هدي وعلي ا =يرغني I بالإضافة
إلى شخصيات أخرى صوفية ثانوية.. ا =هم أن الصوفية تدخل في نسيج
10
الشعر في السودان
اﻟﻤﺠتمع السوداني I وأنه كان لها-ومازال-زي I وشعائر وا eاءات خاصة »على
قدر كبير من التركيز الدرامي I« في ضوء ما يسمى »بتسليك القوم ٢)« ).
وقد قرب هذا شعرهم إلى حد ما من البسط القصصي I وجعله يعتمد
على »ا =وسيقا « اكثر من اعتماده على »الصورة I« فهو في أكثر مراحله قد
اعتمد على »السماع « وعلى »الترنيم « وسواء أشق هذا التراث طريقه على
أمواج الفصحى أو العامية I فإننا نرى أن أثره عميق في بنية القصيدة
العربية في السودان I فكثير من البحور التي يتردد من خلالها الشعر السوداني
هي البحور ا =ستعملة عند الصوفية كالرمل I والهزج I والخبب I وبخاصة
عند هؤلاء الذين لهم صلة عميقة بالصوفية كالتجاني يوسف بشير I والناصر
قريب الله I ثم أن عندهم القافية التي تصلح للتر I والتي تلتزم ما لا يلزم I
وما أكثر ظاهرة »التكرار « في شعرهم I كما أننا لا نعدم القصائد التي
تتوافق مع الطبول والأصوات ا =نشدة I والتي تكاد تتحول إلى موسيقا خالصة I
بالإضافة إلى خصائص في الرمز والأسطورة والاقتباس وطريقة التشكيل I
وهذا ما يؤكد أن عندهم جانبا من الخصوصية في العديد من القنوات
التي سار فيها شعرهم.
إن الشاعر السوداني كما يتمتع بواقع خاص وتراث خاص I يتمتع كذلك
بكثير من القلق والشك والخوف والتردد I وكثيرا ما ينعكس هذا على الأداة I
فبحوره في الغالب قصيرة ومجزوءة I وتفعيلاته قافزة Iوصوره مجتمعة حول
بؤرة واحدة نافرة وفي حالة شروع وحركة I ومقاطعه يغلب عليها النبر
الحاد I ثم انه يتعرض للجليل أكثر uا يتعرض للجميل I ويقترب من لغة
الحياة لشدة انفعاله وقلة ترويه I فهو-وبخاصة في ا =رحلة الأخيرة-يعبر
أجمل تعبير عن هذا الشيء الذي eكن أن يطلق عليه اسم »الواقعية
العربية « والتي عبر عنها من قبل الآمدي بقوله: إنها الطريقة التي يخبر
( ٢) في الطريقة القادرية مثلا يجلس ا =ريد قبالة الشيخ بحيث تتلاصق الركب I وتوضع اليد
اليمنى في اليمنى بعد صلاة ركعت _ وقراءة الفاتحة I ثم يكون هناك دعاء وترديد كلمة التوحيد
ثلاث مرات I وطريقتها أن تؤخذ كلمة »لا « من طرفه الأ eن مارا بها إلى ا =ريد إلى جبهته في كلمة
»اله « ثم يفرغ كلمة »إلا الله « في طرفه الأيسر I مغمضا عينيه I ثم يوصي بالعديد من الوصايا Iوقد
كان بعضهم ينصب خباء على هيئة مسرح ووراءه مجموعة من الكباش I ثم يطلب الراغب في
دخول »الطريق « فإذا دخل خلطه بالكباش I ثم يقوم الشيخ بذبح كبش I وح _ يسيل الدم يتوهم
الناس أنه ذبح ا =ريد.
11
تقدمة
فيها »بالشيء على ما هو عليه ! «
وفي ضوء هذا رأيناه يقدم الحياة من حوله-في الغالب-بلا حذلقة I ولا
تهو IG ثم انه لا يقدم شخصية الشاعر بالقدر الذي يقدم به شخصية
السودان »على ما هو عليه « ومن ثم سنقابل حشدا من الصور الشعبية I ومن
ا =وسيقا المحلية I ذلك لأن الشاعر يعتبرها نفسه I ومن ثم يشد عليها بقبضته
وبأحاسيسه I وبخاصة ح _ يتوهم أن هناك ما eس كرامته أو لونه.. في
الداخل أو في الخارج I ومن هنا eكن القول بأن الشاعر السوداني يحمل
السودان داخله مرت _ لا مرة واحدة I مرة لأنه سوداني I ومرة لأنه سلاح في
وجه أشياء يتوهم أنها ضده ! فهو إلى حد ما في حالة انفعال I ومن الانفعال
يتولد الإلهام I وعن طريقه تتحرك الصور ا =لونة I ويصدح الإيقاع ا =تأرجح
لا الثابت.. بل إن هذا الإيقاع قد يدفع إلى الرقص I وما أكثر الشعر السوداني
الذي يدفع إلى الرقص في »حلقة الذكر « أو حلقة الحياة I ا =هم أن الشعر
في كثير من ا =واقف تنبثق منه طاقة سحرية I تحول الأحداث إلى صور I
وتنقل الصور من عالم التشابه إلى عالم الرمز I ومن عالم اﻟﻤﺠاز-الذي له
دلالة فكرية-إلى عالم الأسطورة-ومن ا =عروف أن الدلالة في الأسطورة
دلالة معاشه I قبل أي شيء آخر-هذا بالإضافة إلى أنهم تكلموا وراء كثير
من الأقنعة.
ا =هم أن هذا الجانب الصوفي القائم على الثبات I وا =ركز على التوحد
مع الكون يتقاطع في جدلية حية مع عالم الواقع I ويعطي هذا الشيء
ا =سمى »بالروح ا =بدع I« وفي الوقت نفسه يعطي =» سة التفرد « في مسيرة
الشعر العربي I ذلك لأنه لم يحدث في بلد عربي هذا الحوار الحي الذي
وجدناه ب _ الزنوجة والعروبة في السودان I ومع أنهم غير غاضب _ على
عملية التمازج هذه إلا أنهم يعونها بحرارة.. بل وبصخب ! ذلك لأنهم بهذا
النوع من ا =واقف يحسون بأنهم يدافعون عن أنفسهم I وا =لاحظ أنهم لا
ينخدعون عن أنفسهم وعن طبيعة بلادهم I ذلك إنهم يقولون إننا قوم شدة
كجبالنا وقوم كرب كالصحراء من حولنا.. ولأنهم أهل البساطة والصرامة
معا.
و =ا كانوا في الوقت نفسه على وعي بالثقافة في الخارج I فقد رأيناهم
في الفترة الوجدانية شديدي الاتصال بالثقافة الرومانتيكية في الغرب I
12
الشعر في السودان
وبالثقافة الواقعية في الشرق.. ومن هنا يكونون قد أفادوا من ثلاث ثقافات
كبيرة هي ثقافة الزنوجة والعروبة I بالإضافة إلى الثقافة الإنسانية I وهذه
»تركيبة « نادرة في العالم العربي I لأنها ثلاثية الأبعاد.
وأخيرا فإنني-بالإضافة إلى موضوعية الدراسة-أرى جدوى دراسة كل
شعب من خلال فنه الأول I فإذا كان لكل حضارة فنها الأول I فانه لا خلاف
حول أن الشعر هو الفن الأول للحضارة العربية I ثم أنني من الذين يقولون
أن الشاعر لا يكذب I حتى وان بدا شعره متناقضا مع الحياة I ذلك لأنه-في
الحقيقة-يعبر بصدق عن روح هذه الحياة I ومن ثم رأيت أن أتحدث عن روح
شعب منعزل إلى حد ما بحكم وضعه الجغرافي والتاريخي I ولكنه يضرب
في صميم الأرومة العربية ! وفي صميم العملية الإبداعية.
.. ثم أن ا =لاحظ بصفة عامة أن كثيرا من الشعراء العرب لا يبدءون
uا يرون ولكن من تاريخ ما يرون I وفي ضؤ هذا نحس أن هناك روحا ما
سائدا بينهم I قد يكون هذا الروح هو روح الأمة I أو العنصر القادر على
التجول فيها.. وعلى كل فالشاعر العظيم هو الذي »يعي « هذه الروح I وهو
الذي يحولها إلى نبض في شعره I ا =هم أن eتاح الشاعر-بصدق وذكاء-من
الحياة ومن الفن I وأن يوسع-ما استطاع-مساحة الشعر.
وإذا كان لي أن أطلب من القار شيئا I فان هذا الشيء هو أن يقرأ
هوامش الكتاب I فوضعها لا يقلل من أهميتها I بل أن في الكثير منا مفاتيح
لهذا الكتاب.
ولن أنسى هنا شكر تلميذي-في جامعة أم درمان-الأستاذ أحمد محمد
البدوي فقد زودني بثلاث وثائق من خط التجاني يوسف بشير I وشكر
الصديق الدكتور محمد عبد الحي الذي كتب لي رسالة وضعتها في الخا rة
لأهميتها بالنسبة للشعر السوداني.. ومن قبل شكر الدكتور إحسان عباس
الذي أفدت من ملاحظاته.
والله يوفقنا لخدمة أمتنا العربية.
»الدكتور عبده بدوي «
٢٧ / ٦/ ١٩٨٠
ابو تراجى
10-02-2009, 10:33 AM
عروبة السودان
١- العروبة قبل الإسلام:
وصل تدافع العرب من زمن قد G إلى السودان I
فقد كان الطريق البحري الجنوبي تحت سيادة
العرب حتى القرن الأول ا =سيحي I وقد كان العرب
يعملون موردين لمحاصيل هذه ا =ناطق I وقد استمر
تدافعهم إلى عهد يرجع إلى ما قبل ا =سيحية I بل
وا =وسوية I وهناك ما يثبت الصلات التي كانت ب _
حمير وبلاد النوبة في عصر ما قبل الإسلام I وهناك
رواية عربية تذكر أن أحد ملوك حمير قد جهز
حملة إلى »البجة « للحصول على ا =عادن I ثم إن
بلاد البجة عرفت هجرة الحضارة قبل الإسلام I
فقد استقروا عند »العتباري « وتلال »سنكات « وكان
أن تحولوا من الوثنية إلى ا =سيحية I كما أن
»الأنباط « عرفوا السودان قبل الإسلام I وقد
احتفظت بعض الأماكن في هذه ا =ناطق بأسماء
عربية قد eة كنجران التي كانت الاسم القد G =ملكة
»بلو « في شرق السودان I ولعل »سوبا « محرفة عن
»سبأ « خاصة وأن هناك تشابها في نظام تولي ا =لك
وفي طقوس العبادة ب _ »سوبا « السودانية I و »سبأ «
العربية I فهجرة اليمني _ ما كانت لتقف عند الحبشة
وإ ا كانت تتخطاها غربا( ١).. ومهما يكن من شيء
1
16
الشعر في السودان
فبمرور الزمن صبت ثلاثة أنهار بشرية في السودان الشمالي عن طريق
الشرق والشمال والغرب I ومن ثم كان تشكيل البلاد من مجموعت _ عربيت _
كبيرت _ هما: ١- اﻟﻤﺠموعة الجعلية والكواهلة و rثل العدناني _ من عرب
الشمال في الجزيرة العربية ٢- اﻟﻤﺠموعة الجهنية و rثل القحطاني _ من
عرب الجنوب في الجزيرة العربية.
وقد ظلت عملية التقاطر العربي-قبل الإسلام وبعده-حتى rكنت من
إقامة حجاب حاجز ب _ uلكة »علوة « الجنوبية I و uلكة »ا =قرة « الشمالية I
ثم كان تداعي هذا العالم ا =سيحي ح _ تلاقت القوة العربية I وبخاصة هذا
الالتقاء الذي كان ب _ »عبد الله جماع « شيخ العبدلان I وب _ »عمارة دونقس
من الفونج « وهكذا لم يكد ينتهي القرن السادس عشر حتى كان وادي النيل
من شلالات »حنك « إلى نهر »الرهد « قد خضع لهذه القوة الجديدة.. وحقا
لقد كان =يلاد السودان العربي صدى انتصار ب _ جميع ا =سلم _ في كل
العالم I ذلك لأنه ولد ب _ حقبت _ من أقسى الحقب على الإسلام I ففي عام
( ٨٩٧ ه- ١٤٩٢ م) سقطت أسبانيا العربية بسقوط غرناطة I وقامت عملية
رهيبة لطرد العرب I وطمس حضارتهم I وفي عام ( ٩٢٢ ه ١٥١٧ م) وقعت
مصر فريسة في يد الأتراك العثماني I_ أضف إلى ذلك أن العراق كان ما
زال يعاني من عملية تخريبية I وأن الشام تسلمتها القوة العثمانية من مصر I
وأن ا =غرب كان قد فقد بريقه I وأن ا =سلم _ في الحبشة كانوا قد غلبوا
على أمرهم كذلك( ٢).
ا =هم أن الله فتح على ا =سلم _ بثلاث uالك إسلامية في السودان
هي: uلكة الفونج I و uلكة الغور I و uلكة تقلى I وقد كان لها دور كبير في
تعريب ونشر الإسلام على مناطق شاسعة في القارة الأفريقية I بل وفي
وجود خصائص للعربية هناك( ٣) I ا =هم أن هذا العالم قد تشكل باسم الإسلام I
وباسم القبلية في آن واحد I وقد أصبح في الوقت نفسه منطقة جذب
إسلامي-نظرا للحاضر السيئ للمسلم _ في هذه الفترة I ومن ثم كانت
الهجرات والإغراء بها إلى هذا العالم I وبخاصة إلى »سنار I« ذلك لأنهم
كانوا يقطعون العلماء وا =تصوفة Qجرد وصولهم I وكانوا ينظرون إليهم
نظرة مليئة بالتقدير I وكانوا يدفعون بدعواتهم الصالحة الأعداء( ٤) I وقد
ظهر بفضل هذه الهجرات I و Qحاولتهم الاتصال بعلماء الأزهر شعر كثير
17
عروبة السودان
أخذ يتأكد حتى استقام على عوده I ومع أنه ارتبط بالطبقة الحاكمة مدحا
ورثاء إلا أنه وقف عند نظم العلوم I وظهرت فيه نفحات صوفية I وتأثر
واضح بالإسلام.. وببعض جوانب من التراث I وبخاصة تلك الجوانب القليلة
التي كانت تعاصرهم أو تسبقهم قليلا I ثم كانت ا =سيرة فيما تلا ذلك من
فترات.
٢- السودان في التراث العربي:
التفاتات ا =ؤرخ _ والجغرافي _ العرب كثيرة بالنسبة للسودان I ولعل
الواقدي في كتاب فتوح مصر والإسكندرية (ت ٢٠٧ ه- ٨٢٣ م) أول من
يقابلنا في هذا اﻟﻤﺠال I فهناك رواية حول أنه =ا أخبرت الجواسيس ا =لكة
أرمانوسة Qسيرة عمرو بن العاص إلى مصر كتبت إلى أبيها ا =قوقس
بعزمها على الحرب I وطلبت منه النجدة »وقالت للرسول: أسرع وعد بالجواب
سريعا « فلما استشار ا =قوقس خاصته أشاروا عليه بطلب النجدة من ملك
البجة وملك النوبة بصفة خاصة I فلما انتصر العرب I دخل بطلوس Batlos
القائد البيزنطي في البهنسا بصعيد مصر ا =عركة I وكان أن جمع وجوه
القوم وقال فيما قال ».. وهؤلاء العرب طماعة I وقد طمعوا فينا وأتوا إلينا
يريدون أن eلكوا بلادنا ويخرجونا من أرضنا I كما طمعوا في ملك الشام «
ولكنه هزم وبخاصة بعد أن خذله ملك البجة وملك النوبة.. ويجيء دور ابن
عبد الحكم ( ٢٥٧ ه- ٨٧١ م) في فتوح مصر وا =غرب فيذكر أن عمرو بن
العاص دفع بنافع بن عبدا لقيس الفهري إلى النوبة I فلما عزل عمرو وتولى
الأمر عبد الله بن أبي سرح غزا »الأساود وهم النوبة « سنة إحدى وثلاث I_
وقد أظهر النوبيون مهارة في النبالة I وكان أن أصيبت أع _ بعض ا =سلم I_
ومن هنا شهدوا لأعدائهم وسموهم »رماة الحدق I« وقد ذكر البلاذري أن
الأع _ ا =فقوءة كان عددها مائة وخمس _ عينا I وهي تلك ا =وقعة التي قال
فيها الشاعر:
لم ترعيني مثل يوم دملقه( ٥)
والخيل تعدو والدروع مثقلة
ترى الحماة حولها مجدله
كأنه أرواح الجميع مهمله
18
الشعر في السودان
وعلى كل فقد هادنهم عبد الله بن سعد »إذا لم يطقهم «
وقد ذكر الطبري ( ٣١٠ ه- ٩٣٢ م) في تاريخ الرسل وا =لوك أن أهل مصر
نصحوا بعدم التعرض لهم I وهو يسميهم »النوب .«
وقد تعرض اليعقوبي لهم ( ٢٨٤ ه- ٨٩٧ م) في كتاب البلدان وكانت وقفته
الطويلة عند البجة I وقد ذكر د. مصطفى محمد سعد أن أهم ما تضمنته
النصوص العربية القد eة الإشارة إلى أمرين هام _ هما كثرة مناجم الذهب
والزمرد في أوطان البجة I وهجرة كثير من القبائل العربية إلى أوطان
البجة والعمل في مناجمها I وإذا كانت مثل هذه العلاقة-على نحو ما نعرف
من قبيلة بلى-معروفة قبل الإسلام I فان هذه الهجرات كثرت بعد الإسلام I
وبخاصة ح _ اهتم اﻟﻤﺠتمع العربي با =عادن والجواهر النفيسة( ٦).
.. والجدير بالذكر أن هناك إشارة في معجم البلدان ص ٣٦٣ تشير إلى
أن ملوك النوبة كانوا يزعمون أنهم من حمير ولقب ملكهم كابيل-يؤكد هذا
كذلك ابن خرداذبة في ا =سالك وا =مالك ( ٧) I وا =سعودي في كتاب التنبيه
والأشراف-كما أن إشارات ا =سعودي واضحة في أن كثيرا من بني أمية في
محنتهم-بالإضافة إلى شيعتهم من أهل خرسان-قد دخلوا أرض النوبة
وتوسطوا أرض البجة I وهناك قصة تدور حول أن ا =هدي سأل محمد بن
مروان عما جرى بينه وب _ ملك النوبة فقال: =ا التقينا أبا مسلم وانهزمنا
وتشتت جمعنا I وقعت أنا بأرض النوبة I فأحببت أن eكنني ملكهم من ا =قام
عنده زمانا I فجاءني زائرا I وهو رجل طويل أسود اللون I فخرجت إليه من
قبتي وسألته أن يدخلها I فأبى أن يجلس إلا خارج القبة على التراب I
فسألته عن ذلك فقال: أن الله تعالى أعطاني ا =لك فحق علي أن أقابله
بالتواضع I ثم قال لي: ما بالكم تشربون النبيذ وأنها محرمة في ملتكم I
قلت: نحن ما نفعل ذلك وإ ا يفعله بعض فساق أهل ملتنا I فقال: كيف
لبست الديباج ولبسه حرام في ملتكم I قلت: إن ا =لوك الذين كانوا قبلنا
وهم الأكاسرة I كانوا يلبسون الديباج I فتشبهنا بهم لئلا تنقص هيبتنا في
ع _ الرعايا I فقال: كيف تستحلون أخذ مال الرعايا من غير استحقاق ?
قلت: هذا شيء لا نفعله نحن ولا نرضى به I وإ ا يفعله بعض عمالنا
السوء I فأطرق وجعل يردد مع نفسه: يفعله بعض عمالنا السوء ثم رفع
رأسه وقال: إن لله تعالى فيكم نقمة ما بلغت غايتها I اخرج من أرضي حتى
19
عروبة السودان
لا يدركني شؤمك( ٨).
... وبصفة عامة فقد تعرضوا للدول ا =سيحية الثلاث التي قامت في
هذه. الرقعة I وكيف انهارت وانعقد اللواء للإسلام I وكيف كانت طبيعة
العلاقات سلما وحربا على رقعة كبيرة من التاريخ I ويلاحظ بصفة عامة
أنهم تناولوا السودان ( ٩) بشيء من الاستخفاف والتطرف وعدم الإنصاف
( ١٠ ) I وقد أنصف ابن حوقل (ت ٣٥٠ ه- ٩٦١ م) في كتاب صورة الأرض النوبة
وسخر من البجة I أما أبو الفدا (ت ٧٣٢ ه- ١٣٣١ م) فيشمل الجميع بالسخرية
بعد أن ينقل أن لهم خصالا عشرا هي: تفلفل الشعر I وخفة اللحي I وانتشار
ا =نخرين I وغلظ الشفت I_ وتحدد الأسنان I ون £ الجلد I وسواد اللون I وتشقق
اليدين والرجل I_ وطول الذكر I وكثرة الطرب.. ومع أن هذه الصفات لا
تنطبق rاما على النوبة والبجة إلا أنه يضعهما داخل هذه الدائرة وقد كان
الإدريسي (ت ٥٦٠ ه- ١١٦٥ م) أكثر دقة ح _ قال في كتابه »صفة ا =غرب
وأرض السودان ومصر والسودان « فقد قال: جميع بلاد أرض النوبة في
نسائهم الجمال I وكمال المحاسن I وشفاههم رقاق I وأفواههم صغار I
ومباسمهم بيض I وشعورهم سبطة.. الخ مع ملاحظة أنه يخرج من هذه
المحاسن البجة.. وهذا يذكرنا Qا قاله عنهم ابن جبير ( ٦١٤ ه- ١٢١٧ م) في
تذكرة بالإخبار عن أتفاقات الأسفار I فقد قال فيما قال: وهذه الفرقة من
السودان فرقة أضل من الأنعام سبيلا I وأقل عقولا I لا دين لهم سوى كلمة
التوحيد التي ينطقون بها إظهارا للإسلام I ووراء ذلك من مذاهبهم الفاسدة
وسيرهم مالا يرضي ولا يحل!
ثم يتوالى حديث ا =ؤرخ _ ا =سلم _ وهو يدور في الغالب حول الصراع
ب _ الخلفاء وبينهم ح _ كانوا مثلا يقتصرون في أداء »الخمس « لعمال
مصر I على نحو ما يذكره ابن الأثير (ت ٦٣٠ ه- ١٢٣٢ م) في الكامل في
التاريخ I وقد أمر بقتالهم ا =توكل I فلما تغلبوا على من أرسل إليهم أمسك
عنهم »فطمعوا وزاد شرهم I« ولكنه ألح على قتالهم حتى طلب ملكهم »علي
بابا « الأمان وأداء الخراج I و يقال انه كان معه صنم من حجارة كهيئة
الصبي يسجد له.
أما أبو شامه في كتاب الروضت _ في أخبار الدولت _ فيتعرض لوقعة
السودان ب _ القصرين ومنه نعرف أنه أصبح لهم. ثقل في مصر I وكيف
20
الشعر في السودان
أمر صلاح الدين بنفيهم I وقد استبشر الشاعر العماد وكتب قصيدة معبرا
عن فرحه بهذا النفي مفتتحها:
با لك الناصر اشتنارت
في عصرنا أوجه الفضائل
ثم يعرض =ن يسميهم »السودان والعبيد من بلاد النوبة « وكيف خرجوا
في أ ¤ عظيمة قاصدين ملك مصر I وعاثوا في طول الطريق فسادا I وقد
rكنوا من بلاد الصعيد I ثم كيف أنفذ إليهم ا =لك أخاه شمس الدولة I وكان
أن قال أبو الحسن بن الذروي قصيدة طويلة منها
لابد للنوبة من نوبة
ترضى لسخط الكفر دين الإله
ثم يؤرخ ابن ميسر( ٦٧٧ ه- ١٢٨٨ م) في أخبار مصر كيف أن الأتراك
كانت لهم غلبة على الحكم I ولكن أم ا =ستنصر غيرت هذا ا =يزان-وكانت
جارية سوداء استكثرت من العبيد إلى أن صار العبد يحكم حكم ا =ولى.
... وعلى كل فما يحكم الأمر هو الالتزام بالجزية I فح _ كانوا يؤدونها
كانوا eدحون( ١١ ) I وهذه النبرة موجودة عند ا =ؤرخ _ الإسلامي _ على نحو
ما ذكره بيبرس الدوادار (ت ٧٢٥ ه- ١٣٢٥ م) في زبدة الفكرة في تاريخ
الهجرة I وعلى نحو ما ذكره أبو الفدا ( ٧٣٢ ه- ١٣٣١ م) في اﻟﻤﺨتصر في
أخبار البشر I والدمشقي (ت ٧٣٩ ه- ١٣٣٨ م) في نخبة الدهر في عجائب
البر والبر( ١٢ ) I وابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩ ه- ١٣٤٨ م) في مسالك
الأبصار في uالك الأمصار( ١٣ ) I وابن أبي الفضائل (ت ٧٥٩ ه- ١٣٥٨ م) في
كتاب النهج السديد والدر الفريد فيما بعد تاريخ ابن العميد I وابن بطوطة
(ت ٧٧٩ ه- ١٣٧٧ م) في تحفة النظار في غرائب الأبصار وعجائب الأسفار( ١٤ ) I
وابن الفرات (ت ٨٠٧ ه- ١٤٠٥ م) في تاريخ الدول وا =لوك I و uا كتبه ابن
خلدون (ت ٨٠٨ ه- ١٤٠٦ م) في العبر وديوان ا =بتدأ والخبر نعرف واقعة
السودان Qصر واستيلاء نور الدين شاه بن أيوب على النوبة وكيف أنه لم
يجد في البلاد خرجا I ولا في البلاد بأسرها جباية »وأقواتهم الذرة وهم
في شظف من العيش ومعاناة للف «£ بل إننا نحس أنه متعاطف معهم I
ومشير-كعادته-إلى أن العرب هم الذين خربوا الحياة هناك( ١٥ ) I و يلاحظ
أن القلقشندي ( ٨٢١ ه- ١٤١٨ م) في صبح الأعشى في صناعة الإنشاء
21
عروبة السودان
وا =قريزي (ت ٨٤٥ ه- ١٤٤٥ م) في ا =واعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار
وابن الوردي ٨٦١ ه- ١٤٥٧ م في كتابه خريدة العجائب وأبو المحاسن (ت ٨٧٤
ه- ١٤٦٩ م) في النجوم الزاهرة I وابن أياس (ت ٩٣٠ ه- ١٥٢٣ ) في بدائع
الزهور في وقائع الدهور I وأبن عبد السلام (ت ٩٣١ ه- ١٥٢٥ م) في الفيض
ا =ديد في أخبار النيل السعيد قد قدموا الكثير عن النوبة والبجة بصفة
خاصة.. ومع أن الكتب تنقل عن بعضها I وتحمل لهجة التحامل إلى حد ما
عليهم I إلا أن ابن خلدون-كما مر بنا امتداد الرأي له قد G-كان متعاطفا
معهم I فقد جعلهم مدنية في مواجهة البداوة.
على أنهم إذا كانوا قد أرخوا لفترة الصراع بينهم وب _ من eثلون
الخلافة I فانهم لم ينسوا أن يؤرخوا للفترة ا =سيحية I وكيف أن الحكام لم
يرغموهم على ترك ا =سيحية I بل لقد كان الولاء للمسيح مصحوبا بالولاء
للسلطان على نحو ما نعرف من _e الولاء للملك شكنده I ح _ أجلس على
الحكم على نحو ما ذكر ابن أبي الفضائل( ١٦ ) I ومن خلال ما كتبه مثلا أبو
صالح الأرمني نعرف أن ا =سيحية لم تكن على سطح الحياة وإ ا كانت
ضاربة في الأعماق فقد كان مثلا في مدينة »علوة « أربعمائة كنيسة I وأن كل
أهلها كانوا من النصارى اليعاقبة I ومثل هذا يقال عن مدينة دنقلة التي
كانت بها أبنية تحاكي »أبنية العراق « أدخل فكرتها رفائيل ملك النوبة إلى
آخر اثنت _ وتسع _ وثلاثمائة( ١٧ ) I-وبصفة عامة فقد تنصرت ا =مالك الثلاث
(النوبة I ا =قرة I وعلوة).. وأخيرا كان انحسار ا =سيحية بسقوط دنقلة عام
١٣١٨ م I واعتناق ملوك ا =قرة الإسلام I وتغلب الفونج على علوة عام ١٥٠٥ م.
22
الشعر في السودان
ابو تراجى
10-02-2009, 10:33 AM
الشعر في العصر الفونجي
( ١٥٠٤ ه- ١٨٢٠ )
دار نقاش طويل حول الطريقة التي كتب بها
الشعر في هذه الفترات I فقد أكد البعض على أن
الشعر القد G على الساحة السودانية كان
بالفصحى I وكان امتدادا للفصحى في جميع
مراحلها I وكان هناك من رأي أن هذا الشعر بدأ
عاميا للتعبير عن حاجات الحياة-والنفس-من حوله I
وأنه قد ارتبط أساسا بالغناء على حد ما نعرف
من هذا الغناء ا =سمى »النميم « والذي يدور أساسا
حول حث الإبل وحول التشوق للحبيب I وهذا النوع
ا =سمى »ا =طرق « لأنه يقترن بصوت طرق عصا I
بالإضافة إلى شعر مادحي النبي I والى نوع من
الغناء الصوفي الجماعي يسمى »كرير « يشترك فيه
الرجال والنساء معا... الخ I ا =هم أنه بدأ عاميا ثم
ارتفع بعد ذلك إلى حالة ب _ العامية والفصحى I
فاقدة إلى حد ما النظام ا =وسيقي I والأحكام
الأعرابي I فالشاعر لم يكن يقود الكلمات وإ ا هي
التي كانت تقوده وتفرض نفسها على قوانينه( ١)
وعلى كل فطبقات ودضيف الله مليئة بأ اط كثيرة
من هذا الشعر الذي يدور أساسا حول عنصري
2
24
الشعر في السودان
ا =دح والرثاء I وحول بعض التهو eات الصوفية I وحول نظم بعض العلوم I
ومن ا =لاحظ أن كل ما قالوه كان محكوما بدائرة التقليد للشعر القريب من
عهدهم وهو ضعيف أساسا I و =ا كانوا يسمعونه من الشعر الذي يقال في
فترتهم الزمانية وهو ضعيف كذلك I ولهذا جاءت اذجهم مجرد نظم غث I
وان كان يشيع منها في بعض الأحيان عبير شاعري ح _ يتوكئون على بعض
شعراء الصوفية كابن الفارض I على نحو ما نعرف مثلا من شطح موسى بن
يعقوب:
سلام على قوم إذا ذكر اسمهم
تهتك أستار إليهم برجفة
تلألأت الأنوار من نحو خالقي
بوقت قيامي أو جلوسي بخلوة
نظرت إلى المحفوظ في كل ساعة
تناهيت عن إظهار حكم الدهية
أمر على الآفاق أنظر ما بدا
فأخبر عن ذكر النواحي الغريبة( ٢)
وقد يخضعون الشعر لقضية الترنيم والسماع فيتخففون من القافية I و
يشبعون الحروف I كقول الشيخ مكي الدقلاشي:
الله لي عدة في كل نائبة
أقول في كل نايبة حسبي الله
يا فارحا با عاصي عند خلوته
أما علمت بأن الشاهد الله
إلى متى أنت في لهو وفي لعب
فما مقالك فيما يعلم الله
تب يابن أدم ما دمت في مهل
واستغفر الله إن الغافر الله( ٣)
وإذا كان أغلب ما قيل كان يدور حول السلطان والطبقة العليا حوله
فإننا لا نعدم أنغاما أخرى ترددت حول العلماء I أو قيلت للتنفير من الوقوف
بأبواب السلاط _ على نحو ما نعرف من قول ينسب إلى فرح ود تكتوك..
25
الشعر في العصر الفونجي
يا واقفا عند أبواب السلاط l
ارفق بنفسك من هم وتحزين
تأتي بنفسك في ذل ومسكنة
وكسر نفس وتخفيض وتهوين
من يطلب الخلق في جلب مصلحة
أو دفع ضر فهذا في اﻟﻤﺠان l
وكم يحاكي سجون يدوم له
وكم من السجن في أيدي ا ساج l
أن كنت تطلب عزا لا فناء له
فلا تقف عند أبواب السلاط l
.. ألا الزم العلم والتقوى وما نتجت
من الثمار تفز بالخرد الع l
خل ا لوك بدنياهم وما جمعوا
وقم بدينك من فرض ومسنون
استغن بالله عن دنيا ا لوك
كما استغنى ا لوك بدنياهم عن الدين
وبصفة عامة فالمناخ العام الذي يعيش فيه الشاعر هو مناخ
القرآن والسنة والتصوف I وقليل من الشعر السابق عليه أو ا =عاصر
له I وأقل القليل من الشعر القد IG وجميعها لا تقدم شعرا متوهجا I وإ ا
تقدم نظما ضعيفا في الشكل وفي ا =ضمون I ذلك لأن ا =ناخ الثقافي لم يكن
يساعد على التوهج I ولأن الشعراء لم يحتلوا مكانة بارزة في هذا العصر I
ولأن العربية لم تكن قد رسخت في الحياة وعلى الألسن I وفي »طبقات
ودضيف الله « النماذج الكثيرة التي تدعم ما نقول على حد قول شاعر
يسمى »أبو النور « في رثاء شيخ يقال له »أبو إدريس «
صوفي الصفات فذاك شيخي
أبو إدريس الورع الوجول
لا يشتاق للذات فيها
من مأكول ومشروب العسول
26
الشعر في السودان
رضاة ربه سهر الليالي
أحب الجوع واكتسب النحول
فماله حرفة قط يعتلقها
ولا غرض لشيء ينسبول
وقد تخلف بعده الحبر ا سمى
بدفع الله من أسد شبول
ولعل هذا الأ وذج وغيره يؤكد على ما ذهبنا إليه من أن الشعر في
السودان قد نهض من أخلاط العامية I ومن الارتفاع عليها I ومن الجهد في
خلق الصورة التي صار عليها.( ٤)
27
الشعر في العصر الفونجي
الحواشي
١×) ) راجع تشحيذ الأذهان للتونسي ٬١٢٢ I١٢٣ تاريخ الثقافة العربية. د عبد اﻟﻤﺠيد عابدين ص
١٧٥ ودراسة عن الأدب السوداني قبل القرن ١٩ للدكتور إحسان عباس Qجلة القلم الجديد-العدد
٦ شباط ١٩٥٣ - I تراث الشعر السوداني. عز الدين الأم _ ٢٢ .
٢×) ) طبقات ودضيف الله ١٥٤ .
٣×) ) راجع الطبقات ١٤٩ (ط منديل).
٤×) ) الطبقات ص ٬١٥ ١٦ ط صديق I الشعر الحديث في السودان د. عبده بدوي ٩٦ وما بعدها I
تراث الشعر السوداني. عز الدين الأم _ ٣١ .
ابو تراجى
10-02-2009, 10:34 AM
العصر التركي
( ١٨٢١ م- ١٨٨٥ م) ( ١)
استطاع الفتح التركي أن يحرك إلى حد ما
العزلة التي كان يحياها السودان I فقد فتح البلاد
للسياح وا =كتشف _ وا =بشرين I وشجع على التعليم I
ودفع بالبعض إلى الذهاب إلى الأزهر I كما أنه أدخل
ا =طبعة وأقام مصنعا للورق لأول مرة بالبلاد I وفي
الوقت نفسه هز الإحساس بالقبيلة I وبالعزلة I
وشجع على التحولات السكانية نظرا لقيام بعض
ا =دن التي كان من أهمها مدينة الخرطوم I وفي
الوقت نفسه ألغى تجارة الرقيق I وقام بعدد من
الإصلاحات.. . وعلى كل فنحن لا نكاد نجد لهذا
أثرا في الشعر في أول الأمر I ذلك لأن الحظ
الواضح للشعراء كان هو الحظ الديني I فالدين
كان هو ا =ناخ الحقيقي الذي يتنفسون فيه I على
حد ما نعرف مثلا من الشيخ الأم _ الضرير الذي
مدح النبي عليه الصلاة والسلام بقصائد منها
قصيدة تضمنت كل سور القرآن I وهي القصيدة
التي بدأها بقوله:
يا رب صل على من كان فاتحة
بكر الوجود به عمراننا اتصلا
3
30
الشعر في السودان
وختمها بقوله:
إخلاصه فلق الإشراق إذ وضحت
للناس أخلاق هذا الخا y الرسلا
ثم يقول بعد دعاء طويل:
والآل والصحب والأزواج كلهم
وكل متبع من قدره كملا
كما أن له منظومة نبوية rكن قراءتها من البحر الكامل ومن مجزوئه I
وهي تبدأ هكذا:
حمدا ن أبدى لنا سبحانه
من أمنا بهداه إذ قد صانه
نسبا صريحا عن خنى ومكانه
في القرب لم يدرك رسول ذوثنا ( ٢)
وهم يحرصون في قصائد ا =دح النبوي على البدء بالغزل I أو التشوق
إلى أماكن بأعيانها كنجد I وقد يجيء ذكر النبي في آخر قصائد من eدحون
أو يرثون على نحو ما نعرف من شعر أحمد الأزهري وإبراهيم عبد الرافع I
وكثيرا ما نرى التأثير القرآني واضحا.. ثم انهم مدحوا الحكام وذكروا
مآثرهم على نحو ما هو معروف من قصيدة الشيخ أحمد محمد جداوي
في قصيدته التي تقع في ستة وخمس _ بيتا والتي مدح بها حكمدار السودان
محمد رؤوف باشا I وتبدأ بقوله:
وافي زمان الأنس والتبشير
والعز والإقبال والتيسير
وبدت بكل مسرة أيامنا
وصفت ليالينا من التكدير
والروض أينع زهره إذ نسمت
ريح الصبا فيه بنشر عبير
ثم نراه eدح محمد رؤوف باشا I ثم eدح الخديوي توفيق I ثم ينتهي
بالصلاة على النبي وآله I ولا ينسى أن يذكر اسمه..
ثم الصلاة على النبي وآله
السائرين بسيرة ا برور
31
الشعر في العصر التركي
ما قاله الأسواني أحمد ناظما
وافي زمان الأنس والتبشير
ومثل هذا فعل محمد حس _ بركاره ح _ افتتحت مدرسة بربر عام
١٢٩٩ ه- ١٨٧٥ م. وفي شعر هذه الفترة نصل إلى إشارة لها دلالهتا ذلك لأن
الشيخ أحمد الأزهري مدح أباه لإخضاعه بعض الجبال في السودان I مؤكدا
على أبيه »إسماعيل الولي « الذي قد أذن له الله ورسوله في عملية الخروج I
فهو قد فعل ما فعل بتكليف ديني I والقصيدة تدور حول هذا الإذن I وحول
الإنكار على الذين يخالفون في ذلك I وقد جاء فيها:
أدر ذكر إسماعيل ب l المحافل
ولو هازلا وأطرب به قلب غافل
.. ومن حضرة الرحمن وا صطفى أتى
له الإذن حتى سار ب l المحافل
وكان دليل الأذن صولته التي
عليها ثوى في أرض كفر أسافل
.. ولا تعتبر أقوال غمر ومنكر
على أولياء الله من غير طائل
.. ألم تر أن الله ميز خلقه
بتأخير مفضول وتقد فاضل?
فقال رفعنا بعضكم فوق فاذكر
ترى رفع بعض فوق بعض ا قابل
نعم درجات خصها الله بالذي
تقرب با فروض ثم النوافل( ٣)
وبصفة عامة فا =دح يغلب عليه الفتور I والتقريرية I ونظم بعض الأحداث I
ولم تسلم شخصية الرسول من هذا في كثير من هذا الشعر I فشخصيته
كشخصية أي رئيس عادي I فالشخصية في ا =دح كانت غائبة I ذلك لأن
ا =قصود كان إظهار مهارة في عملية الشكل I أما ا =ضمون فقد كان رداء
فضفاضا-كعادة الشعر القد G- eكن أن ترتديه أكثر من شخصية( ٤) I ومن
ا =هارات العقلية أيضا في هذه الفترة قصيدة مادحة للشيخ عبد الله أبي
ا =عالي I فقد كتب بيتا بالحبر الأحمر I وبيتا بالحبر الأزرق I فإذا قرأت
32
الشعر في السودان
الأحمر كان من مصطلح الحديث I وإن قرأت الأزرق وحده كان في رجال
الحديث I وأن جمعت بينهما كان في مدح الشيخ إسماعيل الولي( ٥).
وقضية ا =راثي لا تبعد عن هذه الصورة التي رسمت للمدح I فهي تدور
غالبا حول شخصية سرعان ما يجردها الشاعر فتصبح كنز الهداية I ومصباح
الولاية I والقائم بالليل I وشيخ الشيوخ I وفي الوقت نفسه قد يطلق الشاعر
عليه بعض ا =صطلحات الصوفية كقطب الوقت وصاحب الكشف.
أما الظاهرة ا =لفتة حقا في هذه الفترة فهي اشتغال شاعر كبير فيها
بالثورة العرابية I ذلك أن هذا الشاعر هو الشيخ يحيى السلاوي الذي ما
كاد يسمع بها حتى شغل بها I ثم انه أحب أن يعيش داخل هذه الثورة I فكان
أن عزم على السفر إلى القاهرة I وح _ لم يستجب أحد =ا أراد تجاوز
مصطفى باشا ياور مديرية دنقلا إلى محمد رؤوف باشا حكمدار السودان I
فقد أبرق إليه قائلا:
مولاي عز ترحلي
وغدوت مقصوص الجناح
فأرش جناحي مثلما
عودتنيه..ولا جناح
ويرى الشاعر نفسه في القاهرة I و يعيش في قلب الثورة مع الناس I و
يعرف كيف يشق طريقه إلى الزعيم أحمد عرابي الذي ح _ أنس إليه طلب
منه مناصرة الثورة بالشعر I فما كان منه إلا أن كتب بائيته ا =شهورة من
تسعة وتسع _ بيتا »وقد كان من أهمية هذه القصيدة أن طبعت Qاء الذهب
وبيعت في شوارع القاهرة كل نسخة منها بجنيه ذهبا( ٦). وقد جاء فيها:
شغل العدا بتشتت الأحزاب
والله ناصرنا بسيف عرابي
والقطرفيه من الرجال كفاءة
للحادثات فهم أولو الألباب
وحمية الإسلام تقضي بالوفا
حتما على كل امر
أواب
ومحبة الوطن العزيز تحثهم
والفتح أذن باتباع صواب
33
الشعر في العصر التركي
وا شركون خواسر في سعيهم
هزموا وقد نكصوا على الأعقاب
هيا بنايا أهل مصر إلى الرضا
والفوز في العقبى بغير حساب
أنتم أولوا الهمم التي بسهامها
كم من عدو آب شر إياب
انتم ولاة اﻟﻤﺠد أرباب النهى
والحر يظهر عند صدم مصاب
.. وأخيرا يؤرخ للثورة بقوله:
هذي مآثرك الجميلة زينت
رمضان بالترغيب والإرهاب
ثمان عشر منه قد أرختها
بالله نصرتنا وسيف عرابي
٦٨ ٧٩١ ١٥٦ ٢٨٣
= ١٢٩٨ ه
والقصيدة »منشور ثوري « نادر ب _ الأشعار التي قيلت في الثورة العرابية I
فهي تجيء في مقدمتها إخلاصا I وفهما للقوى ا =تصارعة I وحشدا للقوى
التي كانت حول الثورة كالشيخ محمد عبده I والسيد البكري I والشيخ عليش I
والنجار I و »البرنسات «.. الخ I و هو يعلم ما للخلافة من أثر في الوقوف إلى
جانب الثورة فيطلب منها العون I وفي الحقيقة أنها تفضل كثيرا من الشعر
ا =صري الذي قيل في هذه الفترة I والذي دار بصفة خاصة حول الثورة
العرابية.
وبصفة عامة إذا كان يغلب على الشعر في هذه الفترة الصنعة I والحماسة I
وا =باشرة I والتأثر بالقرآن والحديث والعلوم التقليدية I واصطياد الأمثال
والحكم-وقد كان هذا ميراث الفترة السابقة-فأنه في هذه الفترة ظهر أثر
ضئيل للاتصال ببعض النماذج العالية في العصور الأدبية الشامخة.
34
الشعر في السودان
3
ابو تراجى
10-02-2009, 10:35 AM
المهدية والمهدي
كان السودان مهيئا للثورة.. فقد كانت هناك
أشياء كثيرة تهيئ البلاد لحدث كبير I وكانت هناك
قسوة الحكام الأجانب I وكان هناك التعطيل لقدرات
السوداني _ والاستعانة بالأجانب في العديد من
اﻟﻤﺠالات I وقد لعب الحكام دورا شرسا في البلاد
فقد كان هناك التعالي على ا =واطن I_ وكان هناك
»جبي الضرائب « بعنف I ولقد كان كل هذا يقع على
الفقراء من الناس I أما الأغنياء فكانوا يتحايلون
على عدم الدفع I وكان هذا يقبل منهم I وقد أشار
الشيخ محمد شريف آلي شيء من هذا في قوله:
وما أبت السودان حكم حكوم
آلي أن أتى ضعف ا طاليب من مصر
فكا لثلث والثلث l للمير وحده
وللشيخ والنظار أضعافه فادر( ١)
بضرب شديد ثم كتف مؤلم
ومن بعده الإلقاء في الشمس والحر
وأوتاد ذي الأوتاد من بعض فعلهم
وأشنع من ذا كله عمل الهر( ٢)
وقد دفع هذا البعض آلي الهجرة آلي الأطراف
البعيدة عن الحكام كالقلابات وبحر الغزال ودار
فور I كما أن هذا الواقع السياسي سمح للحكام أن
4
36
الشعر في السودان
يفضلوا قبيلة على قبيلة I وطريقة صوفية على طريقة صوفية I وجماعة
سياسية على جماعة أخرى ليزداد التمزق.. وفي الوقت نفسه كانت كل
الخيوط التي تحكم مقدرات البلاد في يد الأجانب I وقد وصل الأمر إلى
عدم احترام مشاعر السوداني _ فكان أن ولى سعيد باشا عليهم »أراكيل بك
الأرمني « فلما غضب بعض ا =تنورين لتولي مسيحي عليهم أرسلوا إلى سجن
بالإسكندرية I وقد rردت حامية »دارة الجند « وقالوا: لن يحكمنا نصراني I
وكان أن أعلن القائد »سلاط «_ إسلامه I على أن ما يحكم الأمر كله أن
الأوربي _ الذين تولوا ا =ناصب هناك قد كانوا ينطوون على كراهية الإسلام I
وعلى محاصرة تياره ا =تدفق إلى الجنوب.. و بالإضافة إلى هذا كانت
هناك محاولة لتخريب الاقتصاد I وكان موقف مصر ا =تردد تجاه الثورة I
وكان جثوم الإنجليز للسودان كالأسد I فقد خططت إنجلترا لتمسك بكل
الخيوط I وقد أمسكتها جميعا في نهاية الأمر.
إزاء هذا كان من الطبيعي جدا أن تتفجر ثورة في السودان I وفي هذا
اﻟﻤﺠتمع ا =سلم ما كان ليسمح بثورة إلا إذا كان وجهها إسلاميا I وسرعان ما
وجدت العناصر العربية ا =غلوبة على أمرها في هذه الثورة متنفسا.. وقد
كان وراء هذه الثورة التاريخ الإسلامي كله I ومن ثم كانت نقطة البدء من
النبي عليه الصلاة والسلام I ومن فكرة رائعة هي فكرة النور( ٣) I ومن هذا
التراث الوفير الذي أكده الشيعة I وفي الوقت الذي أنكر الكثيرون فيه فكرة
ا =هدية في ضوء ما يذكر ابن خلدون بصفة خاصة في ا =قدمة.. فان هناك
بعض كتب الحديث غير ا =تشددة قد صدعت بالتأييد لظاهرة ا =هدية I على
أن ما يحكم الأمر كله أن ا =هدية كانت محاولة لإحياء أمر النبوة التي لا
تقف عند فترة الوحي I وأنها علم أبدي سواء أكانت كامنة عند الله أو
ظهرت في شخص مختار I وفي ضوء هذا قيل بعصمة الأئمة I وبرجعتهم
التي تتحقق »با =هدي ا =نتظر « ولنتأمل هذا النص الذي يقول »... فقال من
لا ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى: ا =هدي مني I أجلى الجبهة I أقنى
الأنف I eلأ الأرض قسطا وعدلا I كما ملئت جورا وظلما I يعيش يا خمسا
أو سبعا أو تسعا I وقال صلى الله عليه وسلم I لو لم يبق من الدنيا إلا يوم
لطول الله ذلك اليوم I حتى يبعث الله فيه رجلا I مني أو من أهل بيتي I
يواطيء اسمه اسمي I واسم أبيه اسم أبي.. وعن أبي سعيد الخدري رضى
37
ا هدي وا هدية
الله عنه قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلاء يصيب هذه الأمة I
حتى لا يجد الرجل ملجأ يلجأ إليه من الظلم فيبعث الله رجلا من عترتي I
فيملأ به الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا I يرض عنه ساكن
السماء I وساكن الأرض I وعن أم سلمة رضى الله عنها I سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يذكر ا =هدي فقال: نعم هو حق وهو من ولد فاطمة..
. الخ »وقد توسع الشيعة في هذا توسعا كبيرا I ثم كان هناك-كابن عربي في
الفتوحات ا =كية وعنقاء مغرب-من نقل آراءهم إلى دنيا ا =تصوفة I بحيث
رأينا شخصية ا =هدي شخصية تكاد تكون أسطورية I فهو يفهم منطق
الحيوان I ويصل عدله إلى الأنس والجان I ويكون معه ثلاثمائة وستون رجلا
من رجال الله الكامل I_ ويستوزر له طائفة خبأهم في مكنون الغيب I وفي
الوقت نفسه أطلعهم كشفا وشهودا على الحقائق I وبصفة عامة فقد مال
اﻟﻤﺠتمع السوداني-ما عدا قلة-إلى قضية ا =هدية وعلى حد قول مؤرخ سيرة
الإمام ا =هدي ».. وبالجملة فالأحاديث الواردة في حق الإمام ا =نتظر قد
بلغت مبلغ التواتر فلا يرتاب فيها إلا من حاد عن سنة سيد البشر ٤)« ).
وهكذا قفزت شخصية »محمد ا =هدي بن عبد الله « إلى صميم الحياة
في السودان I وكان أن أطلق عليه اسم خليفة رسول الله I وصاحب الزمان I
الإمام الفاطمي ا =نتظر I وا =عصوم.
والأمر الذي لا خلاف عليه أن اﻟﻤﺠتمع السوداني-للظلم الواقع عليه-قد
تطلع إلى ا =هدي I ولهج بذكره I وبخاصة في منطقة الغرب التي كانت مظلومة
جدا I ثم إن حركة »عثمان دان فوديو « في ا =ناطق اﻟﻤﺠاورة أكدت على أن
ا =هدي سيظهر في الحجاز أو في وادي النيل I وأن من علامات ظهوره
ا =نازعات والاضطرابات والجفاف واﻟﻤﺠاعات I بل لقد هاجر بعض سكان
»سكوتو « إلى الحجاز والسودان انتظارا لهذا الحدث I ولقد كان ظهور ا =هدي
الشغل الشاغل لكثير من السوداني I_ و uا يروى في ذلك أن عبد الله
التعايشي الذي صار خليفة بعد ذلك I كتب للزبير باشا يقول ».. لقد رأيت
في ا =نام أنك ا =هدي ا =نتظر وأنا أحد تلاميذك فأخبرني إذا كنت مهدي
العصر فأني سأتبعك « بل إن قبيلة »الدينكا « في الجنوب استوعبت هذه
الفكرة I وكان uا قالوه أن روح »دينق « قد حل في محمد أحمد I والأمر
الذي لا خلاف عليه كذلك إن ا =هدي قد شغل اكثر الناس بقضية ا =هدي I
38
الشعر في السودان
وأنه قرأ حوله كثيرا I وتشبع بهذه الفكرة إلى حد تقمصها I والدعوة إليها
سرا في أول شعبان ١٣٩٨ ه- ٢٩ يونيو I١٨٨١ وقد صور هذا الأمر في
مستهله بقوله ».. وأني لا اعلم بهذا الأمر حتى هجم على من الله
ورسوله ٥).« )
ولعل هذا كان وراء البعض الذين ذهبوا إلى أن فكرة القومية السودانية
كانت غائبة عنه-وان كان قد أفادها ضمنا-ذلك لأن ا =نطلق والهدف كان
إسلاميا محضا.
وقد عللوا لظهوره في السودان بقولهم ».. فظهر سيدنا محمد ا =هدي
بن عبد الله عليه السلام في ذلك القرن روحا وجسما I فأحيا به الله
الإسلام I بعدما صار رسما بل اسما I وخص القريب اﻟﻤﺠيب إقليم السودان
بإظهار هذا السيد الحبيب فيه I ليكون ذلك جبرا لخاطرهم الكسير I وذخرا
معدودا لهم من هول ذلك اليوم العسير I إذ هم أضعف أهل الأقاليم I
وأعجزهم عن درك الفضائل والتعليم I فحبانا ذو الفضل العظيم بظهور
هذا السيد الكر «G .. مهما يكن من شيء فقد جمع كل التراث الخاص
با =هدية I وطبق على »محمد احمد « من حيث الاسم I واسم الوالد I وكونه
من نسل السيدة فاطمة I بالإضافة إلى الصفات الجسمية والروحية I والقول
Qلء الأرض قسطا وعدلا I والعصمة I فإذا أعوزت نصوص في هذا اﻟﻤﺠال
كان لجوء إلى الحلم I على حد قول ا =هدي: ووجدنا شبهنا له على التمام
لغاية العروق الظاهرة على يدنا ظاهرة كظهور نار بألسنة الرماح وأطراف
السيوف إذا سلت من أغمادها I وبتراكم جثث القتلى في ساعة وكأنها تل
كبير I وعلى حد قول الكردفاني »والعلم لله أن ذلك من فعل ا =لائكة أو
غيرهم من أهل الغيب الذين أيد الله مهديهم بهم I وأنهم يكونون معه في
سائر حروبه ( «(٦ وقد روجوا أن اسمه شوهد على بيض الدجاج I وعلى ورق
الأشجار I وعلى بعض الأحجار I وكالقول بأن أرواح الترك ا =قتول _ في »أبا «
أخذها صقر وطار بها.. الخ I وكالقول بأنه حول ماء يكفي عشرين إلى ماء
يكفي خمس _ ألفا حينما نزل Qنهل »فرتنقول «كما أشاع أن الجنة مفتحة
الأبواب =ن eوت معه I وأن الحور تتسابق بجامات الفضة والذهب لكل من
يستشهد في حروبه.
.. بهذا وغيره تحول ا =هدي في ذهن الشعب إلى شخصية خارقة للعادة I
39
ا هدي وا هدية
وقد غذاها ا =هدي نفسه-ومن حوله-يوما بعد يوم I على أنه جعل منطلقه
دائما شخصية الرسول عليه الصلاة والسلام.
لقد بدأ بفترة تحضير للمهدية عام I١٢٩٨ ثم كانت فترة الإعلان بعد
ذلك I ح _ ذكر أنه أتاه من الحضرت _ النبوة والأقطاب سيف I وح _ توجه
بالكلام إلى من يسميهم »أحبابه « فقال: .. كما أراد الله في أزله وقضائه
تفضل على عبده الحقير الذليل بالخلافة الكبرى من الله ورسوله I وأخبرني
سيد الوجود صلى الله عليه وسلم بأني ا =هدي ا =نتظر I وخلفني عليه الصلاة
والسلام بالجلوس على كرسيه مرارا بحضرة الخلفاء الأربعة I والأقطاب I
والخضر عليه السلام I وأيدني الله تعالى با =لائكة ا =قرب I_ و بالأولياء
الأحياء وا =يت _ من لدن آدم إلى يومنا هذا I وكذلك ا =ؤمن _ من الجن I وفي
ساعة الحرب يحضر معهم أمام جيشي سيد الوجود صلى الله عليه وسلم
بذاته الكر eة.. ثم أخبرني سيد الوجود صلى الله عليه وسلم بأن الله جعل
لك على ا =هدية علامة وهي الخال على خدي الأ eن I وكذلك جعل لي
علامة أخرى: تخرج راية من نور تكون معي في حالة الحرب يحملها عزرائيل
عليه السلام فيثبت الله بها أصحابي I وينزل الرعب في قلوب أعدائي I فلا
يلقاني أحد بعداوة إلا خذله الله( ٧).
.. ثم تراه بعد ذلك يجعل محوره الفكري سيرة النبي كما أكدنا I فهو لا
يتلقى أوامره من الله وإ ا من النبي I فنجده يقول مثلا: أمرني سيد الوجود
صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى ماسة بجبل قدير I وأمرني أن أكاتب بها
جميع ا =كلف _ أمرا عاما I ويقول: أخبرني سيد الوجود صلى الله عليه
وسلم بأن من شك في مهديتك فقد كفر بالله ورسوله-كررها صلى الله
عليه وسلم ثلاث مرات-وجميع ما أخبرتكم به من خلافتي على ا =هدية..
الخ فقد أخبرني به سيد الوجود صلى الله عليه وسلم يقظة في حال
الصحة I خاليا من ا =وانع الشرعية I لا بنوم I ولا جذب I ولا سكر I ولا جنون I
بل متصفا بصفات العقل I أقفو أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر
فيما أمر به I والنهي عما نهى عنه ( ٨)...
انه هنا لا يستند في تلقي أموره إلا على النبي »لكونه يأخذ من مشكاة
النبوة بغير واسطة جميع الأحكام فهو ترجمان الحضرة النبوية I والواسطة
العظمى بيننا وب _ النبي في التبليغ ٩) « ) I هذا بالإضافة إلى ما يقال في مثل
40
الشعر في السودان
هذا الحال من الخضوع للإلهام والنكت في القلب I والنقر في الأذن I والرؤيا
في النوم I والتأمل في ا =لك المحدث له ( ١٠ ).. .
من هنا رأيناه يحاول السير-ما وسعه-وراء الخطوط النبوية I فقبل خروجه
من جزيرة »أبا « جعل خلفاءه بعدد خلفاء الرسول I وقد سمى ذهابه إلى
ماسة هجرة I واتخذ له غارا يتعبد فيه I وبيعة تذكر بيعة النبي I وسمى
أصحابه الأنصار I وجميع الزكاة والعشور واتخذ له أربع زوجات سم _
أمهات ا =ؤمن I_ وقد وجد من حوله من يشبه وقائعه وغزواته وسراياه Qا
فعل الرسول I ».. وأنت إذا تأملت بع _ البصيرة I وطابت منك السريرة
اتضح لك أن موقعة أبا من حيث كونها حصلت يوم الجمعة السادس عشر
من شهر رمضان قريبة الشبه من غزوة بدر « وح _ يجرح ا =هدي في معركة
تقارن جروحه بجروح النبي في موقعة أحد.. الخ وقد تشرب اﻟﻤﺠتمع هذا
كله I وسار فيه شوطا كبيرا I فح _ يشتد ا =رض على ا =هدي يأذن لعبد الله
التعايشي أن يصلي بالناس و يكون هذا إيذانا بخلافته I وح _ eوت يدفن
في نفس الحجرة التي توفى بها I كما فعل الصحابة بالنبي I فقد قالوا: لقد
كان ا =هدي يقفو أثر النبي وأن سيرته تطابق سيرته I ثم كان القول باستمرارية
ا =هدية في الخليفة عبد الله التعايشي.
وقد كان هناك rهيد قبل ذلك Qنشور جاء فيه »أن الخليفة عبد الله
هو مني وأنا منه وقد أشار إليه سيد الوجود صلى الله عليه وسلم ١١)« ) على
أنه صاحب هذا الخط العقائدي خط آخر ظهر في مطالبة ا =هدي الحكومة
في أول الأمر باستبدال الزكاة بالضرائب I وبإلغاء القوان _ الوضعية I وتحكيم
كتاب الله في مخلوقات الله I والنعي على الظلم الذي يقترفونه في حق
الناس.
في فترة امتدت أربع سنوات rكن رجال ا =هدية من السطوع على
خريطة العالم فقد دحروا الجيش التركي كتيبة بعد كتيبة I وقد نالوا من
قياداته التي كانت في الغالب إنجليزية I وانتهى هذا كله أخيرا بفشل حملة
الإنقاذ التي حضرت لتخلص »غوردون « من الحصار وا =وت I ولكن رأسه
تدحرج ب _ أقدام الثوار I وعلق كرمز على قطع العلاقة ب _ السودان والحكم
التركي I وعلى ظهور السودان كقوة محلية بعيدا عن التبعية I وقد صهر هذا
الأمر الناس صهرا شديدا I فقد أدمجت القبائل في اتحاد عام بعد أن كانت
41
ا هدي وا هدية
لا تتلاقى ولا تقترب إلا بقدر I ومع أنه كان لكل قبيلة لواء I وشاعر وقائد
في أول الأمر I إلا أن ا =هدي دفع هذا كله إلى حد كبير في اتجاه واحد هو
اتجاه الإسلام الصحيح-في اعتقاده-وقد كانت الحركة باسم الإسلام في
ذهن كثير من ا =سلم _ في هذه الفترة كحركة مهدي الصومال محمد عبد
الله حسن I وكحركة السنوسي الذي حاول ا =هدي أن يكون السنوسي منه
كما كان عثمان للرسول I وكحركة الأفغاني I ومحمد عبده.
فقد كان هناك اتجاه عام في هذه الفترة يعتمد على القول بأن الإسلام
قد دخلته مفاهيم غريبة على ا =سلم I_ وأنه يجب أن ينقى بحيث يعود إلى
ألقه الأول I ومن ثم كان التفكير الشديد في العودة إلى النبع الأول I والى
النقاء الأول I وفي ضوء هذا كان اللجوء مباشرة إلى شخصية النبي عليه
الصلاة والسلام I وهكذا قفز بالعصر هناك إلى عصر الإسلام الأول.
لقد مهد ا =هدي لهذا من فترة ببث الكراهية نحو الأتراك I فقد كفرهم
وأمر بنبذ ملابسهم وشاراتهم وألقابهم I وبخلق شعور من الاستعلاء والفوقية
عليهم I وح _ لاقى في هذا معاناة من بعض ا =تعلم _ في عصره رأيناه
يضرب ضربات كبيرة للوصول إلى تلك القضية الهامة التي شغلته I والتي
جعلها غاية وهي الوصول إلى »الإسلام الصحيح .«
... لقد تعرض له عدد من العلماء في عصره وكادوا يهددون سلطته
الحقيقية I وذلك ح _ ربطوا الأمر بالخروج على الجماعة الإسلامية I ولقد
جهر بعض هؤلاء العلماء بتكفير من يخرج على خليفة ا =سلم I_ و =ا كان
للعلماء ا =صري _ دور بارز في هذا رأيناهم يتصدون لعلماء مصر »والعجيب
من علماء مصر ا =ذكورين حيث أفتوا أحمد عرابي بقتال والي مصر I ووجوب
محاربته I وأنكروا قيام ا =هدي عليه السلام I وحربه للترك وهم شاهدون
على ذلك Qقتضى فتاواهم.. . ففتاواهم ا =ذكورة شاهدة للمهدي عليه
السلام على حد قول الشاعر:
ومليحة شهدت لها ضراتها
والفضل ما شهدت به الأعداء!
وهناك رسالة مشهورة من ا =هدي إلى علماء مصر.
ثم انه رأى أن عددا كبيرا من علماء الإسلام قد فرعوا I وعنعنوا I وهمشوا I
وفذلكوا وضيعوا أعمارهم في أمور شكلية I وقد كان من جراء ذلك أنهم
42
الشعر في السودان
أخفوا جوهر الإسلام عن الناس I وأن ا =واطن البسيط قد أصبح يحس أنه
في غابة من الأشجار الكاذبة I وأن عليه أن يتلمس طريقا واحدا بسيطا
وسهلا.. وح _ اشتد العلماء في النكير عليه سماهم »علماء السوء « وكان
uا قاله: ستة لا يرضون بأمرنا العالم والظالم والترك وتربيتهم وأهل
الشأن وأهل البرهان.
ثم رأيناه يضرب ضربة مدوية ح _ رأى أن يوقف العمل با =ذاهب الأربعة
أو على حد ما قيل »رفع « هذه ا =ذاهب I فقد رأى أن يتفرد Qذهب خاص
به يتكئ دائما على الينابيع الأولى للإسلام I وقد علل لهذا بأنه يأخذ من
مشكاة النبوة بغير واسطة I وقد سأله رجل من الشايقية يدعى الحاج مرزوق
عن مذهبه بعد أن ألغى ا =ذاهب الأربعة فقال: هؤلاء الأئمة-جزاهم الله-قد
درجوا الناس I وأوصلوهم إلينا I كمثل »الراوية « وصلت ا =اء من منهل حتى
أوصلت صاحبها للبحر فجزاهم الله خيرا I فهم رجال ونحن رجال I ولو
أدركونا لاتبعونا وان مذهبنا هو الكتاب والسنة والتوكل على الله وقد طرحنا
العمل با =ذاهب ورأي ا =شايخ !
وح _ قال له الفكي (الفقيه) جلال الدين: يا سيدي العلماء يسألون عن
طريقنا وعن مذهبنا فما نقول لهم ? قال: قل لهم طريقنا لا اله إلا الله
محمد رسول الله I ومذهبنا السنة والكتاب I وما جاء من عند الله على
رؤوسنا I وما جاء من النبي صلى الله عليه وسلم على رقابنا I وما جاء من
الصحابة إن شئنا عملنا به وان شئنا تركناه. وبصفة عامة سار في طريق
سلفي واضح I فأنشأ بيت ا =ال I وفرض الزكاة والعشور I وقسم الغنيمة
والفيء I وحذر من الغلول I كما أنه قسم رايات الجيش تقسيما إسلاميا I
ومنع زيارة القبور I وتدخ _ التبغ I وفي الوقت نفسه جدد في ا =عاملات
فنهى عن زواج البالغة بلا مهر ولا ولي I وحكم بطلاق امرأة الغائب بعد
سبعة أشهر إذا لم يترك لها الزوج ما يعينها على الحياة I اللهم إلا إذا كان
غائبا في مواطن الجهاد I ونهى عن لبس الفضة والذهب وشعر العارية
للنساء I وخروج الحديثات منهن ب _ الناس كما أبطل الرقص والغناء وضرب
الدلوكة( ١٢ ).
ومن أجل هذا أحرق كل كتب السنة والتفسير I وأحرق معها جميع الكتب
الدينية والعلمية حتى لم يبق في السودان من الكتب إلا القرآن ومناشيره
43
ا هدي وا هدية
ورواتبه( ١٣ ) وقد شكك الدكتور مكي شبيكة في أنه هو الذي أمر بإحراقها I
و uا يؤيد هذا الرأي في نظرنا أنه عثر في مكتبته على روح البيان I وكثير
من كتب التفسير I وكتب الشعراني I وابن عطاء الله I وأنه كان يقرأ بعض
هذه الكتب على أصحابه I كما أن الشيخ محمود نور احمد ح _ أصر على
قراءة الجزولية أقره عليها( ١٤ )...
وانطلاقا من هذا الشعور I ألغى الطرق الصوفية I فإلى جانب أن بعضها
أخذ منه موقفا مضادا I فانه رأى أنها تفتت وحدة الشعب السوداني I وتوزع
ولاءه ثم إن كل طريقة كانت ترمي الأخرى بالخروج عن الدين( ١٥ ) I وفي
الواقع لقد كانوا طرقا كثيرة I فقد عرف السودان ا =رغنية I والقادرية I
والسمانية I والإدريسية والتيجانية I والخلوتية I والوهابية I والسنوسية I
بالإضافة إلى الطرق التي شجعها محمد علي على الدخول في السودان
كالسعدية I والرحمانية I والبدوية I والدسوقية.. ولقد حدد ا =هدي رأيه في
ا =تصوفة ح _ قال: إن أقل أنصاره مرتبة يتفوق على الشيخ عبد القادر
الجيلاني I وحينما طلب منه تفسير ذلك قال: أن مناقب الشيخ عبد القادر
كثيرة I وهي أكثر من أن تحصى I ولكن الشيخ عبد القادر لم يزل ا =نكر من
غيره I ولكن أدنى أصحابنا إذا رأى منكرا يزيله حالا بسيفه I قال صلى الله
عليه وسلم: من رأى منكم.. الخ وح _ دار جدل حول هذا قال: لو فرضنا أن
كل قبيلة حفرت rدة (ينبوع ماء) لتشرب منها I واعتادت أن تشرب منها
زمنا طويلا I فجاء البحر وغطاها كلها فماذا يفعلون به هل يكتفون بأن
يشربوا من البحر I أم يبحثوا وراء rدهم ليشربوا منا ? وح _ أجابوه: إذا
بحثوا عن التمد فلا يجدونه لأنه عمه النيل وصار جزءا منه I قال لهم:
هكذا الحال الآن ! ولهذا رأيناه يبطل العمل بجميع الأوراد I و يؤلف لأنصاره
راتبا جديدا يقرأ يوميا وهو مكون من الآيات والأحاديث والأدعية ( ١٦ )...
وعلى كل فإذا كان قد »رفع « ا =ذاهب I وأوقف الطرق I فانه أعطى لنفسه
مجالا كبيرا في الاجتهاد I وحول اﻟﻤﺠتمع السوداني إلى مجتمع »مجاهد «
يستعلي على الآخرين I وفي ضوء هذا فانه لا يجب أن يأخذ عن الآخرين I
لأن الآخرين »كفار « أو سائرون في طريق »الكفار I« ومن ثم كان لابد من
أحياء القيم السودانية I ولابد من صهر اﻟﻤﺠتمع في نار جديدة تسمى نار
ا =هدية I ولابد من رسم »مدينة فاضلة « تبهر عيون الناس وعقولهم I فقد
44
الشعر في السودان
جاء في منشور للمهدي أن دعوته ستملأ البلاد عدلا بعد أن ملئت جورا I
وأن هذا العدل سيفيض منها على العالم كله »ويدر الله لنا الأرزاق درا I و
يفيض ا =اء فيضا I وتتآنس الذياب I ويأمن كل مؤمن من سم الحية I وهذا
كله بعد وصولنا لبيت الله الحرام I والبيعة الثانية هي الكبرى I وتسمى بيعة
الفوز والرضوان « من كل هذا نرى أن الحركة ا =هدية قد وحدت اﻟﻤﺠتمع
السوداني I وجعلته حارسا =ثل عليا مشتركة I وقد التزمت بآراء السلف I
وكانت لها اجتهادات خاصة بها I وعملت على فرض الإسلام على غير
ا =سلم I_ ودفعت بالعربية إلى أماكن لم تدفع إليها من قبل وأدمجت قبائل I
ومذاهب I وطرقا I وفي الوقت نفسه أنشأت مدنا-كأم درمان-وأضعفت مدنا
كبربر I وحركت التركيب السكاني على مناطق جديدة I وأحدثت خلخلة سكانية
في ا =ناطق الزراعية والرعوية.. وفي الوقت نفسه q »اقتطاع بعض الأطراف
السودانية I« و q عزل السوداني _ عن إخوانهم ا =سلم I_ حتى عن الحج
بدعوى مظنة اختلاطهم-على حد تعبير مؤرخي ا =هدية-بجواسيس مصر
وإنجلترا.
ثم كان انحراف الخليفة عبد الله التعايشي بالثورة I وتربص إنجلترا
بالبلاد ثم الوثوب I واستعادة الفتح ».. لقد q كل شيء في جو من الدهشة
الحا =ة وعدم التصديق: انتصرت الثورة قبل أن يفهمها الناس I وانحرفت
دون أن يصدق الناس I واندحرت بصورة فاجعة قبل أن يستوعب الناس
الدرس _ السابق I_ وتجربة الهز eة القومية تجربة متكررة في حياة كل
أمة I ولكنها تتفاوت من حيث النتائج والآثار وقد كانت هز eة الثورة ا =هدية
في نوفمبر عام ١٨٩٩ واحدة من تلك الهزائم التي تعمر الأجيال I تاركة على
واعية الشعب وضميره أخطر الآثار. ١٧)« ) وهكذا كانت ا =هدية حلما جميلا
عاشه السودانيون I ولكنهم ما لبثوا أن أوقظوا منه إيقاظا شديدا I فقد كان
العالم ضدهم I وكانت يد ا =سلم _ قصيرة لم تستطع أن rتد إليهم I وكانت
هناك محاولات لتصفية كل الأصوات الإسلامية I ثم انه كانت هناك أخطاء
في نسيج ا =هدية I وكان هناك عدم بصر بالظروف الخارجية I ففي الوقت
الذي كانت تتداعى فيه الهدية في الداخل I كان الخليفة عبد الله التعايشي
يدعو إلى أن يعتنق ا =هدية السلطان عبد الحميد I وقبائل نجد والحجاز I
ووداي I والسلطان رابح I وسلطان سكوتو I وملك الحبشة I وا =لكة فيكتوريا
45
ا هدي وا هدية
ملكة إنجلترا I ومع أنه طلب من خديوي مصر أن يكونا يدا واحدة إلا أن
الرياح كانت تأخذ طريقا معاكسا I ومهما يكن من شيء فا =هدية لم تكن غير
ثورة تحررية من أشياء كثيرة في الداخل والخارج I و =ا لم يكن العصر يسمح
بثورة إلا من خلال الدين وباسمه فقد كان لابد من لبس »مرقعة الدراويش «
والتحدث باسم الإسلام I والأخذ-كما قالوا-من مشكاة النبوة بغير واسطة..
ومن ثم كانت ا =بالغات I ومداواة بعض الأخطاء بالأخطاء I على أنه كان وراء
ذلك قلب ذكي حاول الإخلاص للإسلام ما استطاع وحاول تخليص الوطن
من أيدي قاتليه I وحاول دفع الإسلام والعربية في مناطق جديدة لم تعرف
الإسلام والعربية في اﻟﻤﺠتمع السوداني.. وحاول أن يضيء رقعة من
الجغرافيا في فترة من التاريخ.. وقد فعل في ضوء ا =قولة التي تقول إن
الإمامة مطلقة في أمور الدنيا والدين معا !
ابو تراجى
10-02-2009, 10:36 AM
الشعر وقضية المهدية
موضوع ا =هدية في الحضارة العربية موجود I
وقد كانت الكلمة قد eا لا تخرج عن معناها اللغوي I
على حد ما نعرف من قول النبي عليه الصلاة
والسلام »عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين
ا =هدي «_ وعلى حد ما نعرف من مجيئها على ألسنة
عدد من الشعراء كحسان بن ثابت I ولكن الكلمة
خرجت من معناها اللغوي ح _ أطلقت على الإمام
علي I وعلى ابنه الحس I_ وح _ خصصتها فرقة
الكيسانية Qحمد بن الحنفية الذي قيل عنه إنه لم
eت I وأنه وأصحابه يقيمون في جبل رضوى I وأنهم
جميعا أحياء »وعنده عينان نضاختان تجريان عسلا
وماء لأنه يرجع إلى الدنيا فيملؤها عدلا ×)« ) I ثم أن
كلمة »ا =هدي « أضيفت لها كلمة »ا =نتظر « ولهذا
رأينا الشيعة ب _ وقت وآخر يخرجون مطالب _
بالحكم باسمه I و =ا كانت هذه الفكرة تعتمد على
جوانب عاطفية I وتقف وراءها فكرة الظلم I فإننا
رأينا عددا كبيرا من الشعراء المحسوب _ على الشيعة
تعمق هذا ا =فهوم على حد ما نعرف مثلا من شعر
كثير عزة I وبهاء الدين العاملي I وديوان ابن هانئ
الأندلسي مليء Qصطلحات كثيرة في هذا اﻟﻤﺠال
مثل I الدعوة I والداعي I والعهد I والتأويل I والوصي I
5
48
الشعر في السودان
وضرورة وجود الإمام في كل عصر ظاهرا أو مختفيا I وأنه تجب معرفته
لأنه علة وجود العالم I وقد عمقت هذا الاتجاه رسائل أخوان الصفا ح _
أكثرت من الحديث عن نظرية الفيض الإلهي I وأن هذا الفيض يختص به
الله من يشاء من عباده I وأن له ا =ظاهر الدورية!
وعلى كل فقد تأسست دول باسم ا =هدية كدولة ا =وحدين في ا =غرب I
ودولة ا =هدي _ في السودان I وبجب ألا ننسى في هذا اﻟﻤﺠال دولة الفاطمي _
»فإذا نحن قلنا أن كل الحضارة الفاطمية والعلم الفاطمي والقاهرة
الفاطمية نتاج غير مباشر لفكر ا =هدي لن نبعد ١)« )
.. وما يهمنا هنا هو القول بأن الدعوة ا =هدية امتداد طبيعي للفكر
الشيعي I وأن الناس كانوا مهيئ _ لهذه القضية في السودان I إلى حد أنهم
كانوا يطلقون على الرجل الصالح اسم »ا =هدي ا =نتظر « بالإضافة إلى الرغبة
في وجود »مخلص I« وهم ليسوا في هذا بدعا I فاليهودية تقول برجوع ايليا I
وا =سيحيون وا =سلمون يقولون برجوع عيسى I ومن ثم كانت الأع _-ومن
وراء ذلك العواطف-جادة في البحث عن مخلص I وقد ساعد على ذلك في
السودان أن ا =ناخ الثقافي محشود بحديث لا ينتهي عن الصوفية وا =تصوف I_
وبحديث لا ينتهي عن الظلم والظا I_= وقد تلقف كل هذا »محمد أحمد
ا =هدي « وشحن به نفوس الناس I وقد قدم مهديته على أساس أنها أمر من
الله ورسوله فقد جاء في بعض كتبه ».. أني لا أعلم بهذا الأمر حتى هجم
علي من الله ورسوله من غير استحقاق فأمره مطاع وهو يفعل ما يشاء
ويختار « كما أنه قال ».. وحيث إن الأمر لله وا =هدية أرادها الله لعبده
الفقير الحقير الذليل محمد ا =هدي فيجب بذلك التصديق لإرادة الله I وإذا
كان ما يهمنا من هذا كله هو انعكاسه في الشعر I فإننا رأينا الشيخ الحس _
الزهراء يقول:
أنعم بأمر كان من جد القضا
جار وقد حكمت به الأسماء
وله الإشارة من ألست بربكم
طوعا له وليسمع العلماء
وإذا كان ا =هدي قد صور مراسيم حفل مهديته بقوله إنه رأى النبي
صلى الله عليه وسلم »بعيني رأسه يقظة فأجلسه على كرسيه وقلده سيفه
49
الشعر وقضية ا هدية
وغسل قلبه بيده وملأه إيمانا وحكما ومعارف منيعة « فأننا رأينا
الشاعر إبراهيم شريف الدولابي الكردفاني يترجمها إلى الشعر
فيقول:
ورقي إلى كرسيه متسما
خلعت عليه ملابسا من نور
وأقامه اﻟﻤﺨتار عنه خليفة
في مشهد بالأوليا معمور
فدعا إلى الدين الحنيف مجاهدا
بالسيف والإنذار والتبشير
وح _ ذكر ا =هدي الأحاديث والأخبار التي وردت في ا =هدية قال الشيخ
الحس _ الزهراء:
به أخبرت من قبل وقت ظهوره
صحاح رواها هبرزي موضع
وإذا كان ا =هدي قد ذكر أن الله قد أيده با =لائكة وا =قرب _ وبالأولياء
الأحياء وا =يت _ من لدن آدم إلى زماننا هذا I وكذلك ا =ؤمنون من الجن I فان
الشيخ الحس _ الزهراء يقدم لهذا معادلا فيقول:
لم لا.. وأملاك السموات العلا
في جيش مهدي الورى أجناد
والجن والأنس الذين عهدتهم
سوى( ٢) الذين ومالهم وأعداد
وإذا كان ا =هدي قد ذكر أن النار كانت تحرق أجساد أعدائه »عيانا « فان
الشيخ الحس _ الزهراء يقول:
ما النار شأن النار أعجب ما أرى
تجرى بهم وجسومهم سوداء
وقال الشيخ عبد الغني السلاوي:
وقتيله يوم الطعان معجل
إحراقه وبذاك لي أنباء
وقد ذكر الشيخ محمد الطاهر اﻟﻤﺠذوب العديد من ا =واقع التي انتصر
فيها! في القصيدة التي أولها:
50
الشعر في السودان
هندوب تعرف صبرنا
كيف اتجهنا للمصاعب
وهشيم تشهد عزمنا
كيف ادر عنا للمتاعب
وإذا كان ا =هدي قد ذكر أن النبي قال له »من شك في مهديتك فقد كفر
بالله ورسوله « فان الشيخ إبراهيم شريف قال:
ومن اهتدى بهداه أصبح داخلا
سور الرضى أعظم به من سور
ومن انتمى لسواه أمسى حائرا
ضل الطريق بليلة ديجور
.. فتح البلاد ودمر الكفار في
كل البلاد بجيشه ا نصور
وإذا كان قد بشر أصحابه بأن الحور تنتظر من يقتل تحت راياته I فان
الشيخ محمد عمر البنا يقول:
والحور تنتظر اللقا فرحا بهم
وتزينت لقدومهم جنات
وإذا كان ا =هدي قد ذكر أن النبي قد قلده سيف النصر I وأيده بقذف
الرعب في قلوب أعدائه I فان الشيخ محمد عمر البنا يتلقف هذا ثم يقول:
وأمدهم جيش ا لائك ناشرا
رايات نصر للبلاد تجوب
فسيوفهم مسلولة ورماحهم
مسنونة وعدوهم مرعوب
فعدوهم دوما يغص بريقه
والرعب منهم للقلوب يذيب
أن نوزلوا كانوا الليوث معاركا
دوما..وعقل عداتهم مسلوب
وح _ فتح ا =هدي باب الجهاد قال الشيخ محمد عمر البنا:
أن الجهاد فريضة مرضية
شهدت حكم أمرها الآيات
51
الشعر وقضية ا هدية
وح _ ذكر أن نسبه يرجع إلى النبي I قال الشيخ حس _ الزهراء:
يا بن النبي محمد ووليه
وأمينه.. ماذا إليك مراء
وقال الشيخ إسماعيل عبد القادر:
خلاصة صفو اﻟﻤﺠد عن آل هاشم
وأفضل من في الخير راح أو اغتدى
أمام له في كل مجد وسؤدد
مآثر فضل ما أجل وأمجدا
وح _ توفي قال الشيخ إبراهيم شريف:
يا آل بيت ا صطفى صبرا وان
جل ا صاب وعز عن تعبير
وقد ذكر ا =هدي في رسالته إلى السنوسي الذي طلب منه أن يكون
Qثابة عثمان لديه ».. ثم حصلت حضرة عظيمة عن النبي٭ فيما خلفه
من أصحابي فإذا أجلس أحد أصحابي على كرسي أبي بكر الصديق I
وأحدهم على كرسي عمر وأوقف كرسي عثمان فقال هذا الكرسي لابن
السنوسي إلى أن يأتيكم بقرب أو طول وأجلس أحد أصحابي على كرسي
علي ٣)« ) وفي ضوء هذا رأينا الشيخ محمد الطاهر اﻟﻤﺠذوب يقول ح _
رثائه:
عزاء إلى الصديق نائبه الذي
به ا لة الغراء شد انتصابها
عزاء إلى الفاروق من كان رأيه
لديه يهاب الباترات ذبابها..الخ
وقد رسم له الشعراء صورة واضحة على حد ما نعرف مثلا من قول
الشيخ إبراهيم شريف الدولابي:
هو مجمع البحرين بحر شريعة
طام وبحر حقيقة مسجور
سر الوجود وترجمان الحضرة العليا
ومظهر غيبها ا ستور
52
الشعر في السودان
والله أكرمه بطيب تحية
يجذو بها موسى كليم الطور
قد كان قوام الدجى متبتلا
متواصل الإحسان غير فخور
طلق المحيا خاشعا متواضعا
كهف الفقير وجابر ا كسور
وتفيض بالجود الكثير ينه
أبدا بلا من ولا تكدير
ويبيت طاوي الكشح جوعا وهو قد
أعطى الكنوز بجمعها ا وفور
لا يبتغي جاها ولا مالا ولا
عز ا لوك ولا ارتفاع الدور
ما همه إلا اجتذاب الخلق من
درك الشقاوة.. عميهم والعور
والدين عز وأهله بلغوا ا نى
وتقلبوا في نعمة وحبور
تاقت إلى الذات العلية روحه
وسعت قصد صدقها ا ذخور
... ومثل هذا نجده في قصيدة رحبة للشيخ الحس _ الزهراء منها:
عماد الهدى. أس الجدي. معدم العدا
بداواليه الناس في الأرض نجع
أمام الهدى الهادي لكل مرشد
بهامته التاج النفيس ا رصع
به أخبرت من قبل وقت ظهوره
صحاح رواها هبرزى موضع
ونجد نفس النغمة عند الشيخ عبد الغني السلاوي على نحو ما نعرف
مثلا من قصيدته التي يقول فيها:
الله أكبر.. لا ارتياب لهديه
والجاحدون له إذن أعداء
53
الشعر وقضية ا هدية
والآخذون به لقد أعلاهم
أوج العلا.. فخرت بهم علياء
.. والعقل قبلا فيه يشهد أنه
بعث الهدى.. يأيها العقلاء
هلا رأيتم موجبات الصدق فيما
يدعي.. أو ليس فيه خفاء
ولنا عليه نتائج بالفكر أن
لأع l النظرا له أضواء
إذ نصره من ربه مشهود كل
العا l.. وليس فيه مراء
.. وهكذا نرى أنه كان للمهدية شعر I وأن هذا الشعر قد استوحى
ا =هدي وا =هدية( ٤).
54
الشعر في السودان
55
ابو تراجى
10-02-2009, 10:36 AM
لشعر والثورة
في فترة »التركية الأولى « لم ينس السودانيون
القسوة التي فتحت بها البلاد I وقد سار كثير من
الحكام على طريق العسف والقسوة I وقد كان كثير
منهم يقيم في البلاد كارها I كما ثبت على البعض
أنه »استحل مال الأمة I« فقد كان الاختلاس ب _
الحكام شائعا I وفي عهد سعيد باشا الذي زار البلاد
في ١٦ يناير من عام ١٨٥٧ هاله فقر البلاد I وما
تركه فيها انتشار الهواء الأصفر الذي مات بسببه
الكثير I وكان أن عزم على إخلائها I لولا ما قيل له
أن الإخلاء سيحدث نوعا من الفوضى ستمتد إلى
مصر(ا) وكان أن قام بعدة إصلاحات يجيء في
مقدمتها أنه أصدر أمرا صريحا Qنع تجارة الرقيق I
وعلى الرغم من هذه الإصلاحات وقع في خطأ
فادح ح _ استجاب إلى فكرة »نابليون الثالث « الذي
طلب منه إمداده بسوداني _ للحرب في ا =كسيك I
وكان أن أرسلت أورطة مكونة من ٤٥٣ سودانيا I ثم
كان خطأ آخر أكثر فداحة في نظر السوداني _
وذلك ح _ ع _ على السودان »أركيل بك الأرمني «
فقد أنكر السودانيون-وبخاصة مشايخ الشكرية
والفقيه إبراهيم عبد الدافع-أن يع _ عليهم وال
مسيحي I وقد أرسل الغاضبون إلى مصر I وألقي
6
56
الشعر في السودان
بهم فترة في سجن الإسكندرية I وعلى الرغم من أنه قامت في البلاد عدة
ثورات إلا أنها كانت تخمد بقسوة I والظاهرة العامة أن مشاعر أهل البلاد
لم تكن تراعى I وأن الأجانب كانوا يضعون أيديهم على ا =ناصب الحساسة I
وقد هيأ هذا البلاد للثورة I وقد صور هذا أحد العلماء السوداني _ ح _
كتب إلى أستاذه بالأزهر ».. . أن الحكومة (التي يتولاها غوردون) كأسد
كاسر والأهالي كأنعام ضالة لا راعي لها غير الأسد I هذه حالنا اليوم أما
أنا فإنني أؤكد لك أن هذه الأحوال لا تدوم أياما قلائل I وسترى أن الأغنام
السود ستنقلب إلى ذئاب I وسيرأسها أسد كاسر I و eوت الأسد الظالم شر
ميتة ٢)« )
في هذه الفترة كان ا =طلوب من العلماء أن يسيروا في ركاب الحاكم I
فمن قبل وسع لهم في الرزق I وتركوا في وظيفتهم I ومن يخرج كان يعاقب
بالسجن على نحو ما نعرف من موقف الفقيه إبراهيم عبد الدافع الذي
سجن بالإسكندرية مع زميله الشيخ أحمد أبو سن شيخ الشكرية I اللذان لم
يفرج عنهما إلا بعد أداء e _ الطاعة I ولكن كان إلى جانب ذلك تيار
صوفي حر إلى حد ما I فالحكومة ما كانت تتبع شطحاته I ووجهات نظره I
ذلك لأنها في الصميم كانت تتجاوز الواقع إلى عالم من التجريد والتهو IG
ما كان ليعني الحكومة في شيء I ومن هنا لم نرها تضيق على الطرق التي
تعددت في هذه الفترة I بل لقد كان هناك تشجيع في بعض الفترات على
إدخال طرق جديدة I ولقد حسم من فترة الأمر للمتصوفة على حساب
الفقهاء I ولعل uا يدل على ذلك تلك الرواية التي تقول أن الشيخ دش _
ا =عروف بقاضي العدالة تقابل مع الصوفي محمد الهميم I وكانت فرصة
ليحدثه في أمر زواجه من عشر نساء I ومن جمعه ب _ الأخت I_ وكان أن قال
له: يا شيخ محمد خمست وسدست وعشرت حتى جمعت ب _ الأخت _
تخالف كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم I فما كان منه إلا أن
رد قائلا بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أذن له بذلك I وقبل أن يتكلم
القاضي قال الشيخ إدريس الذي شهد ا =واجهة دعه فأمره بينه وب _ ربه I
ولكن القاضي فسخ هذه الأنكحة I فما كان من الصوفي إلا أن دعا عليه
قائلا: الله يفسخ جلدك I ويقول صاحب الطبقات »وان القاضي مرض
وانفسخ جلده مثل قميص الدبيبة I وشطح الشيخ شطحا مع كونه أميا لم
57
الشعر والثورة
يقرأ إلا لغاية الزلزلة:
فان كنت يا قاضي قرأت مذاهبا
فلم تدريا قاضي رموز مذاهبنا
فمذهبكم نصلح به بعض ديننا
ومذهبنا يعجم عليكم إذا قلنا
قطعنا البحار الزاخرات وراءنا
فلم يدر أهل الفقه أين توجهنا( ٣)
وعلى الرغم من أن هناك بعض الأصوات التي ناصرت الفقهاء على
ا =تصوفة I إلا أن إعجاب العامة با =تصوفة كان لا يقف عند حد I ذلك لأنه
كان يبعدهم إلى حد ما عن الواقع الكريه الذي كانوا يعيشون فيه I ولأنه كان
مسموحا به من الحكام في هذه الفترة I بل ومشجعا عليه I وكان أن ولد
موقف أخير eكن أن يطلق عليه اسم »الفقيه ا =تصوف « وداخل هذه الدائرة
كان دور كبير لشقيق _ هما: محمد شريف بن نور الدائم I وعبد المحمود بن
نور الدائم ( ٤).
الأول تعلم في بلاده I ووفد إلى الأزهر I وظل على صلة بعدد من علماء
مصر I ومتصوفيها I وح _ تولى أمر السمانية ظل على صلة بأمور الدنيا
والدين I ولقب »بالأستاذ « وأخرج كتاب »العنوان » I« الهداية الألهية « و »كتاب
الأذكار الطيبية في أوراد الطرق الجلية « والطرق التي ذكرها هي: القادرية I
والخلوتية I والشاذلية I والرفاعية I والدسوقية I والبدوية I والنقشبندية I و =ا
كانت بعض هذه الطرق ليست موجودة في السودان I فإن هذا يدل على
سعة أفق الشيخ محمد شريف I ورغبته في مخاطبة الآخذين بها في العالم
الإسلامي I وبخاصة مصر I ورغبة منه في تجاور أسوار الطريقة السمانية
التي يتزعمها إلى حقيقة جوهر التصوف.
ثم إنه يجب ألا ننسى أنه تعرف على هذه الطرق السبعة I وأنه قد أجازه
عليها الشيخ محمد الحسن بن محمد عبد الكر G ح _ ذهب إلى ا =دينة
ا =نورة I ثم أن مثل هذا ا =وقف قد أخذ به الشيخ محمد الحسن بن محمد
عبد الكريم I لهذا كان من الطبيعي أن يعبر عن هذه القضية شعرا
فيقول:
أذنت لأهل الحب في كل بلدة
58
الشعر في السودان
بأذكار طيب القوم ذي السلك والسير
بشرط الأساس والعقائد والنقي
وفاعل ذا مأذون في العهد والذكر
كما أنني مأذون في كل ما أتى
به أحمد اﻟﻤﺨتار من عمل الخير
وقد كان وراء هذا التقاء الفقيه والصوفي فيه I والرغبة في توحيد
الأصوات الصوفية ا =تصارعة حوله I والرغبة كذلك في تجاوز أسوار الطريقة
السمانية التي يتزعمها إلى حقيقة جوهر التصوف بدليل أن بعض هذه
الطرق لم تكن معروفة في السودان I بل انه ليس من البعيد أن يكون قد فكر
في توحيد العالم الإسلامي عن طريق توحيد الطرق الصوفية I و uا يرشح
لذلك الإجماع على ورعه وتقواه I وعلى انطلاقه في الفقه من مذهب أبي
حنيفة I وفي العقيدة من الأشعري I وعلى أن أحد ألقابه كان شيخ شيوخ
الطرق الصوفية( ٥)... ثم أن هناك رأيا يقول انه فكرفي الثورة على الحكم
قبل أن يفكر فيه تلميذه محمد أحمد ا =هدي I وقد صرح بهذا ح _ دعا
شقيقه الشيخ البشير إلى حفل لختان أولاده I وكان أن جمع لهذا الحفل
حشد كبير من ا =ريدين والأتباع I بالإضافة إلى »الشيوخ الأقطاب « وح _
رأى هذا الشيخ محمد شريف عرض على إخوانه الثورة على الأجانب I
وتسلم أمور الحكم-وقد كان من ب _ الذين سمعوا هذا تلميذه محمد أحمد
ا =هدي قبل أن يقوم بثورته-وقد كان هناك من أوجس خيفة من هذا وفي
مقدمتهم شقيقه الشيخ عبد المحمود I وهذا التفكير لا يستبعده الشيخ عبد
الله الطيب نور الدائم فقد قال »أن الأستاذ محمد شريف علم القراءة
والكتابة والضروري من علوم الدين لعشرين ألفا من الأعراب شابوا على
الجهالة I ولم يكونوا eيزون ب _ الحلال والحرام قبل اجتماعهم به.. ومقاصد
هذه الطريقة بالأجمال أولا رفع الجهالة عن الأعراب ٦)« ) ثم أن هناك
روايات تروى عن تزي _ »عبد الله التعايشي « له بالادعاء با =هدية I بل أن
هناك رواية عنه تقول إن محمد أحمد =ا كثر أنصاره طلب منه أن يصدق
مهديته وأن يكون وزيرا ومستشارا له في عام ١٢٩٥ ه- ١٨٧٨ م I ولكنه زجره
ونهاه على حد تعبير نعوم شقير( ٧).. ا =هم أنه uا ذكرنا يتضح أن الشيخ
محمد شريف كان مع فكرة الثورة لا فكرة ا =هدية( ٨) I فلما انتصرت فكرة
59
الشعر والثورة
المهدية التزم جانب الحكومة I ووقف يساندها بقوة شعرا ونثرا I
فقد كان يعتقد أنه من الطبيعي أن تعود الأمور إليه I إذا تحقق النصر على
تلميذه القد G »محمد أحمد « خاصة وأن في شعره ما يشي بذلك:
وانصرني يا الله نصرا مؤزرا
على زمر الأعداء بالقهر والحسم
وأمرني يا مولاي بالعلم والتقى
مع العدل والأنصاف للناس في الحكم
وألهمني يا الله منك شهادتي
وت سوى لا بقتل ولاسم ( ٩)
ثم إنه بدأ يشكو ويتوجع من أمر ظهور تلميذه على نحو ما نعرف من
قوله:
نشكو إليك الظلم منهم والألم
يا رب فاضر بهم بأصوات النغم
بيدك اليمنى على رؤوسهم
في حركاتهم وفي جلوسهم
وفي قلوبهم وفي أجسادهم
وفي أموالهم وفي أولادهم
حتى يكونوا عبرة للنادي
كقوم موسى وكقوم عاد
وأهم من هذا كله تلك القصيدة الوثيقة التي-تحدث فيها عن نفسه I
وقص قصته مع تلميذه محمد أحمد I ومع قضية ا =هدية.. الخ. وقد جاء
في مقدمتها ».. أن محمد أحمد ا =تمهدي الدنقلاوي الحناقي( ١٠ ) قد كان
تلميذي وتابعي في طريق الإرشاد وخادمي في كل ما هو لازم (عشرون)
سنة و =ا سلك طريق السير وظهرت له معالم الخير وشم منه رائحة نفحات
الذكر تجبر وتكبر بتزي _ شياط _ الأنس والجن I وكذا شدة الفقر ومرارة
العسر (فادعا) دعواه الشيطانية وخالف أمري وخرج من يديه بالكلية « وقد
بدأها Qقدمة تقول:
إلى الله ناصحت العباد ا أرى
وبينتها في الرسم بالنثر والشعر
60
الشعر في السودان
لئلا أحاسب أو ألام بكتمها
لأني أرى ما لا ترون من الأمر( ١١ )
ذلك صندوق وما فيه من يدي
ومفتاحه عندي ولم يدره غيري ( ١٢ )
وان لم أجاهر بالنصيحة أنني
كمن يبصر الإعماء ( ١٣ ) يسقط في البئر
وحاشا وكلا أن أكون كمثله
ولي منزل الإجلال في دولة الغير
و حو ضلال ا فسدين بهديه
وتنصر للشرع الشريف على النكر
وتهدي الصراط ا ستقيم بنورها
وتوعد أصحاب الحكومة بالنصر
ثم قص قصته مع تلميذه محمد أحمد:
لقد جاء ني في عام »زع « وضع
على جبل السلطان في شاطئ البحر( ١٤ )
يروم الصراط ا ستقيم على يدي
فبايعته عهدا على النهي والأمر
فقام على نهج الهداية مخلصا
وقد لازم الأذكار في السر والجهر
وأفرغ في نهج المحامد جهده
فرقيته جهلا بعاقبة الأمر( ١٥ )
أقام لدينا خادما كل خدمة
تعز على أهل التواضع في السير( ١٦ )
كطحن وعوس ( ١٧ ) واحتطاب وغيره
ويعطي عطا من لا يخاف من الفقر
وكم صام كم صلى وكم قام كم تلا
من الله ما زالت مدامعه تجري ( ١٨ )
وكم بوضوء الليل كبر للضحى
وكم ختم القرآن في سنة الوتر
61
الشعر والثورة
لذلك أسقى من منهل القوم شرية
بها كان محبوبا لدى الناس في البر
وكان لدينا عيشه صدقاتنا
وخادمنا عشرين عاما من العمر( ١٩ )
إلى الخمس والتسع l أدركه القضا
على ما مضى في سابق العلم بالنشر
بصحبة شيطان من الجن آيس
وشيطان انس.. وافقاه على الضر( ٢٠ )
ولا تنس داعي الاحتياج فثالث
فكم ( ٢١ ) ساقط في الشر من ألم الفقر
فقال: أنا ا هدي فقلت له: استقم
فهذا مقام في الطريق ن يدري ( ٢٢ )
وخادعني بالقول: كا هدي ابنكم
ومحسوبكم في الحب في عالم الذر
فقم بي لنصر الدين نقتل من عصى
فأنت لك الكرسي ولي دولة الغير
فقلت له: دع ما نويت فإنه
وتالله شر قد يجر إلى خسر( ٢٣ )
وقال له الشيطان: بشر ولا تخف
فانك منصور على البر والبحر
وعلى كل فالقصيدة وثيقة هامة( ٢٤ ) سنقفز منها إلى موقف _ هام _
أولهما يتصل بالمظالم التي كانت واقعة على السودان من الحكم
التركي:
وما أبت السودان حكم حكومة
إلى أن أتى ضعف ا طاليب من مضر
كالثلث ( ٢٥ ) والثلث l للمير وحده
وللشيخ والنظار أضعافه فادر
بضرب شديد ثم كتف مؤلم
ومن بعده الإلقاء في الشمس والحر
62
الشعر في السودان
وأوتاد ذي الأوتاد من بعض فعلهم
وأشنع من ذا كله عمل الهر( ٢٦ )
ولم يعلم السلطان ما هو كائن
ولا والينا هذا ا قيم في مصر( ٢٧ )
ومعلوم عن ا سلم l وغيرهم
عدالة مولانا وواليه في الأمر
وان ع l الوالي إلى البر حاكما
يعاهده عهدا على العدل في البحر
فيترك العهد الوالي عند وداعه
ويأتي بجمع ا ال بالظلم والجور
أما ا =وقف الثاني فيتصل-على الرغم من هذه ا =ظالم-بالولاء للحاكم
والسلطان I فهو يقول في الحكومة:
لقد رفعت قدري وقالت صديقنا
محمد شريف باشا له الأمر في القطر
فما ضاع من أمواله نعطها له
كذا الدين واستحقاقة الشهر بالشهر
مكافأة منّا لهُ كأصولنا
ونوليه ما شاء في البر والبحر
وعاديت أعداء الحكومة كلهم
إلى أن يفيئوا أو وتوا على الخسر
ونفسي وأتباعي وما ملكت يدي
على عهد ذي الآستانة ملك الخير
وموتي على هذا جدير وانه
لحفظ مقامي والديانة والبر
.. من هذا نصل إلى الدور الكبير الذي وقفه الشيخ محمد شريف نور
الدائم-موقفا وشعرا-فنحن نرجح أن الثورة كانت في نفسه وح _ صدّ
عنها I وبرز موقف تلميذه محمد أحمد ا =هدي أخذ جانب الحكومة I لأنه لم
يرض عن التحرك باسم ا =هدية I ولأنه قدر أن الحكومة ستنتصر وسيكافأ
على هذا I ولكن الأحداث شقّت لها مجرى آخر.
63
الشعر والثورة
نصل الآن للشيخ عبد المحمود نور الدا G شقيق الشيخ محمد شريف
وحفيد الشيخ أحمد الطيب بن البشير I وقد تضاربت الآراء حوله فترة I
ولكن ظهر كتاب جلا حياته rاما I هذا الكتاب هو »نفحة الرياض البواسم
في مناقب سيدي الأستاذ عبد المحمود نور الدا G( ٢٨ ) ونعرف أن نسبه eتد
إلى العباس I وأنه درس العلوم الدينية على من حوله I وتفقّه على مذهب
الإمام مالك I فلما رأى أن يكمل تعليمه في القاهرة رأى جدّه الشيخ أحمد
الطيب في رؤيا يقول له: دع عنك هذا الخاطر واسلك طريق القوم I وبعد
فترة شكا لجده عدم الفتح في الطريق فقال له ».. ادخل خلوة الأربع _
ترقى إلى مقام اﻟﻤﺨلص _ ويفتح عليك كل ما كان مغلقا عنك I فدخلها
واجتهد فيها بأنواع الرياضة والذكر اجتهاداً كثيرا ما سمع لغيره I ولا اتفق
لأبناء عصره I فانهالت على جنانه من سماء الفتح د G الأسرار I وأشرقت
على وجهه الشّريف شموس ا =عارف والأنوار I وقصدته الأخيار من جميع
الجهات للانتظام في سلك طريقه القو G والتروّي من بحر فيضه العميم I
فتميز بسبب ذلك في الكمالات على مشايخه فضلا عن أقرانه في عصر
شبابه I وباحث العلماء في دقائق العلوم I ورجح عليهم في تحقيق ا =نطوق
وا =فهوم ونفث السحر الحلال بكلامه.. وقد رأى مناما ربّ العزة جل جلاله
وسمعه يقول: يا ملائكتي جروه Qعنى اجذبوه لحفرة اللاهوت ٢٩) « ) وهم
يقولون إنه هدى كثيرين إلى طريقته السمانية I وبهر الكثيرين بعدد من
الكرامات I وح _ ظهرت ا =هدية وحققت الكثير من الانتصارات كاتبه ا =هدي I
فقدم إليه مع كثير من مريديه I وعندما استقبله ا =دي قال له ».. إن سيد
الوجود صلى الله عليه وسلم قال لي لا يتم أمرك إلا بوصول الأستاذ عبد
المحمود إليك ٣٠)« ) I وقد كان من الطبيعي أن تأخذ منه الحكومة موقفا بعد
سقوط ا =هدية I ولكن أموره سويت معها I ومن ثم كان توغله في عالم التصوف I
وقد ظهرت دعوته للتقليل من الطرق الصوفية I فكان أن كتب منظومة
طويلة-شرحها بعد ذلك-في هذه القضية I وهي تبدأ بقوله:
ما قولكم يا علماء العصر
في حلق الذكر وذكر الجهر
على أنه تدفق بالشعر تدفقا ح _ قام برحلة إلى مكة للحج I فله قصيدة
طويلة قالها Qجرد رؤيته للكعبة I وهي التي تبدأ بقوله:
64
الشعر في السودان
كعبة الجود جودي با رادات
وواصليني بأمطار الفيوضات
وكان »كلما لحظ الكعبة رأى فيها شيئا من عجائب الأسرار وأنشد
أبياتا « فمن ذلك أنه رآها متجلية.. فقال:
يا عروسا قد تجلت
لقلوب العارف l
وتجلت بجمال
دونه الحسن ا ب l
هام قلبي في سناها
ب l جمع العاشق l
كدت أن أفنى غراما
عن جميع العا l
أسرت كلي بسر
يفرح القلب الحزين
وأفاضت بعلوم
من علوم الأول l
ولنا فضلا أدارت
كأس خمر الأندرين
ثم رآها مرة أخرى متجلية فأنشد:
عروس الحي هل لي من وصال
به يشفى من الأسقام بالي ?
عروس الحي هل لي منك سر
أسر به على مر الليالي ?
عروس الحي حييني. وأحيي
فؤادا هائما لسواك قالي
عروس الحي هل لي منك عطف
به تصفو أو يقاتي وحالي ف
يا لهفي ويا أسفي وحزني
إذا ما لم أنل منك ا عالي
65
الشعر والثورة
وقد أعطى »الطريق « للبعض في مكة I وفي ذهابه وقفت الريح
بالسنبوك( ٣١ ) I فطلب منه الركاب أن يستغيث لهم I فارتجل:
يا سيدي يا رسول الله قد وقفت
عن ا سير بنا السنبوك واللجج
أغث بريح سريع كي نزوركم
في روضة نورها أضوى من السرج ( ٣٢ )
وكان أن هبت الريح-كما يقال-بعد الإنشاد I وحدث أن تخاصم بعض
الركاب I فأنشدهم قصيدة طويلة أولها:
قطعت الفلا والتيه أطلب سيدا
شفيعا لكل العجم والعرب سيدا
وعلى كل فقد كانت الرحلة زادا للشعر I وقد تدفق هذا الشعر تدفقا
ح _ زار ا =سجد النبوي I وح _ كانت تقام الأذكار I ثم كان وداعه للمدينة
بتلك القصيدة التي أولها:
أهل ا دينة أنتم أسيادي
وهواكمو في مهجتي وفؤادي( ٣٣ )
وبصفة عامة فقد كان له تعلق خاص بالذات المحمدية ( ٣٤ ) I وبالحماسة
للطريقة السمانية على حد قوله:
على منهج السمان لازلت أنني
ومشورتي في الناس أن يتسمنوا
فلله من نهج إلى الله موصل
به القوم في السر ا صون كنوا( ٣٥ )
ويتقدم »العلم القدسي « على العلم الشرعي على حد قوله:
ما كل علم يستفاد من الدرس
وأعظم علم علمنا الكامل القدسي ( ٣٦ )
وقد يفد إلى الذهن سؤال حاسم يقول: ما موقف الشيخ عبد المحمود
نور الدا G من الثورة ا =هدية ? وللإجابة على هذا نجد-كما ذكرنا-أن الشيخ
سعى إلى ا =هدي I وأن ا =هدي رحب به I ولكن ا =راجع تصمت عن موقفه بعد
ذلك I وكل ما تذكره أن كلا من الرجل _ كان يحترم الآخر ويجله I فلما مات
ا =هدي وقع في المحنة ذلك لأنه سعى به عند الخليفة عبد الله التعايشي
66
الشعر في السودان
بأنه منكر للمهدية I وبأنه غير قابل لخلافته I بل ويدعو لنفسه I ومن ثم كان
غضب الخليفة عليه I وكان أن أمر بأن يضرب ألفي جلدة في السوق I
ولنترك الشيخ يعبر عن هذا شعرا بقوله:
فسجنت ثم ضربت ألف l بلا
م l بأسواط بحضرة أمة
وا سلمون جميعهم ا رأوا
هذا بكوا بالأع l الرأسية
.. من غير تلك فكم وقايع قد بدت
من تلك أعدائي لقصد أذية
كمثال قولهم لذاك خليفة ألا
هوا بأني قد برزت لبيعة( ٣٧ )
ومهما يكن من شيء فشعر الشيخ يؤكد موقفه ا =عادي من ا =هدية بعد
موت ا =هدي على نحو ما هو معروف من قصيدته التي يقول فيها:
فإذا سألتم عن الأمر الذي
فيه أجابوا بالجراءة والف
إن قلت قال الله قال رسوله
غضبوا لذاك وأظهروا سوء الحزن ( ٣٨ )
وعلى كل فقد ابتعد عن السياسة في ظل الحكم الذي جاء بعد ا =هدية
بعد أن تخلص من الوشايات ضده I وانصرف إلى عا =ه الصوفي I وبصفة
عامة فعا =ه الصوفي يدور حول شعر الحب الإلهي I وحول شعر الحب
المحمدي I عل نحو ما نعرف من ديوانيه شرب الكأس I والروض البهيج في
مديح نبي الرحمة والتفريج I وإذا كان في الديوان الأول يتجول في عوالم
ا =تصوفة وبخاصة عالم ابن الفارض I فإنه انطلق من القضية التي تقول
بأن الله أول ما خلق خلق نور نبينا محمد I ثم انتقل هذا النور إلى آدم I ثم
تنقل في سائر الأنبياء I ولهذا لقب بخا q النبي I_ وعلى حد قوله »فالأنبياء
جميعا من نوره ٣٩)« ) ولنتناول ما ذكره عن النبي عليه الصلاة والسلام في
كتابه مولد رياض الخيرات ( ٤٠ ) فمن فهمه للنبي كانت صور ا =دح الكثيرة
التي قدمها I يقول ».. وأصلي على من عقدت له النبوة في الأزمان الأزلية I
قبل خلق كل شئ من ا =كونات I ودعا الخليفة عند إيجاد الأرواح وبدء الأنوار
67
الشعر والثورة
إلى الوحدانية I كما دعاهم آخر في خلقة جسده الحاوي لجميع الكمالات I
كما يشهد لهذا قول الله تبارك وتعالى من الآيات القرآنية: {تبارك الذي
نزل الفرقان على عبده ليكون للعا l نذيرا} وغيره من الآيات I وقوله
صلى الله عليه وسلم من الأحاديث الصحيحة ا =روية I كنت نبيا وآدم ب _
ا =اء والط I_ وفي رواية لا آدم ولا ماء ولا ط I_ فيالها من شهادات I فلا
ريب أنه أنذر الخليفة أجمع وآمن الكل به في الأولية I كما آمن به في
الآخرية( ٤١ ).. الخ.
وبصفة عامة فقد وقف الشعراء كثيرا-وبخاصة من ينتمون إلى الطريقة
السمانية-عند هذه القضية التي تتفق مع طبيعة التجربة الشعرية I والتي
ينطلق وراءها الخيال بأقصى سرعة له.. خاصة وأن تجريد القضية على
هذا النحو يساعد الخيال على الانطلاق.
ابو تراجى
10-02-2009, 10:37 AM
نظرة تقييمية لهذا الشعر
بصفة عامة عرف هذا الشعر الأغراض القد eة
من مدح ورثاء ووصف.. الخ وهي جميعها تدور في
الفلك القد IG وبعبارة أدق نراها قد دارت في الفلك
الذي دار فيه الشعر في الفترة الزمانية السابقة
للمهدية أو ا =تزامنة معها I وا =لاحظ أن كل ما قيل
في كل الأغراض كان متأثرا بعالم الصوفية I وبفترة
الضعف في التراث العربي I وببعض اللمحات من
عالم الشيعة I ثم لقد كان uا أضعف حركة الحياة-
وبالتالي حركة الشعر-مخاصمة عالم العقل I فهو
عندهم قاصر I ولنتأمل قول الشيخ حس _
الزهراء:
أظل بذات الضال في جرع رامة
أصلي بظل الضال لي الظهر والعصرا
أرى مغرب الأغيار أعتم ظلمة
فهيهات هيهات انتقالي ولا بدرا
أراقب نور الشمس من كوة الحمى
طوال الليالي علني أن أرى الفجرا
أردد في تلك الظلول على الربا
تردد ذي حاج ليدركها شهرا
وإن هي لم تفتح مغلق بابها
عكفت بذاك الباب أطلبها عشرا
7
70
الشعر في السودان
وأمكث إن لم ألق من جانب الحمى
رفيق بروق عند ذاك الحمى دهرا
وأرقب من فيض الرحيم مراحما
ونعماء من ضراء لا تنتهي حصرا
وأرضى بكوني ناسكا غير عارف
على حد علم العقل استعمل الفكرا
وان كان علم العقل غير موصل
إلى شرح علم السراد لم يزل قشرا( ١)
وقد كانوا يحلقون أحيانا في بعض الأجواء العالية على نحو ما نعرف
من تأثرهم بقصيدة ابن سينا في النفس I ولكنهم كانوا لا يستطيعون البقاء
كثيرا I وقد يشوهون بعض الأفكار الرئيسية على نحو ما نعرف من تخطي
الفكرة الرئيسية في قصيدة ابن سينا إلى فكرة ا =هدية في السودان على
نحو ما نعرف من تلك القصيدة التي جاء فيها:
رسم ترقرق بالسنا فله الهنا
إذ ناله بعد الفناء بقاء
وكسته أثواب الرضا مهدية
تتلو ا ضرة أختها السراء
فغدا بها يختال في حلل البها
ولكل شيء شدة ورخاء
كم ارتعي من روض دانية الجنى
ثمر الرضا تدنيه لي وجناء
.. عاش ابن سينا جهده أوصافها
بشفائه فإذا هي العنقاء
دقت ورقت وارتقت في سكرة
بلمى شفاه دونها الصهباء
.. تلك التي جهد الزمان لوصلها
وله بذلك غدوة ومساء
حتى بألطاف ا هيمن مكنت
أغراضه منها..يد بيضاء
71
نظرة تقييمية لهذا الشعر
فغدا بها متصرفا في أهله
يعطي و نح من يرى ويشاء
ودعا بها لله دعوة قاهر
سمعت بسر مكانها العظماء
فأجابها أهل النهي في طاعة
سفكت بها قبل اللقاء دماء( ٢)
وقد نجد إشارات خاطفة عن القول بنظرية الفيض الإلهي I وبأن
له مظاهر دورية I وأن الأئمة فيهم قبس من الله ينتقل وراثيا I وقد يكنون
بليلى وزينب وسعاد وغيرهن عن الحقيقة( ٣) وهم بصفة عامة لا يقدمون
أشياء جديدة I ولا يتجاوزون أشياء قيلت I وإ ا يرددون ما قيل بطلاقة I
وقد يسيئون أحيانا إلى ما قيل على نحو ما مر بنا عند الحديث عن ابن
سينا وعينيته ا =عروفة I وعلى نحو ما نعرف من تشطيرهم مثلا لقصيدة
لسان الدين بن الخطيب( ٤) وبعض أعمال ابن الفارض.
.. على أن هذا يسلمنا إلى ظاهرة نراها في الشعر السوداني وهى أن
الشعراء لم يقفوا ككبار الشعراء الصوفية عند الحديث عن الذات الإلهية
محاول _ الاتحاد بها عن طريق معارج يصعد فيها السالك I وعن طريق
الشطح ا =وصل إلى مقام التوحيد I حيث ينكشف سر ب _ العبد الواصل
وا =عبود ا =وصول إليه I وفي ضوء هذا تتغير ا =فاهيم فيكون حديث العبد
على لسان الحق( ٥) وعن طريق بعض القضايا الكبيرة كالحلول I والاتحاد I
والوصول..فقد اكتفوا بالاقتراب من هذه العوالم.. وعلى كل فكما أنهم لم
يضربوا بعيدا بجذورهم في أرض الشيعة I فانهم كذلك لم يضربوا بجذورهم
في أرض الصوفية I وفي ضوء هذا رأيناهم ينصرفون إلى حد كبير عن
عالم الألوهية إلى عالم النبوة I ومن ثم كانت لهم »الأوراد « التي تتحدث عن
هذا العالم في نثر مصحوب بالشعر( ٦) أو في شعر على نحو ما نعرف من
»القصيدة ا =بهجة للنفوس ا =عوجة « للسيد محمد عثمان ا =يرغني والتي
تقرأ في السحر I والتي منها:
يا رب بهم وبآلهم
عجل بالنصر وبالفرج
.. وبنور الكون منوره
72
الشعر في السودان
مختارك أحمدنا البهج( ٧)
وعلى نحو ما هو معروف من تقليدهم وتشطيرهم للقصائد ا =شهورة
للبوصيري I وابن الفارض وعبد الرحيم البرعي I وعبد الغني النابلسي I وقد
يطلب الشاعر إجازة ا =ديح ثم يذكر اسمه وأسماء إخوانه I ثم يختم ا =دحة
بالصلاة عليه وعلى آله I على نحو ما فعل الشيخ أبو القاسم أحمد هاشم( ٨) I
ومن ا =لاحظ أنهم وقفوا عند الجوانب الخارقة في حياة النبي I ومن ثم كان
حديثهم ا =تكرر عن »الإسراء « وعن »ا =عراج « وكيف كان بالجسم لا بالروح I
على نحو ما نعرف من شعر الشيخ عمر الأزهري الذي منه:
وهو الذي جازت الجوزا مراتبه
حتى ارتقى لسمو فوق كيوان
ونال ثم دنا منه وخاطبه
من قاب قوس l أو أدنى العلي الشأن
فجاء بالخمس من خمس l كاملة
ثلاثة بالضيا.. والليل فرضان
وقد شرح هذه الفكرة باستفاضة الشيخ إبراهيم أحمد في القصيدة
التي يقول فيها:
وأتى خليلك بالبراق فأيقظ ال
جسم الشريف لنيل كل نجاح
فطفقت تقطع للفدافد قاصدا
رحبا لرسل مكون الأرواح
فأقام جبريل الصلاة وأنت كن
ت إمامهم ومنيلهم لرباح
(وتدل) معراج ا واهب والعلا
فرقيته عونة الفتاح
حتى خرقت سماء بدر دجنة
فلقيت آدم والد الأشباح
ولقيت في الثاني ابن مر والتي
سادت بحيى ع l كل سماح
وبثالث لاقيت يوسف ذا الجدا
73
نظرة تقييمية لهذا الشعر
واليمن والحسن الشهي الضاحي
وبرابع لاقيت إدريس العلا
وبخامس هارون ذي الإفصاح
وبسادس موسى الكليم وذا الوفا
والهدى والإيعاظ في الألواح
وبسابع لاقيت إبراهيم من
عمر البطاح بابنه السياح
لازلت تخترق العلا حتى أتيت
بساط قدس جل عن أمداح
فرأيت ربك يقظة من غير كيف
بعد ما خاطبته بكفاح
وتستمر القصيدة في ذكر الخوارق I و يعود إليها في قصيدة دالية I
ومثل هذا ما فعله الشيخ عمر الأزهري( ٩).
وما نريد أن نصل إليه هر أن الشعر السوداني حاول الخروج من قضية
»التجريد « إلى قضية »التشخيص I« وأنه ح _ لم يستطع-كما فعل كبار
ا =تصوفة-أن يدور حول الذات الإلهية دار حول الذات المحمدية I وإذا كان
قد قيل انهم لم يفعلوا مع النبي إلا مثلما فعلوا مع ا =مدوح I_ وأن أول من
فعل هذا كان »الكيت « uا جعله عرضة لانتقاد الجاحظ( ١٠ ) I فإننا نرى
أنهم في بعض شعرهم حلقوا بالرسول إلى الآفاق العليا I كما في شعر عمر
الأزهري الذي يقول:
لولاه ما كان الوجود ولم يكن
ملك ولا ملك ولا أعوانه
بل =ا كان آدم ولا نبي من الأنبياء I ولقد نجا الخليل بجاهه من النار I
وموسى من فرعون I كما نجا بجاهه ذو النون من الغرق I وأيوب من ا =رض
ولنتأمل قول الشيخ عبد المحمود:
وهو الذي فوق كل الفوق منزلة
وخص فضلا بسر الكاف والنون
مولى ا عاني: أم l الله. خيرته
74
الشعر في السودان
من الأنام ووضاح البراه l( ١١ )
على أن اكثر هذا الشعر قد عنى-على غير ما هو معروف في الشعر
العربي ا =ادح-بتقد G »الأ وذج الكامل « في حالة تجسيد I ولهذا تقابلنا في
الشعر السوداني ظاهرة تحديد الأعضاء ومدحها على غير ما هو معروف
في قصائد ا =دح I ولنتأمل قول الشيخ الطاهر اﻟﻤﺠذوب:
هنيئا ن قد شام وجنة أحمد
ومتع بالطرف الكحيل ا سهد
بنور تجلى فوق خد لأحمد
سلام على خد النبي محمد
لخد منير أسهل ومشمم
لقد كان فم الهاشمي محمد
ضليعا وسيعا ذا بهاء وسؤدد
إذا افتر يبدي حب در منضد
سلام على فم الحبيب محمد
ولنتأمل قول الشيخ محمد اﻟﻤﺠذوب:
سلام على رأس الرسول محمد
لرأس جليل بالجلال معمم
سلام على وجه النبي محمد
فيا نعم وجه بالضياء ملثم
سلام على طرف النبي محمد
لطرف كحيل أدعج ومعلم
ثم يستمر الشاعر في ذكر الأنف I والخد I والفم I والعنق I والصدر.. الخ
فهل يكون هذا الشعر قد تطور في بعض مظاهره إلى تلك الطريقة التي
تذكرنا بأغاني »سلام « في الحبشية I وهي تلك الأغاني التي يذكر فيها
الشاعر الحبشي كلمة »سلام « في أول كل بيت I ثم يأخذ في تعديد أسماء
أعضاء ا =مدوح عضوا عضوا على التوالي I منزلا عليها السلام ( ١٢ )? مهما
يكن من شيء فنحن لا نستبعد أن يكون وراء الظاهرة بالإضافة إلى قضية
تجسيد الأ وذج هذا التراث الروحي ا =وجود في الأوراد السودانية بوجه
خاص على نحو ما نعرف من »الثلث الثالث « في سر الأسرار للشيخ أحمد
75
نظرة تقييمية لهذا الشعر
الطيب بن البشير( ١٣ ).
وقد ساعد على وضاءة هذه الصورة عشقهم للحقيقة المحمدية I
واعتقادهم أنها في ا =تناول إلى حد ما I ولإكمال هذه الصورة كان قولهم
بأنه النور الأزلي ا =وجود قبل آدم I وا =تنقل ب _ الأنبياء I ولا نظن أن وراء
هذا »عالم ا =ثل « لأفلاطون I وإ ا وراءه أفكار الشيعة التي ترى أن هذا
النور يتوارث I وأفكار ا =تصوفة التي تقول بشيء يشبه هذا فيما يسمى
القطب I وقد قيل أن »الحلاج « كان أول من تكلم عن نظرية أزلية »النور
المحمدي( «(١٤ الذي ظهر قبل الخلق I ولولاه ما كان الكون والوجود I وقد كان
لهذه النظرية أثر في الشعر الإسلامي لأنها شقت للمدائح النبوية طريقا
صوفيا خاصا وجد بغزارة في الشعر التركي I وا =لاحظ أن مدح النبي قبل
ظهور نظرية »النور المحمدي « كان مدحا فاترا في الشعر العربي I ولكن
ح _ ظهر هذا التيار تألق هذا الشعر I ومثل هذا التأثير قد ظهر في الأدب
التركي بصفة خاصة.. ا =هم أن الشعر الصوفي في السودان-وبخاصة
الطريقة السمانية-قد ركز على هذا الجانب في إبراز صورة النبي I ليس
في الشعر فقط I ولكن في التصورات التي دارت حول قضية ا =هدية وحول
محاولة إدخالها في عقول الناس ووجدانهم I ولقد كان ا =هدي في أول أمره
سمانيا I ثم إن هذا كان موجودا في التراث الصوفي عند الطرق الأخرى
كالشاذلية مثلا I uا يؤكد أن الشعر السوداني قد أحس في أوراده وأشعاره
بهذه القضية بعمق( ١٥ ) ولنتأمل ما جاء في كتاب من نافذة القطار للدكتور
عبد الله الطيب I فهو يقول: نحن ا =سلم _ الأفريقي _ نحب العرب I وننسب
أنفسنا للعرب من أجل محمد.
يتصل بالظاهرة النبوية التي تحدثنا عنها ظاهرة الحديث عن ا =هدية
uثلة في محمد أحمد ا =هدي ومحاولة رسم صورة مشخصة له باعتباره
uثلا للنبي I وقائما بهذه الدعوة التي قلبت ا =وازين في البلاد I وإذا كان
الشعر العربي يحتفظ لنا في الغالب بصورة مجردة عن ا =مدوح eكن أن
تنطبق على كل ا =مدوح I_ فان الشاعر السوداني هنا حاول أن يعطي
»خصوصية « للشخصية التي يتكلم عنها I و eكن القول بأن صورة محمد
أحمد ا =هدي قد رسمت باللون _ الأسود والأبيض I فقد رسمه أعداؤه كما
رسمه محبوه I وقد مرت بنا تلك الصورة التي رسمها شيخه محمد شريف
76
الشعر في السودان
له I ح _ أقام فترة عنده I وح _ كان راضيا عنه I فقد قال في القصيدة التي
يهجوه بها:
أقام لدينا خادما كل خدمة
تعز على أهل التواضع في السر
كطحن و »عوس « واحتطاب وغيره
ويعطي عطا من لا يخاف من الفقر
وكم صام ? كم صلى? وكم قام ? كم تلا
من الله مازالت مدامعه تجري
وكم بوضوء الليل كبر للضحى
وكم ختم القرآن في سنة الوتر
لذلك أسقى من منهل القوم شربة
بها كان محبوبا لدى الناس في البر
وكان لدينا عيشه صدقاتنا
وخادمنا عشرين عاما من العمر
إلى الخمس والتسع l( ١٦ ) أدركه القضا
على ما مضى من سابق العلم بالشر
بصحبته شيطان من الجن آيس
وشيطان أنس وافقاه على الضر
ولا تنس داعي الاحتياج فثالث
وكم ساقط في الشر من ألم الفقر
فقال: أنا ا هدي فقلت له: استقم
فهذا مقام في الطريق ن يدري
ثم يواصل رسم الصورة بظلال كثيفة محاولا تشويهه والتنفير منه I
وعلى الجانب الآخر كان هناك من يرسم له أ وذجا مشرقا I فهناك القصيدة
الرحبة التي تعرض فيها الشيخ الحس _ زهراء لصلته با =هدي I والتي أولها:
برح الخفا ما الحق فيه خفاء
وتوالت الايات الانباء
وهناك تلك القصيدة التي تصوره محفوفا با =لائكة والجن والأنس I
والتي أولها:
77
نظرة تقييمية لهذا الشعر
الأمر جد والخطوب جداد
وجنود مهدي الورى أمجاد
وهناك هذا العالم الروحي الذي أعطاه قياده I والذي خلطه بعالم
الصوفية ح _ قال:
توجه ومنه السير.. سرفيه تنهي
إليه فلولاه البسيطة بلقع
وقل عنه واسمع لطف كل مقالة
ر بها في أفق أذنك أصمع
وعاين وما في الع l إلا أشعة
لها صورة منه تبدت تشعشع
جمال بريق الع l من فرط حسنه
فيبهرها..إذ بالجلال مقنع
تخر له زهر الدرارى كواسفا
وتنزل من أوج العلا وهي خضع
عليه صلاة دون كيف وعدة
وأسنى سلام ما تلألأ يلمع
ومثل هذا قصيدته التي أولها:
بنفسي فتى بالشمس رأد الضحى أزرى
ونورا يفوق النور من كان والبدرا( ١٧ )
وقد جرى على هذا ا =نوال الشيخ إبراهيم شريف الدولابي I فقد قدم له
أكثر من صورة منها:
هو مجمع البحرين بحر شريعة
طام.. وبحر حقيقة مسجور
سر الوجود وترجمان الحضرة
العليا ومظهر غيبها ا ستور
والله أكرمه بطيب تحية
يحذو بها موسى كليم الطور
قد كان قوام الدجى متبتلا
78
الشعر في السودان
متواصل الإحسان غير فخور
طلق المحيا خاشعا متواضعا
كهف الفقير وجابر ا كسور
وتفيض بالجود الكثير ينه
أبدا بلا من ولا تكدير
ويبيت طاوي الكشح جوعا وهو قد
أعطى الكنوز بجمعها ا وفور
لا يبتغي جاها ولا مالا ولا
عز ا لوك ولا ارتفاع الدور
ما همه إلا اجتذاب الخلق من
درك الشقاوة.. عميهم والعور( ١٨ )
ومثل هذا نجده عند الشيخ بن الطاهر اﻟﻤﺠذوب I والشيخ إسماعيل
عبد القادر الكردفاني I والشيخ محمد عمر البنا.
ونجد مثل هذا عند الشيخ قريب الله أبو صالح ( ١٩ ):
شوقي إلى ا هدى الإمام الهادي
زاكي الخصال الراكع السجاد
القانت الآواه في غسق الدجى
الخاشع الداعي إلى ا يعاد
الزاهد التالي ا راقب ربه
الخاضع ا تواضع الجواد
ليث الليوث الفارس البطل الذي
يوم اللقا لم يخش من آساد
نور القلوب خبيرها وطبيبها
من داء حب ا ال والأولاد
والله ما شهدت عيوني مثله
مولى على ترك الحياة ينادي
لينيل سامعه الحياة بربه
بعد الجهاد وحمل خير الزاد
الآن قد عرفت مكانته ن
79
نظرة تقييمية لهذا الشعر
في قلبه شيء من الإلحاد
و يزت للمنصف l وهكذا
تتميز الأشياء بالأضداد
علم.. إذا وعظ القلوب تفجرت
وعلى الوجوه الرشد هام بادي
ما همه إلا رضاء مليكه
وإقامة الصلوات والأوراد
ومثل هذا نجده عند الكثيرين.
.. ويجب ألا يفوتنا أن جانبا من شعر ا =هدية قد طمس بعد الهز eة I
فقد تصالح البعض مع العهد الجديد على نحو ما نعرف من اكبر شعراء
ا =هدية محمد عمر البنا I الذي ع _ في منصب مفتش المحاكم الشرعية I
وكان من الطبيعي أن يوارى بعض شعره الصارخ في العهد ا =هدي I ثم أن
هناك من يقول أن الشاعر ا =سمى »أبو شريعة « الذي أوقف كثيرا من شعره
على ا =هدية I قد أحرق بعد الهز eة الجزء الخاص Qدح ا =هدي وخلفائه I
واعتزل في قرية صغيرة حتى كان ا =وت I وقد يكون هناك صمت عن تسجيل
فترة الهزائم كنوع من الرفض للهز eة( ٢٠ ) I ا =هم أن نؤكد على أن الصورة
الشعرية لهذه الفترة ليست كاملة الظلال والخطوط I ومع هذا فلا نعدم ما
يؤكد أن الشاعر السوداني كان يبتعد إلى حد ما عن التجريد السائد في
الشعر العربي I ومن آيات ذلك أنه قد شغل نفسه بالذات المحمدية بدلا من
الحديث عن الذات الإلهية I ثم نراه يركز على »ذات البطل «ا =تمثل أساسا
في »محمد احمد ا =هدي «.. فلما مات في ٢٢ يونيو عام ١٨٨٥ حاول الخليفة
عبد الله التعايشي أن يقوم بنفس الدور الذي قام به محمد أحمد ا =هدي I
فقد قال »أنا جار على أثره ومقتف أثره I« وادعي أن الله يتجلى له ومعه
النبي والخضر وا =هدي. ولكن الشعر لم يساعده في هذا والخلاصة أن
الحركة ا =هدية خلقت من السودان أمة موحدة تلتف حول مثل عليا
مشتركة( ٢١ ) وأن هذا الأثر قد ظهر في الشعر.. بالإضافة إلى إبراز نكهة
خاصة بالشعر تتمثل في البساطة I والتركيز على الإيقاع I والاقتراب من
ا =فاهيم الشعبية البسيطة I والاقتراب من اللغة ا =تداولة في أفواه الناس.
يلاحظ أن الشعر في فترة ا =هدية قد تخفف إلى حد ما من مظاهر
80
الشعر في السودان
الصنعة ومن روح التكلف I ذلك لأنه كان هناك نوع من الأفكار قد نزل إلى
الساحة I ثم أن ا =هدية قد علمت الناس أن ينظروا من جديد إلى الأشياء I
وأن يتجاوزوا التبعية I ونحن نعرف أن الفكي( ٢٢ ) جلال الدين قال للمهدي:
يا سيدي العلماء يسألون عن طريقنا وعن مذهبنا فما نقول لهم ? فقال: قل
لهم طريقنا لا اله إلا الله محمد رسول الله I ومذهبنا السنة والكتاب I ما
جاء من النبي صلى الله عليه وسلم على رقابنا I وما جاءنا من الصحابة أن
شئنا عملنا به وان شئنا تركناه I وهو القائل »لو فرضنا أن كل قبيلة حفرت
ثمدة ( ٢٣ ) لتشرب منها I واعتادت أن تشرب منها زمنا طويلا I فجاء البحر
وغطاها كلها فماذا يفعلون به ? هل يكتفون بأن يشربوا من البحر أم
يبحثون وراء rدهم ليشربوا منه «وفي ضوء هذا رأيناه قد غير أشياء كثيرة
كانت تحكم الإنسان السوداني في هذه الفترة( ٢٤ ) I وكان من الطبيعي أن
يتأثر بهذا الشعر I وفي ضوء هذا ظهر في هذه الفترة »الشعراء ا =لتزمون «
بفكرة ا =هدية I وقد رأيناهم يصبون في اﻟﻤﺠتمع العديد من ا =عارف-فبالإضافة
إلى ا =قتبسات من القرآن والسنة-رأيناهم يتعرضون لتاريخ السمرقندي I
وللميراث I ولذكر أسماء الأولياء I و بعض مصطلحات الفقه I والتصوف I
كما أنهم لم يغفلوا التشطير I والتضم I_ والتأريخ I وذكر الأسماء I والبدء
بالشطر والختم به I أو الختم بالصلاة على النبي وآله I بالإضافة إلى بعض
المحسنات البديعية I ولكن هذا كله لم يكن بالوفرة التي كانت قبل هذه
الفترة I ذلك لأن اﻟﻤﺠتمع كان مشحونا بعدد من القضايا التي تدور حول
قضية ا =هدية I وعلى الرغم من عدم وضوحها rاما ومن اختلاطها بالفكر
الشيعي I وبروح التصوف I إلا أنها شغلت الشعراء إلى حد ما عن الزخرفة
وعن عالم البديع.
.. و =ا كان هذا الشعر في الأصل يقوم على ا =شافهة وعلى الترنيم فانه
كان مترعا با =وسيقا بصفة عامة I مع التركيز على ما يسمى »بالبديع اللفظي I«
ومع الاهتمام Qا يسمى »بالقافية الغنية « التي تعتمد على أكثر من حرف I
و Qا يسمى »بالتشريع ٢٥)« ) I ثم أن هناك ظاهرة التكرار للتوكيد ا =وجودة
بغزارة في الشعر السوداني كله I ولنتأمل مثلا قول الشيخ إبراهيم أحمد
هاشم:
أنت الذي لولاك ما كان الكما
81
نظرة تقييمية لهذا الشعر
ل مشاهدا بعشية وصباح
أنت الذي لولاك ما اتضح الهدى
للعا l وراحة ا رتاح.. الخ
وقد كرر صاحب الرشفات كلمة »أنت الذي لولاك « في العديد من
أبياته( ٢٦ ) I و بصفة عامة فأكثر الشعر الذي ظهر في هذه الفترة كان من
الكامل I والطويل I والبسيط I و يلاحظ بصفة خاصة أن أكثر ا =دائح كانت
من الكامل والطويل( ٢٧ ).
والآن نريد أن نقف وقفة عند ظاهرة تكثيف ا =وسيقا في بعض الأشعار
وبخاصة أشعار الصوفية I ولنقف مثلا عند بيت _ للشيخ موسى ولد يعقوب
الشهير بأبي قصة I فقد قال هذا العارف:
أأس أسيسا في سي سي
وأ £ ¢يما في مي مي
وأؤك أكيكا في كي كي
وأخفى السر لشيئان
فقد أحب الشعراء هذه الأبيات وخمسوها I وقد كان من هؤلاء الشيخ
عبد المحمود نور الدا G فقد قال:
»حيي قلبي بكؤوس الحي
وسمى قدري عاني الطي
وسريت إلى الحرم l لكي
أأس أسيسا في سيسي
وأ £ ¢يما في مي مي
وبفصل الله بلغت الزي
وبروح الروح مزجت ححي
ونظرت لغيب غيوب الحي
وأأك أكيكا في كي كي
وقد كان هناك من فسر ا =فهوم منها بعالم الصوفية I ومن استبعد أن
تكون الكلمات ا =بهمة قد وفدت من اللهجات الأفريقية اﻟﻤﺨتلفة I ورأى أن
هذا الأسلوب قصد به التنفيس عما في النفس من مشاعر تعجز عنها
اللغة ».. ولكننا في خلال ذلك نقف مكتوفي الأيدي من هذه السيسأة
82
الشعر في السودان
والكيكأة.. ولعله إذا توصل الباحثون إلى معنى لغوي لهذه التعبيرات من
اللهجات الأفريقية أو غيرها فسوف يفتح ذلك بابا واسعا لعلاقة هذه
الطرق بتلك البلدان I وهذا ما عجزت عنه بعض الشيء ا =راجع التي ب _
أيدينا( I«(٢٨ وقد رأيت القضية محلولة rاما في كتاب معروف اسمه نفحة
الرياض البواسم في مناقب سيدي الأستاذ عبد المحمود نور الدا IG فقد
تعرض مؤلفه الشيخ عبد القادر الجيلي لهذه القضية وفك رموزها ببساطة
شديدة ( ٢٩× ) I و يبدو أن لهذه الظاهرة صلة Qا نجده عند ا =تصوفة الذين
يصلون إلى مرحلة »الجذب « فهم ح _ يصلون إلى هذه ا =رحلة يستعملون
ألفاظا تبدو كأنها طلاسم ورطانات( ٣٠ ).
فالقضية من وجهة نظرنا تتصل بظاهرة أثيرة في الشعر السوداني
وهي ظاهرة التوكيد I وإذا كان حمزة ا =لك طنبل قد رآها نتيجة لقلة ا =ادة I
وللعناية باللفظ دون ا =عنى I فإننا نراها في الشعر السوداني تأتي للتوكيد I
ولشحن جو القصيدة العاطفي با =وسيقا I ولخلق الأثر النفسي ا =ناسب
لعالم القصيدة.. ولعل uا يدل على هذا أن ما يكرر يغلب عليه في الغالب
أن يكون شيئا هاما.
إذا كنا قد وقفنا في ا =اضي عند الصوفي فقط باعتباره قيمة كبيرة
في اﻟﻤﺠتمع السوداني I فان محمد أحمد ا =هدي جاء بشخصية »الصوفي
الثائر I« ومن ثم كان انحياز الحكام والفقهاء إلى جانب الصوفي غير الثائر
ومع أنه قد صادر على رجال الفقه ورجال التصوف( ٣١ ) بعد ذلك I إلا أنه
ظل محافظا على هذا الجانب الصوفي ا =قاتل بحكم تكوينه I وبحكم ثقافته I
وبحكم هؤلاء الذين خرجوا =ناصرته من الزوايا والخلاوي I وغاية ما في
الأمر انه أراد-أن صح التعبير-فقها ثائرا I صوفية مقاتلة I وقد نجح فيما
أراد I وشد مشاعر السوداني _ إليه فترة كبيرة I وكان من الطبيعي أن يتأثر
الشعر بهذا I وأن يأخذ مسحة سودانية تختلف إلى حد ما عن القوالب
الجاهزة في الشكل العربي وا =ضمون القد IG فهذه البساطة التي سادت
الشعر I والتحول إلى ما سميناه بالذات المحمدية I والذات البطولية كان أثرا
من آثار الثورة ا =هدية I بالإضافة إلى التركيز في الشعر على الظواهر
الصوتية »فقد كان ا =هدي متصوفا والصوفية عرفوا بأنهم من أصحاب
القلوب I ومن أصحاب الذوق I يتحركون مع نسمات القرب-بكسر القاف-
83
نظرة تقييمية لهذا الشعر
وتهزهم النغمات الناعمة اللطيفة I و يستهويهم الصوت الجميل I واللحن
الطروب فيتصورون جلال الله في كل لحن جميل I ثم انه من ا =عروف أن
ا =هدي كان ناقدا للشعر I وموجها للشعراء بتوخي الصدق I وعدم ا =بالغة
في مدحه I كما أنه رفض الإسراف في ذم الأعداء I والتنكيل بأسمائهم في
القصائد I ودعا إلى التلقي ا =باشر من الأصول( ٣٢ ) على أن هناك من يشجب
الشعر الفصيح ا =هدي و يقدم عليه الشعر الشعبي-وذلك لصدقه وأمانته
وأحاطته وتسجيله لأحداث الثورة تسجيلا دقيقا-ثم أنه يؤكد أن ا =هدي
أسبغ على الشعر الشعبي رعايته I وكان ميله إليه أوضح من ميله إلى الشعر
الفصيح.. ومهما يكن من أمر فما نريد أن نؤكده هو أن الشعر في هذه
الفترة قد اكتسب نفحة سودانية أصيلة.. وانه قد اقترب من دائرة الصدق
مع النفس.. ومع الشعر I ثم وهذا الأهم نراه قد نجح في تقد G »الأ وذج
الإنساني « ا =مثل في ا =هدى I بعد أن كان نجاحه من قبل واضحا في تقد G
»الأ وذج النبوي « وإذا كانت النماذج في الأدب تؤخذ من مصادر متعددة
كالأساطير والتاريخ I فان »الأ وذج « الذي نجح الشعر السوداني في تقد eه
كان محاطا بالقداسة الدينية.
84
الشعر
ابو تراجى
10-02-2009, 10:38 AM
الحكم الثنائي
١٨٩٩ : ١٩٢٤
بعد أن صفيت ا =هدية في عهد الخليفة عبد
الله التعايشي I أقيمت صلاة على روح »غوردون I«
ورفع »كتشنر « العلم الإنجليزي لأول مرة إلى جانب
العلم ا =صري على سراي الخرطوم I وهكذا مر هذا
الأمر على الناس ظاهريا »كأنه أمر عادي ١)« ) I وقد
كان هذا إيذانا بوضع البلاد تحت الحماية
البريطانية I ثم كان »الوفاق « الذي يؤكد أن السودان
سيحكم من إنجلترا ومصر I وكان تعي _ كتشنر-
سردار الجيش ا =صري-حاكما عاما على السودان
في ١٩ / ١/ I١٨٩٩ وقد عمل ببطء على انحسار دور
مصر هناك I إلى حد أنه لم يبق =صر-على حد
قول عدلي رئيس الوزراء-إلا التبليغ Qا يصدره
الحاكم »مجرد تبليغ I« فإذا قيل لهم أن السودان
كان ملكا =صر قالوا إنه كان لهم دور في إعادة
فتحه I وقد قاوم السودانيون بعدد من الثورات هذا
النظام القائم I وقد رأوا أنه من ا =فيد أن يتعاطفوا
مع ا =صري I_ وقد ظهر هذا التعاطف واضحا مع
الدور الذي يقوم به مصطفى كامل( ٢) I ثم كبر هذا
التعاطف في الحرب العا =ية الأولى I ثم كان أن هزت
8
86
الشعر في السودان
ثورة ١٩١٩ مصر والسودان هزا عنيفا( ٣) I فكانت هناك مظاهرات I ومنشورات I
وكانت هناك قصائد ترسل للنشر في الجرائد ا =صرية I على نحو ما نعرف
من القصيدة التي أرسلت بدون توقيع لينشرها الدكتور محجوب ثابت في
الأهرام( ٤).
ومن ا =عروف أنه تكونت في هذه الفترة جمعية الاتحاد السرية وقد
أخذت على عاتقها الاتصال ببعض ا =ثقف _ في مصر-كالدكتور محجوب
ثابت-وبعض الشخصيات ا =همة-كالأمير عمر طوسون-كما أنها تفننت في
كتابة ا =نشورات التي تدين الإنجليز I وفي تعليقها في العديد من الأماكن I
وفي إظهار الانشقاق بكل الطرق على نحو ما نعرف من قيام عضوين من
أعضائها-هما توفيق صالح جبريل وعابدين عبد الرؤوف-بإزالة مظاهر
الزينة التي أقيمت Qناسبة عيد ملك الإنجليز( ٥) I وح _ وضع الإنجليز
يدهم على هذه الجمعية آثر البعض السلامة I وانضم البعض إلى جمعية
اللواء الأبيض وعمل بإخلاص تحت لوائها I وقد كان معنى هذا الخروج من
جمعية مسا =ة يسيطر عليها الشعراء I إلى جمعية مقاتلة يقف على رأسها
ضابط هو اﻟﻤﺠاهد »علي عبد اللطيف «. لقد احتوت هذه الجمعية مفاهيم
ثورة ١٩١٩ في مصر I ورأت أنه لا خلاص من الإنجليز إلا بالاتحاد مع مصر I
ومن ثم كان إصدارها في عام ١٩٢٢ منشورا ثوريا سمته »مطالب الأمة
ا =صرية « وكان أن قبض على اﻟﻤﺠاهد »علي عبد اللطيف « في يونيو ١٩٢٢
»وحكم عليه بالسجن عاما I ثم انه مهد لثورة ١٩٢٤ أن سعد زغلول حينما
تولى الوزارة عام ١٩٢٤ دعا إلى ا =فاوضات I فافترض بعض السوداني _ أن
الإنجليز قد يتساهلون في شيء من أمور السودان لصالح مصر I وكان أن
تكون رأي يقول: أن السودان يجب أن يظل تحت رعايتهم وحدهم I ثم
تدافعت الأحداث I ووقعت بعض ا =ظاهرات التي هتف فيها بحياة مصر
وسقوط إنجلترا I وقد كان وراء هذا جمعية اللواء الأبيض التي اتخذت لها
في اليوم الثالث والعشرين من يونيو عام ١٩٢٤ علما مكونا من قطعة بيضاء
من القماش عليها خريطة نهر النيل I وعلى جانبها الأيسر هلال I وعلى
جانبها الأ eن كلمة »إلى الأمام « وقد بلغ عدد أعضاء الجمعية في هذه
الفترة نحو ألف _ من خيرة ا =ثقف I_ ولكن الإنجليز سرعان ما قبضوا على
اﻟﻤﺠاهد علي عبد اللطيف والبارزين من أعضائها( ٦) I ثم كان دخول طلاب
87
الحكم الثنائي
ا =درسة الحربية في جانب ا =ظاهرات في يوم السبت ا =وافق ٩ أغسطس
I١٩٢٤ وذهابهم إلى السجن لتحية علي عبد اللطيف I وح _ وضعوا في
السجن اشترك معهم في الثورة-داخله-أعضاء جمعية اللواء الأبيض I وكان
أن حكم على »علي عبد اللطيف « بسبع سنوات أخرى I ثم كان خروج »أورطة «
السكة الحديدية بعطبرة في مظاهرة اصطدمت بالإنجليز I وجاش الغليان
في السودان I ولكن الغليان قد توقف ح _ اغتيل بالقاهرة السير لي ستاك
في ١٩ نوفمبر I١٩٢٤ وكان أن أصدر الإنجليز البيان ا =شهور الذي جاء في
النقطة الخامسة منه »أن تصدر في خلال أربع وعشرين ساعة الأوامر
بإرجاع جميع الضباط ا =صري I_ ووحدات الجيش ا =صري البحتة من
السودان مع ما ينشأ عن ذلك من التعديلات التي ستع _ فيما بعد ٧)« ) وكان
أن استقال زغلول في ٢٣ سبتمبر عام I١٩٢٤ وقامت بعمليات التنفيذ-على
خير وجه-وزارة زيور باشا( ٨) وفي فترة إخراج الجيش ا =صري أعلن القائمقام
»أحمد رفعت بك « أنه لن يرحل I وقد هز هذا ا =وقف السوداني I_ فتوجهت
يوم الخميس ٢٧ من نوفمبر ١٩٢٤ فصيلة من الكتيبة الحادية عشرة السودانية
بضباطها ومعداتها =عاونة الجيش ا =صري على البقاء I وكانت معركة حامية
انتصر فيها الإنجليز على هذه الكتيبة I وكان أن فرغ السودان من الجيش
ا =صري I وخلا الجو للتيار ا =ناصر للإنجليز( ٩).
في هذه الفترة-القصيرة نوعا ما-عمل الإنجليز بقدر الإمكان على تفريغ
السودان من الوجود ا =صري I وقد بدءوا ببقايا التعليم ا =صري I و Qنع السفر
للتعليم في القاهرة I وفي الوقت نفسه سمح بعدد من ا =دارس للمرسل _
النمساوي I_ وا =رسل _ الأمريكان I كما كان الترحيب واضحا بالبعثات
التبشيرية I وبإرساء قواعد نوع من التعليم خاص بتسيير دفة الحياة I وبوضع
لبنات في صميم الحركة التعليمية هناك( ١٠ ) والى جانب هذا كانت حركة
الصحافة والطباعة بطيئة وفي خدمة النظام القائم I فإذا كانت أول صحيفة
صدرت في السودان هي »الغازيته السودانية « عام I١٨٩٩ فان أصحاب
جريدة ا =قطم أعطوا امتيازا بنشر جريدة في الخرطوم بعنوان »السودان «
ومع أنه برزت بعض الجرائد ثم انطفأت بسرعة إلا أن جريدة »رائد السودان «
التي قامت عام ١٩٠٩ ثبتت فترة I وعملت على صرف الناس عن اتباع ا =لكية
في مصر بدعوتها إلى »الجمهورية الاشتراكية I« بالإضافة إلى جريدة
88
الشعر في السودان
»حضارة السودان « التي كانت تحمل على ا =نادين بالانضمام إلى مصر I كما
أنها سخرت من ثورة ١٩١٩ وقست على رجال جمعيتي الاتحاد واللواء الأبيض I
وأشادت في كل أعدادها بالإنجليز.. و =ا كان الناس مرتبط _ بالأزهر I فقد
أنشئوا لهم »ا =عهد العلمي I« كما حولت البعثات إلى بيروت.. وفي الوقت
نفسه أخذ البعض ببعض العادات الاجتماعية الجديدة.
89
الشعر في هذه الفترة
الشعر في هذه الفترة
eكن القول بأن هذا الجيل قد ورث مرارة
الهز eة I صحيح أن بعضه كان على خلاف ظاهر
أو باطن مع ا =هدية ولكن ضياع هذا العالم الذي
يحتفظ بالعديد من ا =لامح السودانية قد أحزن
الكثيرين ».. أن هز eة ا =هدية لم تكن حدثا I ولا
هز eة عادية I ولم تكن مجرد هز eة لثورة واستبدال
نظام بنظام I ولكنا كانت تعني انهيار عالم كامل من
الأحلام ا =قدسة التي شاءها الشعب وآمن بها..
أحلام أقل ما فيها أن الحق سينتصر ويغمر العالم I
وأن العدل سيسود الدنيا I وأن الخير سوف يفيض I
وأن الذئب في النهاية سيرعى مع الغنم I والى جانب
ذلك كان هناك الوعد الطموح بأن السوداني _
سيكونون أنصار الله في العالم وحملة رسالته إلى
الأقاصي البعيدة I وأن لهم السيادة في الدنيا
والشهادة في الآخرة I ثم فجأة انهار كل شيء..
بطل السحر وأفرغت ا =عجزة من كل محتوى I
وسارت جيوش »الكفرة « فوق جثث الشهداء I وعلى
أنقاض القبة ا =قدسة I وانهزمت الفئة ا =ؤمنة التي
لم يكن مقدرا أن تنهزم ١)« ) قد يكون محمد ا =كي
إبراهيم قد بالغ في ألوانه وهو يرسم هذه اللوحة I
ولكن الحقيقة تؤكد أن عالم ا =هدية كان مرفوضا
9
90
الشعر في السودان
عند البعض وبخاصة عند ا =ثقف I_ وقد ألفت في الرد على القول با =هدية
رسائل متعددة شاعت ب _ الناس( ٢).
وإذا كان موقف الشاعر هو الذي يهمنا من كل هذا فان ا =لاحظ أن
أحدا في هذه الفترة ا =بكرة لم يعارض من تحتل السيف ا =شهر I لقد واكب
البعض النظام الجديد I بل لقد هلل له على نحو ما هو معروف من الشيخ
علي الشامي الذي حفظت له قصيدة طويلة في فتوح دنقلة تظهر الفرح
بهذا الغزو I ويؤرخ بها لعام ١٣١٤ ه I وقد جاء فيها:.
بشرى لجيش بالفتوح (لقد ظفر)
بالصبر من زمن فبشر من صبر
كم بالتأني نال ذونيل وكم
نجحت مساعي من إذا أعطى شكر
.. حتى رأى ملك البلاد بأنه
لاشيء غير الحرب عجل وابتدر
حشد الجنود ولا وعود تعيقهم
إلا ملاقاة العدو ا أصر
.. بقيادة الشهم اللوا سر دارنا
رجل السياسة في الحروب الكتشنر
.. قل للخليفة فز بعمرك ناجيا
من قبل أن يأتي زمان لا مفر
طلب البلاد مليكها فترحلوا
هيهات ضرب السيف من وخز الإبر
.. تبا لقوم بالسفاهة قد عصوا
أمر ا ليك وخالفوا ما قد أمر
كم قد طغواكم قد بغواكم أسرفوا
كم ذبحوا كم جرموا.. وهلم جر ( ٣)
وقد كان هناك من مدح الإنجليز I وأعجب بهم I عل نحو ما نعرف
من القصيدة التي ألقاها »عبد اﻟﻤﺠيد أفندي وصفي « أمام »ا =لك
جورج الخامس « حينما زار »بورتسودان « في ١٧ من يناير I١٩١٢ فقد قال
فيها:
91
الشعر في هذه الفترة
ما الشمس مشرقة بصحو نهار
والأفق فيه سوافر الأقمار
والروض ح l تفتقت أكمامه
وتضوعت بعواطر الأزهار
يوما بأبهج من مدينة إذ غدت
تختال ب l مهابة ووقار
.. رب الجلالة »جورج « من تعنوله
كل ا لوك بذلة وصغار
هو شبل »أداوردا « العلا وحفيد من
ب l الأنام لها عظيم فخار
»فكتوريا «ذات ا آثر والتي
شهد الوجود بفضلها ا درار
وافيت للسودان سعدا طالعا
فغدا بزورتكم رفيع منار
أوليته نعما غزارا قبل أن
تأتي.. قد أردفته بغزار والشاعر
عبد الله البنا يذكر إعجابه بالأم الإنجليزية و Qا أنجبت.. ثم يقول عن
الإنجليز:
ملكوا البسيطة شيدوا عمرانها
نشروا السلام فقربوا وتقربوا
رفعوا منار العلم في أوطاننا
وجروا على ما يرتضيه ودربوا
وهو لا يخفي I إعجابه باللورد اللنبي فيقول فيه ح _ زار السودان:
إذا ما قيل قد أوفى »اللنبي «
تطامنت الأمور الجامحات
وان قلوبنا ا لأى سرورا
بقربك في ا فاخر طامحات ( ٤)
ولحمزة ا =لك طنبل قصيدة طويلة في هذه الزيارة مليئة بالتمجيد والفخر
بهذا الفاتح:
92
الشعر في السودان
فاتح القدس.. قد تغمدك الله
بروح ا هيمن قدسي
لك عزم من القضاء وذكر
مشرق في الزمان إشراق شمس
جئت تستعرض الصفوف احتفاء
لا لحرب دفع أو بترس
يا أجل القواد في الحرب شرف
فوق ع l من البلاد ورأس
.. فأسعدونا فقد شقينا بجهل
مطبق كالدجى وفقر وبؤس
.. وأقيموا فنحن أحوج منكم
ليد تعمر البلاد ورأس
وأسندوا الحكم للكرام فمنا
في الهوى والضلال عالم رجس
وخذونا برأفة وببأس
يثمر الحكم ب l ل l وبأس
عشت يا لورد للبلاد وعاشت
أمة متعت بأفخم كرسي
وليدم بيننا التعاون والإخلاص
والود.. وهو أطيب غرس
ثم لو تنطق البلاد لقالت
ألف شتان ب l يومي وأمسي( ٥)
ومثل هذه النبرة نجدها عند الشاعر علي أرباب I ونجد قصيدة طويلة
للشيخ عبد الله محمد عمر البنا يتحدث فيها عن رحلة السيد عبد الرحمن
ا =هدي إلى لندن وكيف أنعم عليه ملك الإنجليز جاء فيها:
و مت ملكا طال بالعدل ملكه
وكفاه يوم البذل والفضل أطول
.. إلى أن وضعت الرحل في ظل ماجد
مليك مهيب للرغائب يبذل
93
الشعر في هذه الفترة
فجاد وكان البذل منه سجية
وأيقن أن الشكر با لك أجمل
وصاغ لك »النيشان « قربا وحلية
وان كان صاغته الفضائل أول
.. ورتلت آي الشكر حفظا ولم تزل
لذكرى امر
يوليك خيرا ترتل
وقدمت سيفا حالف النصر حده
إذا سل قام الدين شكرا يهلل
فحاز لدى نفس ا ليك مكانة
تخبر أن الفضل عندك يقبل
كذا الحر لا يدفعه بطش وشدة
ولكنه بالل l والرفق يعقل
ورد عليك السيف لا عن زراية
ولكن جمع السيف بالسيف أشكل
فخذه من ا ولى حباء فإنه
حباء الذي عن أمره ليس بغفل ( ٦)
ومثل هذه النبرة نجدها عند بعض الشعراء( ٧) بالنسبة للإنجليز.
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فأننا لا نجد الشعر يقف مثل هذه
الوقفة عند مصر I ذلك لأن الانجليز كانوا قد جمعوا في أيديهم أكثر
الخيوط I ولأن الإنجليز ما كانوا يرضون عن أحد يظهر المحبة =صر I على
أن بعض الشعراء كان »يخاطر « وكان ينتهز فرصة للحديث I على نحو ما
نعرف من الشاعر عبد الله حسن الكردي الذي قال في وداع أحد أصدقائه
ا =نقول _ من حكومة السودان إلى الجيش ا =صري I وقد جاء في هذه القصيدة
الطويلة:
يا راحلا يزجى صر ركابه
كم في الكنانة للنزيل جوار
سلم على قوم هناك أماجد
لهم الفضيلة والكمال شعار
ابو تراجى
10-02-2009, 10:39 AM
الشعر في السودان
أهرامهم فوق السماء مكانة
وهم ميام l الورى أخيار
في كل جامعة لهم نشء سما
بذكاء فكر طار منه شرار
.. أني يحيد الفضل عن أوطانهم
والفضل ليس له سواهم دار
قوم لهم أدب القريض بذمتي
وهواهم بجوانحي ديار
نسبي بهم شعر نظمت عقوده
والشعر في عرف الكرام وقار
عرب لهم بالضاد نطق معرب
ما فيه من عوج اللسان عثار
أني لأذكرهم بقلب واجد
ماكر ليل أو تلاه نهار ( ٨)
وبصفة عامة فقد شغلوا بأمور الثقافة في مصر وابتعدوا عن السياسة I
وقد كان جل اهتمامهم منصبا على الشعر فح _ جاءت أول طائرة إلى
السودان في عام I١٩١٤ وكانت تركية واسمها »أدرميد « قال أحمد شوقي
فيها بيت _ فطلبت جريدة رائد السودان من الشعراء تشطيرهما فتسابق
الشعراء وكان منهم الشاعر أحمد محمد صالح I ونجد للشاعر نفسه حديثا
عن شوقي في قصيدته التي ألقاها بنادي الخريج _ عام I١٩٢٠ وقد جاء
فيها:
شوقي.. أجدت فليت شعر
ي ما تقول وتفعل
أتغزلا أفديك من
متر £ يتغزل
قل لي أهذا ما ابتكرت
أم الرحيق السلسل
وقد ضمن الشعراء محمود أنيس I وعثمان هاشم.. الخ شعرهم بشعر
شوقي بصفة خاصة ( ٩) وقد التفت حمزة ا =لك طنبل لعباس محمود العقاد
95
الشعر في هذه الفترة
في شعره ونثره I وقد كان uا كتبه في هذا اﻟﻤﺠال قصيدة طويلة بعنوان
»ب _ الله والطبيعة في جنينة قصر ا =لا بأسوان ١٠) « ) وقد بدأها بقوله:
¢ا على أرضها الشجر
قد جرى تحتها النهر
وشيدت حولها بيوت
بها اله الورى ذكر
وللتواريخ ذكريات
تحف من حولها غرر
فأنت مستعرض صفوفا
ر أطيافها زمر
ترى بها الت l وهو غض
و فوقه حية ذكر
جنينة حدها البصر
كجنة الخلد في الكبر
وقارها أيخلب الحجي
وحسنها يخلب النظر
يسحرك الصبح إن سفر
والليل فيها إذا اعتكر
أما الذي غنى Qصر غناء حميما طوال حياته فقد كان الشاعر محمد
سعيد العباسي-ابن الشيخ محمد شريف-فقد التحق في مصر با =درسة
الحربية عام I١٨٩٩ وظل طوال حياته يذكر مصر وأساتذته بها I وديوانه
حافل بالحديث عنها( ١١ ) I وبرغبته في اللحاق Qصر فهو يقول لبني قومه:
هل شد و يا قوم
أسطولا على البحر مخر
أو طائرات بالسما
ترمي الأعادي بالزبر
أو حبرت أقلامكم
لنا من الآي الغرر
96
الشعر في السودان
كمثل شوقي إذ شدا
والرافعي إذ نثر
أن لم تكونوا هم فما
هذا التعالي والصعر ? ( ١٢ )
على أنه يأخذ موقفا حاسما ح _ يهاجم »القومية السودانية « =ا اشتم
منها أنها دعوة للانفصال عن مصر تحت شعار »السودان للسوداني _..
الذي أوصى به ا =ستعمر وأملاه ١٣)« )
وما تريدون من قومية هي في
رأيي السراب على القيعان رقراقا
طلبتم الغرض الأسمى بتسمية
كأن بالاسم تحريرا وإعتاقا
لقب أو اسم أقام الغافلون له
سوقا... فأنشأت الأغراض أسواقا
وما أرادوا l الله إذ وضعوا
جمع الشتات ولا للحق إحقاقا
فمحصوا الرأي لا ترضوا بيانعه
وان أصاب هوى منكم وان راقا
لا تخدعوا أن في طيات ما ابتكروا
معنى بغيضا وتشتيتا وإرهاقا
ليصبح النيل أقطارا موزعة
وساكنو النيل أشياعا وأذواقا
اندلعت في هذه الفترة ظاهرة الالتفات إلى الينابيع الإسلامية الأولى I
ولقد كانت تتمثل أساسا في عهد النبوة I وكان ما يشغل الشعراء منها
الحديث عن النبي I وكانت وقفتهم الكبيرة تتركز عند الاحتفال با =ولد النبوي I
وعند الاحتفال بالعام الهجري I وقد أومأ إلى هذا الشاعر محمد مهدي
مجذوب ح _ قال ».. الشعر عند مشايخي موهبة من الله I ويقتضي القيام
بشكرها أن تقتصر على النبويات I والابتهالات I ولابد أن يكون الشعر صالحا
للغناء في ليالي ا =ديح I ويشترك الناس فيها جميعا بنية صادقة I والإيقاع
والوضوح شرط فيه ١٤)« ) I وفي الحقيقة لقد كان هذا الشعر يحتشد له كثير
97
الشعر في هذه الفترة
من الشعراء ومن ا =ستمع I_ وكان وسيلة مشروعة لإثبات عروبتهم وإسلامهم
في مواجهة عمليات القهر السائدة I وفي الوقت نفسه كانوا »يسقطون «
أشياء كثيرة من نفوسهم على هذه القصائد I وإذا كان أسلوب التراجع ليس
غريبا على الشخصية السودانية على نحو ما نعرف مثلا من قضية ا =هدية-
وليس غريبا على الشعوب ا =ظلومة بصفة عامة-فإننا نرى أن الشعراء في
ظل ا =ناسبات ا =شروعة قد عملوا على الالتقاء بالناس في العديد من
الأماكن التي يجيء في مقدمتها ساحات ا =والد I و يندر أن نجد شاعرا في
هذه الفترة لم يقل في هات _ ا =ناسبت _-بل لقد أسهم في هذا بعض
ا =سيحي _-( ١٥ ) I وقد اشتهرت في هذا اﻟﻤﺠال قصائد عبد الله البنا( ١٦ ) I
وقصائد عبد الله عبد الرحمن I وقصائد عثمان هاشم I وا =لاحظ عليها
أنها تسبح في أجواء دينية I وأنها تلفت ا =سلم _ إلى ماضيهم I وتباهى بهذا
ا =اضي العالم I على أنه كان هناك من كان يجعل ا =ناسبة إطارا عاما ليدلي
برأيه في السياسة I على نحو ما نعرف من الشاعر عبد الرحمن شوقي
الذي بدأ قصيدته في ا =ولد النبوي بقوله:
ند ي من سلاف الخمر هات
وشنفني بذكر ا اضيات
أترضى أن أضام وأنت حر
وتسمح أن تل l لهم قناتي
فحدت عن بني النيل l قوما
بأدنى النيل أو أعلى الفرات
بأنا ننتمي حبا ومجدا
إلى ما بالجزيرة من رفات
يعز عليهم نحيا ولسنا
مثالا للشجاعة والثبات
وألا يبصروا في النيل قرنا
ولا بطلا بعد من الكماة ( ٢٧ )
وبصفة عامة فشعر »الرجعة « هذا-كما قيل-قد آثر السلامة I وقد تنبه
عبد الله عبد الرحمن وهو واحد من شعراء الالتفات إلى ا =اضي إلى هذا
في قصيدة فقال:
98
الشعر في السودان
أو كلما جاء المحرم نخطب
هذا يحييه وهذا يندب
ونقيمها بدوية حضرية
منها البيان بكل وجه يسكب
والناس تسمع معجب l كأ ¢ا
غناهمو شاد مجيد مطرب
والصحف تنشر والجرائد تنتقي
والقارئون مخطئ ومصوب
حتى إذا ولى المحرم مدبرا
ذهبت بهم أهواؤهم تتشعب
أنا لا أحدثكم اضيه ففي
ماضيكمو روت الرواة وأطنبوا
كنا وكانوا لا نريد سماعها
هي قالة صرفتكمو أن تدأبوا
و بصفة عامة فالقار لقصائد الاحتفالات العامة قبل ثورة ١٩٢٤ يحس
بشيء من القلق I وبشيء من الخوف I ويحس أنها »تعتمل بثورة غامضة I
وهي على غموضها سطحية غير واعية إذ اعتبروا ما رأوه من ترك الدين
وفساد الأخلاق I و بدايات التنافر والخلاف نزوة طارئة I eكن إزالتها ببضع
حكم صاخبة تهتز لها ا =نابر بالتصفيق I أو بعض النصائح التي تحفل بها
الكتب ا =درسية ويرددها العامة I ومن ثم انصرف الشعراء إلى هذا الجانب
التعليمي الوعظي يحسبون أنهم بذلك يحمون الأمة من انهيار الأخلاق( ١٨ ).
ولعل uا يشفع لهؤلاء الشعراء أن الأمة كانت خارجة من هز eة لا تزال
تعاني منها I وأن أسلوب »الرجعة « كان سلاحا ولم يكن مجرد حن I_ ولم
يكن مجرد تذكر!
يلاحظ أن الخط الصوفي مازال يحافظ على وجوده في ا =سيرة
السودانية( ١٩ ) I وقد ازدهر هذا الخط وتعمق بعض الشيء بعد فترة انكسار
ا =هدية I ثم أن ا =هدية إذا كانت قد ذوبت الطرق لصالحها I وغيرت أسماء
أتباعها من الدراويش إلى الأنصار I إلا أن صبغة التصوف ظلت ملتصقة
بها على نحو ما هو معروف من الدعوة إلى الزهد I والرغبة في الآخرة عن
99
الشعر في هذه الفترة
الأولى I والبساطة التي فرضت على الجميع لبس الجبة ا =رقعة I وإلغاء
الرتب والألقاب ( ٢٠ ).
أما الحكم الثنائي فقد سمح بعودة هذه الطرق I وبإذكاء الصراع الخفي
بينها I وبإظهار الاحترام لأقطابها I بل لقد جذبوا إلى الحفلات الرسمية I
و uا يذكر في هذا اﻟﻤﺠال أنهم حضروا Qناسبة تتويج ملك بريطانيا I
وأنهم تسامروا مع الحاكم العام وبطانته في ود ظاهر I وبينما هم في هذه
ا =سامرة سمعوا من يؤذن في القصر لصلاة العصر I وعرفوا أن الشيخ
قريب الله أبو صالح هر الذي أمر بالأذان I و يقال أنه لم يتبعه للصلاة سوى
واحد فقط I أما الباقون فقد آثروا مجاملة الحاكم العام I وقد تعرض لهذا
في قوله من قصيدة طويلة:
تعرض قوم للوعيد بعمدهم
لتركهم ا فروض في حفلة »السر «
يدينون دين الكافرين بتركه
وتأخيره عمدا حياء من الكفر
ويدعوهم داعي الصلاة محيعلا
فيرمونه جهلا مضلا وراء ظهري
وان قال بعض منهم: انهضوا بنا
نصلي صلاة العصر قالوا له »بدري «
.. ولم قدموا داعي العبيد وأخروا
لدعوته.. هل كان هذا من الفكر
وهذا على مرأى مشايخ ديننا
ومسمعهم قل لي: أيا حيرة الأمر( ٢١ )
ما يهمنا أن الطرق الصوفية قد ازدهرت في هذه الفترة I فإذا كان
الأستاذ عبد المحمود نور الدا G مازال مشدودا بصفة خاصة إلى شخصية
الرسول بحيث دخل شعره فيما سمي »براتب السعادة ٢٢)« ) I فان الشيخ
قريب الله يضرب في هذا العالم بعمق على نحو ما هو معروف من منظومته
ا =سماة »منظومة الحروف « والتي منها:
أدعوك بالذات وبالأسماء
يا خالق الأرض مع السماء
100
الشعر في السودان
... ودلني عليك يا خبير
حتى لكم على الولا أسير
لحيك البهيج مثل الباز
ولا أرى إلا على اجتياز
محافظا دوما على الأنفاس
مشتغلا بالله لا بالناس
... وسائرا دوما على الإشراق
حتى يسر القلب بالتلاقي
حتى العيون باطنا تراكا
ويستقر القلب في حماكا
حتى تقر الع l بالوصال
ويلبسن من خلعة الجمال
ويسمعن من ملك الإلهام
علوم ربي الواحد العلام...
مستأنسا بالنفس الرحماني
مبتهجا في سائر الأحيان
وبعدها يغني عن الأكوان
مستغرقا في الله غير عاني( ٢٣ )
ومن خلال ديوانه رشفات ا =دام تحس بنوع من الوجد الصوفي وبوثبات
تحمله إلى الآفاق العليا I وبرغبة في أن يكون شعره في خدمة الإنشاد I لهذا
كان اهتمامه بالجانب ا =وسيقي في البحور الشادية واﻟﻤﺠزوءة I وفي بعض
ا =وشحات التي تخدم الترديد الجماعي I حتى ولو كان هذا على حساب
الأحكام اللغوية I ثم أن الرصيد الذي وراءه هو رصيد الصوفية I ولهذا نراه
قد استخدم بعض مصطلحاتهم I ورموزهم على نحو ما نعرف من قصيدته
التي يقول فيها:
قفوا له ساعة ثم ابعثوا رسلا
يأتوا به تؤجروا يا ركب أسماء
فعندما سمع الركب الخطاب وعى
وأسرعت منه فرسان بهيجاء
101
الشعر في هذه الفترة
فأدركوه وقالوا لا تخف دركا
بشراك زال الونى ما أنت بالنائي
وأوصلوه وقد زالت مخاوفه
وفاز بالنصر في أوقات سراء( ٢٤ )
ومن الذين ضربوا في عالم التصوف بسهم وافر الشيخ إبراهيم التليب I
فقد أثر على طائفة من شعراء التصوف في عصره I وبخاصة الشيخ محمد
سعيد العباسي I و uا يذكر له أنه لم يشغل إلا بعالم الصوفية I وا =تصوف I_
فقد كان يقول شعرا ليضمنه قول ابن الفارض:
يحشر العاشقون تحت لوائي
وجميع ا لاح تحت لواكا
أو قول عبد الغني النابلسي:
وهي روح مهبها ذات أمر
وأنا هائم بذاك ا هب
وتخميسه لبعض ما قال العارف بالله الشيخ الحراق معروف.. وبصفة
عامة فقد سار في الدرب الذي سار فيه شعراء التصوف على نحو قوله:
سلبتني مليحة الحسن لبي
وسبتني بدلها والتأبي
ودعتني إلى الغرام برمز
لو دعاه الجماد جاء يلبي
.. يا ند ي إلى ا دامة هيا
هيئ الكأس واستعد لشربي
وأدرها علي صرفا فاني
آلف ا زج من مياه السحب
ضاق صدري بل فاض قدري إلى أن
قلت: حسبي من الخلاعة حسبي ! ( ٢٥ )
وهذا النفس الصوفي ا =شتعل موجود في شعر الكثيرين I وبخاصة
منظومة أسماء الله الحسنى لسيدي الدردير التي أولها:
تباركت يا الله ربي لك الثنا
فحمدا ولانا وشكر لربنا( ٢٦ )
102
الشعر في السودان
ونجد هذا النفس الصوفي في ميمية الشيخ مصطفى البكري التي تبدأ
بقوله:
الهي بأهل الذكر وا شهد الأسمى
ن عرفوا فيك ا ظاهر بالأسما ( ٢٧ )
كما نجده في قصيدته السماه ا =نبهجة والتي مطلعها:
قم نحو حماه وابتهج
وعلى ذاك المحيا نعج ( ٢٨ )
وإذا كان هذا الشعر الصوفي ضعيفا ركيكا في بعض جوانبه I إلا أن
هناك من كان له إسهام فيه بجزالته ا =عروفة I وباقتداره على اللغة على نحو
ما نعرف من الشيخ محمد سعيد العباسي I فقد كانت له انعطافة إلى هذا
الجانب فهو ابن الشيخ محمد شريف I وكان له دور في الطريقة السمانية I
ولهذا تشيع مصطلحات الطريقة في شعره على أننا نراه يسبح في هذا
العالم ح _ يتكلم عن أسرته على نحو ما نعرف من قصيدته في رثاء أبيه I
وفي قصيدة »آلي ٢٩) « ) وفي قصيدته في الشيخ عبد المحمود التي تعرض
فيها لقضية ضربه ألف ضربة I والتي يقول فيها:
أنا من قد علمت ودا وقربي
لا أناديك من مكان بعيد
فاسقني من صافي دنانك كأسا
هي كأس الحياة كأس الخلود
من شراب.. من لم يصب منه حظا
كيف يدعي بسالك أو مريد
فمتى ينجلي فؤادي ا عنى
ويطيب الجني ويورق عودي
وأرى سالكا طريقة قومي
من كرام الآبا كرام الجدود( ٣٠ )
منهج ابن البشير والعارف السمان
ذي الفيض والأمام الجنيد
.. وإذا ما صفا لهم قلب صب
فاصطفوه نادوه فيمن نودي
103
الشعر في هذه الفترة
وترقى حتى إلى حضرة الإطلاق
ذات الأسرار والتمجيد
فتجلى له الإله فأخفى
كل شيء جمال ذاك الشهود
على أننا نراه يسبح في هذا العالم في قصيدته »عبر الأيام « وفي
قصيدته »النفحات السمانية I« ثم أن له انعطافة نحو تخميس وتربيع بعض
الشعر الصوفي ا =شهور I فقد خمس بيتي الشيخ الشبلى( ٣١ ) I ونظر بيت _
مذكورين في النفحات السمانية I وتخميسه لقصيدة أبي مدين الغوث
مشهور( ٣٢ ) I وهذا الحس الصوفي سيشكل الكثير من جوانبه الشعرية I فهو
في أكثر شعره يستعمل مصطلحاتهم ورموزهم ويرقى إلى مراقيهم I ويستعمل
الإضمار بدلا من الإظهار I و يكثر من النداء للبعيد I ومن التأوه I وإظهار
ا =واجيد.. على أن ا =لاحظ أنه ارتفع بهذا التراث الصوفي I ووضعه-ر Qا
لأول مرة-في إطار الجزالة العربية.
صحيح أن هناك من شارك في التعبير عن الحس الديني كالشعراء
عبد الله محمد عمر البنا I وعبد الله عبد الرحمن I وعثمان هاشم I وبخاصة
في مناسبات مولد النبي وهجرته-وقد شارك في هذا بعض ا =سيحي _
كالشاعر صالح بطرس-ولكن الذي لون هذا الجانب بالتصوف وارتفع به
عن السرد التاريخي كان محمد سعيد العباس( ٣٣ ).
إذا كان الولاء للصوفية هو ولاء للمناخ الروحي الذي كان يعيش فيه
الشاعر I فان الولاء للبيئة يعتبر من سمات الشعر السوداني في كل العصور
».. وا =كان بذلك يقودنا إلى تحديد الشخصية الإقليمية للشعر السوداني I
ويهمنا من البعد ا =كاني هنا ما يقف وراء الإقليم من إمكانات توضح
التفاعل ب _ الإقليم والوحدات اﻟﻤﺨتلفة وما الأدب إلا واحد منها I بل هو
عنصر هام Qا ينسجه من العوامل الطبيعية والبشرية I وما يورده من صور
متعددة الأسباب والنتائج.. إذن فلا بد من العامل الفني للجغرافيا ٣٤)« )
وبصفة عامة فهناك التفاتة واضحة للمكان في هذه الفترة بالذات I ذلك
لأن الشعراء الذين عاصروا الهز eة I أو جاءوا بعدها أرادوا أن يتحسسوا
وطنهم من جديد I وأرادوا أن يدللوا على أنهم أصحابه I ولأمر ما رأيناهم
يحسنون الوقوف في أوائل القصائد على الأماكن I ومع أن هذه الظاهرة
104
الشعر في السودان
ظاهرة عامة في الشعر العربي إلا أن التشبث والإكثار منها في هذه الفترة
له دلالة خاصة I ثم انهم كانوا يعمقون هذه الظاهرة ا =كانية بالارتداد إلى
ماضيها I وخير من أجاد في هذا الجانب الشاعر محمد سعيد العباسي
على نحو ما هو معروف من قصيدته الشهيرة التي عنوانها »سار ب _ القد G
والحديث « والتي مطلعها:
خان عهد الهوى وأخلف وعدا
ظالم أحرق الحشاشة صدا( ٣٥ )
وله قصيدة بعنوان »مليط ٣٦)« ) نظر إليها نظرة جمالية I ومع أنه أسقط
عليها بعض ا =فاهيم السياسية إلا أنه قدمها في صور ملونة-وأكاد أقول في
موسيقا ملونة-ومطلعها:
حياك مليط صوب العارض الغادي
وجاد واديك ذا الجنات من واد
ومثل هذا نجده في قصائد بعنوان »وادي هور ٣٧)« ) و »النهود « و »دارة
الحمراء « و »وادي الربدة « وعروس الرمال I وإذا كان قد رسم في شعره أكثر
من صورة زاهية I فهو قد يذكر بعض الأماكن كجيرون-في الأصل موضع
من متنزهات دمشق-كناية عن مرتع لهو أيام الصبا I فهو من ذكر المحل
وارداة ما كان فيه ( ٣٨ ).. ا =هم أن الشاعر يرتكز في ديوانه على ا =كان I وان
ا =كان يشكل القصيدة عنده.
وإذا كان الشعر السوداني بصفة عامة يهتم بالأماكن-كنجد-وبالأماكن
الروحية-كمكة وزمزم والحطيم-كنوع من ا =دخل للقصيدة I فانه في ا =قام
الأول يهتم بالبيئة في بلاده على نحو ما نعرف من تعرض الشاعر حسيب
علي حسيب لبلاد »عديد النحل « و »جبل رشاد « و »دامرة « وقد يوسع
الشاعر »ا =شهد « فيقدم منطقة بأثرها على نحو ما نعرف من تعرض
الشيخ عبد الله البنا =نطقة »البطانة « فقد جاء فيها:
فلو سكنت معنا البطانة
ا رأيت مثلها مكانة
يكفيك من دنياك كلب صيد
يكون للغزلان مثل القيد
ابو تراجى
10-02-2009, 10:40 AM
الشعر في هذه الفترة
تع النفس من الأرانب
ومن حليب ل ¥ ورايب
إنا إذا أمطرت السماء
فأرضنا جميعها خضراء
ابلنا من حولنا عظام
كأنهن رتعا نعام
وبقر الحي لها دوي
كأ ¢ا قرونها العصي
والضأن وا عزى تبيت حولنا
نحبها كحبنا أطفالنا
إذا ثغ l مغربا في الساحه
فكالنساء صحن في نياحه
والناس عندنا جميعا اخوة
وهم لذي ا رعى الجميل أسوه
نحن ألفينا سكن البريه
لحسن ما فيها من الحريه( ٣٩ )
وقد تكون القصيدة وقفا على طلل على نحو ما فعل الشاعر شفيق
فهمي مينا I وقد تكون وصف دار على نحو ما فعل الشيخ إبراهيم
محمد مدني I وقد تكون وصفا =شهد على نحو ما فعل الشاعر توفيق
أحمد I وقد تكون في جامع على نحو ما فعل الشاعر صالح بطرس( ٤٠ ) I وقد
يطل الشاعر من مدينة على منظر على نحو ما فعل الشيخ عبد الله عبد
الرحمن ح _ نظر إلى النيل من مدينة »مدنى « فقال من قصيدة طويلة:
رف فيه النبات حتى كأني
من وراء الزجاج أرنو إليه
وكأن ا ياه صفحة خد
وكأن الظلام شام عليه
وكأن الدخان من جانب الشط
مشيب يلوح في عارضيه
106
الشعر في السودان
وظلال الجميز والطلح والسد
ر ترمي على ا روج الوسيعة
ووجوه النبات تحلو وتبدي
صورا للحياة كانت بديعة
ليس أدعي إلى السرور كروض
خلعت حسنها عليه الطبيعة( ٤١ )
وقد rتد رؤى الشاعر فيصف باريس وما فيها من ظباء I وقد يقدم
فصل »الخريف «-وهو الفصل الزاهي المحبوب في السودان-في لوحات مكانية
جيدة.( ٤٢ ).
امتدادا لظاهرة الذات المحمدية I والذات ا =هدية I نرى أن هناك انعطافة
جديدة في الشعر السوداني نحو الالتفاف حول شخصيت _ هامت _ هما
شخصية السيد علي ا =يرغني-زعيم الحمية-والسيد عبد الرحمن ا =هدي-
ابن الأمام ا =هدي وزعيم الأنصار-مع تعريج قليل-على شخصية الزبير باشا I
ونحن نرى الشعراء يحرصون على وصل أنسابهم بالنبي عليه الصلاة
والسلام I وإذا كان مدح السيد علي ا =يرغني يغلب عليه التصوف وبعض
جوانب الدين I فأن مدح السيد عبد الرحمن ا =هدي يغلب عليه التعرض
للجوانب السياسية ولذكر أحداث ا =هدية.( ٤٣ )
.. وامتداد التقاليد الشعر العربي رأيناهم يتغزلون في أول قصائد
ا =دح I و يتغزلون غزلا تقليديا مليئا باللوام والوشاة I ويخرجون عن ا =عقول I
على حد ما نعرف من الشيخ أحمد يوسف نعمة الذي يصف السودانيات
ببياض الوجوه I وأنهن يجلسن في الحدائق يتعاط _ الخمر ويبرزن
سافرات( ٤٤ ).
.. وظاهرة الرثاء تسير في نفس الاتجاه القد G من التعرض للرئاسات
على نحو ما هو معروف I فقد رثوا في هذه الفترة الكثيرين يجيء في
مقدمتهم الزبير باشا I وكتشنر I وان كانوا قد تنبهوا-على غير العادة-إلى
رثاء الأب والابن والعم والشقيق والصديق I و بعض ا =واطن _ الذين يتعرضون
للأخطار كما في رثاء من نكبتهم الأمطار في عطبره عام ١٩٢١ ( ٤٥ ).
وفي الوقت نفسه لم يهملوا بعض الجوانب الاجتماعية I فقد فرحوا
كثيرا بقيام نادي الخريج _ عام I١٩١٨ وأكثروا من الشعر فيه I وصاحبوا-
107
الشعر في هذه الفترة
بالشعر-كل نشاط كان يقام فيه I على نحو ما قيل من تبني النادي للتمثيل I
كما تعرضوا لقضايا ا =رأة I وحرضوها على التعليم I كما شجعها البعض
على السفور وحرضها آخرون على الحجاب.. وعلى وهن ذكروا في هذه
الفترة بالعروبة I وأوقفوا كثيرا من شعرهم على التغني باللغة العربية وقد
كان في مقدمة من سار في هذا الاتجاه الشعراء عبد الله البنا I محمد
سعيد العباسي I وعبد الله عبد الرحمن I كما أن الكثيرين كانوا أسرى
التشطير I والتخميس I والاقتباس بصفة عامة( ٤٦ ) !
.. كأنه أخيرا كان لهم انعطافهم نحو الفخر I والتأريخ I والحديث عن
الخمر I والإخوانيات I والخلافة. والحديث عن مصر I وعن الحرب
الطرابلسية.
يمكن القول بصفة عامة إن الشعر السوداني كان يصب في
الأنهار القد eة I ولكن إذا كان لابد من توضيح بعض سماته في هذه الفترة
فإنها كما ذكرنا تتلخص في تبني فكرة التصوف I وفكرة ا =هدية I والإحساس
با =كان I بالإضافة إلى محاولة التتوأم مع ما جد من أحداث سياسية
واجتماعية في البلاد.. وقد جرى الشعر السوداني على عادته القد eة من
الاهتمام بكل ما يعطي غدقا موسيقيا I و بكل ما يذكر بالأنغام
التراثية I على أن uا يذكر له في هذه الفترة هو نزعة البعض إلى
الجانب القصصي I ومن ثم نجد لفتة إلى الشاعر عمر بن أبي ربيعة I وقد
رأينا هذا التأثر عند الشاعر عبد اﻟﻤﺠيد وصفي الذي يذكر أنه أحب I ثم
أرسل رسلا =ن أحب I ثم يكون هناك حوار ب _ الرسل وب _ الحبيبة »أم
ماجد :«
فلما أ ا بلغاها رسالتي
أجابتها »لا زال ودي باقيا
ولكنني مأسورة في شراك من
يرى العاران يوما سواه يرانيا «
فعادا وقصا لي الحديث الذي جرى
فقمت وبعد السقم نلت شفائيا
وجبت الفيافي في الدجى نحوحيها
وكان أنيسي ذكرها ثم هاديا
108
الشعر في السودان
وحيث خباها قد أنخت مطيتي
وأنزلت في رحب السماح رحاليا
على منظر منها وقفت ومسمع
أنادي بذل كي تجيب ندائيا
ولو كان يدري أن لي منك سبعة
ومني بلا ريب إليك ثمانيا
فمنك الجفا والصد والبعد والعنا
وهجر وإعراض وطول سقاميا
ومني الرضا والصبر والصفح والوفا
مآلي وآمالي وجهدي وماليا..الخ ( ٤٧ )
.. وقد أكد القصة التاريخية في السودان الشاعر عبد الله البنا ح _
قدم مطولته عن عثمان بن عفان I ثم انه كان أول من انتفع بحكايات كليلة
ودمنة I وذلك في قصيدته »السلحفاة والبطتان I« وهي تدور حول غدير
معشب كانت به سلحفاة و بطتان I فلما جف الغدير حزنت السلحفاة فدار
حوار ب _ الجميع خرجا منه بحيلة يحملان فيها السلحفاة بعد حملها
بوساطة حبل إلى ماء آخر على شريطة ألا تفتح السلحفاة في فترة الحمل
فمها حتى لا تقع I وفي الطريق عجب الناس من ا =نظر وسخروا ففتحت
السلحفاة فمها غضبا »فسقطت قتيلة النسيان « ثم يكون الختام هو الحكمة
الآتية:
وهكذا من نسى النصيحة
يرجع بالحرمان والفضيحة
وهناك قصة بعنوان »أنا والأعرابي « تدور حول رفض ا =دينة ثم الرضا
عنها أخيرا I وهناك قصة »الناسك والأوهام « وتدور حول رجل يحلم حلما
من أحلام اليقظة ثم ينتهي منه بلا شيء I ثم قصة ابن ا =لك وأصحابه
الذين تفاخروا Qا eلكون وكان على كل واحد أن يقدم برهانا على ما
يذهب إليه وقد وجه هذا الجانب وجهة تعليمية الشيخ بابكر بدري( ٤٨ ).
.. ثم انه كان هناك نوع من الضغط السياسي I ومن ثم رأينا بعض
الشعراء eيل عن التصريح إلى التلميح و بالتكنية برموز عن الأشخاص
والبلدان I وقد كان في مقدمة هؤلاء الشاعر محمد سعيد العباسي I فهو
109
الشعر في هذه الفترة
يقول:
يا سعد سعد بني وهب أرى ثمرا
فجد فديتك للعافي بعنقاد
وان في بعض ما قد عاف شاربكم
أعتاب ذي الفضل يحيي وابن عباد ( ٤٩ )
وهو يقول:
فيا مار سيرى ولا تخدعي
فينتزع القرط يا ماريه ( ٥٠ )
وقد كان يقصد مصر في قوله:
قد ظمئنا بنت الكرام فهاتني
كأس خمر يرجي فقاقع خمر
(و) يا بنت ساجعة الرياض
وزين ناضرة الشجر
(و) اسمعينا »جنان « لحنا شجيا
ودعي معبدا دعي إسحاقه
.. و uا يدل على هذا ما جاء في ديوانه تعليقا على هذه الأبيات:
»جبسن « أسمع أوليت قومك فخرا
وثناء يروى وأوريت زندا
نحن من قد علمت ودا وأنت
ا رء يولي الإحسان بدءا وعودا
جئت في السد بالعجاب فهلا
شدت ب l البغاة والناس سدا( ٥١ )
وعلى كل فقد كان لجوء الشعراء إلى هذه »الحيل الفنية « ضرورة في
فترات التضييق عليهم I و uا يلاحظ أن هذا الاتجاه أعطى للشعر عمقا I
وحمل القار على التفكير I والوصول إلى ا =طلوب بعد نوع من ا =ماطلة
الفنية( ٥٢ ).
وأخيرا.. يكون لا مناص من تسجيل تلك الحقيقة ا =رة التي تقول: أين
كان الشعر من ثورة ١٩٢٤ وما دوره في التحضير لها ? فما عثرنا عليه في
هذا اﻟﻤﺠال محدود جدا I ولعل أبرزه تلك القصيدة إلي هربت إلى جريدة
110
الشعر في السودان
الأهرام القاهرية وكان نشرها في ٢٦ / ٥/ ١٩٢٢ ( ٥٣ ) I وهي تلك القصيدة التي
كتبها توفيق صالح جبريل I وتقول:
أيها القوم لاتجروا الذيولا
يأنف الحر أن يعيش ذليلا
سمتمونا العذاب ضيقتم الأر
ض علينا حتى هوينا الرحيلا
إن أرد y إصلاحنا قد فعلتم
فاعذرونا إذا مللنا الدخيلا
أيهذا الزعيم أودى بنا الفقر
فعطفا فقد صبرنا طويلا
فقبيح أن نرتضي الذل دهرا
ونرى مالنا لكم مبذولا
كل يوم تبدو بثوب جديد
من دهاء فحسبكم تبديلا
علمتنا الأيام ما قد جهلنا
ه فلسنا نطيق عبئا ثقيلا
تلك عشرون حجة بعد خمس
قد تقضت وما شفيتم غليلا
فادعيتم نشر الحضارة والعر
فان والشعب ما يزال جهولا
ما اكتسبنا إلا الشقاء كسانا
سملا باليا وجسما نحيلا
ويح قلبي ماذا يروم »ألنبي «
يوم وافى يجر سيفا صقيلا?
جمع الجمع. أرهب القوم حتى
أصبح السيد النبيل ذليلا
أتراه يريد يفصم حبلا
ب l مصر وبيننا موصلا?
111
الشعر في هذه الفترة
و اذا تراه لي عليهم
ونراه مدونا ما قيلا?
جل من ملك الدخيل فجر الذ
يل واستمطر العذاب الوبيلا ( ٥٤ )
ثم كان صمت الشاعر توفيق صالح جبريل عن الثورة على الرغم من أن
أخاه محمد صالح جبريل كان أحد أبطالها I وهو نفسه كان من ا =ؤسس _
لجمعية الاتحاد السرية I وقد ضحى بالكثير من أجل تحمسه للاتحاد مع
مصر »بيد أن نظرة واحدة إلى ا =ناخ الوطني لجيله تضعنا أمام الظروف
التي أفضت به لتلك العزلة عن اﻟﻤﺠتمع الكبير ٥٥)« ) وهناك نص يشير إلى
هذا ا =ناخ يقول أن أحد أعضاء جمعية الاتحاد قد وشى بها إلى صمويل
عطية الذي كان يعمل في مخابرات الإنجليز I ومن ثم حدث انقسام ب _
أعضاء الجمعية فهناك من قال بحل الجمعية I وهناك من عارض كالشاعر
إبراهيم بدري الذي قال:
عهد قوي لم تزد
٥ الحادثات سوى ازدياد
ويحوطه القصد الشر
يف وأشرف القصد الجهاد
من أجل فرد خائن
تبغون حل الاتحاد?
وا رء يقطع زنده
خوف التسمم والفساد
أعماه حب الأصفر الر
نان عن نهج الرشاد
خان البلاد وما درى
أن الخيانة شر زاد
مهلا عليه فسوف ير
سف في قيود الاضطهاد
ويرى نتيجة ما جنت
كفاه من ضرب العباد( ٥٦ )
112
الشعر في السودان
و eكن أن نرى هذا ب _ الطلبة على نحو ما نعرف من القصيدة التي
ألقاها توفيق أحمد في كلية غوردون I والتي نحس منها التضييق الذي كان
سائدا I فقد جاء فيها:
هيهات أترك ما عشقت وان مت
فيه فنعم عقوبتي ونصيبي..
إخلاصة الأفراد إن بلادكم
تشكو من التفريق والتخريب
ونخاف أن ضي الزمان وكلنا
في اللهو والتحبيب والترغيب
هيا إلى عمل الصلاح فإننا
في موقف حرج النتاج عصيب
.. فلر ا نهض ا هيض بقدرة الله
الكر .. وليس ذا بعجيب
ولأمر ما كثر شعر الشكوى والتبرم من الحياة في هذه الفترة على نحو
ما نعرف من شعر صالح عبد القادر I وعثمان حسن بدري I والطيب السراجي I
وقد يشفع لهؤلاء ما قاله حسن نحيلة ».. كان السيف مصلتا والأضواء
مسلطة عليهم I والشعر ليس كالغناء I فالاستدلال على صاحبه سهل I ولا
تنس انهم كانوا موظف _ في قبضة الحكومة تراقب كلا منهم رقابة دقيقة I
وتحصى كل شيء عددا I ولنذكر من الشعر للخاصة I وما كانت الجماهير
في حاجة إليه I« ومن ثم كانت مخالفة الدكتور محمد مصطفى هدارة الذي
رأى أن الشعر زاد الجماهير في مثل هذه الانتفاضات ( ٥٧ ) I والواضح أن
هناك شعرا قيل قد وصلت أخباره I ولكنه ضاع لأنه كان يعتمد على الذاكرة I
ذلك لأن اﻟﻤﺠالات كانت مطوية عنه I وأغلب ما وصل إلينا منه كان بدون
توقيع و q نشره في مصر.
113
فترة التخلص من الحكم الأجنبي
ابو تراجى
10-02-2009, 10:41 AM
إذا كانت ثورة عام ١٩٢٤ ثمرة لضيق الناس
بالحكم الإنجليزي في العديد من اﻟﻤﺠالات I وعلى
رقعة كبيرة من الزمان-بالإضافة إلى التأثر بثورة
١٩١٩ في مصر وبالحرب العا =ية الأولى-فإن
الأسباب ا =باشرة كانت الاجتماع الذي عقد في
منزل السيد عبد الرحمن ا =هدي في ١٠ من يونيو
عام I١٩٢٤ والذي q فيه إقرار مبدأ أن تنفرد إنجلترا
بحكم السودان بعيدا عن مصر( ١) I ومن ثم تحددت
عدة روافد في مواجهة هذه الفكرة فرأينا من يدعو
إلى القومية السودانية I ومن يقول بوحدة الوادي I
ومن يظهر في صوته الاتجاه العربي I أو الدعوة
الإسلامية.. ا =هم أن أصحاب هذه الروافد كانوا
يرفضون الحكم الإنجليزي I ومن ثم رأيناها تتداخل
في الاتجاه الذي مثله علي عبد اللطيف والذي
تحددت ثورته باسم »اللواء الأبيض « والذي كان
ينادي بإبعاد الإنجليز والتقارب مع مصر( ٢) I على
أن هذه الثورة لم تكن متكافئة مع قوة الإنجليز I
ومن ثم كان إخمادها بعد الاندلاع بعنف I ثم كان
»تفريغ « البلاد من ا =صري I_ وكان تشديد القبضة
10
114
الشعر في السودان
على ا =واطن _.. وما يهمنا من هذا كله أن الإنسان السوداني قد أصيب
بالإحباط لا مرة واحدة بل مرت I_ فقد ضاعت ثورة ا =هدية على يد الإنجليز
وكان أن حمل مرارتها I ثم ها هي ثورة أخرى من ثوراته تضيع بعد أن
أخمدت بعنف.. وهكذا خلا الجو للسياسة الإنجليزية في البلاد I وأصبح
الإنجليز يحكمون البلاد حكما مباشرا I ولم يسمح الإنجليز بقيام كيانات
سياسية I ومن ثم تكونت جمعيات كان طابعها العام ثقافيا I فقد تكونت
للخطابة I وإنشاد الشعر I وا =طالعة وا =راجعة جمعيات I ومن هذه الجمعيات
صدرت عدة دعوات هامة في بناء اﻟﻤﺠتمع السوداني I كالدعوة إلى التعليم
الأهلي I والرغبة في التعليم في القاهرة I وتشجيع الرياضة I وتعليم ا =رأة I
فلما كان عام ١٩٢٩ ظهرت بعض الجمعيات السرية التي rارس السياسة I
وعلى الرغم من العودة »الإسمية « للجيش ا =صري Qقتضى معاهدة ١٩٣٦
إلا أن هذا قد شد من أزر السوداني _ ومن rاسكهم أمام الإنجليز I ولقد
كان من أروع الثمار التي نضجت في هذه الفترة ما يسمى »مؤ rر الخريج «_
الذي ظهر كقوة مؤثرة في فبراير عام I١٩٣٨ فقد التف حوله نحو ألف _ من
الخريج I_ وشهد أول اجتماع له ألف وثمانون خريجا I وكان أن دفع أفكارا
اجتماعية وأدبية إلى اﻟﻤﺠتمع تسامح الحكم فيها أولا I ولكن ح _ نادى
ا =ؤ rر بإنشاء جيش وطني سلطت عليه الأضواء بعنف I وإذا كان الرأي
العام متعاطفا مع مصر I فإنه لا eكن إغفال اتجاه آخر كان ينادي بالتعاون
التام مع الإنجليز I وكان يقول بأنه ليس بيننا وب _ مصر ألا »حسن الجوار
وا =شاركة في ماء النيل ٣)« ).
ثم كان السماح بتكوين الأحزاب I وكان دور الزعامات الدينية ا =تمثل
أساسا في دور الختمية من خلال السيد ا =يرغني I ودور السيد عبد الرحمن
ا =هدي من خلال ا =هدية I وكان دور الجمعية التشريعية واﻟﻤﺠلس التنفيذي I
ثم كان أن توقفت أشياء كثيرة خلال الحرب العا =ية الثانية فقد شددت
الرقابة على البلاد I ثم كان موقف مصرح _ ألغت في عهد مصطفى النحاس
معاهدة I١٩٣٦ ثم كانت ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ وكان أن قدمت مذكرة في ٢/ ١١ /
١٩٥٢ جاء فيها ».. تؤمن الحكومة ا =صرية إ eانا وطيدا بحق السوداني _
في تقرير ا =صير I وفي uارستهم له uارسة فعلية في الوقت ا =ناسب
وبالضمانات اللازمة ٤) « ) ثم كان دورها في إدماج عدد من الأحزاب التي
115
فترة التخلص من الحكم الأجنبي
تتعاطف معها في حزب يسمى »الحزب الوطني الاتحادي « برئاسة إسماعيل
الأزهري I ثم كان تتويج هذا كله باتفاقية تنص على ».. تقرير السوداني _
مصيرهم في حرية تامة إما بإعلان استقلال السودان عن كل من مصر
وبريطانيا وأي دولة أخرى I أو الارتباط مع مصر I على أن يسبق ذلك قيام
الحكم الذاتي الكامل في السودان فورا « وقد وضعت هذا الاتفاقية ا =شهورة
وا =عروفة باسم اتفاقية السودان عام I١٩٥٣ ثم كان اختيار السودان للاستقلال
التام عن مصر وبريطانيا I وكان إعلان مولد الجمهورية السودانية في ١/
١/ ١٩٥٦ ( ٥).
في هذه الفترة انتشرت ظاهرة التعليم I وأسهمت مصرفي هذا بدور
كبير I وكان إرسال عدد من البعثات إلى إنجلترا ومصر I وكان انتشار الصحافة
والطباعة والنشر I والنوادي العلمية والأدبية I ومع أنهم تفتحوا على الثقافة
الإنجليزية I وا =صرية I إلا أنه تكون جيل جديد-ب _ جيل ا =رارة واليأس-
ينادي بالقومية السودانية I ويحاول أن يزيل عنها التأثيرات البعيدة عنها I
وقد كان في مقدمة الداع _ حمزة ا =لك طنبل وعرفات رئيس تحرير مجلة
الفجر.
ويجيء دور حمزة ا =لك طنبل في عدد من ا =قالات التي نشرت في
جريدة الحضارة ثم صدرت في كتاب طبع طبعة أولى عام ١٩٢٧ بالقاهرة( ٦)
بعنوان »الأدب السوداني وما يجب أن يكون عليه « وهو ابتداء يدعو إلى ما
يسميه إبراز صورة صحيحة للأدب السوداني I ووسيلته إلى ذلك التمسك
بالأخلاق وبالبساطة ».. إننا لا نحتاج لكثير من العلوم I ولكننا نحتاج لكثير
من الأخلاق الفاضلة. إن البساطة مظهر من مظاهر الجمال فلنلتزمها
ولنحطم قيود هذا التكلف ا =مقوت الذي هو نتيجة التقليد الأعمى البارز
في كل مظهر من مظاهر حياتنا « ثم نراه يقف إلى جانب الشاعر ا =طبوع لا
الشاعر ا =قلد I والذي تكون صورة نفسه كاملة في كل شعره لا في قصيدة
واحدة من قصائده I وفي ضوء هذا نراه يقف عند ظاهرة الصدق I ورأينا.
يشجب ظاهرة التشطير فيقول ».. هب أن قصيدة ابن الفارض »ترابيزة «
كهذه بأربعة أرجل مصنوعة من خشب الصندل الزكي الرائحة (الذي لا
يوجد في غير روضة ابن الفارض) وهب أن مشطر القصيدة نجار دفعه
الإعجاب بهذه »الترابيزة « إلى تشطيرها بحسب ما يقتضيه فن النجارة I
116
الشعر في السودان
نصنع ب _ كل رجل وأخرى رجلا (من خشب جيد أحضره هو) ثم صنع ب _
كل درج وآخر درجا I وهكذا فماذا يكون الحال ! حل عجيب: لا »الترابيزة «
كما سبق أن رأيناها I ولا هي لابن الفارض I ولا هي لهذا النجار I ولا هي
على روائها وحسنها الأول ٧)« ) ثم انه يخطو خطوة إلى ما يريد ح _ يقول
أننا لو وضعنا كل ا =عارضات في كفة ميزان I ووضعنا بعض الأبيات التي
يسخرمنها الناس هنا للشيخ حسن البدري في كفة I لرجحت أبيات الشيخ
حسن التي تقول في صدق وحس سوداني:
جاء الخريف وصبت الأمطار
والناس جمعا للزراعة ساروا
هذا فرده وذلك بابنه
والكل في الحش السريع تباروا الخ( ٨)
يقول »وبصرف النظر عن درجة حرارتها فهي تعطيك صورة صحيحة
لوجه من وجوه الحياة في السودان I هل فهمتم مرادنا? نريد أن يكون لنا
كيان أدبي عظيم I نريد أن يقال عندما يقرأ شعرنا من هم خارج السودان:
أن ناحية التفكير في هذه القصيدة أو »روحها « تدل على أنها لشاعر
سوداني I هذا ا =نظر الطبيعي الجليل الذي يصفه الشاعر موجود في
السودان I هذه الحالة التي يصفها الشاعر هي حالة السودان I هذا الجمال
الذي يهيم به الشاعر هو جمال نساء السودان I نبات هذه الروضة (أو هذه
الغابة) التي يصفها الشاعر ينمو في السودان I وهو يعيب على الشعراء
الاستهلال بالغزل والنسيب والتشبيب I ويطبق هذا على ما قاله الشاعر
علي أرباب لأن غزله في أوائل القصائد يتنافى مع الصدق I ومثل هذا
الحديث عن الناقة I والحديث عن الفخر I كما أنه يدين التكرار لأنه في
الغالب »نتيجة قلة ا =ادة والعناية بالألفاظ دون ا =عاني I وهو عيب نذكر أن
دعاة ا =ذهب الجديد في مصر انتقدوا عليه شاعرها الكبير حافظ بك
إبراهيم I ثم انه يذهب إلى أن ما يقوله الشعراء لا يخرج عن كونه جريا وراء
التقليد I أو أنه على حد تعبيره »تحلية بضاعة ٩)« )..
وعلى كل فنحن نراه من أجل تحديد ا =لامح الخاصة للأدب السوداني I
يدعو إلى الابتعاد عن تقليد الشعر العربي I ويدعو في الوقت نفسه إلى ما
يسميه اختصار الأدوار التي مر بها الأدب ا =صري من قد G وجديد I ووسيلته
117
فترة التخلص من الحكم الأجنبي
إلى ذلك الصدق مع النفس ومع البيئة I ولهذا رأيناه يدين الحديث الذي كان
يدور في مصر حول »الأدب العا =ي I« فهو يراه سرابا I أما ا =اء الحقيقي فهو
»الأدب القومي « بل انه يرى أن الحديث عن العا =ية دليل على عدم نضج
(الأدب القومي) ( ١٠ ).
وهذه الآراء لم تبعد كثيرا عن شعره I فنحن نراه في مقدمة ديوانه
يقول: لقد خالفت في هذا الديوان بعض أصول اللغة مخالفة طفيفة متعمدة I
وذلك بالوقوف على ا =فعول-وغيره من الكلمات ا =وضوعة ب _ قوس _-
بالسكون rشيا مع أصل »اللهجة « والوزن( ١١ ).
ويجيء دور ا =نادين بالشعر القومي في وضوح وفي مقدمتهم محمد
أحمد المحجوب( ١٢ ) I وقد حملت لواء هذه القضية مجلة الفجر التي كانت
مقصورة على الشعر ودراساته والتي حملت لواء الشعر في عامي I١٩٣٤
١٩٣٥ بعد أن صمت صوت مجلة »أبولو « في مصر وقد بدأ بتصوير الواقع
السوداني الذي كادت القومية أن تفقد معناها فيه I وكادت العربية كذلك أن
تكون مجهولة به I ثم تعرض =ادة هذا الأدب الذي يجب أن يؤخذ من حياة
الناس I و يشيد بالأبطال والبطولات I وبعبارة مختصرة يجد مادته في أخلاق
الأمة حميدها والذميم I ليقبل الناس على الحميد I وينصرفوا عن الذميم I
أما معدات هذا الأدب فهي الجمال والسهولة والوضوح وا =وسيقا والتعبير
عن نفسية الشعب »فنحن Qا عندنا من عصبية للعرب I وما خصنا الله به
من عقيدة إسلامية ثابتة تنتظم جل أفراد الأمة لا eكن أن يتجه شعرنا
القومي نحو الهمجية والإلحاد I لأنه سيلاقي من سخط الشعب ما يكبح
جماحه I ويحكم عليه با =وت الأدبي I و Qا عندنا من محافظة على الأخلاق
ورعاية للذمار لا eكن أن يتجه شعرنا القومي نحو الإباحية أو انتهاك
الأعراض وإهمال الحمى I« ثم نراه يحاول رسم مثل عليا للحياة السودانية
ا =قبلة في عدد من ا =يادين I ويدعو إلى خلق شعور قومي ينتظم البلاد I
والى تذوق الجمال في كل مظانه بدلا من النظر إليه عن طريق »العاطفة
التناسلية « ومع أنه معترف بواقع السودان القاسي إلا أنه يغضب على الذين
يقولون أن بلاده »بلاد الجحيم « وأنها »العظمة « التي يدور حولها الصراع( ١٣ ).
ثم أن قضية قومية الأدب قد برزت بروزا واضحا ح _ أصبحت مناظرة
يدور حولها الحديث في نادي خريجي ا =دارس I وح _ انتقلت القضية إلى
118
الشعر في السودان
صفحات مجلة الفجر I وكان أن ظهر تيار يقول: أن الثقافت _ في مصر
والسودان لا eكن أن تنفصلا لوجود صلات في الدم واللغة والدين I وتيار
يقول: أن هناك اختلافا ب _ طبيعة البلدين I وتباينا ب _ عادات السكان إلى
غير ذلك من الظواهر التي تحتم قيام ثقافت _ منفصلت I_ وهناك تيار
حاول التوفيق ح _ نادى بالتعاون ب _ الثقافت _ مع محافظة كل منهما على
ا =ميزات والخصائص I وقد اشترك في طرح هذه القضايا الصحفي ا =صري
ا =قيم في السودان حسن صبحي I والأديب محمد عبد القادر حمزة الذي
أرسل برده لينشر في العدد الحادي والعشرين من مجلة الفجر I أما محمد
أحمد محجوب فقد كان واضحا في عملية الفصل ب _ الأدب I_ وقد قال أن
الأدب القومي في مصر ذاتها جديد لم rض عليه سنوات »وحتى الآن لم
نر نتاجا جديرا بأن يسمى قوميا « ذلك لأن شوقي وحافظ وأحمد محرم
يجرون على طريقة العرب I ويسوقون الحديث عن النوق والخيام والهوادج I
ويتغزلون في سعاد ودعد وهند I ولا يحفلون بزينب وفاطمة وبثينة I ثم أن
العقاد وا =ازني لا فرق ب _ شعريهما في ا =عاني والتخيلات وب _ شعر »توماس
هاردي « أو »شلي « فهو شعر إنجليزي في لغة عربية I وأما النثر فحتى بداية
هذا القرن كان سجعا مقفى I وما »حديث عيسى بن هشام « للمويلحي
ببعيد I وأما كتاب العصر فهم ب _ نزوعهم إلى التجديد ومحاولة اللحوق
بالغرب I وب _ محافظتهم على أسلوب عبد الحميد الكاتب وبيان الجاحظ
»لم يتقدموا خطوة إلا ليتأخروا خطوات I« وأدباء الشباب الذين يحاولون
إدخال القصة أو الأقصوصة وا =سرحية لا تتعدى كتاباتهم الترجمة إذا
كانوا أمناء I وا =سخ إذا لم يكونوا كذلك( ١٤ ) I ثم يذهب إلى القول بان الأدب
ا =صري سيطول جهاده قبل أن يكون قوميا با =عنى الصحيح I ثم يقول أن
الأدب السوداني الذي نوده لم يظهر حتى الآن I ولكنه يطمع في ظهوره
مستقلا عن مصر وبظهور هذا النوع من الأدب في البلدين سيكمل كل
منهما الآخر I ثم يختم مقاله بقوله ».. فاعذرونا يا إخواننا ا =صري I_
وساعدونا على ما نريد لأن في انفصال الأدب _ وقيام كل منها بذاته خيرا
للبلدين I وثقوا أننا لا نرضى بكم بديلا I ولكننا لا نستطيع أن نقول لكم إننا
نفضلكم على أنفسنا فهذا منطق لا يقبله العقل ١٥)« ).
وقد رسم لبث الشعور القومي اتجاهات ثلاثا هي: تحويل عصبية القبائل
119
فترة التخلص من الحكم الأجنبي
إلى عصبية وطنية شاملة I وذلك بأن يلقن الأطفال في قصص مبتكر بطولات
عثمان دقنة I وعبد الله ولد سعد I وعبد الرحمن النجومي I ومحمد أحمد
ا =هدي I بدلا من أحاجي الغيلان I وقصص السحرة »وحبذا لو نظمت قصص
هؤلاء الأبطال في شعر عربي يحس جلاله الشباب الناهض ا =ثقف I وفي
غناء سوداني يفهمه ويسيغه الجمهور والأطفال I« أما الاتجاه الثاني فيدور
حول كتابه تاريخ السودان من أقدم العصور حتى الوقت الحاضر I ذلك لأن
الأمة إذا جهلت تاريخها لا يتيسر لها الشعور بقوميتها I على أن يحكم
الصدق كل ما يكتب I أما ما يكتبه الأجانب وا =غرضون فإنه يقتل الشعور
القومي I وهو يعتمد في هذا على قول »أبرا هام لنكولن:< إن تاريخ واشنطون
عن أمريكا من أهم الكتب التي ساعدتني على بناء حياتي.. أما الاتجاه
الثالث لبث الشعور القومي فهو اللغة التي نتكلمها I ومعنى هذا أن نشعر
بعظمتها I وأن جدها I وأن نضعها فوق سائر اللغات I وهذا يتطلب منا
إتقانها لنحسن التعبير بها عن أفكارنا وعواطفنا I وهو لا يذكر في هذا
اﻟﻤﺠال إلا ما يخلفه الأدباء من شعر ومقالات وقصص وروايات I بالإضافة
إلى الغناء.. والشاعر الذي يصور الحياة حسب ما يتخيلها العقل السوداني I
وتحسها النفس السودانية I وتفيض في تصوير الآلام والآمال التي يحسها
الأفراد في وحدتهم ولم تجمع عليها كلمتهم كجماعة I يقوم ب _ قومه مقام
الوسيط I يوحد مشاعرهم I ويجعل منهم وحدة متينة البناء( ١٦ ). وقد ظل
محمد أحمد محجوب وفيا لهذا الاتجاه I وقد أكده بكتيب نشر في عام
١٩٤١ بعنوان »الحركة الفكرية في السودان إلى أين يجب أن تتجه «.وعلى كل
فإذا كان هذا الاتجاه قد حمل لواءه أساسا هؤلاء الذين كانت ثقافتهم
إنجليزية إلى جانب الثقافة العربية كحمزة ا =لك طنبل I ومحمد أحمد
محجوب I ويوسف التني( ١٧ ) I فان هذا الاتجاه قد وجد عند الآخرين الذين
كانت ثقافتهم عربية بحتة بنسب متفاوتة I ونحن لا ننسى هنا الدور الذي
ركز عليه محمد عبد الرحيم I فقد طالب أن يكون للسودان أدبا خاصا
»يحمل طابع شمسه ا =شرقة I وطغراء بدره الوضيء I ويخص بعناية الحياة
السودانية وحدها منحنيا عليها يصفها ويحللها ويصدر عنها « وهو لا يكتفي
بهذا وإ ا يطالب »بالانكماش « على النفس السودانية( ١٨ ) I وقد كان من
الطبيعي لإخلاء الطريق الجديد أن تكون هناك ثورة على القد G على نحو
ابو تراجى
10-02-2009, 10:42 AM
الشعر في هذه الفترة
قد يكون من الصعب وضع شعر قطر عربي في
مدارس محددة يأخذ بعضها من بعض I بحيث تكون
لكل مدرسة ملامحها الخاصة بها I ذلك لأن الشعر
العربي في مراحله ا =تعددة كان يعرف »التداخل «
أكثر uا يعرف »التمايز I« وكان يعرف »الزحف «
أكثر uا يعرف »القفز « ولقد كان في الغالب أسيرا
للنمط القد IG ثم انه كانت هناك فترات انقطاع
حضاري I وكان الكثيرون يبدءون بالبناء على القد G
لا على ما q إنجازه من تجديد داخل ا =سيرة
الشعرية I وفي ضوء هذا ندرت الطموحات الشعرية I
وأصبح من ا =ألوف العزف على الأوتار القد eة I
ولعل uا ساعد على هذا ارتباط الشعر بالطبقة
العليا من اﻟﻤﺠتمع I ونظر هذه الطبقة إلى الشعر I
ورغبتها في أن يكون أداة ترفيه لها I ولعل هذا يفسر
كيف أن الشاعر كان »يلوذ « Qقدمة القصيدة ?
وكيف أنه من خلالها كان يتنفس تنفسا طبيعيا إلى
حد كبير I فالشعر العربي الحقيقي يوجد في
ا =قدمات لأنه من خلالها كان يتحقق »حضور «
الشاعر I أما ما وراء ذلك فقد كان »عباءة « eكن
أن توضع على أكتاف كل ا =مدوح _.. وا =عشوقات...
الخ.
11
122
الشعر في السودان
ثم أننا يجب ألا ننسى أن كثيرا من الشعراء كانوا يعيشون في عوالم
غير شعرية I وكانوا يغلقون أنفسهم على ما حصلوا I وكانوا يفصلون ب _
الشعر وب _ عوالم الفكر والأدب والفن I وكانوا يرضون بالسقوط على مواطن
العطاء ا =ادي I وفي ضوء هذا كانوا مجرد أبواق =ا يطلب منهم I وقد ساقهم
هذا للتعامل مع »الانفعال « لا مع »الفعل « ولأمر ما قلت-علي طول ا =سيرة
الشعرية-حركات التجديد I بل لقد اشترك بعض الشعراء-مع القوة المحافظة-
في محاربة التجديد بشراسة.
.. وعلى كل فنحن نجد الشعراء السوداني _ في هذه الفترة I يحاولون
إلى حد ما الخروج عن »النمط الفردي « إلى أ اط أخرى سياسية واجتماعية
تتمثل أكثر ما تتمثل في قضايا الوطن I فالسودان كان محكوما حكما شاذا
لدولة كانت rلك ناصية الأمور I ولدولة كانت هي الأخرى محكومة إلى حد
ما Qن eلك ناصية الأمور في الجنوب I وهكذا كتب على السودان أن
يحارب في أكثر من جبهة I وتحت أكثر من شعار.
وعلى كل فسنحاول النظر إلى الشعر من خلال تيارات عرفت كيف
تصل إلى أساليب I وان كان ا =لاحظ أن هذه الأساليب ظلت دائما قاصرة
عن الوصول إلى ما اصطلح على تسميته با =دارس في الشعر.
123
التيار التقليدي
التيار التقليدي
من ا =لاحظ أن الشعر في السودان قد اشتد
عوده في ظلال الأ وذج ا =ملوكي والتركي I فقد
كان هذا الشعر هو ا =تاح لهم I وهو الذي يتحرك
على الساحة I على أنه بعد فترة قد أخذ حركة
راجعة قبل عصري ا =ماليك والأتراك I فقد اطلع
الناس على اذج من الشعر الجاهلي والأموي
والعباسي( ١) I وعلى النماذج التي انتفعت بهذا التراث
في مصر ابتداء من محمود سامي البارودي إلى
شوقي وحافظ I وهو ح _ اهتدى إلى هذا eكن
القول بأنه حصل على لؤلؤة حقيقية I ذلك لأنه عثر
على الأ وذج الأثير الضائع منه I والذي كان يسمع
عنه ولا يتمرس به I وفي الوقت نفسه كان يهدر
ورائيا في الأعماق I ومع أن ظل هذا الأ وذج
التقليدي ظل مطروحا على كل العصور I إلا أنه
وجد استجابة واضحة استدعتها ظروف العالم
العربي I فقد كان يقدم للمتعامل معه نوعا من
»التماسك الحضاري « ذلك لأنه عاش مع كل الأجيال
وفي كل العصور I فهو إلى جانب أنه يساعد على
أن eسك الإنسان بحضارته I فانه يحتفظ بنوع
من الزهو أو »الفخر « الذي يجعله يصر على مقاومة
العالم الكريه الذي يعيش فيه I خاصة وأننا نعرف
12
124
الشعر في السودان
أن هذا العالم قد سقط أمام الغزو الأوربي I وهكذا كان الشعر ا =عتمد على
الأصول ا =توارثة راية من رايات الدفاع I ولأمر ما رأينا الكثير من الشعراء
يبالغون في المحافظة على الشكل التقليدي I فيقدمون قصائدهم با =قدمات
ا =توارثة التي تتحدث عن الأطلال I والتشبيب I والرحلة I ثم يتخلصون بعد
ذلك إلى ما يريدون I هذا بالإضافة إلى استخدام ا =وسيقا والصور القد eة I
بعبارة أخرى نحن نرى أن »البداوة القد eة « كانت ضرورة استدعتها ظروف
السودان I ولأمر ما رأينا أن هذه البداوة هي ا =قدمة الحقيقية للثورات
الأولى في العصر الحديث I ولعله يجيء في مقدمة هذه الثورات الثورة
العرابية I ولعل uا ساعد على هذا أن عنصر »البداوة « كان حقيقة في
حياة الناس وفي تفكيرهم I ثم أن هذه البداوة كانت ترتبط أساسا بفكرة
»الإنشاد I« وقد كانت هذه الفكرة تزدهر في فترات التأزم السياسي I وقد
حان الآن بعد فشل ثورت _ أن يستيقظ الناس I وأن يدفعوا دفعا إلى اليقظة I
ولقد كان الشعر هو الصوت الحقيقي ولهذه اليقظة خاصة بعد أن انتشرت
النوادي العلمية والأدبية I وبعد أن تعود الناس على الاحتشاد في ا =ناسبات I
ا =هم أن الشعر التقليدي سبح سباحة شديدة في بحر السياسة I وأنه عبر
بغزارة عن عدد من ا =واقف التي سادت هناك I فقد كان هناك شعراء وقفوا
إلى جانب الإنجليز وقد كان هناك من وقف إلى جانب ا =صري I_ وكان
هناك من وقف إلى جانب سودان بعيد عن الإنجليز وعن ا =صري I_ ا =هم
أنه كانت هناك اجتهادات حول قضية الوطن I وأنه لم يكن هناك خلاف
على الرغبة في أن ينال السودان حريته I ولكن الطرق تعددت من أجل
هذه الغاية I وفي الوقت نفسه كان هناك من ضلل عن قضيته I وفي
الحقيقة لقد حملت جريدة حضارة السودان تيارا انهزاميا محضا I
فقد دعت إلى تمجيد الإنجليز I ونددت في الوقت نفسه بحركة
اللواء الأبيض التي صفيت عام ١٩٢٤ وقالت إنها محاولة خطرة
وحركة صبيانية I ومأساة محزنة( ٢) I ولقد رأينا عددا من الشعراء
يصبحون . أبواقا للإنجليز I ويحاولون دائما تحس _ صورتهم عند
الناس I فقد رأينا الشاعر إبراهيم محمد عبد العاطى يتحامل على الطلبة
الذين يريدون التعبير عن حريتهم بالإضراب I ولا ينسى rجيد
الحاكم العام.
125
التيار التقليدي
وهذا حاكم السودان فيكم
يقلد جيد شعبكم فريدا
سبرناه فألفيناه برا
وبالإحسان منصفا حميدا
وكان زمانه عدلا و نا
وخيرات ورحمات وعيدا( ٣)
وهذا الشريف محمد أحمد عبد الرحمن eدح الحاكم العام:
أنل الشعب هناء وسرورا
واملأ القطر نعيما وحبورا
واقض ب l الناس ما شئت تجد
شعبك اﻟﻤﺨلص للنعمى شكورا
وارض بالإخلاص منا ثمنا
فلكم كنت به منا جديرا
رجل الإصلاح صلها سبلا
وكن ا رشد فينا والأميرا
وجريا على خلق »الأ وذج « في الشعر القد G نرى أن بعض الشعر في
هذه الفترة قد دار حول الحاكم العام I على نحو قول حامد أحمد فيه:
دعوني أرمق الآمال فيه
فهذا الركب بالأمل استقلا
أيا »جوفري أرثر « ته دلالا
وعش ما عشت للسودان مولى( ٤)
وكان هناك من نسب كل مكرمة إلى »السير جيمس كري « في القصيدة
التي منها:
كأن ربك أوصاهم بأمته
وخصهم بالرضا عن كل إنسان ( ٥)
وكان هناك من رثى من مات منهم( ٦) I ومن كرم بعض شخصياتهم
العامة( ٧) I وفي الحقيقة لقد شاعت عند البعض نغمة إكبار الإنجليز I ومن
نظروا إليهم بعيدا عن قضية الوطن I على نحو ما نعرف من شعر علي نور
الذي يقول فيه:
126
الشعر في السودان
قوم على أخلاقهم
قامت أواصرهم متينة
ولهم على كل ا ما
لك أن تكون لهم رهينة
وبكل بحر زاخر
ما لكون به متونه
جعلوا شعارهم هزبرا
أغلبا يحمي عرينه
ولو أنهم جعلوه ثورا
وهو أجدر أن يكونه
قلنا الخرافة صدقت
فالأرض حملها قرونه( ٨)
وقد بارى الشاعر أحمد محمد صالح بالإنجليز كرام قومه I وهلل
لانتصارهم في الحرب العا =ية الثانية في القصيدة التي أولها:
هتفت ورقه وغنى هزاره
وضح الحق واستطال مناره ( ٩)
وقد تحمس لهم الشاعر عبد الرحمن شوقي وأعطاهم حق الوصاية
على الشعوب:
ملكتم جميع الأرض شرقا ومغربا
فطوعا وكرها كل شيء لكم يجبى
وكنتم لهذا الكون شمسا منيرة
وقطبا لهذه الأرض إن ضلت القطبا
فأي بحار لم تجبها سفينكم
وأي سماء ما وثبتم بها وثبا?
وأي بلاد لم تطأها رجالكم
ولم يصبحوا في جسمها الرأس والقلبا
وفي الغرب أم في الشرق أرض وما بها
لكم مخلص إما دعو y له لبى
127
التيار التقليدي
وفي البر أم في البحر لم تعلموا ا
يدبر من أمر وبالنمل إن دبا
أتشرق هذي الشمس في غير ملككم
وتغرب عن ملك ملا الشرق والغربا ?
لعمري هذا ا لك حقا أقامه
لكم مالك ا لك الذي فلق الحبا
فجودوا على الوادي بفضل ونعمة
فبعض شعوب الأرض ا تزل غضبي
ولا ترهقوا أبناء ذا الوادي أنكم
تسوسوننا صدا.. نبادله حبا( ١٠ )
وهذا الشاعر حمزة ا =لك طنبل يشير إلى مساعدات الإنجليز لأسرته I
فيقول متحدثا عن قبر أبيه:
بيتك السادر في حرز حريز
فهو يرعاه كرام الإنجليز
كم أجازونا كما كنت تجيز
لم تزل أنت على الناس (عزيز)
فرعى الرحمن من يرعى الذمام ( ١١ )
هناك نوع آخر من الإعجاب بالإنجليز نراه بصفة خاصة عند بعض
الذين درسوا في بلادهم.
ويجيء في مقدمة هؤلاء الدكتور عبد الله الطيب I ونحن ح _ نقرأ
شعره نحس بنبرة الإعجاب بهم I والانبهار Qا يراه في بلادهم I وما يهمنا
هنا هو موقفه ا =بهور أمام حضارتهم I وهو سخريته من نفسه فهو يقول في
قصيدة طويلة:
أعطش ولا أهدى إلى شراب
ب l الوجوه البيض كالغراب
أسأل مرتابا: أتلك حانة
في بلد فصيحة الرطانه
أختلس ا دخل في ا طاعم
خشية طرف عاذر أو لائم
128
الشعر في السودان
وذات طفل أسكتت صغيرها
ا رأت من سحنتي ديجورها
لندن قد أبدع فيك »لام «
فحظ مثلي العي والإفحام
يا فرضة البحر وعز الأرض
ويا مدينة الجمال المحض
.. هذا هو الفن وهذا الشعر
فيا لقومي جهلوا لم يدروا ( ١٢ )
وهذه النبرة نجدها في قصيدة »حانة السود I« وفي قصيدة »لندن ١٣)« )
وبعض القصائد الأخرى I وللحق فانه تخلص منها في بعض القصائد إلى
حد أنه فاخر بكردفان وقومه بلاد الإنجليز وحضارتهم كما في قصيدة
»في كلوول ١٤)« )
.. وفي مقابل هذا التيار »ا =ستأنس « رأينا كتيبة من الشعراء تأخذ
موقفا مغايرا من الإنجليز I فقد كان هناك من دعا إلى كراهيتهم I وشك في
قدراتهم الحربية وكان هناك من صور طغيان الحاكم العام I وكان هناك من
صب غضبه على rثال »كتشنر « بالخرطوم I ومن دعا إلى إزالة rثالي
»كتشنر « و »غوردن « ومن ثار على الذين يطالبون بزيادة مرتبات الإنجليز I
وعلى النظم الدستورية التي جاءوا بها I ومن ثار بصفة خاصة على قانون
العقوبات I وعلى اﻟﻤﺠلس التشريعي I وقد كان من أقوى الأصوات في هذا
اﻟﻤﺠال صوت الشاعر حسن طه الذي هاجم الإنجليز ومن يوالي الإنجليز
في البلاد:
صر y ضحايا أماني الإنجليز فهل
قدمتم الشعب للعزى قرابينا?
الإنجليز عرفناهم ونعرفكم
كالذئب غدرا وكالحباء تلوينا
قد قسمونا كما شاءت إرادتهم
وفرقونا فلم تعمر مغانينا
لئن شكرنا لهم فصل الجنوب رأوا
أن ينشبوا رهبا أظفارهم فينا
129
التيار التقليدي
وان رأونا نصلي في الجنوب على
مرأى من الناس..ويل للمصلينا
أو قلدونا وساما كان قصدهم
أن نستك l وأن نحني نواصينا
وان أفاءوا علينا من مناصبهم
قد سخرونا على ويلات أهلينا
ولا يفكون أغلالا بأرجلنا
إلا إذا أحكموا تقييد أيدينا
ولقد كانوا يتفننون في الرد على بعض الإنجليز الذين كانوا يذكرون
أيديهم على السودان I على نحو ما نعرف من رد جعفر حامد البشير على
»السير رو بر :«
مننت علينا »بالرفافة والغنى «
وبالعلم والعمران ما أعظم ا نى
وأردفت أنا قد رفعنا بلادكم
إلى ا ستوى الأعلى وكانت من الأدنى
تردد معنى من »كرومر « خالدا
فكم قال في مصر كما قلت ¦تنا
تقول: تقدمتم كثيرا بعهدنا
ونحن نرى أنا كثيرا تأخرنا
بذر y بذور الخلف فينا فأصبحت
يسار الذي يدعو تخالفه اليمنى
طوائف في طول البلاد وعرضها
إذا التحمت عشتم ولكننا متنا
وحاربتمونا في خصال كر ة
غنينا بها دهرا وكانت لنا حصنا ( ١٥ )
فإذا جئنا إلى موقف الشعر من مصر وجدنا إلى جانب هذا ا =وقف
شعراء كثيرين يجيء في مقدمتهم شاعران كبيران هما محمد سعيد
العباسي I وعبد الله عبد الرحمن I فالأول كان من بيت ديني له ميل قد G
إلى مصر I كما أنه تلقى بعض التعليم في القاهرة وقد ظلت الفترة التي
130
الشعر في السودان
عاشها حية في نفسه ترفده بالكثير I وفي الحقيقة لقد غنى =صر غناء
مشجيا I ولقد أحب من يحبها I وكره ومن كرهها( ١٦ ) I وأدار الحديث عنها
بأكثر من طريقة على نحو ما نعرف من قصيدته الطويلة التي بعنوان
»أسمعينا جنان « والتي جاء فيها:
أسفري ب l بهجة ورشاقة
ورأينا يا مصر تلك الطلاقه
ودعي الصب يجتلي ذلك الحس
ن الذي طا ا أثار اشتياقه?
كلنا ذلك ا شوق وهل في ال
ناس من لم يكن جمالك شاقة
أنت للقلب مستراد وللعي
ن جمال يغري وللشم طاقة
أنت عندي أخت الحنيفة ما اسماك
دينا.. وما أجل اعتناقه! ( ١٧ )
وهي عند. »بنت الكرام :«
قد ظمئنا بنت الكرام فهاتي
كأس خمر يزجى فقاقيع خمر
وتعالى نعيد خدا لخد
قد برانا الجوى وثغرا لثغر
جرد الحال من يقيني ظنا
فاستعدت الأشياء كا تقرى ( ١٨ )
وهي عنده مارية:
فيا مار سيري ولا تخدعي
فينتزع القرط يا ماريه ( ١٩ )
وقد ظل يذكر دائما خروج الجيش ا =صري بعد أحداث عام ١٩٢٤ كما
في قصيدة »مليط I« وقد أهدى ديوانه لأستاذه ا =صري الشيخ عثمان زناتي I
وله قصائد رحبة في الدكتور زكي مبارك وأحمد شوقي I وحافظ إبراهيم I
وعواطفه تفيض فيضا عند الحديث عن مصر كما في قصيدته الطويلة
التي بعنوان كفاح مصر I فقد جاء فيها:
131
التيار التقليدي
بنو الكنانة ما أشهى الحديث بهم
إلى النفوس وما أغلاهم قيما
زدني سؤالا أزدك اليوم معرفة
بهم فما كان ذو جهل كمن علما
هم الكرام فكم فيهم أخو ثقة
حلو الشمائل تندى كفه كرما
ولا وربك ما كانوا لنا أبدا
بقاسط l ولا كنا لهم خدما
حصن نعمنا به حينا فمذ لعبت
يد السياسة مال الحصن فانهدما ( ٢٠ )
وإذا كان شعر العباس يقترب من مرحلة »الوجد « Qصر I فان عبد الله
عبد الرحمن وصل إلى هذه ا =رحلة في حديثه عن الوحدة ب _ الشمال
والجنوب I ولقد كانت الأداة التي عزف عليها بطلاقة هي النيل I وقد أطلق
عدة صور ذكية في هذا اﻟﻤﺠال:
ما مصر والسودان إلا في رباه عشيرتان
وربيبتان بحجره وعلى هواه مقيمتان
(و) تحد رمن أقصى الجنوب ولم يكن
لتمنعه حساده وعواذله
تحدر لا عن جفوة لجنوبه
ولكن شوقا للشمال يداخله
(و) لا تقبلوا غير الجلاء ووحدة ال
وادي وإلا ضاعت السودان
النيل يجري للشمال فان جر
ينا للجنوب الفصل والخذلان !
(و) سبقت إلى أهدافها مصر
فشمالها وجنوبها حر
واستقبل الوادي موحدة
في النيل دولته لها الأمر
132
الشعر في السودان
رؤيا تطالعني ومن زمن
هل عند صدقي للرؤى عبر
وتأمل قوله:
من قال قطر وقطر فهو في نظري
كمن يقول بأن الواحد اثنان
(و) إ ¢ا مصر والعروبة والسو
دان شعب أبى الإله انفصاله( ٢١ )
وما أكثر الشعراء الذين تحدثوا عن الوحدة وعن الروابط ب _ مصر
والسودان على نحو ما نعرف من الشعراء حسن طه I أحمد علي طه I وعبد
الرحمن شوقي I عبد النبي عبد القادر مرسال.. . الخ.
والى جانب هذا كان هناك من وقف إلى جانب مصر ثم أعرض عنها I
على نحو ما نعرف من قول أبي القاسم محمد عثمان في الوحدة:
كنت أشدو بها هزارا وفيا
فتسير الأيام أيان أذهب
غير أني صحوت من حلم زاه
ومن نومة الضمير اﻟﻤﺨضب
لست أرضى إذا استباح كبير
كبريائي ولست أعنو نصب
إن في مصريا ند ي يا شيخ
حياة إلى ا ذلة تنسب
قد زهدت الغناء في وحدة
النيل فما الواحد القدير سوى الرب
نحن شعب من ا نابع بهم
وبنو مصر في تهافتهم شعب ( ٢٢ )
وكان هناك من ناصب الوحدة العداء I وخاطب إسماعيل الأزهري أحد
ا =تعلق _ باسمها قائلا:
فدع عنك فكرة الاتحاد ونحها
وناد باستقلالنا فهو أكرم
133
التيار التقليدي
فشعبك خير من شعوب كثيرة
وأرقى وأسمي بل أعز وأكرم
أما قلت أن الاتحاد وسيلة
وقلنا قبلنا ما يقول ا علم
بربك هذا الاتحاد حقيقة
له أنت تسعى أم به أنت توهم( ٢٣ )
وكان هناك من رفض الوحدة كمبارك ا =غربي:
ما كنت قبل اليوم طالب وحدة
ماضي الكنانة لا يريد مفسرا ( ٢٤ )
وقد تلمس البعض ا =شكلات تلمسا للنيل من مصر I فح _ أثيرت مثلا
»مشكلة ا =ياه « ب _ البلدين تفجر شعراء مثل أبي القاسم عثمان I ومحمد
محمد علي I والدكتور عبد الله الطيب I وح _ أثيرت بعض القضايا الثقافية
والسياسية هاجم مصر محمود النمر I ومحمد محمد علي I ومنير عبد
القادر I والهادي آدم I وأحمد على طه I وعلي نور I ومبارك ا =غربي I ومحمد
ا =هدي مجذوب I وعبد الحفيظ هاشم.. الخ
.. وفي الوقت نفسه كان هناك تيار هاد يفسح للسودان مكانا ب _
الأساليب التي كانت تفرض نفسها على الناس I وقد كانت وسيلتها إلى ذلك
التذكير بالثورة ا =هدية وانتصاراتها على نحو ما فعل كامل الباقر I ومختار
محمد مختار I وحامد الضو I وخلف.. على أن الذي ركز على هذا الجانب
Qهارة كان محمد ا =هدي مجذوب-وقد ظل هذا الاتجاه موجودا في كل
مراحله الشعرية-على نحو ما نعرف من عدد من قصائده منها قصيدة
ا =نتطر التي جاء فيها قوله:
بالسفح من »كرري « بقية ثورة
حلمت بسيف كريهة مدرار
جبل به أثر الدماء كأنه
عطر بذابل أغصن وثمار
أنبوءة في صخرة مكتومة
لبثت وراء تجلد ووقار
134
الشعر في السودان
مكثت هنالك فالخطوب لهولها
صور إليه ضوارع الأبصار
وله أكثر من لفتة إلى ا =هدي في عدد من قصائده كقوله:
قد كانت التقوى له عصمة
وذمة الإسلام في عهده
لم يخدع الأمة في أمره
ولا طوى الأحفاد في برده
أزوره في قبره طاهرا
استلهم الإ ان في خلده( ٢٥ )
ونحن لا ننسى أن الشعراء الكبار في هذه الفترة قد انحازوا إلى بعض
الشخصيات الكبيرة في اﻟﻤﺠتمع I وأنهم قد وقفوا عند هذه الشخصيات
أحياء وأمواتا.
و uا يتصل بهذا الجانب التفاتهم إلى التاريخ السوداني على نحو ما
نعرف مثلا من محمد سعيد العباسي في قصيدته ب _ القد G والحديث I
على أن الوقفة الذكية حقا كانت على الطبيعة السودانية I فقد وقف العباسي
على »مليط ٢٦)« ) وعلى »وادي هور ٢٧)« ) I كما أنه وقف على »النهود « و »جيرون «
و »وادي الربدة « و »الأبيض «.. الخ ومثل هذا فعل كثيرون يجيء في مقدمتهم
محمد عمر البنا وأحمد محمد صالح وتوفيق صالح جبريل I على أن الذي
يحاصرنا بعبير سوداني صرف I و Qلامح سودانية أصيلة كان صاحب »الفجر
الصادق « الشاعر عبد الله عبد الرحمن I فهو يقول فيها I وكان هذا عام
١٩٣٤ :
كم للطبيعة في السودان من ف
وكم لأطيارها من سخر ألحان
ما أكثر ا لهمات الشعر فيه وما
أمدها للأديب الهادم الباني
.. الرمل عند ضفاف النيل تحسبه
لغس الشفاء جلاها بيض أسنان
وظلمة الليل في »العتمور « ملهمة
خوالد الشعر يرويها الجديدان
135
التيار التقليدي
والسرح والسدر والجميز كارعة
من صيب القطر أو من فيض غدران
.. إذا مررت م »أم درمان « في »كررى «
ألقى عليك القوافي الخالد الفاني
كم »بالجزيرة « أو سهل »القضارف «من
مزارع حلوة ا رأى وأقطان
وحلة ذهبت في جودها مثلا
ومنزل فيه تبتلى آي قرآن
الله أكبر تدوي في مساجدها
فتعمر القلب من دين وإ ان
والقوم سمر وجوه يسرعون إلى
ما ينبت العز من إكرام ضيفان
وفي »أبا «حيث تلقى الأرض كاسية
والطير خاطبة من فوق أغصان
هناك في »كردفان « أي متدع
للطرف في »بارة « أو أرض »خيران «
حيث البداوة في أجلى مظاهرها
والإبل طالعة من ب l كثبان
ما أجمل الريف مصطافا ومرتبعا
وغادة الريف في ع l وغزلان
الخد لم ترع موسى في جوانبه
والجيد من حسنه عن زينة غان ( ٢٨ )
فان يكن شعب بوان ازدهى نفرا
ففي البطانة كم من شعب بوان ( ٢٩ )
.. وسامر الحي من غيد وفتيان
ب l البيوت وفي أعطاف وديان
في كل ليل تحاجيهم عجائزهم
بابن النمير وسوبا وابن سلطان
وتارة برهف الفتيان سمعهم
ابو تراجى
10-02-2009, 10:43 AM
الشعر في السودان
إلى نوادر أجواد وفرسان
و »ابن المحلق « لم تبرح حكايته
في الناس يسردها أشياخ حمران
يا قبر »تاجوج « حياك الحيا ومشى
بصفحتيك شذى ورد وريحان
.. في البلاد وفي ماضي أبوتنا
فخر وان لم تكن تعني بإعلان
وكم بتاريخها من قصة عجب
جد الحكيم ولهو الوداع الهاني
فان يكن بات فيها الحر بصهرنا
فللحرارة يعزى فضل شجعان! ( ٣٠ )
وإذا كان بعض الشعراء »يستردون « وطنهم بالشعر I وكانوا يحسون أنهم
كلما تكلموا عن جانب منه أعادوه إلى ا =واطن I_ فان هناك بعض الشعراء
الذين رفضوا هذا العالم الذي يرى فيه المحتل I ومن ثم كان »انسحابهم «
إلى بعض الأطراف على نحو ما فعل عبد الله البنا ح _ اعتصم »بالبطانة «
رحلت إلى »البطانة « وهي روح
وريحان.. وعشرتها سلام
تناثرت الظباء على ثراها
وراتعها مع الأنس السوام
إذا ضج البهام بها عشاء
أجاب من الطلا فيها بغام
وان غنت جواربها ابتهاجا
شدا بجوانب الأيك الحمام
رياض الله بسطها فكانت
دليل وجوده.. وله الدوام
تألق زهرها فيها نثارا
تألق من جواهره نظام
فرادى كاليتائم من وشاح
وأحيانا على نسق توأم
137
التيار التقليدي
فمحمر كياقوت نثر
ومصفر يقبل أو يرام
وأزهر كالثغور اللعس أحوى
له في وجه ناظره ابتسام
تكاد شقائق النعمان فيها
تنادي »ما وراءك يا عصام ? «
هنالك حيث تأتلق العذارى
وتشتبه ا ساجد والخيام
وحيث ترى النسيم يضوع طيبا
فيحيا من مراقده الغرام
وكل فريدة في الحي ليلى
لها قيس يؤرقه الهيام
.. رفاق الضيف أنى حل هبوا
نشاوى الجود فهو لهم مدام
يكاد البشر يقطر من وجوه
لها للضيف ضم والتزام ( ٣١ )
وتتصل بهذا قصيدته I الدرامية التي أدارها ب _ بدوي ومدني وكيف
انتصر للحياة البسيطة I وسخر من تلك الحياة التي يحياها الناس في
ا =دن I على نحو قوله:
ابتدأ ا قام بالسلام
وقال ح l سار في الكلام
يا من ألفت سكن البيوت
وما بها من ملبس وقوت
أن البيوت حرها شديد
وما بها لنعمة مزيد
ا اء يشرى عندكم مع الحطب
والنار والقش بأثمان الذهب
ول ¥ ا عزى لكم يباع
وهن في بيوتكم جياع
138
الشعر في السودان
فلو سكنت معنا »البطانه «
ا رأيت مثلها مكانه
يكفيك من دنياك كلب صيد
يكون للغزلان مثل القيد
أنا إذا أمطرت السماء
فأرضنا جميعها خضراء
ابلنا من حولنا عظام
كأنهن رتعا نعام
وبقر الحي لها دوى
كأ ¢ا قرونها العصي
والضأن وا عزى تبيت حولنا
نحبها كحبنا أطفالنا
إذا ثغ l مغربا في الساحة
فكالنساء صحن في مناحة
فهل كانت هذه العودة عودة إلى عرى الحياة وتجردها Qعنى أنها كانت
عودة-على مستوى ميتافيزيقي-إلى البراءة والتطهر من شوائب حياة ا =دينة
ا =صنوعة اﻟﻤﺠلوبة القيم ( ٣٢ ) Iفي رأينا أن الفكرة أبسط من هذا كله فالعودة
هنا بسيطة تتصل بعوالم قد eة عرفها الشاعر وألفها وتعمق في الوقت
نفسه في قراءة الأدب الذي eثلها I فهو يعيشها مرت _ لا مرة واحدة I ثم أن
هذا العالم لم تكن rتد إليه يد الاحتلال I ثم أن جانبا من كرهه للمدينة
كان يرجع إلى ما يذكره بأن وطنه محتل ومتمزق.. وهناك من غنى بعالم
ا =دينة نيلا ونيما ( ٣٣ ) I ووسيلة مواصلات I ومكتبا ومكتبة I وحديثا حول
مدينة الخرطوم بوجه خاص ( ٣٤ ) I وقد يحمل الشاعر هذا العالم معه في
هجرته إلى الخارج على نحو ما فعل الدكتور عبد الله الطيب I ومع أنه
يعاتب هذا العالم الخشن I إلا أنه في كثير من الأحيان يذوب شوقا إليه:
ألم ترني ضاعت حياتي كلها
وأفنيت روق العرفي بلد الكفر
واطردني ظلم لو أن شباته
على الصخر أو هي كيدها جلد الصخر
139
التيار التقليدي
ومن دون أوطاني فجاج عميقة
وبحر دجوجي يقود إلى بحر
وعرض أوربا كلها ثم بعده
مسافة الروم والريف من مصر
وماخرة يرغو خضاره حولها
لها عركى من ذوي اللمم الصفر
فيا ليت أن النيل يدنو فماؤه
أحب إلينا من معتقة بكر( ٣٥ )
وفي الوقت نفسه استمرت الأغراض ا =توارثة ا =تمثلة في الغزل والتصوف
وا =دح والهجاء والرثاء.. الخ وكل ما يتصل با =ناسبات I وهي في أغلبها
تسير على الطرق ا =طروقة I فهي تقلد صراحة I وتستوحي I وتعارض I
وتقتبس I على أنه يجب أن نؤكد هنا-كما ذكرنا من قبل-على أن التراث
القد G ا =ؤكد لم يكن مستوعبا في السودان I وإذا كنا نشم رائحة القد IG
ونقع في دائرة أسره I فان الذي وراء ذلك ليس هو استيعاب هذا التراث I
ووقوف الشعراء عند بعضه I ولكنه في الغالب هو تلك الحياة التي تشبه
الحياة القد eة في الجزيرة العربية في كثير من ا =ناطق I وهو كثير من
العادات ا =شتركة ب _ العرب القدامى وب _ السوداني I_ بل أن واقع الحياة
في السودان الآن eكن أن يفسر الشعر القد G ( ٣٦ ) وان كان الأمر لا يخلو
من قلة تعمقت في التراث والحياة هناك على نحو ما نعرف من الدكتور
عبد الله الطيب I ونحن لا ننسى الجدل الذي دار ب _ الدكتور طه حس _
وبينه ح _ تعرض الدكتور طه حس _ لنقد ديوانه أصداء النيل ( ٣٧ ) I وعلى
كل ففي اللهجة السودانية-وفي الحياة أن صح التعبير-جانب لا ينكر من
الجزالة I وفي ضوء هذا تكون جزالة الحياة أغلب على الشعر من جزالة
التراث I وبخاصة أننا نعرف أن أكثر هؤلاء الشعراء كانت الثقافة العربية
هي النبع الوحيد لهم I حتى أن أكثر الذين كانت لهم صلة بالإنجليزية كانوا
في بعض الظروف يهدرون هذه الصلة من أجل العربية.
ومن خلال هذا التيار التقليدي eكن القول بأنه كانت هناك إرهاصات
تجديدية في هذا الشعر I وأن هذه الإرهاصات عرفت كيف تتواءم مع
ا =لامح الرئيسية لهذا التيار I فمن خلال هذا التيار وجدت إلى حد ما
140
الشعر في السودان
القصيدة ا =وضوعية I وقد rثلت أكثر ما rثلت في متابعة الحديث عن
الشخصية المحمدية I وفي تقد G شخصية عثمان-والخليفة عثمان من
الشخصيات المحبوبة عند السوداني _-على نحو ما نعرف من تلك القصة
الرحبة التي كتبها عبد الله البنا I والتي ر Qا أريد بها اكتمال الدائرة في
الشعر الحديث ( ٣٨ ) I ثم كان هناك اتجاه إلى تقد G القصة على نحو ما
نعرف من الانعطاف نحو حكايات كليلة ودمنة I وتقد G قصة منها بعنوان
»السلحفاة والبطتان «وعلى نحو ما نعرف من قصة »أنا والأعرابي « وقصة
»الناسك والأوهام « وقصة »ابن ا =لك وأصحابه ٣٩) « ) وإذا كان قد أخذ على
الشعر الفصيح الوقوع في أسر الحكام I وعدم الاحتشاد حول ثورة عام
I١٩٢٤ في الوقت الذي كان فيه شعر العامية يغلي بالأحداث ويهرع الناس
إليه I فإننا رأينا عددا من الشعراء الكبار يقبسون-على حياء-من مفاهيم
هذا الشعر I بل لقد رأينا الشيخ محمد سعيد العباسي I وهو من أعلام
ا =قلدين ينقل معاني هذا الشعر إلى شعر فصيح ( ٤٠ ) I وقد تستخدم بعض
الألفاظ العامية على نحو قول الدكتور عبد الله الطيب:
وقلة فيها »غباش « مثل هدم »العربي « بل قد يعمد الشاعر إلى ذلك
عمدا I كما في قصيدة »أمس زرنا أم دجاج ٤١) « )
وقد يلجأ الشاعر إلى وزن شعري دارج يدور على تفعيلات الرجز اسمه
»الجابودي ٤٢) « ) وقد يكثر من »الخرم «-وهو حذف ا =تحرك الأول-ولعل وراء
هذا التأثر بالعامية ( ٤٣ ) I وقد لجأ الدكتور عبد الله الطيب في قصيدة تر
إلى تفعيلة الكامل مضمرة وغير مضمرة I وطلب القراءة بدون وقف للوزن I
ولولا أن هذا الشكل-والتجربة-غير ناضج لكان في مقدمة الذين دعوا إلى
ما يسمى بالقصيدة ا =دورة.
وبصفة عامة رأيناهم قد فصلوا ب _ قضية اللفظ وا =عنى I ووقفوا عند
الألفاظ أكثر uا وقفوا عند ا =عاني I وداروا حول القيم الثبوتية في اﻟﻤﺠتمع
وفي الكون I وأخذوا با =فاهيم القد eة كالتضم _ وا =عارضة واستعمال
ا =قدمات I وصهر التجارب بحيث تكون في خدمة عملية الإلقاء I والاعتماد
على ظاهرة »طاقة الصوت «-وعلى تلوين هذه الطاقة-على نحو ما نعرف من
الإكثار من أساليب النداء I والاستفهام I والتعجب I والندبة I والأمر والنهي I
والإثبات والنفي.. . الخ هذا بالإضافة إلى الإكثار من الجمل الشرطية التي
141
التيار التقليدي
تنغلق بعدها الدائرة I والى الإكثار من الحروف ا =تجانسة والى التركيز على
القوافي ا =طلقة لا ا =قيدة I لأن حرف الروي قد يستطيل-بفضل الإنشاد-
حتى يصبح حرف مد I بل قد يكون جزءا من بنية الكلمة I فهذه الظواهر
ظواهر صوتية في ا =قام الأول I وهي تستدعي أنواعا من ا =د I وأنواعا من
الشد I والضغط I والإمالة.. بل والقوافي I ولعل هذا يفسر غزارتها في
الشعر العربي كله فضلا عن الشعر في السودان.
142
الشعر في السودان
الحواشي
١×) ) انظر تاريخ الثقافة العربية في السودان. د. عبد اﻟﻤﺠيد عابدين ٢١٨ ويخالف هذه ا =قولة د.
محمد مصطفى هدارة في تيارات الشعر العربي ا =عاصر في السودان ص ٧٩ وما بعدها.
٢×) ) انظر مثلا ما جاء في العددين. اللذين صدرا في ٢/ ٬٢١ - ١٩٢٥ / ٤/ ١١ وتأمل مثلا قول
الجريدة »قد يؤثر الحاكم العادل الصادر من الجنس الذي ليس من أهلك ولا دينه دينك تأثيرا
قويا يجبرك على الإقرار بأنه خير من جنسك I وكثيرا ما يصدر هذا القول من الناس عندما
ينصفون I فإذا سلمت لي Qا قلت وجب عليك أن تحب حكومتك العادلة حبا جما .«
٣×) ) ديوان الروادق ٧٣٬٧٢ .
٤×) ) حضارة السودان في ١٩٢٥ / ١١ / ٨.
٥×) ) حضارة السودان في ١٩٢٥ / ١٢ / ٣٠ .
٦×) ) شعراء السودان ١٤١ .
٧×) ) نفسه ٢٤٧ .
٨×) ) مجموعة لم تطبع.
٩×) ) مع الأحرار ص ٤٨ .
١٠×) ) صوت السودان في ١٩٤٥ / ٥/ ١.
١١×) ) الأدب السوداني وديوان الطبيعة ١٨٧ .
١٢×) ) ديوان أصداء النيل ص I٥٨ وا =عروف أن الدكتور عبد الله الطيب ليس أسود اللون I وهو
يلحق نسبه في مقدمة الديوان بالعباس I وا =قصود بلام في البيت. الخامس »شارلس لام « الأديب
ا =شهور.
١٣×) ) وللحقيقة فالدكتور عبد الله الطيب شيخ من شيوخ العروبة في السودان I ولعل هذه النبرة
كانت في فترة الفزع الأولى ح _ تقابله مع الحضارة الإنجليزية في الشباب I ومن ا =عروف أنه من
غلاة المحب _ للعروبة والإسلام I وللشعر العربي بصفة خاصة I وتأمل قوله في مقدمة أصداء النيل
»وقد قلبت نظري في كثير من الدواوين العربية والإنجليزية I واستقر في نفسي بعد ا =وازنة أن
الشعر العربي ليس كمثله شيء uا قرأته في الإنجليزية I حتى ولا شعر شكسبير .«
١٤×) ) ديوانه ص ٬٥١ I٦١ وكلوول قرية زارها الشاعر بإقليم تلال مالفرن من أواسط إنجلترا
الغربية I وفي هذا الإقليم قد عاش جماعة من شعراء الإنجليز.
١٥×) ) انظر الشعر الحديث في السودان. د. عبده بدوي ٥٤٥ وما بعدها.
١٦×) ) تأمل قول الأستاذ محمد فريد أبو حديد في مقدمة ديوانه ».. وصاحب الديوان لا يفتأ
يحن إليها حن _ الكر G إلى وطنه الحبيب I وهو مثل خيار الكرام في شطر الوادي يرى أن حياة
مصر والسودان إ ا هي حياة واحدة لا تتحقق لأحد الشق _ إلا بتحققها للشق الآخر.. الخ
١٧×) ) ديوان العباس ٨٢ .
١٨×) ) نفسه ص ٥٠ وبنت الكرام لا يقصد بها الشاعر الساقية أو الساقي وإ ا يقصد مصرفي
هذا البيت والذي بعده.
143
التيار التقليدي
١٩×) ) مار: ترخيم مارية يقصد مصر I والقرط يعني به السودان.
٢٠×) ) ديوانه ص ٬٧٤ ٬١٦٠ ١٧٨٬١٧٧٬١٦٤
٢١×) ) ديوانه الفجر الصادق ٨٤ وما بعدها.
٢٢×) ) جريدة العلم في ١٩٤٩ / ١/ ٢٣ .
٢٣×) )السودان الجديدة في ١٩٥٥ / ٦/ ١٥
٢٤×) )عصارة قلب ٩٥ وما بعدها.
٢٥×) ) نار اﻟﻤﺠاذيب I١٢٣٬٣١ وفي كرري-وهي جبال بالقرب من أم درمان-كانت ا =وقعة الفاصلة
ب _ السوداني _ والإنجليز
٢٦×) ) بفتح ا =يم وكسر اللام ا =شددة I مركز من مراكز دارفور I ويشق مليط واد عظيم يسمى وادي
مليط يأتيها من الغرب I وبها كثرة كاثرة من النخل والفواكه.
٢٧×) ) اسم واد يقع غرب السودان I وحوله من الآثار ما يدل على أنه كان مثوى حضارة قد eة.
٢٨×) ) إشارة إلى أن الخد لم »يشلخ « على عادة بعض السوداني _ في التشريط على الخد
٢٩×) )يشير هنا إلى قصيدة ا =تنبي في شعب بوان.
٣٠×) )ديوان الفجر الصادق ط ١ ص ٦٨ .
٣١×) ) يشير إلى عادة محلية خاصة بالسلام في السودان.
٣٢×) ) راجع الشعر الحديث في السودان. د. محمد إبراهيم الشوشي ٨٠ / ١.
٣٣×) ) شجر يكثر في السودان.
٣٤×) ) أصداء النيل. د. عبد الله الطيب ٤٠ وما بعدها.
٣٥×) ) نفسه I خضاره: هو البحر. العركي: ا =لاح I وا =قصود البحارة الأوربيون.
٣٦×) ) تأمل هذا الهامش الذي كتبه الدكتور محمد النويهي في الاتجاهات الشعرية في السودان
ص ٬١٥ ١٦ - .. درست الأدب العربي القد G في مصر I وكنت أعتقد أنني أفهمه I ولم أدركم كان
فهما نظريا إلا ح _ أرسلت إلى السودان وعشت فيه I وتجولت في تلك البيئة القريبة الشبه =ا
وصفه الشعراء القدامى I ورأيت للمرة الأولى في حياتي كثيرا من النبات والحيوان وا =ناظر
الطبيعية التي سجلوها I إذ ذاك فقط بدأت أفهم الأدب القد G فهما حقيقيا شخصيا مباشرا I
ولعل في هذه الحاشية الشخصية ما يحمل دارسي الأدب ومدرسيه المحترف _ على أن يكملوا
دراسهتم النظرية بالدراسة »الحقلية « فان الاكتفاء بدراسة دواوين الشعراء وشروح القدماء والغوص
في رفوف ا =كتبات لا يغني عن التجربة الشخصية ا =باشرة في فهم الشعر القد IG والتشرب
بروحه مهما تكن مقدرة التخيل لدى الدارس .«
٣٧×) ) قال الدكتور طه حس _ ينتقد هذا البيت للدكتور عبد الله الطيب:
فظللت أرضي النفس بعد نفارها
وأكرهها حتى استمر مريرها
أي الناس يستطيع أن يفهم هذا البيت إذا لم يكن من أساتذة الأدب الذين عرفوا دقائق اللغة I
وتعمقوا شعر القدماء من شعرائنا I ولا سيما حتى استمر مريرها هذه I وما على الشاعر لو قد آثر
اليسر فقال: حتى اشتدت قوتها وعرفت كيف تحتمل الأحداث وتصبر لها I والبيت الذي يلي هذا
البيت كيف السبيل إلى فهمه دون الرجوع إلى ا =عجمات:
على ح _ قاربت الثلاث _ وانتمت
إلى ا =رء أحداث كثير شقورها
144
الشعر في السودان
لفهم كلمة الشقور هذه I والشاعر نفسه يفسر لنا هذه الكلمة بأنها الأمور فما ضره لو اصطنع
كلمة الأمور نفسها فأقام وزنه وقافيته ولم يغير من جمال الشعر شيئا:
سكرى الشباب سبنتاة اللحاظ بها
فتك بنفسي وخمر ب _ أوصالي
وهذا البيت وكلمة السبنتاة خاصة فيه كيف استطاع ا =عاصرون أن يفهموها دون الرجوع إلى
معجم من ا =عجمات I وكيف السبيل إلى أن يذوقوها بعد أن يفهموها I أما شاعرنا فيصطنع
السبنتاة هذه في وصف عذراء حسناء قد أسكرها الشباب I وأي بأس عليه لو اصطنع كلمة
أخرى!
وقد جاء في رد الدكتور عبد الله الطيب.. أما بعد يا سيدي فأنا بدوي حقا لأن أهل السودان
الشمالي كلهم أقرب إلى البداوة I ولهجتهم الدارجة فيها غريب كثير I وقد حاكيتها في نظمي
كثيرا I واجتهدت أن أنقل إلى القار لونا من جزالتها وجزالة قومي I وليعذرني سيدي أن قلت I إن
أول معرفتي بالعربية كانت من طريق اللهجة الدارجة في أناشيدها وشعرها-راجع الشعر الحديث
في السودان. د. عبده بدوي ٬٦٤١ ٦٤٢ .
٣٨×) ) كتب عبد الحليم ا =صري البكرية I وكتب حافظ العمرية I وكتب محمد عبد ا =طلب العلوية
الأولى والعلوية الثانية.
٣٩×) ) انظر الشعر الحديث في السودان د. عبده بدوي I٤٤٤ وللدكتور عبد الله الطيب قصيدة
rثيلية بعنوان قيس وليلى في ديوانه أصداء النيل ٨٢ وما بعدها.
٤٠×) ) ح _ سمع في مضارب أولاد طريف صوتا بدويا ينشد:
يا أب لونا سمري
يا أب حديثا rري
الدوار أني
يا الله تجمع شملي
- ا =عنى يا صاحب اللون الأسمر I والحديث الحلو كالتمر I أنى تائه أبحث عنك I فالله يجمع شملنا-
- قال:
اللون لون الذهب
والقول حلو الرطب
لي أرب في ذا الرشا
يا رب فاقض أربي !
وح _ سمع أغنية تقول:
ختانه ختى زيدي
بكريكي بي مجيدي
شوفي لي حبيبي
في البلد البعيد
- ا =عنى. أن البدوية تستنجد بالعرافة I وتعدها بريال »مجيدي « أن استطاعت إرشادها إلى حبيبها
الذي غاب في بلد بعيد-
قال:
145
التيار التقليدي
عرافة العرب زيدي
ومن نداي اشتزيدي
فكيف حال حبيب
أمسي بقفر بعيد!
انظر الشعر الحديث في السودان. د. عبده بدوي ٬٤٦٩ ٤٧٠ .
٤١×) )أصداء النيل ٤٦ . غباش من عامية السودان I والعربي باللهجة السودانية تعني الأعرابي.
والهدم الثوب القيم.
٤٢×) ) نفسه ٥٧ في الجاهلية أصناف منه I ومن أمثلته السودانية:
يا صندل الشقيقه
تهموني بيك رفيقة
والناس عجم ما بيدروا بالحقيقة
٤٣×) ) نفسه ٢٨٬٢٢ .
ابو تراجى
10-02-2009, 10:44 AM
الوجداني
أشاع فشل ثورة ١٩٢٤ الحزن في الناس I وكان
أن انسحبوا إلى داخلهم يفكرون I ولقد كان uا
ضاعف الحزن وفجره في آخر الأمر أن قبضة
الإنجليز قد اشتدت على البلاد I وأنه أخذ أكثر من
إجراء لأحكام عملية الفصل ب _ مصر والسودان I
وقد وصل الأمر إلى تحويل ا =تعلم _ إلى بيروت I
والى توثيق الصلات بينهم و ب _ الزعماء الطائفي _
والعشائري _ على حساب الكثرة الكاثرة من الناس I
وقد سموا السنوات التي أعقبت الثورة باسم
»السنوات العجاف « على أن الأمور قد عادت إلى
صالح السوداني _ ح _ أقرت معاهدة ١٩٣٦ مبدأ
عودة ا =صري _ إلى السودان I ومع أن عودة ا =صري _
كانت »اسمية « إلا أنها أنعشت آمال كثير من
السوداني I_ وقد كان من ثمرة هذا ظهور »مؤ rر
الخريج «_ كقوة فعالة في تاريخ البلاد عام I١٩٣٨
ثم كان ظهور الأحزاب واﻟﻤﺠلس الاستشاري I
والجمعية التشريعية I واﻟﻤﺠلس التنفيذي I وكل هذا
وغيره كان مكاسب تنتزع انتزاعا I وقد كان
السودانيون دائما يطالبون با =زيد I ثم كان موقف
ثورة ١٩٥٢ في مصر موقفا مشرفا من خلال اتفاقية
السودان التي أبرمت عام ١٩٥٣ ( ١).
13
148
الشعر في السودان
لقد q في أول الأمر إفراز عدد من التيارات العدمية I فقد رأينا مثلا
واحدا من رجال ثورة ١٩٢٤ يئن و يتحسر ويأخذ في شكوى الزمن I على نحو
ما نعرف من قصيدة طويلة لصالح عبد القادر يقول فيها:
لا تلمني فتكن متهمي
إن عقلي لم يكن متهما
ولم الدهر على تقصيره
أخطأ الدهر وعمدا ظلما
ليته يعلم ما أعلمه
حيث لا يجعل حظي ندما
أبدا والله لا أعذره
طا ا جار وحقي هضما
وطواني في زواياه التي
ضيعت ناسا وداوت أ ¦ا
بيننا معرفة لكنه
غض عني الطرف ا حكما
.. يا بني قومي أفيقوا إنكم
ما خلقتم لتعيشوا غنما
ليتني أعرف ما أحزنكم
سادة كنتم فصر y خدما
ولقد يحزنني أني أرى
رأيكم مختلفا منقسما
فأفيقوا يغفر الله لكم
واطلبوا العليا وجاروا الأ ¦ا( ٢)
ومثل هذه النغمة نجدها عند الشاعر حسن عمر الأزهري على نحو ما
هو معروف من قصيدته التي يقول فيها:
لعب السكسون بي هل سلمت
كرة ترمى بأقدام عتاه
أثقلوني ميرة واحتكروا
كل مشروع سوى باب السفاه
149
التيار الوجداني
أمسكوا من قلمي بل أمسكوا
لفظة تخرج من ب l الشفاه
فالتزمت الصمت حتى لم أقل
في كلامي غير آه ثم آه
وفي الوقت نفسه تكلم كثيرون عن ا =وت I على نحو ما نعرف من ديوان
وادي عبقر للدكتور سعد الدين فوزي بصفة خاصة.
وهناك تلقف أخبار ا =وتى للقيام بواجب الرثاء I بل لقد كان من الغريب
حقا أن توفيق صالح جبر يل الذي فجر القصيدة الأولى من قصائد ثورة
I١٩٢٤ قد أنفصل rاما عن هذه الثورة I فديوانه الذي صدر في أربعة
أجزاء قد تحول إلى خط _ رئيسي _ هما شكوى ا =رض والحياة والدندنة
حول كؤوس الخمر I وان كانت تحفظ له إ =امة نحو أربعة من رجال الثورة
وح _ رثى بشير عبد الرحمن عرض بالإنجليز تعريضا »مهذبا :«
أودى بأربعة صدور في الوغى
يا ويحهم ألقوا صدور رماح
في حفرة من بعد أن أصلوهم
نارا توقد في النهار الضاحي
ومضوا »بسر الختم «بعد صفيه
رب »اللواء الأبيض « الوضاح ( ٣)
للسجن للتشريد لا لجريرة
ما الذود عن أوطانهم بجناح
و uا يتصل بهذا الجانب العدمي الإقبال على الهجاء I فقد هجوا ا =دن I
والشوارع I وا =ؤسسات I والرؤساء I والأصدقاء I والأعداء.. . الخ ولقد كان
وراء ذلك الاضطهاد وا =رارة و »التنفيس « عن أشياء كثيرة rتلئ بها النفس I
وقد انبثقت من هذه الأرضية جماعة سمت نفسها »شعراء الكتيبة « كان
مقرها مكتبة حسن بدري بأم درمان I ولقد كانوا جماعة من المحبط _
الذين لم تتحقق آمالهم في الحياة I ورأوا أن يبتعدوا عن عواصف السياسة I
ومن ثم وضعوا دستورا للدخول في الكتيبة I كان من ملامحه أن العضو
يستحق العضوية إذا هجا أكبر عدد من الشعراء ا =ؤسس _ للكتيبة I وأن
ا =سافر والقادم يجب أن يقال فيه شعر I وأن التقرير السنوي لابد أن يكون
150
الشعر في السودان
شعرا I وأن على أمير الكتيبة-حسن بدري-أن يشغل الشعراء بالوقيعة ليكون
هذا دافعا للشعر I وبصفة عامة فقد كانوا كالخطيئة يبحثون عن »موضوع
للهجاء ٤)« ) وكانت لهم طريقتهم الخاصة في تناول أدب »الإخوانيات I« ولقد
كانت القصيدة التي استحق بها النور إبراهيم دخول الجمعية قصيدة طويلة
منها:
أزف بنات الشعر غضا إهابها
حسانا وحولي كل أعجم زنديق
شعارير آفاق بدوا في كتيبة
أرى شعرهم ضربا من التلفيق
ولقد كان هناك صراع على الإمارة بينه وب _ حسن بدري I وكان هناك
صراع ب _ حسن بدري وبينهم جميعا I فهو يقول مثلا:
يا عصبة هجرت بنات الشعر عن
كسل يكاد إلى الخمول يعيدها
تهجون من أحيا لدولة شعركم
فغدت ترف على البيان بنودها
ا رأى روح القريض تناثرت
أوراقها ظلما وأذبل عودها
.. فأثرتها شعواء ب l صفوفكم
ملأ الفضاء برقها ورعودها
فيكون هناك رد جماعي منهم:
ألا من مبلغ عنا ابن بدري
بأن الشر آخره لشر
جعلت »الدرج « وكرا للأهاجي
فقد أوى إليه شر طير( ٥)
.. وما عرفت لك الأيام سعيا
حميدا أو دعيت لفعل خير
أتسعى بالوشاية ب l قوم
كرام من بني اﻟﻤﺠد الأغر
151
التيار الوجداني
.. فيالك تاجرا في كل فن
يبيع ا كرمات وليس يشري
أأوراقا وبطيخا و را
وآخر في الزكائب لست أدري
.. أحاول أن أسوق إليك مدحا
ويأبى الله يا حسن بن بدري
وقالوا: الشيخ ذو فضل: فقلنا
وطاسات وكاسات وخمر
ولهم شعر كثير في الولائم I فهذا محمد ا =هدي مجذوب يقول في »وليمة «
لم يف بها النور إبراهيم في رأيه:
طارت بها العنقاء فما بكوا لها
وليمة أقرب منها السها
يغرر »النور « بكم ساخرا
وزوره في هجوكم ما انتهى
لو أطعم »النور « أخا واصلا
لأطعمكم »سدرة ا نتهى «
يبخل إلا بالوعود التي
يأكل منها »كرف ٦)« ) ما اشتهى
ويصف الشاعر الخزرجي الطريق إلى الوليمة I والوليمة فيقول من
قصيدة طويلة:
فلكم لقينا في الطريق من ا شقة والعنا
حتى تراءت دارك السوداء واهنة البنا
وهي التي جدرانها من عهد آدم جدنا
سكن الذباب بجوفها الخاوي وراح مطنطنا
.. وهناك طار »جنابه « ا رآنا كلنا
وبنوه حفوا بالضيوف فهم ضيوف بيننا!
وأتى الغداء فلم يكن مستمرا مستحسنا
ويرد النور بشعر كثير يستنطق فيه خروفه الذي أكل I وهناك شعر كثير
ب _ النور والشاعر كرف I تدور حول أن الأول كان ناظرا على الثاني I ولقد
152
الشعر في السودان
كانوا يتفاخرون بالأنساب I وكانوا كثيرا ما يسخرون من الشاعر أمام دوليب
لأنه كان أسود اللون I وح _ عزم على السفر إلى مصر لتلقي العلم قيل فيه
شعر كثير منها هذه القصيدة للنور إبراهيم:
أعزز علينا أن نودع فاضلا
كان الإمام إذا البلاء تراءى
والناس من خلف الإمام وكلهم
يرجو الإمام لوقفة سوداء
أنا أن مدحتك يا إمام فصادق
ولئن هجوتك فالقريض أساء
والله أسأل أن نراك بغبطة
يوم الإياب ولحية بيضاء
وابدأ بنفسك واعظا أن شئت أن
تحيا وحسبك بالتعجرف داء
شذ الأمام بلون وجه كالح
فتخاله ب l ا لا إقواء
عجبا صر وكم بها من مضحك
حتى متى تستجلب الأدواء
يا مصر أن ترمي بأسود نابه
فلكم رميت بحية رقطاء
هذا كويفير أتاك معمما
أرض الكنانة احذري الأزياء
وقد اطلعت لهم على شعر في هذا »الدرج « لا يروى I فهو من الأدب
ا =كشوف الذي قيل ﻟﻤﺠرد ا =رح ب _ بعضهم( ٧).
.. ولعل uا يتصل بهذا الجانب العدمي هذا الإكثار من الحديث عن
الخمر I ومع أن البعض حاول أن ينسحب بوساطتها ليرى قدرا أكبر وأعمق
في الكون وفي النفس I إلا أن هذا البعض لم ينجح في الارتفاع بها I ذلك
لأن الأكثرية فضلت أن تجرع الحباب الذي »يسقسق في الأفواه كالطير «
وفضل شرب الخمور الرخيصة بلا طقوس جمالية كقول محمد ا =هدي
مجذوب:
153
التيار الوجداني
واجترع »ا ريسة « في الحواني
وأهذر لا ألام ولا ألوم
طليق لا تقيدني قريش
بأحساب الكرام ولا يم
وأصرع في الطريق وفي عيوني
ضباب السكر والطرب الغشوم
ولي شرف.. وما جدوى صياحي
بفخر ليس يشربه الند ( ٨)
وقد عاد فطور هذه الصورة في قصيدة »راية الحانة « فقال:
»مريستنا « ملأت برمة
على فمها يستدير القمر
تلوح رايتها فوقنا
شراعا يعود بنا من سفر
يوشوش متكئا دلق
عليه جلال النهي والخطر
تقعده بيننا كاعب
لها عرق كالجمان انتثر
تشد إزارا على صخرة
وما ألصقت شعرا بالشعر
تناولني فأسيغ الشرا
ب وأجرع من قرع معتبر
وتطعمني من قديد الشوا
ء وتطرقني بعجيب السير
حفظت لها ودها شاكرا
وتحفظ ودي »ست النفر «
طليق ولا خير في معشر
صحبتهم فصبحت الضجر
عجلت إلى ودهم جاهلا
ومالي في جهلتي معتذر
154
الشعر في السودان
لهم ضحك خلته صادقا
وطرقع مثل كرات »العشر «
نقيق »الدلاليك « تحت ا ساء
تضارب مستعرا واشتجر( ٩)
خشيت الصباح وراء الظلام
يؤامر في بنات القدر
وحيد وان كنت في سامر
ولي وطن ضائع منتظر
وبصفة عامة فقد أسرف الشعراء السودانيون في هذا الجانب I فإذا
كان ا =تصوفة قد اعتبروها راحلة ومعراجا للأسرار العليا I فان كثيرا من
الشعراء قد هربوا بها إلى عوالم بعيدة عن واقعهم البائس والحزين I بل
لقد قاتلوا بها أشياء كثيرة.
شربت ففي رأسي دوي مجنح
وفي بصري أشباحه واﻟﻤﺠاهل
.. نقاتل أحزانا وحبا وموطنا
تقاتلنا فيه القيود القواتل( ١٠ )
إذا كان اﻟﻤﺠتمع السوداني قد عبر مرحلة الثبات والنظر إلى الوراء التي
تتفق وا =رحلة التقليدية I فان ا =لاحظ أنه في هذه الفترة كان في مرحلة
عبور قلق من القد G إلى الجديد I ولهذا كان دخوله الكبير في ساحة
ا =رحلة الوجدانية التي اصطلح على تسميتها بالرومانسية I والتي كان فيها
الشاعر مشدودا ب _ القد G والجديد I و uزقا في الوقت نفسه من مرحلة
الجذب هذه I وان كان يعطي أكثر نفسه للجديد فحاله هنا كحال اﻟﻤﺠتمع
الذي يعيش فيه I وبصفة عامة فانه Qرور الوقت يشعر بالتناقض ب _ عدد
من الثنائيات كالقد G والجديد I والواقع وا =ثل الأعلى I والإرادة والقدر »لذلك
تكثر ا =قابلة في أشعار هؤلاء الوجداني _ فتكون محورا لكثير من صورهم
الشعرية I وتعبيرا عن إحساسهم الحاد I وقد تكون تلك ا =قابلات عميقة
مركبة I وقد يكتفي الشاعر منها Qقابلات يسيرة لفظية ( «(١١ لهذا نرى
التجاني يوسف بشير يغرق نفسه-بفرح وشفافية-في النور الإلهي في قصيدته
التي عنوانها »الله I« ويبدو متأثرا بابن عربي I وبقضية »وحدة الوجود «
155
التيار الوجداني
وبطريقة التصور الإسلامي للإله حيث يقول مثلا:
نحن مجلى علاه في كل دان
من مرائي الوجود أو كل ناء
ظن أدنى الظنون في قربه منك
وأقصى ما شئت من علياء
وادن بالجانح ا شط وصعد
بالخيال ا سوم العداء
وتوغل ب l الظنون ونفر
ها خيالا واقعد على الجوزاء
تلقه في الحياه أدنى إلى نفس.. .
ك منها إليك في الإصغاء
قلت: زدني! فقال: يسمع ما في
الأرض من همسة ومن إ اء
خطرات من هاجس أو مطيفا
من خيال أو غامضا من دعاء
قلت: زدني! فقال: يعلم كم عن.. .
د نديف مصعد من هباء
كل شيء لديه في مستقر العلم
عدا ورقعة الإحصاء
قلت: زدني ! فقال: أجهل إلا
صورا أوغلت علا في الخفاء
فتفلت من يدي وسبحت
بديئا لأول الأشياء
أين مرقى سمائه ? أين ملقى
قدسي الصفات والأسماء?
قال: في رقة الصوامع أو لو
عة بيض ا ساجد الغراء
لم تشدها يد الفنون ولا صا
غت محاربها يد البناء
156
الشعر في السودان
كلمات مبثوثة في الفضاء الر
حب من ساجد ومن صلاء( ١٢ )
... بينما نرى التجاني يوسف بشير قد »تواجد « كالصوفية على الآية
التي صدر بها قصيدته وهي »الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة
فيها مصباح ا =صباح في زجاجة « نراه يكتب قصيدة بعنوان »يؤ =ني شكي «
ونراه يكتب قصيدة »ا =عهد العلمي « على نحو ما مر بنا سابقا I وبينما نراه
ثائرا في قصيدة »ثورة « نراه هامدا ومشتتا في قصائد »نفسي « و »الصوفي
ا =عذب « و »نفسي « وبينما نرى له قصائد كثيرة تتحدث عن ا =وت وترغب
في لقائه( ١٣ ) I نرى له بعض قصائد تتحدث عن الحياة I وبينما نراه غامضا
في بعض شعره نراه واضحا في البعض الآخر I وبينما نراه معجبا بالجمال
المحلي على نحو ما نعرف مثلا من قصيدة ا =صير التي جاء فيها:
فيا وادعا حا ا كا لا
ئك تهبط من حجرات الأبد
يرف عليه شباب الفنون
وتبرق في وجنتيه »الفصد ١٤)« )
نراه معجبا بالعديد من القصائد »بالجمال الأجنبي ١٥) « ).. وبصفة عامة
فقد كان التجاني خير من مثل التيار الوجداني في السودان I خاصة ح _
نعرف أنه اعتمد على الحدس I وأخذ نفسه بالإبداع الرائع I وبالتحليق على
أجنحة الخيال في سماء الحرية I وبهذا النوع من عشق الكآبة والألم I وبالتغني
بالبراءة I والطبيعة.. . الخ I وبوقوفه على معجم منتقى خاص به I بالإضافة
إلى جيشانه الشديد.
وعلى كل فإذا كان شعر ا =ناسبات قد ضعف صوته في هذه الفترة I
وأصبحت الكفة راجحة في أيدي هؤلاء الوجداني I_ الذين أصبح لهم أكثر
من منبر I وبخاصة منبر مجلة الفجر( ١٦ ) التي كانت تعويضا عن مجلة أبولو
التي كانت قد كفت عن الصدور في مصر.. فان هذا التيار قد وجد استجابة
عند الكثير من الشعراء I ووجد استجابة عند العديد من النقاد I ولقد كان
ديوان »الطبيعة I« لحمزة ا =لك طنبل من البواكير الطيبة في هذا اﻟﻤﺠال
فقد قدم لوحات متتابعة للطبيعة في السودان I وتكلم عن الأشواق I
والذكريات I والألوان I وثورة النفس وسكونها I وهكذا غادر مناطق الجهارة
157
التيار الوجداني
إلى مناطق الهمس I وتجاوز محاجر اللغة I إلى ظلال اللغة وإيحاءاتها I وقفز
من العالم الخارجي إلى عالم النفس I ولم ينس أن eزق نفسه ب _ الشيء
ونقيضه على حد ما نعرف من قصيدته ب _ الأباء والأذغان I وقصيدته ثورة
النفس في سكونها I وقصيدته ب _ الله والطبيعة I وقصيدة عبرة-بفتح الع _-
وعبرة-بكسر الع _-وما أكثر هذه الثنائيات التي يتأرجح بينها الشاعر.. .
ويتعذب ! على أن الذي عشق الطبيعة إلى حد »الحلول « فيها كان التجاني
يوسف بشير I فقد كان يأخذ منها صوره I وموسيقاه I والكثير من أدواته
الشعرية I ثم انه كان يحتفظ في داخله بصورة نقية للطبيعة I تتمثل أساسا
في البراءة والجمال والجلال على نحو ما نعرف من قصيدته »توتي في
الصباح ١٧)« ) وقصيدته »في محراب النيل « وحتى قصيدة »الخرطوم «-وهي
مدينة كبيرة-تتحول في شعره إلى زهرة I وحلم I ولحن مازال يوقعه العازف I
وهي تلك القصيدة التي تبدأ بقوله:
مدينة كالزهرة ا ونقة
تنفح بالطيب على قطرها
ضفافها السحرية ا ورقة
يخفق قلب النيل في صدرها
تحسبها أغنية مطرقة
نغمها الحسن على نهرها
مبهمة ألحانها مطلقة
رجعها الصيدح من طيرها
وشمسها الخمرية ا شرقة
تفرغ كأس الضوء في بدرها
ومع أن النبرة الصوفية لا تتخلف في شعر التجاني I وكثيرا ما تغرقه
بالجلال إلا أنه ح _ eزج الطبيعة بالحب نرى الجمال يصدح Qرح وحيوية I
ونرى الجلال في الوقت نفسه ح _ eزج و »يوحد « ب _ الظواهر والعناصر I
على نحو ما نعرف من قصيدته التي عنوانها »أنت أم النيل ? « والتي يقول
فيها:
غننا يا جميل أغنية الني...
ل وبارك بسحر عينيك فيه
158
الشعر في السودان
وانحدر موجة على الشط غرقى
غير مسترفد ولا معتفيه
أن في حسنك العميق لأنها
را عذابا تغص من آذيه
إن في وجهك الوضيء وعي...
نيك ينابيع من دلال وتيه
أنت يا فاتني ? أم النيل زخا
ر بنفسي كليكما من شبيه?
وبصفة عامة eكن القول بأن الشاعر السوداني مفتون بطبيعة بلاده-
مع قسوتها وجهامتها-ومن النادر أن نجد شاعرا في هذه الفترة لم يحول
طبيعة بلاده إلى لوحات مشرقة I وأنغام مترعة I هذا بالإضافة إلى أن
الطبيعة من عناصر الخلق في شعرهم I ومن وسائل تحمل الحياة I على حد
ما نجد عند الناصر قريب الله I الذي نجد أن الحديث عن الطبيعة هو
الغالب في ديوانه I على حد ما نعرف مثلا من قصائد مثل: توتي الباسمة I
التي مطلعها:
هي في ا اء من صميم الشعاع
جنة للنهي ودنيا متاع
ومن قصائد بعنوان »دوحة ب _ موسم «_ و »رشاد « و »أم بادر « و »رحلة
إلى أربعات « و »حن _ إلى الأبيض ١٨) « ) ونحن نرى الحديث عن ا =دن-باعتبارها
قرى صغيرة-والقرى بهذا ا =عنى موجودة عند الكثيرين كجعفر حامد البشير
الذي تحدث عن الدامر وإحدى قرى الناشر I و يوسف مصطفى التني الذي
تحدث عن جبيت والأبيض I والدكتور كامل الباقر الذي تحدث عن كردفان I
وتوفيق صالح جبريل الذي تحدث عن كسلا I والهادي آدم الذي تحدث عن
حنتوب I وتوريت I ومبارك ا =غربي وطراف النمبري وآخرين تحدثوا عن
سواكن I ولإدريس جماع لوحة عن حياة الرعي في البلاد I وكثيرا ما كان
eزج-على غير عادة الشعراء-ب _ الطبيعة وحالته النفسية I كقوله مثلا:
كانت حياتي كالربا
في الصيف قاحلة وحرى
واليوم صرت خريفها
159
ابو تراجى
10-02-2009, 10:44 AM
الشعر في السودان
وهذا دليل على ارتباطه الأصيل بالوطن I و uا يدل على ذلك تدفقه بالحن _
تدفقا ح _ يسافر إلى بلد غربي I وح _ يصدم لونه الناس هناك I وح _
يريد الاندماج مع هذا اﻟﻤﺠتمع عن طريق الزواج منه على حد تلك التجارب
التي قصها الدكتور عبد الله الطيب في شعره I وقد تعرض يوسف التني
لهذا الصدام فقال فيما قال:
انه ينكر من أحوالهم
عجمة اللفظ وتقديس الصليب
وخلاقا غير ما يعهده
وجمودا باردا جد عجيب
مثلما أنكروا من لونه
سمرة كالخال في خد حبيب
فارحموا غربته عودوا به
قد كفاه ما يلاقي من لغوب( ٢٦ )
ومن الشعراء الذين تدفقوا بالحن _ إلى الوطن من لندن الشاعر مصطفى
عوض الكر G لقد كان من الذين التقطوا له-على البعد-أكثر من صورة
ذكية I وكان أقصى ما يعذبه أن eوت بعيدا عن الطبيعة في وطنه I على نحو
قوله مثلا متذكرا قريته ا =سماة »كرمة :«
رعى الله قومي النازح l بكرمة
وحياهم عني النسيم ا عطر
فهيات واد لندنى أحله
وواد بأدنى »كرمة « أتذكر
لقد كان لي واد ظليل ومرتع
جميل.. وواد دون نعماه عبقر
فهل أجلسن تحت النخيل يظلني
من السعف ا سحور فينان أخضر?
وهل أملأ الكف l من ماء جدول
به من زلال النيل شهد مكوثر
وهل اسمعن صوت القمارى موهنا
161
التيار الوجداني
لها في غصون الطلح والسنط منبر
لقد ضاع مني كل هذا.. وإ ¢ا
عزائي أن الآدمي مسير
وما شغلتني عن جآذر كرمة
من البيض ع l ناهدات وضمر
.. لعمري لقبر بالسليم يحفه
من العشر الظمآن أقتم أغبر
أحب إلى قلبي من الأفق الذي
نزلت به يخضل فيه الصنوبر
فلو كنت في عليا الجنان منعما
تنادمني حور كواعب ضمر
يقدم لي الغلمان خمرا عتيقة
ازجها ماء الغمام ا قطر
وزادى تدنيه ا لائك يانع
من العنب ا سحور بالخمر يقطر
ويقرأ لي الأشعار جبريل منشدا
بصوت رخيم والنبيون حضر
لقلت: أرب العرش عدبي لكرمة
منى النفس فيها والنعيم ا قدر
وقد فعل الدكتور عبد الله الطيب هذا وكثيرون ما كادوا يبتعدون عن
الوطن حتى صرخوا ذاكرين ملتقى النيل I_ والسواقي I والنخل I والنيم..
وحتى شوك »السيال I« ومن ا =لاحظ بصفة عامة أن حنينهم كان طاغيا في
اﻟﻤﺠتمعات التي تؤكد على التفرقة العنصرية كاﻟﻤﺠتمع الإنجليزي واﻟﻤﺠتمع
الأمريكي I بعكس الذين سافروا-كالدكتور محيي الدين صابر-إلى فرنسا I
فهم يتعاطفون مع اﻟﻤﺠتمع الفرنسي I وإذا حنوا إلى بلادهم يكون حنينهم
معقولا I أما حنينهم في مصر إلى بلادهم فهو في كثير منه شعر صور
وتقرير واقع ليس وراءه الحزن الضاغط والألم ا =مض.. بل ما أكثر ما حنوا
إلى مصر وهم في السودان I على نحو ما فعله مثلا التجاني يوسف بشير
في قصيدته التي عنوانها »ثقافة مصر « والتي تبدأ بقوله:
162
الشعر في السودان
عادني اليوم من حديثك يا مص
ر رئي وطوفت بي ذكرى
وهفا باسمك الفؤاد ولجت
بسمات على الخواطر سكري
.. أما حن _ محمد الفيتوري فلم يكن للسودان I وإ ا كان للقارة الأفريقية
ككل I باعتبارها قد أصبحت رؤيا تحررية له I يحاول أن يخلع عليها صراعه
النفسي I وأن يتخلص في الوقت نفسه من أزماته الباطنية( ٢٧ ) I وقد يراها
بعض الشعراء دعوة إلى الانطلاق من قيود العالم الحديث I وقد عزف على
هذا الوتر كثيرا محمد ا =هدي مجذوب في شعره الذي كتبه في الجنوب
على حد قوله:
وأرضاني الجنوب فما أبالي
ن يصم العراة ومن يلوم
هم عشقوا الحياة فعاشرتهم
كما تبغي ا شاعر لا الحلوم
فليتى في الزنوج ولي رباب
يل به خطاي وتستقيم
وفي حقوي من خرز حزام
وفي صدغي من ودع نظيم( (×
واجترع ا ريسة في الحواني
وأهذر لا ألام ولا ألوم
طليق لا تقيدني قريش
بأحساب الكرام ولا يم
وأصرع في الطريق وفي عيوني
ضباب السكر والطرب الغشوم
ولي شرف.. وما جدوى صياحي
بفخر ليس يشربه الند ٢٨× )
.. وفي الوقت نفسه لا نعدم روح الحن _ ا =شبوب إلى عالم عربي نقي I
والى الصورة ا =ثلى التي كان بعض الشعراء يحبون أن يروا عليها هذا
العالم.
163
التيار الوجداني
.. فإذا جئنا إلى ساحة الحب-وهي ساحة عريضة عندهم-وجدنا أن
بعض الشعراء يسيرون في الدروب القد eة التي تتحدث-في تجريد-عن
اللوعة والأسى I والهيام بالجمال I والحب من أول نظرة I وقد تفلت بعض
الصور العصرية كقول محمد محمد علي:
ألا هاتها يا عيون الهوى
فآخر كأسي التي في يديك
لآليت ألا أذوق الطلا
ولا أرفع الكأس إلا إليك
ومن ذا يرد تحية كأس
ثل ابتسام على شفتيك
وحقك ما ذقتها خمرة
تثير ا فارح إلا لديك !
على أنهم قد أسرفوا ح _ مزجوا حبهم بالشهوة I وح _ حولوا الجسم
عندهم إلى مائدة للطعام والشراب كقول محيي الدين صابر في مجموعة
لم تنشر:
فلقد شربتك كالسلافة مرة
ووردت راعشة دمي فسقاك
وطعمت كاﻟﻤﺠنون جسمك جائعا
ونهبتني.. يا نجوتي وهلاكي
يا نبعة عريانة يا غابة
عذراء في الأحراش والأشواك
وقد يخرج شاعر عن ا =ألوف كقول حمزة ا =لك طنبل:
ذاب قلبي عليه ح l تدانى
ب l عطفي مسلما لي عرضه
فاعتنقنا حتى إذا غلب الشو
ق على الجسم كاد يفقد نبضه
على أنهم لم ينسوا تقد G صور محلية لبعض صور العشق كبعض
الطقوس التي تأخذ بها ا =رأة نفسها قبل النوم I كما في قصيدة »غمائم
الطلح « التي منها:
164
الشعر في السودان
وحفرة بدخان الطلح فاغمة
تندى الروادف تلوينا وتعطيرا
لمحت فيه-وما أمعنت-عارية
تخفي وتظهر مثل النجم مذعورا
مدت بنانا به الحناء يانعة
ترد ثوبا إلى النهدين محسورا
قد لفها العطر لف الغيم منتشرا
بدر الدجى وروى عن نورها نورا
يزيد صفرتها عا وجدتها
صقلا وناهدها ا شدود تدويرا
أرخى الدخان لها سترا فبعدها
كدرة في ضمير البحر مسجورا
حتى إذا ضاق كن عنه أنفذه
ه l الصعود خصاص الباب مكسورا( ٢٩ )
وقد برعوا في تقد G أ وذج للجمال السوداني I فبعضهم قد أحب
ا =رأة »ا =شلخة « فهذا يوسف التني يقول:
فينوس.. من ساق الجمال
مصورا في زي غاده
يضوي على قسماتها
نور ا لاحة »والفصاده «
وهذا الشاعر باخريبة يقول:
لا حبيب القلب لا تشفيك من حبي أراده
لا ولا يشفي المحب الطب أو تجدي العياده
الشفاء الحق أن حاولت أن تلقى مراده
لثمة في خدك الناعم ما ب l الفصاده
وللتجاني حب للتشخيص أظهر بعضه وأخفى بعضه كقوله مثلا:
فيا وادعا حا ا كا لا
ك تهبط من حجرات الأبد
يرف عليه شباب الفنون
165
التيار الوجداني
وتبرق في وجنتيه »الفصد ٣٠)« )
والشاعر الناصر قريب الله تعرض للطريقة الخاصة لتضفير الشعر
للبدويات في الأبيض:
باديات النهود غير وشاح صان نهدا وخان آخر مسا
توجت رأسها ضفائر سود تلاقي لديه ضفرا وعكسا
كما أنه صور السودانية في »وادي كيل « وصور الدكتور كامل الباقر
الفتاة الكردفانية I وأعطى احمد محمد صالح ملامح فتاة »الجزيرة «.. وقد
تظل الفتاة السودانية شغله الشاغل في الغربة I على نحو ما نعرف من تلك
القصيدة التي كتبها مصطفى عوض الكر IG والتي تدور حول أنه ح _ رأى
في »مدر يد « الناس يتوافدون في إحدى ا =ناسبات الدينية I رأى نفسه-وهو
ا =سلم-يدخل كنيسة I و يطلب من الله أن يرزقه بفتاته »ز ينب « التي تقيم في
السودان:
لست أنسى ليلة العبد في عهد بعيد
حينما نادى ا نادى لصلاة يوم عيد
والنصارى لئون الأرض من حلو النشيد
كل شيء ظاهر للع l في ثوب جديد!
وبدا الرهبان مذهول l في صمت رهيب
وعلت رائحة العطر لنا من كل طيب
أوقدوا النار وطافوا وأطفنا بالصليب
و شت كهرباء الحب في كل القلوب
ثم قام الناس كل يتمنى وينادي
يسألون الله أشتات الأماني في اجتهاد
و نيتك يا »زينب «من كل فؤادي
ثم لم أسأل الهي غير هذا من مراد!
.. على أن هذا لا eنع من أن نرى طائفة من الشعراء يتهللون للأجنبيات I
و يسخرون-كمحمد الزبير شعير-من لابسة »التوب ٣١)« ) I وقد رأينا منهم من
ينبهر بتحرر ا =رأة الإنجليزية على نحو ما هو معروف من إعجاب مدثر
علي البوشي الذي كتب قصيدة في إنجليزية تلعب التنس أنهاها بقوله:
كذلك تحكم الحسناء فينا
166
الشعر في السودان
متى لاحت ولوح معصماها
ونجد عددا من الشقراوات في ديوان يوسف التني I على نحو قوله في
سويسرية:
أشتهي عجمة الرطانة فيه
كتشهي الفطيم حلو الرضاع
أن في شعرك ا ذهب معنى
عسجديا وفيه ذوب شعاع
قلت: من أبدع ا فاتن هذى
فأجابت في ضحكة وتداعي
أبدعتها أم الجمال سويسرا
وسويسرا عظيمة الإبداع
ولحسن عزت شعر في أ =انية I ومحمد سعيد النور في يونانية I وباخريبة
في أسبانية.. الخ. ولقد كان أكثر ما يفتنهم منهن الشعر الأصفر( ٣٢ ). وقد
يعبث الشاعر بالقيم الدينية والقومية على نحو ما رأيناه من الشاعر محمد
عبد ا =طلب والشاعر التيجاني يوسف بشير.
وأخيرا فقد تنبهوا إلى بعض الظواهر الاجتماعية التي حدثت في
اﻟﻤﺠتمع I من خلال تدفق وجداني متفجر I على أن الظاهرة التي شغلت
الكثير كانت ظاهرة الفقر I وكان الحديث عنها يدور حول ا =رارة والسخرية.
بل وعشق هذا الفقر I فالهادي آدم مثلا تعرض لظاهرة استجداء الطعام
من ركاب القطارات I وهي ظاهرة معروفة هناك I كقوله:
كم طويت الأرض ما ب l صباح وأصيل
وحملت الناس في ظهرك جيلا بعد جيل
جمعت فيك البرايا من أصيل ودخيل
قد جرى أبى خلفك في ا اضي الطويل
وأنا خلفك أعدو أبتغي »بعض الرغيف! «
قيل: أطفال ولكن أين أطفالك مني ?
لم اعد منهم وان قاربهم عمري وسني
هم دمي ترفل في النعمى فتشدو وتغني
وأنا خلفك أعدو ابتغي »بعض الرغيف ! «
167
التيار الوجداني
على أن ما يلفت النظر هنا هو الدعوى إلى rجيد الفقر I وخير من
eثل هذا الاتجاه التجاني يوسف بشير( ٣٣ ) I مع انه كان من الطبيعي أن
يتمرد على الفقر فهو مثلا في قصيدة »دنيا الفقير « يحسن الفقر ويزينه
للناس I على نحو قوله:
وما يبتغي فقراء الحياة
خزائنها خشية أن تضيع
ولا تزدهيهم ملاهي الوجود
ولا يطبيهم خداع الصنيع
ولابطر اﻟﻤﺨصب l الغلاة
ولا دعة العيش ربحا وريع
وما بهم عوز للطنا
فس أو حاجة للأثاث الرفيع
بحبسهم مسكة في الحيا
ة ماء ¢ير وعيش مريع
وخص على جانبيه الغلا
ل ¦زقة مشمسات الصدوع
.. فيا آهة ملء دنيا الفقير
ويا أنة ملء دنيا الوجيع
لأنت لدى الله أسمى وأنبل في
الأرض من بسمات الخليع !
وهو ح _ يقدم اذج عليا للرسل والفلاسفة يقدمها خارجة من أحضان
كوخ وفي ذراعي فقير كما في قصيدة الزاهد I ويقدمها مكدودة المحيا
عارية ا =ناكب كما في قصيدة قلب الفيلسوف I بل انه يرى أن الفقر يسمو
بالهوى كما في قصيدته هوى وفقر I ومثل هذه النبرة نجدها عند كثيرين
يجيء في مقدمتهم محمد ا =هدي اﻟﻤﺠذوب I ومحمد محمد علي I وجعفر
حامد البشير I وإدريس جماع.. الخ. ولعل وراء ذلك بعض مفاهيم الصوفية-
كالزهد-التي تدخل في صميم العملية الشعرية للشعراء السوداني _. وكالدعوة
إلى الاعتصام بالفقر خوفا من مفاسد الدنيا.
لقد كانت الظروف في السودان هي التي قذفت بصفوة من ا =ثقف _
168
الشعر في السودان
إلى عالم التأثير في الحياة وكانت وراء الثورة على كثير من التقاليد في
الحياة وفي الأدب وفي الفن I فقد كانت رغبة الناس في الحرية عارمة I
وكانت عندهم الرغبة في إظهار r» يزهم « على الآخرين I وأن من حقهم أن
يعاملوا معاملة خاصة بعيدا عن النفوذ الفعلي للإنجليز I والنفوذ الاسمي
للمصري I_ ولأمر ما نراهم في هذه الفترة يلحون في الالتفات إلى ما
حولهم I وفي نقل كل ما له عبير سوداني إلى دائرة الشعر I والخروج بقدر
الإمكان من القضايا العامة واﻟﻤﺠردة إلى قضايا معاشة I وهكذا eكن القول
بأنهم إلى حد ما أمسكوا بجناحي البيئة.. وبأجنحة كثيرة في العديد من
القضايا I لهذا كان من الطبيعي أن يهتدوا إلى قاموس شعري جمالي I والى
تراكيب تختلف بقدر الإمكان عن صرامة التراكيب القد eة I والى صور
جديدة I ووحدة موضوعية-ولا أقول وحدة عضوية لأنها لا تتحقق rام
التحقق إلا في الشعر ا =وضوعي لا الشعر الذاتي ا =تفجر العواطف-وانطلاق
مع الخيال I ولواذ بالطبيعة I وخلط للمشاعر بالصور I ومزج للأفكار
با =وسيقا.. ومن الطبيعي أن هذا سيغير وحدة الشكل عما كانت عليه من
قبل I وسيساعد عليه هذا العالم السحري-اﻟﻤﺨطوف البصر إلى السماء
والى داخل النفس-ا =سمى التصوف I والذي يجد له-أبدا-موئلا ومستقرا
في الذات السودانية.. ما يهمنا حقا هو التأكيد على أن الزمن في هذه
الفترة كان-أن صح التعبير-زمنا وجدانيا I وبخاصة في الفترة التي تلت
فشل ثورة عام ١٩٢٤ .
ثم انه كانت هناك التفاتة عميقة إلى الأدب ا =صري I فقد كانت كتابات
د. طه حس I_ وعباس محمود العقاد I ومحمد حس _ هيكل I وإبراهيم عبد
القادر ا =ازني I وأحمد حسن الزيات.. الخ تدخل في النسيج الثقافي
للشخصية السودانية I كما أنه كانت هناك التفاتة أقل عمقا =ا كان يصلهم
من أدب ا =هجر I وفي الوقت نفسه كانت هناك جماعة صغيرة استطاعت
أن تصل نفسها بالأدب الغربي.
على أن هناك ملمح _ لا eكن أن نغفلهما في هذه الفترة I وهو دور
الجمعيات الثقافية التي نشأت عقب فشل الثورة I والتي برز منها دور جمعية
القراءة التي تكونت في حي »أبو روف « بأم درمان I والتي كانت تقوم أساسا
على تلخيص كتاب عربي أو إنجليزي ثم مناقشته I أما ا =لمح الثاني فهو
169
ابو تراجى
10-02-2009, 10:46 AM
الأساليب الواقعية
=ا كانوا قد تخطوا مرحلة البحث عن الجذور I
ومرحلة تحقيق الذات I كان من الضروري أن ينظروا
إلى أشياء كثيرة خلفهم في غضب I وكان من
الطبيعي أن يتجاوزوا مرحلة »الوطن العاطفي « إلى
مرحلة »الوطن الواقعي « فالأحداث كانت تلاحقهم I
والزمن من حولهم كان يعدو عدوا سريعا I ومن ثم
رأينا البعض يقوم بهجوم مكثف على الأدب التقليدي
باعتباره أدب استرزاق ومناسبات وجهارة I و uاثلة-
فقد كان لهذا الأدب uثلوه-وفي الوقت نفسه
سخروا من هذا »التماوت الرومانسي « والإسراف
العاطفي الذي صبغ العديد من جوانب الحياة I ولقد
كانوا في هذا واقعي _ مع أنفسهم I فلقد كان الوطن
uزقا I والسياسيون يتلاعبون Qصائر الناس I
والأدباء إما راضون عن الواقع I أو هاربون منه !
ثم انه يجب ألا ننسى أن جماعة من الذين
خاطبوا الوجدان قد انصرفوا عنه أما لارتطامهم
بالواقع I وأما لارتفاع سنهم بحيث لم يصبح من
ا =عقول وقوفهم عند هذا العالم ا =موه بالعديد من
الألوان الزاهية.. فقد كان هناك لون واحد يصرخ
بالناس I و يذكرهم بالواقع التعيس من حولهم I وبأنه
لا مناص من الوقوف تحت رايات اجتماعية تحفظ
14
172
الشعر في السودان
على الناس كرامتهم وحياتهم I ولقد ى هذا الإحساس ظهور الأساليب
الواقعية في مصر بصفة خاصة I وكيف أن بعض الكتاب قد بدءوا يغمسون
أقلامهم في هذا ا =داد الجديد I ومن وراء مصر كان العالم يدوي بالحديث
عن الاتجاهات الاشتراكية I وعن الاتجاهات ا =وضوعية I وكان ازدهار العلم
يساعد على هذا كله I هذا بالإضافة إلى أن انتهاء الحرب العا =ية الثانية I
ورغبةالشعوب والطبقات في التحرر وتداعي بعض الأنظمة القد eة I وظهور
دور الكتلة الشرقية قد ساعد على دخول دنيا الواقع وا =عقول I ولعل uا
ساعد على ذلك أن السودان لم eر بالأطوار الاجتماعية التي تتعرض لها
الكثير من اﻟﻤﺠتمعات I وأن الفصل لم يكن حادا ب _ الطبقات هناك.. ر Qا
كان وراء ذلك دور الإسلام I و بساطة الشخصية السودانية I وتداخل الفقر
مع الغنى.. ا =هم أن الفقر كان سيد الحياة I ومن ثم كان من الطبيعي أن
يبرز دور الطبقة العاملة الفقيرة الكادحة I وأن ينبثق عنها بالضرورة من
يعبر عنها.
لقد بدأ الشعر أولا Qا يذكر بالواقعية الطبيعية I ذلك لأنه كانت هناك
موجات نقد طفحت على شعر الكثيرين I وقد كانت حلقة الوصل ب _ الاتجاه
الإبداعي والاتجاه الواقعي تتمثل-أكثر ما تتمثل-في الشاعر حس _ منصور
الذي أهمله الكثيرون »انه لا يهتم بالشكل اهتمام الرومانتيكي I_ ولكنه
يجنح فيه إلى بساطة مطلقة تكاد تقربه من روح الشعب وأحاديثه I وذلك
ليتحد هذا الشكل مع ا =ضمون في إحساس القار لشعره بالصدق وعدم
تزييف الواقع I و يكاد يكون شعره من ناحية ا =ضمون »هادفا « إذ نحس فيه
التزاما قويا Qشكلات الحياة واﻟﻤﺠتمع الذي يعيش فيه.. فهو دائما يشرع
القلم ليشرح عيوبه I محاولا الوصول إلى وسيلة لإصلاحها( «(١ وهو قد
يضحي بالجانب الجمالي ولكنه يعرف كيف يصل إلى ما يريد ببساطة-قد
تكون مسفة-و بوضوح-قد يكون مبهرا-على نحو ما هو معروف من قصيدته
»ابتعاث البواعث « التي نقد فيها الإنجليز عام I١٩٢٧ وح _ هدده مفتش أم
درمان الإنجليزي تفجر في غضب في قصيدته التي عنوانها »توعد « والتي
يقول فيها:
تأكد يا بن وافدة البحار
بأني ثابت ثبت اليق l
173
الأساليب الواقعية
وان سلت على رأسي سيوفا
جنودكم ا زأبقة العيون
وسددت البنادق نحو صدري
وشدت لي الرباط على عيوني
وان هددت بالإعدام شنقا
وان علقت بالحبل الوت l
إذا هموا بتعذيبي وقتلي
صبرت على مقاضاة الديون
فأترك للكلاب دما ولحما
وأحفظ سا ا رأيي وديني
وعلى كل فهذا الروح الواقعي موجود بغزارة في ديوانه »الشاطئ
الصخري I« وان كنا يل إلى القول بأن الأسلوب الواقعي لم يكن غائبا في
الاتجاه _ التقليدي والإبداعي I بل eكن القول بأن هذا الأسلوب لم يغب
أبدا في مسيرة الشعر السوداني I ذلك لأن التيار التقليدي لم يكن محكما
كل الإحكام I لأنه لم يكن هناك استيعاب عميق للتراث العريق
ا =تماسك بسبب عزلة السودان عن العالم العربي من جهة I وللقرب
الزماني لحركة التعريب الصحيح فيه I ثم أن الحركة الوجدانية
كانت تتطلب نوعا من الترف النفسي والحياتي I ولقد كان هذا الترف
eس طائفة بعينها ولا يمس كل الناس I ومن ثم eكن القول بأن
الأساليب الواقعية كانت في صميم الحركة الشعرية السودانية في
كل ا =راحل( ٢) I وان كانت عملية »التميز « الواضح قد ظهرت في الفترة
الأخيرة.
والأسلوب الواقعي يظهر بوضوح عند عدد كبير من الشعراء يجيء في
مقدمتهم محمد ا =هدي مجذوب الذي عرف كيف eد ظله على كل التيارات I
والذي عرف الوقوف بتؤدة عند الواقعية I وأول ما يقابلنا عنده هو الحديث
عن الفقر لا من منظور rجيده-كما فعل التجاني يوسف بشير-ولكن من
منظور الضيق به I وأدانته في بعض الأحيان.. ومن قبل هذا تصوير الواقع I
فهو مأخوذ Qا ب _ الحي _ ا =عروف _ في الخرطوم »الحي العربي « و »الحي
الإفرنجي « من مفارقة I في قصيدة مشوار:
174
الشعر في السودان
سهرت و »الد « طبل
إذا تهادى يقوم
راياته ليس تخشى
لوما.. ومن ذا يلوم
جهل وفقر وسكر
فيه الغنى العد
فقر لز وحب
وأين مني الحبيب!
ولاحت الخرطوم
وجاء منها النسيم
أفوز منه بود
علي حينا يحوم
يرفع الأفق منها
نخل رشيق وسيم
»حتى الفرنجة « حي
وكم وت »الديوم (×)«
وأجنبي مقيم
وفي قيد مقيم( ٣)
و يلح عليه هذا التناقض الذي يلاقيه في ا =دينة كما في قصيدة »في
الخرطوم :«
حييت بنتا من الإفرنج فارحة
مع الصباح ومرت لا تحييني
.. أني من »الدامر « السمحاء دوخني
هذا الترام حمارا غير مأمون
فيه ارتدفنا وقوفا ثم جمدنا
ذاك التأله من سواقه الدون
وكم أروح إلى الطباخ يخدعني
صياحه بطبيخ غير مسمون
175
الأساليب الواقعية
من لي »بكسرة « خالاتي وما يبست
فيها القواديس في أحجار طاحون
كنزى قلادة ر عدها مائة
معسولة كعيون الخرد الع l
وقرعة حلبوا فيها وأعجبها
رغويفور على زهو يناديني
.. أبغضت حذلقة الخرطوم سوف ترى
يوما يجيء بجزار وسك l( ٤)
وهو يقرر شيوع ظاهرة الفقر:
خسرت وما أسفت معي رفاق
على فقر نكابده مشاع
وإذا كان محمد ا =هدي مجذوب قد ركز في شعره على ظاهرة »الجرادل «
قبل إدخال مشروع اﻟﻤﺠاري( ٥) I فان الناصر قريب الله ركز على براميل
القمامة التي كانت تلقى في إهمال:
أقمت بحيي ب l قومي إقامة
أشاهد فيها كل يوم مصارعي
أشاهد سكانا وحول عيوبها
معائب أعيا فتقها جهد راقع
وأسود كالليل البهيم تذيلت
به وهو مبتور جنوب الشوارع
يسمونه »البرميل « ما فيه رحمة
سوى أنه بالحي ركن الفظائع
ثل كالشرطي بالليل لائذا
بركن جدار من أذى البرد مانع
لكل متاع في حشاه بقية
تلقفها من جسمه بطن جائع!
.. كذلك يحيا الشعب أن كان دافعا
ضرائب أو من فقره غير دافع
176
الشعر في السودان
فكيف تراه تستقيم عقوله
وهيكله في الأرض أضيع ضائع?
وعلى كل فالحديث عن الفقر يغطي أكثر الدواوين I وقريب من هذا
يقال عن ا =رضى( ٦) I وعن اذج جديدة يقال فيها الشعر كضاربة الودع I
وأم الأحاجي I والحلاق I والشيخ برغوث I وماسح الأحذية I و بائعة الفول I
وما أكثر ما نجد قصائد تحمل عناوين مثل: الفقر الأبله I بستان فقير I
والبيوت وا =قابر I إلى أطفال ا =ساك _. الخ وإذا كانوا قد ركزوا بصفة خاصة
على الفقر في »الجنوب « فانهم ركزوا كذلك على »الشوارع الخلفية « في
ا =دينة حيث توجد بائعات الهوى I وحيث تسمى الواحدة »كتكوتة I« وقد قدم
محمد ا =كي إبراهيم ترجمة باطنية =دينة الخرطوم في تلك القصيدة التي
عنوانها »أصيح للخرطوم في أذنها .«
منذ اللقاء الأول
غرزت في لفات شعرها ا هدل
أصابعي وقلت: أنت لي
عشيقة أم
وح l فاتني الصبا
أسميتها بوهيميا ا هذبة
وأصبحت تبوح لي
بسر عينيها الكبيرت l
.. سيدتي هأنذا أريح رأسي
فوق فخذيك القويت l
أخلع نعلي لكي أنام
أغمض جفني-معا-لكي أنام
فلتطعميني لحمك الطيب في الأحلام
ولتمنحيني عفة البكر-وليس عفة الكلام-
ولتحرسيني من عواء الباعة المحوم l.. واللصوص
.. صغيرة لا لأ الكف.. ولكن متعبة
ريفية ما نصل الخضاب.. من أقدامها اﻟﻤﺨضبة
خائنة وطيبة
177
الأساليب الواقعية
ومثل عاهرات الريف لا تبسط كفا للثمن
- تتركه يندس في الصدر وتحت ا رتبه-
.. الله للشاعر وا فلس والصعلوك حينما
تضمهم دروبها في آخر الليل.. مشردين
تعبس في وجوههم مآذن الله
ومهرجان الكذب ا ثقل بالنيون
تصيح أبواب البنوك: اقبضوا عليهمو
تصيح أبواب الحوانيت: إلى الوراء
وتركل العمارات البديعة الرواء
ضلوع أحبابي ا شردين
.. وفي العشيات.. وإذ أسير دون أصدقاء
تخرج لي لسانها الطوابق العليا.. ويرقص البناء.. كيدا
وسخرية
.. حدثني الكهان واﻟﻤﺨنثون.. أن وراء صمتك الحرون
تغرغر الأنهار موسيقا وتنبع العيون
وأن عا ا من الروعة لا تدركه الظنون
تخبئه أعماقك النذلة للمقرب l
للتافه l من عشاقك ا قرب l
تحدثوا حتى أثاروا حسدي
وتعرف l أنني وراء لحظة من النعمة فوق جسد
أبيع للمضارب l.. مسبحتي وولدي
.. ماذا تخبئ l لي خلف السدوف ا طبقه ?
وبعد هذه اللفحة من سمائك المحترقه
ماذا تخبئ l لي ?
وما الذي تخبئ l عني ?( ٧)
في ضوء هذا eكن القول بأن الشعراء الواقعي _ قد أدانوا ا =دينة I
وخافوا منها I وقدموا شرائح ساخنة من الحياة داخلها I مع ملاحظة أن
أحدا لم يتعاطف مع الجانب الطيب منها I فالخرطوم لم تصبح وردة وحلما
كما كانت عند شعراء العاطفة I وإ ا تحولت إلى عالم من الرعب والخوف
178
الشعر في السودان
والقسوة ! وكعادة السوداني _ ح _ يتركون الوطن يذوبون وجدا وهياما I
وينخرطون في حالة من حالات الوجد الصوفي-الكامن في الأعماق-مع
ملاحظة أنهم لا يزيفون صورة ا =دنية I ولكنهم يهيجون عواطفهم بطريقة
مثيرة I على نحو ما فعل محمد ا =كي إبراهيم ح _ صور الزمن الذي تقطعه
الطائرة إلى الخرطوم بعد غربة.
في جميع ا طارات.. ب l الحقائب والنوم والانتظار
عبر تلك الدهاليز وا كرفونات.. عبر وجوه ا ضيفات
.. كان قلبي يذكرني أننا منك ندنو.. وتدن l منا مع كل ثانية تستطار
كان قلبي يذكرني أن بعض ا سافة بيني وبينك يلغى
وأن مساحات من زمن الوجد تسقط خارجة من شقوق النهار
وأن ا واعيد بيني وعينيك تزداد قربا فأزداد حبا وأحتمل
.. ثم فكرت-للمرة الألف-فكرت من بعد أن نصل القاهرة
لا يعود سوى ساعت l من الوجد ألقاك بعدهما في ا طار
هل أقبل كفيك ? أم أ رغ في رمل نهديك ? أم أكتفي بالتحية والانبهار?
هل أعانق فيك رجال الجوازات ? أخبرهم أنني منذ أعوام لم أتنفس
بعض هواء الوطن
وأني حلمت بخضرة ألوانهم في جميع ا طارات ب l الحقائب والنوم
والانتظار
أم أخلي لتلك العيون ا دربة العارفة أن تخمن أسباب عودتنا للوطن ?
ساعتان وتنزل أرض ا طار
ساعتان من ا وت والبعث والانهيار
ساعتان من البطء كن وضعهما في إطار!
.. طول ليلتنا في أزيز المحرك والطائرة كان محياك يبدو لعيني
فيختلج النوم ب l الحقائب والانتظار
ويفتح بابا من الوصل كالجذب عند صغار الدراويش أو كالتواصل
ب l الكبار
فأبعد أشجارك الجاثمه
وأسمع أنفاسك النائمة
ولغو الأحباء في كل دار
179
الأساليب الواقعية
وأشعر أن يدي تغوصان ب l جدائلك ا رسلة
وعيني تلئان بألوانك ا ستهيجة والذابلة
كم أرجع ألقاك واقفة في ا طار
طفلة في ا دائن سيدة في القرى يغضب الصيف فيها
وتجلدها الشمس كالزاجره
كم تأتي الأماسي ساعية بالنسيم الخفيف تطيب خاطرها
و سح عن وجنتيها الغبار!
.. قل لتلك العيون ا ليئة بالوجد تنتظر القادم l
أن هذا ا طار اﻟﻤﺨبأ في قلب أفريقيا من جميع ا طارات يعرفني جيدا
من جميع ا دارج يؤ ني البعد عنه ويسكرني ا شي فيه
إلى صالة العابرين وعبر رجال الجوازات نحو أحباء مستقبل l
وعبر زهول الوصول
لخرطوم تنهض من نومها.. تستفيق
أحس بأن العيون الكبيرة سوف تزاحمنا من جميع النواحي
وتأخذنا في الطريق
وأن إسارا من الحب
يبدأ من حيث لم ينته( ٨)
فالشاعر هنا لم يزيف صورة الخرطوم I وإ ا عبر عنها ببساطة I وبحس
محلي I وبصور بصرية سارة I ومزج ب _ عدد من ا =كونات التي قد تكون في
الأصل متنافرة I ولكنها في القصيدة تدور حول قطب جاذب مثير هو مدينة
الخرطوم I وقد وفق ح _ حول الكلمة-باعتبارها صوتا-إلى حركة I وقد كرر
هذا في قصيدة بعنوان »قطار الغرب «.. ا =هم أن الأدب الواقعي لم يزيف
صورة ا =دينة I وأن مدينة الخرطوم مدينة لها شخصية متفردة رغم فقرها I
واختلاف الأجناس فيها I ورغم الحزن الذي يفشى-كالغبار-بعض ملامحها
التي لا تبتسم إلا بقدر!.. ومع أنهم لم يغفلوا الكتابة عن العالم خارج ا =دن I
ومع إعجابهم بشخصية الفتى »ا =هجاري « الذي يذكر بصعاليك العرب( ٩) I
إلا أن ا =لاحظ أن الذي أثرى هذا الجانب كان صلاح أحمد إبراهيم I فقد
التفت إلى العذاب الذي يعانيه الفلاحون I وبخاصة ح _ حاول بعض مزارعي
مشروع »جودة « التأكد من أن ما يعطونه من أثمان القطن صحيح I فكان أن
180
الشعر في السودان
زجت السلطة Qائت _ منهم في مكان ضيق I بحيث لم يصبح عليهم الصباح
إلا وهم موتى.. وكان أن صرخ الشاعر في قصيدة منها:
لو أنهم.. حزمة جرجير يعد كي يباع
لخدم الإفرنج في ا دينة الكبيرة
ما سلخت بشرتهم أشعة الظهيرة
وبان فيها الاصفرار والذبول
بل وضعوا بحذر في الظل في حصيرة
وبللت شفاههم رشاشة صغيرة
وقبلت خدودهم رطوبة الأنداء
والبهجة النضيره !
لو أنهم فراخ
تصنع من أوراكها الحساء
لنزلاء الفندق الكبير
لوضعوا في قفص لا نع الهواء
وقدم الحب لهم وا اء
لو أنهم..
لكنهم رعاع
من الزريقات
من الحسينات
من ا ساليت( ١٠ )
نعم رعاع
من الحثالات التي في القاع
من الذين انغرست في قلوبهم براثن الإقطاع
وسملت عيونهم مراود الخداع
.. وفي ا ساء
بينما كان الحكام في القصف وفي السكر
وفي برود ب l غانيات البيض ينعمون بالسمر
كانت هناك
عشرون دستة من البشر
181
الأساليب الواقعية
وت بالإرهاق
وت باختناق.
وقد نجح صلاح أحمد إبراهيم في تقد G اذج من البسطاء في
السودان I وهي غالبا اذج فقيرة مجهدة I وقد يتعرض لكتلة بشرية
كقوله:
كل فتى كالحبشي الحي في انطوائه حتى إذا ثار طغى فأغرقا
وكالبشارى يقوده الصغير با عروف إما اغتاظ دق العنقا
أعرفهم الضامرين كالسياط الناشف l من شقا
اللازم l حدهم الوعرين مرتقى
أعرفهم كأهل بدر شدة ونجدة وطلعة وخلقا
وقد يتعمق في واحد من قبيلة الهدندوة بشرق السودان اسمه »أوشيك I«
بحيث يجعلنا نتعاطف معه I ونلعن الظروف التي ولغت في دمائه I وفي
عرض ابنته I ونعجب في الوقت نفسه لأنه حول كل هذا الحزن إلى »دراما
صغيرة .«
» أوشيك « دون أن يكل يرصد الآفاق
من دغش الصبح إلى انحباس الضوء في السماء
مفتشا عن غيمة فيها سلام ا اء
يرفع ساقا ويحط ساق
كوقفة الكركي في ا ياه
مرتكز الظهر على عصاه
أهلكت اﻟﻤﺠاعة الشياه
دبايوا( ١١ )
يفتل من ساعاته الطوال
حبال صمت تافه حبال
ويرقب السماء
لو أنها تعصر في لسان أرضه قطرة من ماء
لو أنها تبلل الرجاء
أهلكت اﻟﻤﺠاعة الشياه
لو يرحم الإله
182
الشعر في السودان
زوجته ذات الزمام الضخم وا لاءة الحمراء
قضى عليها الداء
فزفرت أحشاؤها دماء
وفوق صدرها »أوهاج ١٢)« ) مثل هرة صغيرة عمياء
د في غرغرة الذماء
يدين كالمحارت l للأثداء
.. وابنته »شريفة «
جاءت إلى ا دينة القاسية اﻟﻤﺨيفة
تقدم التفاح للرجال
لكل من جاء من الرجال
رائعة رائعة.. يقول لي صديق
يانهدها استقل كاد أن يطل من ثيابها الرهيفة
وهي تضوع بالشذا وج كالقطيفة
وء بالحروف مثل قطة أليفة
»يا سمسم القدارف ١٣)« )
تقدم البيرة واللفائف
والطشت والإبريق
ترفع أو تخفض ا ذياع
حتى إذا أنهكها الإمتاع
أطفأت مصباحها بعد انتصاف الليل
مر على خيالها »أوشيك «
وشعره الوديك
كأنه شجرة الزقوم( ١٤ )
ولأمر ما أكثر الشعراء من الحديث عن »الاستسقاء « وكيف يعتصر
الجدب الناس I ويهلك مواشيهم وزرعهم I فيفزعون إلى »صلاة الاستسقاء «
ا =عروفة إسلاميا I بل قد تكتب عن عمد في لهجة وثنية( ١٥ ).
وعلى كل فقد تعمد البعض تقد G جوانب »تسجيلية « للحياة السودانية
من غير تزويق I ولعله يجيء في مقدمة هؤلاء الذين اهتموا بهذا الجانب
جعفر حامد البشير ومحمد ا =كي إبراهيم I ومحمد ا =هدي مجذوب I فنحن
ابو تراجى
10-02-2009, 10:47 AM
اقعية
نرى لوحة واقعية بعنوان قرية قمراء:
»دلوكة « في الليل ترتعد
بكت وأرسل شجوه الكمد
مجنونة نفضت أضالعها
وتكاد في أجلادها تقد !
.. ويغص من آهاتها »الشتم «
شحج الرن l يكاد ينقصم
متربص بالرقص يصرعه
ويدق فيه كأنه قدم...
.. في ليلة تختال في القمر
وظلالها يبرقن كالحور
تسري عذارى الحي في نسق
ربذ الخطى متشوف الخفر
.. ساروا وللصبيان تصفيق
والآنسات لهن تحديق
نظر ولا نظر نلوذ به
في كل ومض منه تشويق
.. ومن البخور علت حويات
في أعيني منهن آهات
في دارة لا البؤس يشغلها
درجت عليه ولا ا نيات
.. رقصت مع الأحلام عذراء
وبرقصها للحب أنباء
تكني ونعلم كل خافية
وقلوبنا لهف وإ اء
.. ويهيج بالفتيان »شبال «
والى حنان عبيره مالوا
والسوط يأكل ظهر مبتدر
وجراحه وجد وتسأل
184
الشعر في السودان
وتعارضوا كل بعكاز..
يهوى به ويطير كالبازي
»طمبورهم « في الليل ذو رهج
كالخيل هاج صهيلها غازي
.. وسها ومال بأفقه القمر
وكأنه قد شفه السهر
وتنادت الأوتار في لهف
متعجل والحي منبهر
.. وتفرق السمار أحادا
كل إلى أشواقه عادا
مد ا نام بعاد هاجره
والشوق يحمل طيفه زادا
.. والحي ب l رماله رقدا
والنخل أخضر سعفه وقدا
يتوسد الأطلال نائمة
غفلى تخال سكونها الأبدا
.. وا اء دون الجرف نعسان
شادوفه ا عروق سهران
عبد يوتر جسمه حذرا
يحنيه فوق الجرف إذعان
.. والقرية القمراء كالخبر
ومكانها غبراء في ا در
بدوية مسحورة رقيت
لتفيق من أحلامها الأخر( ١٦ ).
وتأمل قول محمد ا =كي إبراهيم من قصيدة طويلة قدمها على صورة
»سيناريو سينمائي « مليء بالصور ا =تتابعة I وا =تناغمة:
ريحاكم ماسخة عجوز
في بلدي تعطر الهواء با ديح
185
الأساليب الواقعية
روائح الطعام والضيوف من بيوتنا تفوح
والجارة التي يرف بالشباب وجهها الصبوح
... الآن أستطيع أن أراه
قصعة من الحليب زهرة تعيش موسم اللقاح
وت إذا يدركها الصباح( ١٧ )
على أن من الواضح أن هذا الأسلوب قد ركز على ا =فاسد الاجتماعية I
ووقف طويلا عند الفروق الطبقية وبعض القضايا الغيبية I والاصطدام
بالسلطة I والتبشير بالفجر القادم وبصفة عامة فقد عبر صلاح أحمد
إبراهيم عن طريقتهم في الكتابة-من خلال كلامه عن نفسه-على حد ما
نعرف من قوله في غضبة الهبباي:
أركب ا وقف من لا شيء أولج ا عقول في اﻟﻤﺠهول أجمل الحياة
بالرمز
أضيف بوم الليل بالأصداء.
¦لكتي صولجاني الكلمة مقعدي الحكمة جيشي الإصغاء
غابي الأقلام طبلى الطروس أقنعتي الأفعال والحروف والأسماء.
الشعر-شغلي-فكرة وألم وعمل منظم لا حلم
خطة لا صرعة
لا هاتف يهتف في إغماء
.. من قال أني مزين للغانيات-كنزار-إصبعي يسيل بالدهان
والعطر
أعد قصة الوسم باعتناء
أرزح بالقصيدة مثل من ينشل من أعمق بئر في »السباغ « دلو ماء
أفلق هام الصخر كي أنحت فيه سلما يطلع للروعة في بتراء
أنا صلاح الشاعر.. في تواضع جم وفي حب وبانحناء
وبصفة عامة فقد سار في هذا الطريق عدد من الشعراء يجيء في
مقدمتهم محمد ا =كي إبراهيم I وكجراي I وحسن عباس صبحي I وعبد الله
شابو.
وا =لاحظ بصفة عامة أن هذا الجيل لم يتغن بحرارة للعروبة كما تغنى
بها التقليديون والوجدانيون I فقد كانت أحاسيسهم تكاد تكون وقفا على
186
الشعر في السودان
الشعوب التي تناضل بشراسة من أجل حقها I ومن ثم كانت لفتة صلاح
أحمد إبراهيم إلى الجزائر I وكانت لفتة كجراي إلى الجزائر وفلسط _( ١٨ )
ومحمد ا =هدي مجذوب إلى دير ياس I_ وقدموا أكثر من التفاتة إلى مصر I
وفي ضوء هذا كان اهتمام بالدول التي تقاتل بعض uثلي الرأسمالية
كفيتنام I وكان هناك زعيق يجرح الشعر.
ليسقط الحديد
والطائرات السافله
لتنتثر على ثرى الفيتنام
أمام نارها ا قاتله
وليصنع الأعزاء من الحطام
أساورا وحلية لفيتنام( ١٩ )
وبالطبع كان هناك تعاطف مع الشعراء الثوري I_ ومع كل الذين يقفون
إلى جانب الإنسان I على نحو ما فعلوا مع الشاعر »لوركا « وا =ناضلة »شيري
أسكوت ٢٠)« ).. على أن الوقفة العميقة التي شكلت بعمق هذا التيار كانت
الوقفة مع أفريقية I ولقد عبر هذا الطريق من قبل-مبتدئا بالجنوب السوداني-
محمد ا =هدي مجذوب I وقد وجد نفسه متعاطفا مع الزنج عل العرب I فمع
أنه في ديوانه الأول كان يكتفي بعشق الفطرة عند الزنوج I وكان يقول:
ومللت من شعر الأعارب ما به
إلا مهانة شاعر يتقرب
طبل أدق به وما في رجعه
شيء سوى أني أصيح وأصخب
وركبت في صبح الطفولة ناقة
عمر على شرفاتها يترقب
وأناخها فتحطمت مقهورة
فوثبت أحذر مرجلا يتلهب
.. عرب وما سمعوا بسيرة أحمد
وسألت آدم هل أبوهم يعرب
وقفوا على وجه الحضارة زاهيا
وتعوذوا من حسنها وتهيبوا
187
الأساليب الواقعية
جعلوا القصور أثافيا وأراحهم
طلل وتسأل عليه مخيب
فطروا على الجدل العقيم سيوفهم
بكلامهم في مسجد تتوثب
وسلاسل الأنساب حول رقابهم
تروي كما يروي القصيد وتكتب
دقوا شفاه بناتهم لم يشفهم
وسم الشلوخ ولا الخفاض ا رعب
.. كتبي تنام على الرفوف جلودها
عربية وبها القد الأجرب
السوق يوم السبت فاسع لبيعها
وصديقك الحذاء فيها يرغب! ( ٢١ )
وقد كان من الطبيعي أن يلتفتوا إلى أفريقية فهي داخلة في صميم
وجودهم I وهي تعاني uا يعانون I ولقد كانت قضية »اللون « تعذب الكثير
منهم ح _ يحتكون بالعالم الخارجي I لهذا رأينا ما eكن أن يسمى عند
بعضهم »بالرؤيا الأفريقية «
الليلة أفريقيا فتحت دغلا
فتحت دربا
أخذتني بالأحضان
هذا مجد الإنسان
أن يأكل قبل ا دخنة
ويصفر قبل القاطرة
وينام على قلب أخيه الإنسان
أتلمس في الأدغال وفي صحراء البهو معا ها
أتلمس لا ألقي الأحبات مسابحكم
.. سبحان الحكم الطيب فوق مداخل أفريقيا !
وأفريقية عند الكثير فردوس مفقود وعالم من البراءة والنقاء يجب أن
ترفع عنه الأحزان وا =آسي I ولهذا تختلط عند البعض بالشعر I وبالحلم I
وبالفرح القد IG والسعادة ا =ولية I ولهذا فغناؤهم الحار يكون =ا يسمى
188
الشعر في السودان
»أفريقية الأولى « أما أفريقية الآن I فهم من خلال نظرتهم الواقعية لا يغفلون
عن تأخرها I وفساد بعض أنظمتها I وقصورها عن اللحاق بالآخرين I وأكثر
ما تظهر هذه الصورة في تلك القصائد التي كتبها محمد ا =كي إبراهيم
بعنوان »زنزباريات I« وانظر مثلا إلى جزء من قصيدة طويلة بهذا العنوان:
.. ثم تسلق النهار
ربوتنا والدار
خذنا إذن لزنزبار
حيث يظلل البهار
مراقد المحب l وحيت ننتشي
برغوة البحر وبالعنف وبالأشجار
الجذوة الأولى
خذنا إلى الرغوة والعقيق
حيث يغرد البحر ويسكن الخليج
وحيث تستفيق
تحت غلائل السحب-ا عبأة بأنعم الرحيق-
أفريقيا الأولى
.. أيتها العواميد من النعومة السمراء
أيها القباب ا صلتات للريح وللأنواء
أيتها الحقول ا رضعة
أي القوافي أ ا مشيئة مروعه
تخرج من أثدائكن يا نساء
أفريقيا السوداء
يا أمهاتي. يا حبيباتي وأ ا شتاء
لم نطلب الدفء على صدوركن( ٢٢ )
وإذا كان محمد ا =كي إبراهيم قد ذوب السودان في أفريقية في عدد
من قصائده I فان صلاح أحمد إبراهيم قد حاول تذويب أفريقية في السودان I
فهو على حد تعبيره يضع على خدي أفريقيا.. الشلوخ السودانية I وهو يرى
أن حرية بلاده حرية لكل السود:
ا ارد ح l تحرر.. حرر من قهر
189
الأساليب الواقعية
فاطمة البنت السمحة
وأخاها البله-كاليبار-أخاها ا ضطهد الأسود
وهو eد يده فيغترف من الأدب الشعبي هنا وهناك:
أواه.. يا أفريقيا من ليلك ا ديد
تأخر الفجر وكنا على ميعاد
تأخرت فرحتنا بالعيد
لو أننا قذفنا الرب في الدأماء
حل علينا الخصب في موسمه الجديد
لكنه-الرب ا سيخ-عاد
من قبل أن تبلعه الدأماء( ٢٣ )
وبصفة عامة فقد كانت أفريقية عند الكثيرين حلما من أحلام البراءة
والنقاء على حد ما مر بنا بصفة خاصة من شعر محمد ا =كي إبراهيم
وصلاح أحمد إبراهيم ومحمد ا =هدي مجذوب I وفي الوقت نفسه كانت
عند البعض طبولا وعنقا على حد قول مصطفى سند.
الطبل حمى الطبل في رأسي
شراي l تفح بلا انقطاع
.. غنيت للسود الغلاظ وللعبيد وللرعاع.
وبصفة عامة فقد مزجوا »مشكلة الجنوب « Qشكلات أفريقية I وطرحوا
عليها أصواتهم الهامسة والغليظة I وأكثروا من الأحاديث حول أبطالها-وما
أكثر القصائد التي دارت حول لو uبا-وأفراحها-وهي قليلة-وأحزانها-وهي
كثيرة-وبخاصة ح _ كانت مشكلة اللون rس بعضهم I فقد كانوا يتفجرون
بالغضب وبالهياج
إذا كنا قد وقفنا عند الأساليب الواقعية التي تفجرت أساسا من الداخل I
فان الصورة لن تكتمل إلا إذا تعرضنا لهؤلاء الشعراء السوداني _ الذين
تركوا وطنهم وعاشوا في القاهرة على وجه الخصوص I فقد نجح عدد من
الشعراء في تحديد قسمات خاصة بهم من خلال التيارات الواقعية التي
نضجت أساسا على نيران مصرية I ولم تنس في الوقت نفسه الالتفاتة إلى
السودان I ولعله يجيء في مقدمة الذين شكلوا هذا الاتجاه الشاعر حس _
منصور فهو لم يركز على الشكل تركيز الوجداني I_ ذلك لأن تركيزه الواضح
190
الشعر في السودان
كان على الاقتراب من روح الشعب ومن لغته I وعلى ما هو في صالح هذا
الشعب I ولهذا حارب أعداء الشعب البارزين كالإنجليز I وأعداء الشعب من
هؤلاء ا =عوق _ =سيرته I ولهذا اتسعت دوائر نقده I ولم يقف أمره على
السودان وإ ا نراه قد =س أشياء كثيرة في مصر I على نحو ما هو معروف
مثلا من حملته على جماعة أبولو الذين وصف أغلبهم بالغثاثة I وعلي احمد
زكي أبو شادي الذي وصفه بالسماجة I وهو صاحب القصيدة ا =شهورة
التي عارض بها قصيدة شوقي التي قال فيها:
أبولو مرحبا بك يا أبولو
فانك من عكاظ الشعر ظل
لقد قال حس _ منصور:
ألا لا مرحبا بك يا أبولو
فقد بدأت بك الفصحى تشل
أضاف بك المحرر فضل سخف
يضاعف سخفه طول ¦ل
وكان يقال إيجاز مخل
فصار يقال إسهاب مخل
به قلبت حقيقة كل لفظ
وأضحى الشعر لغزا لا يحل
ويبدو أنه كان وراء هذا كراهيته للوجدانية ومن eثلها على نحو ما نرى
من هجومه على أحد أركان هذه الجماعة I فقد قال في شعر إبراهيم
ناجي:
يزهدني في شعر ناجي وفنه
تعابير للدكتور ملتويات
وآهاته اللائى ملئن أنوثة
تسيل وفي آثارها العبرات
قصائده في الحق عندي هياكل
¦ددة شي بها العجلات
به اصبح الديوان شر عيادة
تضيق عن ا رضى بها الصفحات( ٢٤ )
191
الأساليب الواقعية
ولم يسلم من شعره الشاعر أحمد شوقي I بل لم تسلم منه حتى العمارة
في مصر:
ناطحات تهامست في انفراد
في فضاء يطل فوق الفضاء
يبصر ا رء أصلها لم ينسى
لارتقاء العيون بعد ارتقاء
ساءني أن اقرأ أسماء بهلير
ودوبريه..في زوايا البناء
وبصفة عامة فقد كان يرى الأشياء على حقيقتها في السودان وفي
مصر I بل لقد وسع نظرته إلى الواقع الحزين الذي كانت تعيشه كذلك في
هذه الفترة-كما في قصيدة كذبة-العراق I والشام I والحجاز I وقد كانت له
وقفة ذكية عند لغة الضاد I على نحو ما نعرف من قصيدة له جاء فيها:
قياما قياما مع القائم
فلا عيش للنائم الحالم
وهبوا لها إنها فتنة
أثيرت سفاها على العالم
ولست ثن على احمد
ومفتي الديار ولا الجارم( ٢٥ )
إلى أن أرى ثورة حقة
ترد الأصول إلى آدم
وتجمع في القطر أجناسه
على لغة الضاد.. لا الحاكم
وما يهمني منه هنا هو تصويره حياته في مصر في أسلوب مباشر
مبتسم:
قد أراد الله شيئا لم أرده
فرماني في الذي زعزع أمني
في بنسيون ليونانية
أرملة قد مات عنها »خر ني «
192
الشعر في السودان
نصف خياطة لأ أذني
كل يوم بحديث صم أذني
كله شكوى وتكليف به تلزمني
من غيران تلزم حضني
تطلب الخرقاء أن أبحث مهما لها عن ساكن رضى بخن
حجرة مرطوبة مظلمة لؤها الناموس أفواجا يغنى
حسبي الله أماني عمل غير اصطفاقي بيدي صفقة غ ¥
لم أزل اذكرها قائلة تبعث عطفي »يا حبيبي أنت ابني ! «
ويبدو أنه عاشر في مصر تلك الحركات الحاسمة للتجديد في الشعر I
بل لقد قفز على بعض هذه الاتجاهات فقد كتب في عام ١٩٣٤ قصيدة
eكن أن ينطبق عليها مصطلح »قصيدة النثر « كما أن له محاولة في الشعر
الحر عام » ١٩٣٤ والحقيقة التي ينبغي أن تسجل لحس _ منصور باعتباره
رائدا من الرواد الأوائل لحركة الشعر الحر I أنه كان يفهمها حق الفهم I ذلك
لأننا لو رجعنا إلى »سطوره « ولا أقول »أبياته « في القصيدت _ لوجدناه
مدركا لحقيقة ارتباط الجملة الشعرية با =عنى I وبالأداء النفسي ارتباطا
وثيقا I دون اعتبار لطول بعض الفقرات وقصر بعضها الآخر I فهناك uاثلة
للإيقاع مع الفكرة Qعنى أن الإيقاعات ا =وسيقية تساير الانفعالات في
الأبيات فتعلو نغمتها ح _ تشتد هذه الانفعالات I وتخفت حينا ح _ تهدأ I
كذلك استخدم الأسلوب الرمزي الذي يعتمد إلى حد كبير على التعبير
الأسطوري ببراعة في قصيدته الثانية »هأنذا « التي كتبها بعد وصوله إلى
مصر ٢٦)« ) وما نريد أن نؤكده هو أنه عاش ا =ناخ الشعري الذي كان سائدا
في مصر I وأنه جرب-مع من جرب في هذه الفترة-ولكن تجاربه في هذا
اﻟﻤﺠال قاصرة I وضحلة I فهو يخلط ب _ البحور I ولم تهده فطرته إلى البحور
ذات التفاعيل ا =وحدة I و يتعامل بغزارة مع الزحافات والعلل uا يخرجه
rاما عن قضية الإيقاع I بل لقد كان يتجاوز هذا كله إلى نثرية دميمة I
ولنتأمل قصيدة »تشييع « التي لا نراها محاولة رائدة في الشعر الحر I وإ ا
هي شيء خارج rاما عن دائرة الشعر:
إليها
إلى النار
193
الأساليب الواقعية
ولا تخش أو تفرق
فمه بعد أن تحرق
وما هي أقسى من حياة قضيتها
تعالج في أصفادها وتئن
أن l الثكالى أفردت من عميدها
ومن كل ذي قلب لهن يحن
أيها الأخ
كل صحبك
كلهم سروا للخبر
فهو حقا نعمى تسر
و نوا أن يلحقوك سراعا
والى النار أو إلى غيرها
وتنادوا أن لا عذاب على الناس كمر الحياة أو مرها
ما نريد أن نؤكده أنه اقترب بصفة خاصة من الناس ومن الحياة في
القاهرة ومن حركات التجديد.. ( ٢٧ ) I ثم بعد ذلك تعرف مصر خطوات عدد
من الشبان يجيء في مقدمتهم جيلي عبد الرحمن I وتاج السر الحسن I
ومحيى الدين فارس I وحسن صبحي-بالإضافة إلى محمد الفيتوري-الذي
كان يقيم في مصر وقد عاشوا جميعا في الخمسينات I وتعاطفوا مع الواقعية
الاشتراكية بحكم ظروف الفقر التي كانت تحكم حياتهم I وانبهارا بهذا
الاتجاه الذي كان يستهوي الشباب بعد توقف الحرب I فقد كان هؤلاء
الشبان راغب _ في تغيير حياتهم I وفي تغيير ظروف الحياة من حولهم I ومن
ثم رأيناهم يوغلون في هذا الاتجاه على مستويات I فهم جميعا قد أسهموا
في تقد G الواقع الكريه الذي كان يحيط بهم I وهم جميعا قد تغنوا بالعدالة
الاجتماعية I وبانتصارات الشعوب تحت رايات الثورات I وبالأمل في التغيير I
وقد وقف وراءهم بعض النقاد الذين eثلون هذا الاتجاه ( ٢٨ ) مشجع _
ومبشرين بشعر جديد يولد من معاناتهم الحقيقية I فتحملهم =سئولية الشعر
الجديد هو في الوقت نفسه تحمل لأوضاع اجتماعية جديدة I ومعاناتهم
التي لا تنتهي ستؤدي بهم إلى استحداث أشكال فنية جديدة I ولهذا رأيناهم
ينحازون إلى الشكل الجديد بلا تردد I ورأيناهم يبتعدون عن ذاتهم ليلتحموا
194
الشعر في السودان
بالناس و Qشكلاتهم I ومن ثم توالت أعمالهم في زمن موحد تقريبا I وهي
بصفة عامة كانت تغني للكادح _ في كل أنحاء الأرض وتتحدث عن سوء
توزيع الثروة I وتتعاطف مع الشعوب ا =ظلومة وبخاصة الشعوب الأفريقية I
وتقدم الواقع الكريه الذي كان يسيطر على الناس من حولهم.. لقد كانت
نبرتهم عالية في أول الأمر على نحو قول تاج السر في قصيدة ثورة:
وكأني والشعب في ثورة النصر دماء تسقي الربى ا قهوره
وكأن الدماء تكتب للتاريخ حرية القوى ا أسوره
وكأن الثوار قد ظللتهم نفحة من حياة أمس ا ريره
ح l نادى فتى من الشعب: هيا أن ¢ت نبعث الحياة الكبيره
ح l مات الجدود تحت حذاء الظلم تحت الحوافر ا غروره
وكقول محيى الدين فارس:
أني كسرت قواقعي
فالويل للقرصان.. قد سرقت طواياه البعاد مسامعي
وغدا سأطلق للرياح زوابعي
وسأسترد مرابعي
وستستحم جزائري بالنور. بالنغم الشفيف الساطع
فهنا صدى ناعورة تبكي بغير مدامع
وهنا.. هنا سرب الكراكي الجميل الوادع
يختال ب l منابعي
ويعوم في برك ا ياه. يحوم حول مزارعي
الأرض لي.. أني ضمدت جراحها باضعي
وإذا كان هؤلاء الشعراء السودانيون في الخمسينات قد حركوا ركود
القصيدة العربية I وملئوها بالغضب والنار والتمرد I مبتدئ _ ثورتهم من
واقعهم الحزين I فان هذه ا =وجات قد صبت في الغالب في نهر كبير اسمه
أفريقيا( ٢٩ ) صحيح أنهم قدموا لنا الشوارع الخلفية في القاهرة I وأنهم
قدموا جوانب من الريف وا =دينة السودانية I وأنهم توعدوا القراصنة
ومصاصي الدماء I ورجال الخرافة والكهنوتية باسم ا =ظلوم _ الفقراء I إلا
أن هذه الروافد سرعان ما صبت في نهر كبير اسمه أفريقية I فقد أصبحت
أفريقية رمزا لتمزقهم وضياعهم وغليانهم I فقد أصبحت عند الفيتوري
195
ابو تراجى
10-02-2009, 10:48 AM
الشعر في السودان
ا =ضام _ الاجتماعية والسياسية I واتصلوا شعوريا بالأحداث التي كانت
تدور داخل الوطن I وخارج الوطن في عدة دوائر I وفي ضوء هذا يصدق
عليهم القول بأن القصيدة ذاكرة الشعب لا ذاكرة الشاعر I وأن الشاعر
يتأثر أكثر uا يؤثر I ولكن القصيدة ح _ كانت تكتب لم يكن يكتب تاريخها
العربي معها I ذلك لأنه كانت هناك فجوات ثقافية I ولأن هذا التاريخ لم يكن
ضاربا بعمق في الأعماق العربية I ولعلهم استعاضوا عن هذا بالتركيز على
السلاسة والإيقاع I والوزن I وقد ساعدهم هذا على التكرار-وهو ظاهرة
بارزة في الشعر السوداني- I وعدم فصل الصوت عن ا =عنى على نحو ما
نعرف من القافية مثلا عندهم فهي معنى وصوت معا ( ٣٠ ) I وقد eزجون
ب _ الشعر وب _ ما يغنى( ٣١ ) I ويكثرون من أسماء الأصوات ( ٣٢ ) I ونحن نراهم
يستجيبون جسميا ونفسيا لظاهرة الإيقاع I وعندهم القدرة على تحويلها
إلى ظاهرة لغوية-لعل وراء هذا الإيقاع الأفريقي والصوفي-ذلك لأن الإيقاع
ينتظم عندهم الحياة كلها I فهناك إيقاع للعمل I والطبيعة I ولظروف تكوين
الجسم وخفته وصلته بالرقص والغناء.. وبالإضافة إلى إيقاع الحياة من
حولهم هناك إيقاع الفنون التشكيلية والتعبيرية I uا يتصور الإنسان معه
أحيانا أن الوجود من حولهم يتحول إلى »نوتة موسيقية « وأن مهمتهم الحقيقية
هي »العزف « الذي لا يهدأ( ٣٣ ) I وبصفة عامة قد أخذوا من الحياة كثيرا I
فقد أخذوا مفردات I - وجملا I وحكما I وأمثالا I وإيقاعا I لا لأنها تحتوي
على قيم جمالية I ولكن لأنها قبل كل شيء تقدم نبضا حيا I وموجات قصيرة
ترتطم غالبا بالفقر I والحزن I والغربة I والتشوق I وا =وت I والأمل.. وجمالها
في الغالب لا يؤخذ من التراث البلاغي ا =عروف I ولكنه يؤخذ من إيقاع
الحركة وسلاستها I وما أكثر القصائد التي تتحول إلى رقصة الحمامة I أو
قفزة راقصة الباليه I أو ضارب الطبل( ٣٤ ).. فإذا جئنا إلى الصورة في هذا
الشعر الذي يتسم بالواقعية وجدناها تزدهر عن ذي قبل I ذلك لأنهم آمنوا
بالحس الذي يترتب عليه إدراك ا =رئيات I وا =سموعات I وا =ذوقات I
وا =شمومات I وا =لموسات.. . بل أن الأمر يتعدى هذا كله إلى إدراك الثقل
والضغط والاتجاه مثلا I وقد كان من وراء هذا الإحساس ا =فرط بالذات
في مواجهة الذين يعملون على إهانة هذه الذات I فإذا كان فقدان الذات
وراء ضعف الفنون التجسيمية والتجائها إلى ما يسمى »بالأرابسك « عند
197
الأساليب الواقعية
الإنسان العربي بصفة عامة I فان الإنسان السوداني نظرا لأنه واجه بالإضافة
إلى الضغوط ا =عروفة ضغوطا أخرى تتصل بقضية اللون I وجدناه يزهر
داخله الحس التشكيلي I ووجدناه لا يقف عند خلق ا =شهد وإ ا يحركه I
ويحدث فيه ضجة I وهكذا رأيناه في هذه الفترة ذا حس بنائي واضح I
فهولا يعتمد على الزخرفة وإ ا على العناصر الأصلية في ا =شاهد I وإذا
كان كالرسم العربي لا يهتم بالجسد البشري I فانه ركز بصفة خاصة على
كل ما يتحرك في هذا الجسد كالع _ والفم واليد I فهو مع القائل _ بأن
الجمال هو الحركة.. و =ا كانت الحركة غزيرة عند الإنسان السوداني فقد
كان لهذا تأثيره على الشعر عنده I والصورة عنده تبدأ من الصورة البسيطة-
كالتشبيه و rر بالتجسيم I وتنتهي إلى التشخيص ورسم الأ وذج ( ٣٥ ) I وهي
عادة تغص بالألوان الساخنة على نحو ما نرى عند الفيتوري I بل أن الأشياء
قد تتحول إلى ألوان على حد ما نعرف مثلا من شعر محمد ا =هدي
مجذوب( ٣٦ ) I كما أن مفرداتها بسيطة وشائعة وبعيدة عن الحذلقة وفي
الوقت نفسه جريئة وموحية I ومحلقة بجناح _ على الجديد والقد G( ٣٧ ) I
ولعل uا يتصل بهذا اهتمامهم بالدلالة الحركية للألفاظ في الشعر I وإذا
كان قد انبثق عن علم اللغة الحديث علم أصبح يعرف باسم علم الكينات أو
علم الحركة الجسمية I أو لغة الجسم-وهو ما يعرف قد eا باسم الإشارة-
وأنهم قد حددوا حركات الجسم I بحركة تصدر للتأكيد على الكلام-ومن ثم
فهي دائما مصاحبة له-وحركة بيانية إيضاحية ترسم الشيء ا =راد وصفه
أو توضيحه-ومن ثم فقد تحدث وحدها أو تصاحب الكلام-وحركة ذات
دلالة-كضرب كف بكف-وهي الأخرى تحدث وحدها أو تصاحب الكلام
ويفهمها أفراد الشعب الواحد لأنها ترتبط بثقافته.. إذا كان الأمر كذلك
فان هذا يوجد بغزارة في الشعر السوداني( ٣٨ ).
وأخيرا فكما قلنا أن صورهم في الغالب لم تكن للزينة I وإ ا كانت لحم
القصيدة ودمها I و =ا كانت الحياة من حولهم خشنة I وكانوا لا يضعون أنفسهم
في دائرة الوسامة I فإننا نرى هذه الصور rثل واقعهم من الداخل ومن
الخارج I بل انه eكن القول بأنهم كانوا يحسنون تقد G صور الدمامة أكثر
من صور الوسامة I وصور الفقر أكثر من صور الغنى( ٣٩ ) I ولعله كان وراء
ذلك الانفصال ب _ العالم الواقعي وب _ الجمال I بالإضافة إلى أن طغيان
198
الشعر في السودان
هذا النوع من الصور يعتبر من خصائص الشعوب ا =نطوية على نفسها( ٤٠ ) I
وبصفة عامة فالقبح مقبول في الأدب I ذلك لأنه لا يثير عنصر الاشمئزاز I
بقدر ما يقوي عنصر الهزل أو عنصر الرعب I بل أن من ا =لاحظ أن الشيء
الدميم قد يتحول إلى وسامة مطلقة ح _ تتم معالجته بصدق وبواقعية I
وهذا ما حدث عند الشعراء السوداني _. ولعل هذا كان وراء روح السخرية-
وهي تنبع أساسا من الحيوية-في الشعر السوداني( ٤١ ).
وبصفة عامة فان هذا الشعر-موسيقا وصورا-قد أصبحت له خصوصية
داخل الشعر العربي يتكامل بها هذا الشعر I وعلى كل فهذاالشعر-من منطلق
الواقعية الاشتراكية-يتعاطف مع الطبقات الفقيرة I و يعصف Qن وراء هذه
الطبقة I و يعطي أملا دائما للإنسان I و يأخذ أدواته من عالم الناس البسطاء I
ومع أنه لم يغفل التعبير بالرمز وبالأسطورة وبالقناع إلا أنه ينعطف عن
الرموز والأساطير والأقنعة ا =تداولة عا =يا إلى رموز وأساطير وأقنعة خاصة
به I صحيح أنه لم يغفل الرموز والأساطير العا =ية على نحو ما فعل صلاح
أحمد إبراهيم I ولكن عا =ه الحقيقي كان في التراث القومي الخاص به( ٤٢ ) I
بل أننا كثيرا ما نراه يتعامل مع قيم إسلامية كبيرة كقوله:
أعرفهم كأهل بدر شدة ونجدة وطلعة وخلقا
أورث مثل بردة النبي في العرين
العربي حامل السوط ا ثل للجمال
حل على بادية السودان كالخريف
بالسنة والكتاب
وهو يستخدم كلمة »دبايو « Qعنى السلام عليكم في لغة الهدندوة وفي
الوقت نفسه يرفض استغلال الدين باسم أية مقولة:
واعترت الدين قشعريرة استيقظ الضمير من سباته
ورقص الدين على مزمار رأس ا ال.
.. وأخيرا فهناك النماذج الكثيرة التي حفلت بالنثرية I وبالخروج على
الأنساق ا =وسيقية I وصرخت في الوقت نفسه بأنواع مذهبية لم تستطع أن
تصهرها صهرا في العملية الشعرية.. ولكن الذي يطمئن إليه الإنسان أن
الواقعية هي أشبه الأشياء بالإنسان السوداني I فهو لا يستطيع أن يتماسك
rاسك التقليدي I_ وليس مهيئا لهذا العالم الوجداني العذب I كما أن وضوحه
199
الأساليب الواقعية
وتلقيه الأشياء تلقيا واضحا يصرفه إلى حد كبير عن الرمزية I والسريالية..
الخ I فهناك اتجاهات أشبه بالشعوب I وهناك شعوب أشبه ما تكون
بالاتجاهات..
في ضوء هذا eكن القول بأن للشعب السوداني تركيبة عقلية ووجدانية
خاصة به I وقد كان وراء هذا أن الإنسان فيه »منعزل « إلى حد ما I وأنه
يضع في العروبة رجلا ويضع في الزنوجة رجلا I وأنه مرغم على تأصيل
ذاته I وعلى الإحساس بهذه الذات إحساسا مضاعفا ومزدوجا في الوقت
نفسه I وفي ضوء هذا كانت له شخصية تاريخية وجغرافية uيزة ومن ثم
كان من الطبيعي أن تكون لتجربته نوع من الخصوصية والتفرد I فهناك
الشمال العربي I وهناك الجنوب الزنجي I وهناك العديد من اللغات واللهجات I
وهناك ا =ناطق الفقيرة التي تشكو القحط وقلة ا =اء I وهناك الهجرة إلى
الشمال بصفة خاصة لتحس _ أسباب الرزق.. وقد أعطى هذا وغيره تجارب
واقعية جديدة على الأدب العربي( ٤٣ ) والواضح هنا أن الشاعر السوداني مع
أن شعره تفوح منه »نكهة سودانية « إلا أنه نجح في صهر عناصر تجربته
الإقليمية وخرج بها من نطاقها المحدود »وذلك يعني وعي الشاعر الدقيق
لقيمة ا =وضوع الذي يعالجه I ووعيه لطريقة rيزه عن سواه في
ا =عالجة( ..«(٤٤
.. وأخيرا فما نريد أن نؤكده هو أن الشعراء السوداني _ قد أسهموا
إسهاما واضحا في تأكيد ما eكن أن يسمى بالواقعية العربية I فإذا كان من
ا =عروف أن الواقعية النقدية تعترف بالواقع ا =وضوعي وتصفه بفن I وأنها
في الوقت نفسه موقف في الأدب والفن I وان الواقعية الاشتراكية rثل أولا
الانعكاس ا =وضوعي للواقع I و يلتحم فيها ثانيا العنصر النضالي بالعنصر
الشخصي I فان الواقعية العربية eكن تلمسها أولا عند بعض النقاد العرب
الذين يجيء في مقدمتهم الآمدي الذي يرى أنها الطريقة التي يخبر فيها
بالشيء »على ما هو عليه I« و eكن تلمسها عند كثير من ا =بدع _ من
الشعراء الذين يجيء في مقدمتهم الشعراء السودانيون.
200
الشعر في السودان
201
ا ؤلف في سطور:
د.عبده بدوي
* حصل على الدكتوراه Qرتبة الشرف الأولى في اللغة العربية وآدابها
من جامعة القاهرة عام ١٩٦٩ .
* عمل في اﻟﻤﺠلات التي تصدر عن وزارة الثقافة سكرتير تحرير I
ومدير تحرير I ورئيس تحرير I وكانت له أبواب ثابتة في العديد من اﻟﻤﺠلات
مثل: نهضة أفريقية I والرسالة I والثقافة I والشعر.
* عمل بالتدريس في جامعة أم درمان بجمهورية السودان I ثم ع _ في
جامعة ع _ شمس I ثم أعير منها عام ١٩٧٧ لقسم اللغة العربية بكلية الآداب
والتربية بجامعة الكويت.. وفي الوقت نفسه يرأس تحرير مجلة الشعر التي
تصدر منذ ست سنوات.
* له عشرة أعمال شعرية توجت بالحصول على جائزة الدولة في الشعر I
وبالحصول عل وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى.. كما أن له سبعة
عشر مؤلف نال آخرها جائزة
البحث العلمي لأعضاء هيئة
التدريس بجامعة ع _ شمس.
* عضو من أربعة عشر
عاما في اﻟﻤﺠلس الأعلى
للفنون والآداب I واﻟﻤﺠلس
الأعلى للشئون الإسلامية I
وجمعية الأدباء بجمهورية
مصر العربية.
* مثل بلاده في العديد
من مهرجانات الشعر
ومؤ rرات الأدباء داخل
العالم العربي وخارجه.
* من دواوينه: شعبي
ا =نتصر I باقة نور I لا مكان
للقمر I الحب وا =وت I كلمات
دور المشروعات العامة
خضر حسن الفضل
10-02-2009, 06:51 PM
شكراً أبو تراجى علي إختيارك لهذه الدُرر
فقد قمت من خلال هـذه المكتـبة بتعريفنا بدكتور عبـده بـدوي .
و كتابـه الذي أتحفنا بهذا التحليل الوافي للشعر السوداني وعلاقته بالواقعية العـربـية .
ابو تراجى
11-20-2009, 09:58 AM
مشكور استاذنا خضر على المرور
ونامل من الجميع المشاركة والاطلاع
allarinja
11-20-2009, 10:45 AM
الشكر للشيخ والأخ أبوتراجي
علي وضع هذا الكتاب في متناول أيدينا
حول الشعر السوداني .....
فلك كل الشكر والتقدير ________
أما بخصوص المكتبة الشاملة التي أود
من الجميع المشاركة فيها فهي
مجرد روابط لبرامج الكمبيوتر
ابو تراجى
12-21-2009, 12:15 PM
الشعر الجاهلى
الإهداء
إلى حضرة صاحب الدولة :
عبد الخالق ثروت باشا
سيدي صاحب الدولة
كنتُ قبل اليوم أكتبُ في السياسة ، وكنتُ أجد في ذكرك والإشادة بفضلك ، راحة نفس تحب الحق ، ورضا ضمير يحب الوفاء .
وقد انصرفتُ عن السياسة وفرغتُ للجامعة وإذا أنا أراك في مجلسها كما كنتُ أراك من قبل ، قويّ الروح ، ذكي القلب ، بعيد النظر ، موفقا في تأييد المصالح العلمية توفيقك في تأييد المصالح السياسية .
فهل تأذن لي أن أقدم إليك هذا الكتاب مع التحية الخالصة والإجلال العظيم ؟
طه حسين
22 مارس سنة 1926 م
" 1 "
ابو تراجى
12-21-2009, 12:17 PM
تمهيد
هذا نحو من البحث عن تاريخ الشعر العربي جديد ، لم يألفه الناس عندنا من قبل . وأكاد أثق بأن فريقا منهم سيلقونه ساخطين عليه ، وبأن فريقا آخر سيزورون عنه ازورارا . ولكني على سخط أولئك وازورار هؤلاء أريد أن أذيع هذا البحث ، أو بعبارة أصح أريد أن أقيده ، فقد أذعته قبل اليوم حين تحدثت به إلى طلابي في الجامعة . وليس سرا ما تتحدث به إلى أكثر من مائتين .
ولقد اقتنعت بنتائج هذا البحث اقتناعا ما أعرف أني شعرت بمثله في تلك المواقف المختلفة التي وقفتها من تاريخ الأدب العربي . وهذا الاقتناع القوي هو الذي يحملني على تقييد هذا البحث ونشره في هذه الفصول ، غير حافل بسخط الساخط ولا مكترث بازورار المزور . وأنا مطمئن إلى أن هذا البحث وإن أسخط قوما وشق على آخرين ، فسيرضى هذه الطائفة القليلة من المستنيرين الذين هم في حقيقة الأمر عدة المستقبل وقوام النهضة الحديثة وذخر الأدب الجديد .
ولقد تناول الناس منذ حين مسألة القديم والجديد ، واشتد فيها اللجاج بينهم ، وخيل إلى بعضهم أن المختصين أنفسهم لم يتناولوا المسألة من جميع أطرافها ، فهم لم يكادوا يتجاوزون فنون الأدب التي يتعاطاها الناس من نثر وشعر ، والأساليب التي تصطنع في هذه الفنون والمعاني ، والألفاظ التي يعمد إليها الكاتب أو الشاعر حين يريد أن يتحدث إلى الناس بعواطف نفسه أو نتائج عقله . ولكن للمسألة وجها آخر لا يتناول الفن الكتابي أو الشعري ، وإنما يتناول البحث العلمي عن الأدب وتاريخ فنونه .
نحن بين اثنين : إما أن نقبل في الأدب وتاريخه ما قال القدماء ، لا نتناول ذلك من النقد إلا بهذا المقدار اليسير الذي لا يخلو منه كل بحث والذي يتيح لنا أن نقول : أخطأ الأصمعي أو أصاب ، ووفق أبو عبيدة أو لم يوفق ، واهتدى الكسائي أو ضل الطريق ، وإما أن نضع علم المتقدمين كله موضع بحث . لقد أنسيت ، فلست أريد أن أقول البحث وإنما أريد أن أقول الشك . أريد ألا نقبل شيئا مما قال القدماء في الأدب وتاريخه ألا بعد بحث وتثبت إن لم ينتهيا إلى اليقين فقد ينتهيان إلى الرجحان .
والفرق بين هذين المذهبين في البحث عظيم ، فهو الفرق بين الإيمان الذي يبعث على الاطمئنان والرضا ، والشك الذي يبعث على القلق والاضطراب وينتهي في الكثير من الأحيان إلى الإنكار والجحود .
المذهب الأول يدع كل شيء حيث تركه القدماء لا يناله بتغيير ولا تبديل ولا يمسه في جملته وتفصيله إلا مسا رفيقا . أما المذهب الثاني فيقلب العلم القديم رأسا على عقب . وأخشى إن لم يمح أكثره أن يمحو منه شيئا كثيرا .
ولندع هذا النحو من الكلام العام ولنوضح ما نريد أن نقوله بشيء من الأمثلة :
بين يدينا مسألة الشعر الجاهلي نريد أن ندرسها وننتهي فيها إلى الحق . فأما أنصار القديم فالطريق أمامهم واضحة معبدة ، والأمر عليهم سهل يسير . أليس قد أجمع القدماء من علماء الأمصار في العراق والشام وفارس ومصر والأندلس على أن طائفة كثيرة من الشعراء قد عاشت قبل الإسلام وقالت كثيرا من الشعر ؟ أليس قد أجمع هؤلاء العلماء أنفسهم على أن لهؤلاء الشعراء أسماء معروفة محفوظة مضبوطة يتناقلها الناس ولا يكادون يختلفون فيها ؟ أليس قد أجمع هؤلاء العلماء على أن لهؤلاء الشعراء مقدارا من القصائد والمقطوعات حفظه عنهم رواتهم وتناقله عنهم الناس ، حتى جاء عصر التدوين فدون في الكتب وبقى منه ما شاء الله أن يبقى إلى أيامنا ؟ وإذا كان العلماء قد اجمعوا على هذا كله فرووا لنا أسماء الشعراء وضبطوها ونقلوا إلينا آثار الشعراء وفسروها ، فلم يبق إلا أن تأخذ عنهم ما قالوا راضين به مطمئنين إليه . فإذا لم يكن لأحدنا يد من أن يبحث وينقد ويحقق فهو يستطيع هذا دون أن يجاوز مذهب أنصار القديم . فالعلماء قد اختلفوا في الرواية بعض الاختلاف وتفاوتوا في الضبط بعض التفاوت . فلتوازن بينهم ولنرجح رواية على رواية ولنؤثر ضبطا على ضبط ، ولنقل : أصاب البصريون أخطأ الكوفيون ، أو وفق المبرد ولم يوفق ثعلب . لنذهب في الأدب وفنونه مذهب الفقهاء في الفقه بعد أن أغلق باب الاجتهاد : هذا مذهب أنصار القديم ، وهو المذهب الذائع في مصر ، وهو المذهب الرسمي أيضا ، مضت عليه مدارس الحكومة وكتبها ومنهجها على ما بينها من تفاوت واختلاف .
ولا ينبغي أن تخدعك هذه الألفاظ المستحدثة في الأدب ، ولا هذا النحو من التأليف الذي يقسم التاريخ الأدبي إلى عصور ، ويحاول أن يدخل فيه شيئا من الترتيب والتنظيم ؛ فذلك كله عناية بالقشور والأشكال لا يمس اللباب ولا الموضوع . فما زال العرب ينقسمون إلى بائدة وباقية ، وإلى عاربة ومستعربة . وما زال أولئك من جرهم ، وهؤلاء من ولد إسماعيل . وما زال امرؤ القيس صاحب " قفا نبك ... " وطرفة صاحب " لخولة أطلال ... " وعمر بن كلثوم صاحب " ألا هبي ... " ، وما زال كلام العرب في جاهليتها وإسلامها ينقسم إلى شعر ونثر . والنثر ينقسم إلى مرسل ومسجوع ، إلى آخر هذا الكلام الكثير الذي يفرغه أنصار القديم فيما يضعون من كتب وما يلقون على التلاميذ والطلاب من دروس .
هم لم يغيروا في الأدب شيئا . وما كان لهم أن يغيروا فيه شيئا وقد أخذوا أنفسهم بالاطمئنان إلى ما قال القدماء وأغلقوا على أنفسهم في الأدب باب الاجتهاد كما أغلقه الفقهاء في الفقه والمتكلمون في الكلام .
وأما أنصار الجديد ، فالطريق أمامهم معوجة ملتوية ، تقوم فيها عقاب لا تكاد تحصى . وهم لا يكادون يمضون إلا في أناة وريث هما إلى البطء أقرب منهما إلى السرعة . ذلك أنهم لا يأخذون أنفسهم بإيمان
ابو تراجى
12-21-2009, 12:17 PM
ولا اطمئنان ، أو هم لم يرزقوا هذا الإيمان والاطمئنان . فقد خلق الله لهم عقولا تجد من الشك لذة وفي القلق والاضطراب رضا . وهم لا يريدون أن يخطوا في تاريخ خطوة حتى يتبينوا موضعها . وسواء عليهم وافقوا القدماء وأنصار القديم أم كان بينهم وبينهم أشد الخلاف .
هم لا يطمئنون إلى ما قال القدماء ، وإنما يلقونه بالتحفظ والشك . ولعل أشد ما يملكهم الشك حين يجدون من القدماء ثقة واطمئنانا . هم يريدون أن يدرسوا مسألة الشعر الجاهلي فيتجاهلون إجماع القدماء على ما اجمعوا عليه ، ويتساءلون : أهناك شعر جاهلي ؟ فإن كان هناك شعر جاهلي فما السبيل إلى معرفته ؟ وما هو ؟ وما مقداره ؟ وبم تميز من غيره ؟ ويمضون في طائفة من الأسئلة يحتاج حلها إلى روية وأناة وإلى جهود الجماعات العلمية لا إلى جهود الأفراد . هم لا يعرفون أن العرب ينقسمون إلى باقية وبائدة ، وعاربة ومستعربة ، ولا أن أولئك من جرهم ، وهؤلاء من ولد إسماعيل ، ولا أن امرأ القيس وطرفة وابن كلثوم قالوا هذه المطولات ، ولكنهم يعرفون أن القدماء كانوا يرون ذلك . ويريدون أن يتبينوا أكان القدماء مصيبين أم مخطئين ؟
والنتائج اللازمة لهذا المذهب الذي يذهبه المجددون عظيمة جليلة الخطر ، فهي إلى الثورة الأدبية أقرب منها إلى أي شيء آخر . وحسبك أنهم يشكون فيما كان الناس يرونه يقينا ، وقد يجحدون ما أجمع الناس على أنه حق لا شك فيه .
وليس حظ هذا المذهب منتهيا عند هذا الحد ، بل هو يجاوزه إلى حدود أخرى أبعد منه مدى وأعظم أثرا . فهم قد ينتهون إلى تغيير التاريخ أو ما اتفق الناس على أنه تاريخ . وهم قد ينتهون إلى الشك في أشياء لم يكن يباح الشك فيها . وهم بين اثنين : إما أن يجحدوا أنفسهم ويجحدوا العلم وحقوقه فيريحوا ويستريحوا ؛ وإما أن يعرفوا لأنفسهم حقها ويؤدوا للعلم واجبه ، فيعترضوا لما ينبغي أن يتعرض له العلماء من الأذى ويحتملوا ما ينبغي أن يتعرض له العلماء من سخط الساخطين .
ولست أزعم أني من العلماء . ولست أتمدح بأني أحب أن أتعرض للأذى . وربما كان الحق أني أحب الحياة الهادئة المطمئنة وأرد أن أتذوق لذات العيش في دعة ورضا . ولكني مع ذلك أحب أن أفكر ، وأحب أن أبحث ، وأحب أن أعلن إلى الناس ما انتهى إليه بعد البحث والتفكير ؛ ولا أكره أن آخذ نصيبي من رضا الناس عني أو سخطهم على حين أعلن إليهم ما يحبون أو ما يكرهون . وإذن فلأعتمد على الله ، ولأحدثك بما أحب أحدثك به في صراحة وأمانة وصدق ، ولأجتنب في هذا الحديث هذه الطرق التي يسلكها المهرة من الكتاب ليدخلوا على الناس ما لم يألفوا في رفق وأناة وشيء من الاحتياط كثير .
وأول شيء أفجؤك به في هذا الحديث هو أني شككت في قيمة الشعر الجاهلي وألححت في الشك ، أو قل ألح عليّ الشك ، فأخذت أبحث أفكر وأقرأ وأتدبر ، حتى انتهى بي هذا كله إلى شيء إلا يكن يقينا فهو قريب من اليقين . ذلك أن الكثرة المطلقة مما نسميه شعرا جاهليا ليست من الجاهلية في شيء ، وإنما هي منتحلة مختلقة بعد ظهور الإسلام ، فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم وأهواءهم أكثر مما تمثل حياة الجاهليين . وأكاد لا أشك في أن ما بقى من الشعر الجاهلي الصحيح قليل جدا لا يمثل شيئا ولا يدل على أي شيء ، ولا ينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصورة الأدبية الصحيحة لهذا العصر الجاهلي . وأنا أقدر النتائج الخطرة لهذه النتيجة ، ولكني مع ذلك لا أتردد في إثباتها وإذاعتها ، ولا أضعف عن أن أعلن إليك وإلى غيرك من القراء أن ما تقرؤه على أنه شعر امرئ القيس أو طرفة أو ابن كلثوم أو عنترة ليس من هؤلاء الناس في شيء ؛ وإنما هو انتحال الرواة أو اختلاق الأعراب أو صنعة النحاة أو تكلف القصاص أو اختراع المفسرين والمحدثين والمتكلمين .
وأنا أزعم مع هذا كله أن العصر الجاهلي القريب من الإسلام لم يضع ، وأنا نستطيع أن نتصوره تصورا واضحا قويا صحيحا . ولكن بشرط ألا نعتمد على الشعر ، بل على القرآن من ناحية ، والتاريخ والأساطير من ناحية أخرى .
وستسألني كيف انتهى بي البحث إلى هذه النظرية الخطرة ؟ ولست أكره أن أجيبك على هذا السؤال ؛ بل أنا لا أكتب ما أكتب إلا لأجيبك عليه . ولأجل أن أجيبك عليه إجابة مقنعة يجب أن أتحدث إليك في طائفة مختلفة من المسائل . وسترى أن هذه الطائفة المختلفة من المسائل تنتهي كلها إلى نتيجة واحدة هي هذه النظرية التي ذكرتها منذ حين . يجب أن أحدثك عن الحياة السياسية الداخلية للأمة العربية بعد ظهور الإسلام ووقوف حركة الفتح ، وما بين هذه الحياة وبين الشعر من صلة . ويجب أن أحدثك عن حال أولئك الناس الذين غلبوا على أمرهم بعد الفتح في بلاد الفرس وفي الشام والجزيرة والعراق ومصر ، وما بين هذه الحال وبين لغة العرب وآدابهم من صلة . ويجب أن أحدثك عن نشأة العلوم الدينية واللغوية وما بينها وبين اللغة والأدب من صلة . ثم يجب أن أحدثك عن اليهود في بلاد العرب قبل الإسلام وبعده ، وما بين اليهود هؤلاء وبين الأدب العربي من صلة . ويجب أن أحدثك بعد هذا عن المسيحية وما كان لها من الانتشار في بلاد العرب قبل الإسلام وما أحدثت من تأثير في حياة العرب العقلية والاجتماعية والاقتصادية والأدبية ، وما بين هذا كله وبين الأدب العربي والشعر العربي من صلة . ثم يجب أن أحدثك عن مؤثرات سياسية خارجية عملت في حياة العرب قبل الإسلام وكان لها أثر قوي جدا في الشعر العربي الجاهلي وفي الشعر العربي الذي انتحل وأضيف إلى الجاهليين . وهذه المباحث التي أشرت إليها ستنتهي كلها إلى تلك النظرية التي قدمتها : وهي أن الكثرة المطلقة مما نسميه الشعر الجاهلي ليست من الشعر الجاهلي في شيء .
ولكني مع ذلك لن أقف عند هذه المباحث ؛ لأني لم أقف عندها فيما بيني وبين نفسي بل جاوزتها . وأريد أن أجاوزها معك إلى نحو آخر من البحث أظنه أقوى دلالة وأنهض حجة من المباحث الماضية كلها ، ذلك هو البحث الفني واللغوي . فسينتهي بنا هذا البحث إلى أن هذا الشعر الذي ينسب إلى امرئ القيس أو إلى الأعشى أو إلى غيرهما من الشعراء الجاهليين لا يمكن من الوجهة اللغوية والفنية أن يكون لهؤلاء الشعراء ، ولا أن يكون قد قيل وأذيع قبل أن يظهر القرآن . نعم
! وسينتهي بنا هذا المبحث إلى نتيجة غريبة ، وهي أنه لا ينبغي أن يستشهد بهذا الشعر على تفسير القرآن وتأويل الحديث ، وإنما ينبغي أن يستشهد بالقرآن والحديث على تفسير هذا الشعر وتأويله ، أريد أن أقول إن هذه الأشعار لا تثبت شيئا ولا تدل على شيء ولا ينبغي أن تتخذ وسيلة إلى ما اتخذت إليه من علم بالقرآن والحديث . فهي إنما تكلفت واخترعت اختراعا ليستشهد بها العلماء على ما كانوا يريدون أن يستشهدوا عليه .
فإذا انتهينا من هذه الطرق كلها إلى غاية واحدة هي هذه النظرية التي قدمتها ، فسنجتهد في أن نبحث عما يمكن أن يكون شعرا جاهليا حقا . وأنا أعترف منذ الآن بأن هذا البحث عسير كل العسر ، وبأني أشك شكا شديدا في أنه قد ينتهي بنا إلى نتيجة مرضية . ومع ذلك فسنحاوله .
ابو تراجى
12-21-2009, 12:18 PM
" 2 "
منهج البحث
أحب أن أكون واضحا جليا وأن أقول للناس ما أريد أن أقول دون أن اضطرهم إلى أن يتأولوا ويذهبوا مذاهب مختلفة في النقد والتفسير والكشف عن الأغراض التي أرمي إليها . أريد أن أريح الناس من هذا اللون من ألوان التعب ، وأن أريح نفسي من الرد والدفع والمناقشة فيما لا يحتاج إلى مناقشة . أريد أن أقول إني سأسلك في هذا النحو من البحث مسلك المحدثين من أصحاب العلم والفلسفة فيما تناولون من العلم والفلسفة . أريد أن اصطنع في الأدب هذا المنهج الفلسفي الذي استحدثه (ديكارت) للبحث عن حقائق الأشياء في أول هذا العصر الحديث . والناس جميعا يعلمون أن القاعدة الأساسية لهذا المنهج هي أن يتجرد الباحث من كل شيء كان يعلمه من قبل ، وأن يستقبل موضوع بحثه خالي الذهن مما قيل فيه خلوا تاما , والناس جميعا يعلمون أن هذا المنهج الذي سخط عليه أنصار القديم في الدين والفلسفة يوم ظهر ، قد كان من أخصب المناهج وأقومها وأحسنها أثرا ، وأنه قد جدد العلم والفلسفة تحديدا ، وأنه غير مذاهب الأدباء في أدبهم والفنانين في فنونهم ، وأنه هو الطابع الذي يمتاز به هذا العصر الحديث .
فلنصطنع هذا المنهج حن نريد أن نتناول أدبنا العربي القديم تاريخه بالبحث والاستقصاء . ولنستقبل هذا الأدب وتاريخه وقد برأنا أنفسنا من كل ما قيل فيهما من قبل وخلصنا من كل هذه الأغلال الكثيرة التي تأخذ أيدينا وأرجلنا ورؤوسنا فتحول بيننا وبين الحركة الجسمية الحرة أيضا .
نعم
! يجب حين نستقبل البحث عن الأدب العربي وتاريخه أن ننسى قوميتنا وكل مشخصاتها ، وأن ننسى ديننا وكل ما يتصل به ، وأن ننسى ما يضاد هذه القومية وما يضاد هذا الدين ؛ يجب ألا نتقيد بشيء ولا نذعن لشيء إلا مناهج البحث العلمي الصحيح . ذلك أنـّا إذا لم ننس قوميتنا وديننا وما يتصل بهما فسنضطر إلى المحاباة وإرضاء العواطف ، وسنغل عقولنا بما يلائم هذه القومية وهذا الدين . وهل فعل القدماء غير هذا ؟ وهل أفسد علم القدماء شيء غير هذا ؟ كان القدماء عربا يتعصبون للعرب ، أو كانوا عجما يتعصبون على العرب ؛ فلم يبرأ علمهم من الفساد ؛ لأن المتعصبين للعرب غلوا في تمجيدهم وإكبارهم فأسرفوا على أنفسهم وعلى العلم ؛ ولأن المتعصبين على العرب غلوا في تحقيرهم وإصغارهم فأسرفوا على أنفسهم وعلى العلم أيضا .
كان القدماء مسلمين مخلصين في حب الإسلام ، فأخضعوا كل شيء لهذا الإسلام وحبهم إياه ، ولم يعرضوا لمبحث علمي ولا لفصل من فصول الأدب أو لون من ألوان الفن إلا من حيث أنه يؤيد الإسلام ويعزه ويعلي كلمته . فما لاءم مذهبهم هذا أخذوه ، وما نافره انصرفوا عنه انصرافا . أو كان القدماء غير المسلمين : يهوداً أو نصارى أو مجوسا أو ملحدين أو مسلمين في قلوبهم مرض وفي نفوسهم زيغ ، فتأثروا في حياتهم العلمية بمثل ما تأثر به المسلمون الصادقون : تعصبوا على الإسلام ونحوا في بحثهم العلمي نحو الغض منه والتصغير من شأنه ، فظلموا أنفسهم وظلموا الإسلام وأفسدوا العلم وجنوا على الأجيال المقبلة . ولو أن القدماء استطاعوا أن يفرقوا بين عقولهم وقلوبهم وأن يتناولوا العلم على نحو ما يتناوله المحدثون لا يتأثرون في ذلك بقومية ولا عصبية ولا دين ولا ما يتصل بهذا كله من الأهواء ، لتركوا لنا أدبا غير الأدب الذي نجده بين أيدينا ، ولأراحونا من هذا العناء الذي نتكلفه الآن . ولكن هذه طبيعة الإنسان لا سبيل إلى التخلص منها . وأنت تستطيع أن تقول هذا الذي نقوله في كل شيء . فلو أن الفلاسفة ذهبوا في الفلسفة مذهب (ديكارت) منذ العصور الأولى ، لما احتاج (ديكارت) إلى أن يستحدث منهجه الجديد . ولو أن المؤرخين ذهبوا في كتابة منذ العصور الأولى مذهب (سينيو بوس) لما احتاج (سينيو بوس) إلى أن يستحدث منهجه في التاريخ . وبعبارة أدنى إلى الإيجاز : لو أن الإنسان خلق كاملا لما احتاج إلى أن يطمع في الكمال .
فلندع لوم القدماء على ما تأثروا به في حياتهم العلمية مما أفسد عليهم العلم . ولنجتهد في ألا نتأثر كما تأثروا وفي ألا نفسد العلم كما أفسدوه . لنجتهد في أن ندرس الأدب العربي غير حافلين بتمجيد العرب أو الغض منهم ، ولا مكترثين بنصر الإسلام أو النعي عليه ، ولا معنيين بالملاءمة بينه وبين نتائج البحث العلمي والأدبي ، ولا وجلين حين ينتهي بنا هذا البحث إلا ما تأباه القومية أو تنفر منه الأهواء السياسية أو تكرهه العاطفة الدينية . فإن نحن حررنا أنفسنا إلى هذا الحد فليس من شك في أننا سنصل ببحثنا العلمي إلى نتائج لم يصل إلى مثلها القدماء . وليس من شك في أننا سنلتقي أصدقاء سواء اتفقنا في الرأي أو اختلفنا فيه . فما كان اختلاف الرأي في العلم سببا من أسباب البغض ؛ إنما الأهواء والعواطف هي التي تنتهي بالناس إلى ما يفسد عليهم الحياة من البغض والعداء .
فأنت ترى أن منهج (ديكارت) هذا ليس خصبا في العلم والفلسفة والأدب فحسب ، وإنما هو خصب في الأخلاق والحياة الاجتماعية أيضا . وأنت ترى أن الأخذ بهذا المنهج ليس حتما على الذين يدرسون العلم ويكتبون فيه وحدهم ، بل هو حتم على الذين يقرءون أيضا . وأنت ترى أني غير مسرف حين أطلب منذ الآن إلى الذين لا يستطيعون أن يبرءوا من القديم ويخلصوا من أغلال العواطف والأهواء حين يقرءون العلم أو يكتبون فيه ألا يقرءوا هذه الفصول . فلن تفيدهم قراءتها إلا أن يكونوا أحرارا حقا .
ابو تراجى
12-21-2009, 12:19 PM
" 3 "
مرآة الحياة الجاهلية يجب أن تلتمس
في القرآن لا في الشعر الجاهلي
على أني أحب أن يطمئن الذين يكلفون بالأدب العربي القديم ويشفقون عليه ويجدون شيئا من اللذة في أن يعتقدوا أن هناك شعرا جاهليا يمثل حياة جاهلية انقضى عصرها بظهور الإسلام ؛ فلن يمحو هذا الكتاب ما يعتقدون ، ولن يقطع السبيل بينهم وبين هذه الحياة الجاهلية يدرسونها ويجدون في درسها ما يبتغون من لذة علمية وفنية . بل أنا ذاهب إلى أبعد من هذا ، فأزعم أني سأكتشف لهم طريقا جديدة واضحة قصيرة سهلة يصلون منها إلى هذه الحياة الجاهلية ، أو بعبارة أصح : يصلون منها إلى حياة جاهلية لم يعرفوها ، إلى جاهلية قيمة مشرفة ممتعة مخالفة كل المخالفة لهذه الحياة التي يجدونها في المطولات وغيرها مما ينسب إلى الشعراء الجاهليين .
ذلك أني لا أنكر الحياة الجاهلية وإنما أنكر أن يمثلها هذا الشعر الذي يسمونه الشعر الجاهلي . فإذا أردت أن أدرس الحياة الجاهلية فلست أسلك إليها طريق امرئ القيس والنابغة والأعشى وزهير ، لأني لا أثق بما ينسب إليهم ؛ وإنما أسلك إليها طريقا أخرى ، وأدرسها في نص لا سبيل إلى الشك في صحته ، أدرسها في القرآن . فالقرآن أصدق مرآة للعصر الجاهلي . ونص القرآن ثابت لا سبيل إلى الشك فيه . أدرسها في القرآن ، وأدرسها في شعر هؤلاء الشعراء الذين عاصروا النبي وجادلوه ، وفي شعر الشعراء الآخرين الذين جاءوا بعده ولم تكن نفوسهم قد طابت عن الآراء والحياة التي ألفها آباؤهم قبل ظهور الإسلام . بل أدرسها في الشعر الأموي نفسه . فلست أعرف أمة من الأمم القديمة استمسكت بمذهب المحافظة في الأدب ولم تجدد فيه إلا بمقدار كالأمة العربية . فحياة العرب الجاهليين ظاهرة في شعر الفرزدق وجرير وذي الرمة والأخطل والراعي أكثر من ظهورها في هذا الشعر الذي ينسب إلى طرفة وعنترة والشماخ وبشر بن أبي حازم .
قلت : أن القرآن أصدق مرآة للحياة الجاهلية . وهذه القضية غريبة حين تسمعها ؛ ولكنها بديهية حين تفكر فيها قليلا . فليس من اليسير أن نفهم الناس قد أعجبوا بالقرآن حين تليت عليهم آياته إلا أن تكون بينهم وبينه صلة هي هذه الصلة التي توجد بين الأثر الفني البديع وبين الذين يعجبون به حين يسمعونه أو ينظرون إليه . وليس من اليسير أن نفهم أن العرب قد قاوموا القرآن وناهضوه وجادلوا النبي فيه إلا أن يكونوا قد فهموه ووقفوا على أسراره ودقائقه . وليس من اليسير بل ليس من الممكن أن نصدق أن القرآن كان جديدا كله على العرب . فلو كان كذلك لما فهموه ولا وعوه ، ولا آمن به بعضهم ولا ناهضه وجادل فيه بعضهم الآخر . إنما كان القرآن جديدا في أسلوب ، جديدا فيما يدعو إليه ، جديدا فيما شرع للناس من دين وقانون ، ولكنه كان كتابا عربيا ؛ لغته هي اللغة العربية الأدبية التي كان يصطنعها الناس في عصره ، أي في العصر الجاهلي . وفي القرآن رد على الوثنيين فيما كانوا يعتقدون من الوثنية ، وفيه رد على اليهود ، وفيه رد على النصارى ، وفيه رد على الصائبة والمجوس . وهو لا يرد على يهود فلسطين ، ولا على نصارى الروم ، ومجوس الفرس ، وصائبة الجزيرة وحدهم ، وإنما يرد على فرق من العرب كانت تمثلهم في البلاد العربية نفسها . ولولا ذلك لما كانت له قيمة ولا خطر ، ولما حفل به أحد من أولئك الذين عارضوه وأيدوه ، وضحوا في سبيل تأييده ومعارضته بالأموال والحياة .
أفترى أحدا يحفل بي لو أني أخذت أهاجم البوذية أو غيرها من هذه الديانات التي لا يدينها أحد في مصر ؟ ولكني أغيظ النصارى حين أهاجم النصرانية ، وأهيج اليهود حين أهاجم اليهودية ، وأُحفظ المسلمين حين أهاجم الإسلام . وأنا لا أكاد أعرض لواحد من هذه الأديان حتى أجد مقاومة الأفراد ثم الجماعات ، ثم مقاوم الدولة نفسها تمثلها النيابة والقضاء . ذلك لأني أهاج ديانات ممثلة في مصر يؤمن بها المصريون وتحميها الدولة المصرية . وكذلك كانت الحال حين ظهر الإسلام : هاجم الوثنية فعارضوه الوثنيون ، هاجم اليهود فعارضه اليهود ، هاجم النصارى فعارضه النصارى , ولم تكن هذه المعارضة هينة ولا لينة ، وإنما كانت تقدر بمقدار ما كان لأهلها من قوة ومنعة وبأس في الحياة الاجتماعية والسياسية . فأما وثنية قريش فقد أخرجت النبي من مكة ونصبت له الحرب واضطرت أصحابه إلى الهجرة . وأما يهودية اليهود فقد ألبت عليه وجاهدته جهادا عقليا وجدليا ، ثم انتهت إلى الحرب والقتال . وأما نصرانية النصارى فلم تكن معارضتها للإسلام إبان حياة النبي قوية قوة المعارضة الوثنية واليهودية . لماذا ؟ لأن البيئة التي ظهر فيها النبي لم تكن بيئة نصرانية ، إنما كانت وثنية في مكة ، يهودية في المدينة . ولو ظهر النبي في الحيرة أو في نجران للقى من النصارى هاتين المدينتين مثل ما لقى من مشركي مكة ويهود المدينة .
وفي الحق أن الإسلام لم يكد يظهر على مشركي الحجاز ويهوده حتى استحال الجهاد بينه وبين النصارى من جدال ونضال بالحجة إلى اصطدام مسلح ، أدرك النبي أوله وانتهى به الخلفاء إلى أقصى حدوده .
فأنت ترى أن القرآن حيث يتحدث عن الوثنيين واليهود والنصارى وغيرهم من أصحاب النحل والديانات إنما يتحدث عن العرب وعن نحل ديانات ألفها العرب . فهو يبطل منها ما يبطل ، ويؤيد منها ما يؤيد . وهو يلقى في ذلك من المعارضة والتأييد بمقدار ما لهذه النحل والديانات من السلطان على نفوس الناس . وإذن فما أبعد الفراق بين نتيجة البحث عن الحياة الجاهلية في هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين والبحث عنها في القرآن
!
فأما هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين فيظهر لنا حياة غامضة جافة بريئة أو كالبريئة ومن الشعور الديني القوى والعاطفة الدينية المتسلطة على النفس والمسيطرة على الحياة العملية ؛ وإلا فأين تجد شيئا من هذا في شعر امرئ القيس أو طرفة أو عنترة
! أو ليس عجبا أن يعجز الشعر الجاهلي كله عن تصوير الحياة الدينية للجاهليين
! .
وأما القرآن فيمثل لنا شيئا آخر ، يمثل لنا حياة دينية قوية تدعو أهلها إلى أن يجادلوا عنها ما وسعهم الجدال . فإذا رأوا أنه قد أصبح قليل الغناء لجأوا إلى الكيد ، ثم إلى الاضطهاد ، ثم إلى إعلان الحرب التي لا تبقى ولا تذر .
فتظن أن قريشا كانت تكيد لأبنائها وتضطهدهم وتذيقهم ألوان العذاب ثم تخرجهم من ديارهم ثم تنصب لهم الحرب وتضحي في سبيلها بثروتها وقوتها وحياتها لو لم يكن لها من الدين ل ما يمثله هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين ؟ كلا ! كانت قريش متدينة قوية الايمان بدينها . ولهذا الدين وللايمان بهذا الدين جاهدت ما جاهدت وضحت ما ضحت . وقل مثل ذلك في اليهود ؛ وقل مثله في غير أولئك وهؤلاء من العرب الذي جاهدوا النبي عن دينهم .
فالقرآن إذن أصدق تمثيلا للحياة الدينية عند العرب من هذا الشعر الذي يسمونه الجاهلي . ولكن القرآن لا يمثل الحياة الدينية وحدها ؛ وإنما يمثل شيئا آخر غيرها لا نجده في هذا الشعر الجاهلي ، يمثل حياة عقلية قوية ، يمثل قدرة على الجدال والخصام أنفق القرآن في جهادها حظا عظيما . أليس لبقرآن قد وصف أولئك الذين كانوا يجادلون النبي بقوة الجدال والقدرة على الخصام والشدة في المحاورة ! وفيم كانوا يجادلون ويخاصمون ويحاورون ؟ في الدين وفيما يتصل بالدين من هذه المسائل المعضلة التي ينفق الفلاسفة فيها حياتهم دون ان يوفقوا الى حلها : في البعث ، في الخلق ، في امكان الاتصال بين الله و الناس ، في المعجزة وما إلى ذلك .
أفتظن قوما يجادلون في هذه الاشياء جدالا يصفه القرآن بالقوة ويشهد لأصحابه بالمهارة ، أفتظن هؤلاء القوم من الجهل والغباوة والغلظة والخشونة بحيث يمثلهم لنا هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين ! كلا ! لم يكونوا جهالا ولا أغبياء ولا غلاظا ولا أصحاب حياة خشنة جافية ؛ وإنما كانوا أصحاب علم وذكاء وأصحاب عواطف رقيقة وعيش فيه لين ونعمة .
ابو تراجى
12-21-2009, 12:20 PM
ومهما يجب أن نحتاط ، فلم يكن العرب كلهم كذلك ؛ وإنما كانوا كغيرهم من الأمم القديمة وككثير من الأمم الحديثة منقسمين إلى طبقتين : طبقة المستنيرين الذي يمتازون بالثروة والجاه والذكاء والعلم ، وطبقة العامة الذين لا يكاد يكون لهم من هذا كله حظ .
القرآن شاهد بهذا . أليس يحدثنا عن أولئك المستضعفين الذين كفروا طاعة لسادتهم وزعمائهم لا جهادا في الرأي ولا اقتناعا بالحق ، والذين سيقولون يوم يسألون : (ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا) . بلى ! والقرآن يحدثنا عن جفوة الأعراب وغلظتهم وامعانهم في الكفر والنفاق وقلة حظهم من العاطفة الرقيقة التي تحمل الإيمان والتدين . أليس هو الذي يقول : (الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله) . أليس قد شرع للنبي أن يتألف قلوب الأعراب بالمال ! بلى . فالقرآن إذن يمثل الأمة العربية على أنها كغيرها من الأمم القديمة ، فيها الممتازون المستنيرون الذين كان النبي يجادلهم ويجاهدهم ؛ وفيها العامة الذين لم يكن لهم حظ من استنارة أو امتياز والذين كانوا موضوع النزاع بين النبي بالمال أحيانا .
والقرآن لا يمثل الأمة العربية متدينة مستنيرة فحسب ، بل هو يعطينا منها صورة أخرى يدهش لها الذين تعودوا أن يعتمدوا على هذا الشعر الجاهلي في درس الحياة العربية قبل الاسلام ، فهم يعتقدون أن العرب كانوا قبل الاسلام أمة معتزلة تعيش في صحرائها لا تعرف العالم الخارجي ولا يعرفها العالم الخارجي ، وهم يبنون على هذا قضايا ونظريات ، فهم يقولون إن الشعر الجاهلي لم يتأثر بهذه المؤثرات الخاجية التي أثرت بالشعر الإسلامي : لم يتأثر بحضارة الفرس والروم . وأنى له ذلك ! لقد كان يقال في صحراء لا صلة بينها وبين الأمم المتحضرة . كلا ! القرآن يحدثنا بشيء غيرهذا ، القرآن يحدثنا بأن العرب كانوا على اتصال بما حولهم من الأمم بل كانوا على اتصال قوي قسمهم احزابا وفرقهم شيعا . أليس القرآن يحدثنا عن الروم وما كان بينهم وبين الفرس من حرب انقسمت فيها العرب إلى حزبين مختلفين : حزب يشايع أولئك ، وحزب يناصر هؤلاء ! أليس في القرآن سورة تسمى الروم وتبتدئ بهذه الايات : (آلم غابت الروم في أدنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء) .
لم يكن العرب إذن كما يظن أصحاب هذا الشعر الجاهلي معتزلين ؛ فأنت ترى أن القرآن يصف عنايتهم بسياسة الروم والفرس . وهو يصف اتصالهم الاقتصادي بغيرهم من الأمم في السورة المعروفة (لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ..) وكانت إحدى هاتين الرحلتين إلى الشام حيث الروم ، والأخرى إلى اليمن حيث الحبشة أو الفرس .
وسيرة النبي تحدثنا أن العرب تجاوزوا بوغاز باب المندب إلى بلاد الحبشة . ألم يهاجر المهاجرون الأولون إلى هذه البلاد ! وهذه السيرة نفسها تحدثنا بأنهم تجاوزوا الشام وفلسطين إلى مصر . فلم يكونوا إذن معتزلين ، ولم يكونوا إذن بنجوة من تأثير الفرس والروم والحبش والهند وغيرهم من الأمم المجاورة لهم . لم يكونوا غير دين ولم يكونوا جهالا ولا غلاظا ولم يكونوا في عزلة سياسية أو اقتصادية بالقياس إلى الأمم الأخرى ، كذلك يمثلهم القرآن .
وإذا كانوا أصحاب علم ودين ، وأصحاب ثروة وقوة وبأس ، وأصحاب سياسة متصلة بالسياسة العامة متأثرة بها مؤثرة فيها ، فما أخلقهم أن يكونوا أمة متحضرة راقية لا أمة جاهلة همجية . وكيف يستطيع رجل عاقل أن يصدق أن القرآن قد ظهر في أمة جاهلية همجية !
أرأيت أن التماس الحياة العربية الجاهلية في القرآن أنفع وأجدى من التماسها في هذا الشعر العقيم الذي يسمونه الجاهلي ! أرأيت أن هذا النحو من البحث يغير كل التغيير ما تعودنا أن نعرف من أمر الجاهليين !
ابو تراجى
12-21-2009, 12:21 PM
4 "
الشعر الجاهلي واللغة
على أن هناك شيئا آخر يحظر علينا التسليم بصحة الكثرة المطلقة من هذا الشعر الجاهلي ، ولعله أبلغ في اثبات ما نذهب اليه . فهذا الشعر الذي رأينا أنه لا يمثل الحياة الدينية والعقلية للعرب الجاهليين بعيد كل البعد على أن يمثل اللغة العربية في العصر الذي يزعم الرواة أنه قيل فيه والأمر هنا يحتاج إلى شيء من الروية والأناة . فنحن إذا ذكرنا اللغة العربية نريد بها معناها الدقيق المحدود الذي نجده في المعاجم حين نبحث فيها عن لفظ اللغة ما معناه ، نريد بها الألفاظ من حيث هي ألفاظ تدل على معانيها ، تستعمل حقيقة مرة ومجازا مرة أخرى ، وتتطور تطورا ملائما لمقتضيات الحياة التي يحياها أصحاب هذه اللغة .
نقول أن هذا الشعر الجاهلي لا يمثل اللغة الجاهلية . ولنجتهد في تعرف اللغة الجاهلية هذه ما هي ، أو ماذا كانت في العصر الذي يزعم الرواة أن شعرهم الجاهلي هذا قد قيل فيه . أما الرأي الذي اتفق عليه الرواة أو كادوا يتفقون عليه فهو أن العرب ينقسمون إلى قسمين : قحطانية منازلهم الأولى في اليمن ، وعدنانية منازلهم الأولى في الحجاز .
وهم متفقون على أن القحطانية عرب منذ خلقهم الله فطروا على العربية فهم العاربة ، وعلى أن العدنانية قد اكتسبوا العربية اكتسابا ، كانوا يتكلمون لغة أخرى هي العبرانية أو الكلدانية ، ثم تعلموا لغة العرب العاربة فمحت لغتهم الأولى من صدورهم وثبتت فيها هذه اللغة الثانية المستعارة . وهم متفقون على أن هذه العدنانية المستعربة إنما يتصل نسبهم باسماعيل بن ابراهيم . وهم يروون حديثا يتخذونه أساسا لكل هذه النظرية ، خلاصته أن أول من تكلم بالعربية ونسى لغة أبيه اسماعيل بن ابراهيم .
على هذا كله يتفق الرواة ، ولكنهم يتفقون على شيء آخر أيضا أثبته البحث الحديث ، وهو أن هناك خلافا قويا بين لغة حمير (وهي العرب العاربة) ولغة عدنان (وهي العرب المستعربة) . وقد روى عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقول : ما لسان حمير بلساننا ولا لغتهم بلغتنا .
وفي الحق أن البحث الحديث قد أثبت خلافا جوهريا بين اللغة التي كان يصطنعها الناس في جنوب البلاد العربية ، واللغة التي كانوا يصطنعونها في شمال هذا البلاد . ولدينا الآن نقوش ونصوص تمكننا من اثبات هذا الخلاف في اللفظ وفي قواعد النحو والتصريف أيضا . وإذن فلابد من حل هذه المسألة .
إذا كان أبناء اسماعيل قد تعلموا العربية من أولئك العرب الذين نسميهم العاربة فكيف بعد ما بين اللغة التي كان يصطنعها العرب العاربة واللغة التي كان يصطنعها العرب المستعربة ، حتى استطاع أبو عمرو بن العلاء أن يقول إنهما لغتان متمايزتان ، واستطاع العلماء المحدثون أن يثبتوا هذا التمايز بالأدلة التي لا تقبل شكا ولا جدالا ! والأمر لا يقف عند هذا الحد ، فواضح جدا لكل من له المام بالبحث التاريخي عامة وبدرس الأساطير والأقاصيص خاصة أن هذه النظرية متكلفة مصطنعة في عصور متأخرة دعت إليها حاجة دينية أو اقتصادية أو سياسية .
للتوراة أن تحدثنا عن ابراهيم واسماعيل ، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا ، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لاثبات وجودهما التاريخي ، فضلا عن اثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة اسماعيل بن ابراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة فيها . ونحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة نوعا من الحيلة في اثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة ، وبين الإسلام واليهودية والقرآن والتوراة من جهة أخرى . وأقدم عصر يمكن أن تكون قد نشأت فيه هذه الفكرة إنما هو هذا العصر الذي أخذ اليهود يستوطنون فيه شمال البلاد العربية ويثبتون فيه المستعمرات . فنحن نعلم أن حروبا عنيفة شبت بين هؤلاء اليهود المستعمرين وبين العرب الذين كانوا يقيمون في هذه البلاد ، وانتهت بشيء من المسالمة والملاينة ونوع من المحالفة والمهادنة . فليس يبعد أن يكون هذا الصلح الذي استقر بين المغيرين وأصحاب البلاد منشأ هذه القصة التي تجعل العرب واليهود أبناء أعمام ، لا سيما وقد رأى أولئك وهؤلاء أن بين الفريقين شيئا من التشابه غير قليل ؛ فأولئك وهؤلاء ساميون .
ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن ظهور الإسلام وما كان من الخصومة العنيفة بينه وبين وثنية العرب من غير أهل الكتاب ، قد اقتضى أن تثبت الصلة الوثيقة بين الدين الجديد وبين الديانتين القديمتين : ديانة النصارى واليهود .
فأما الصلة الدينية فثابتة واضحة ، فبين القرآن والتوراة والأناجيل اشتراك في الموضوع والصورة والغرض ، كلها ترمي إلى التوحيد ، وتعتمد على أساس واحد هو هذا الذي تشترك فيه الديانات السماوية السامية . ولكن هذه الصلة الدينية معنوية وعقلية يحسن أن تؤيدها صلى أخرى مادية ملموسة أو كالملموسة بين العرب وبين أهل الكتاب .
فما الذي يمنع أن تستغل هذه القصة قصة القرابة المادية بين العرب العدنانية واليهود ؟
وقد كانت قريش مستعدة كل الاستعداد لقبول مثل هذه الأسطورة في القرن السابع للمسيح فقد كانت أول هذا القرن قد انتهت إلى حظ من من النهضة السياسية والاقتصادية ضمن لها السيادة في مكة وماحولها وبسط سلطانها المعنوي على جزء غير قليل من العربية الوثنية . وكان مصدر هذه النهضة وهذا السلطان أمرين : التجارة من جهة ، والدين من جهة أخرى .
فأما التجارة فنحن نعلم أن قريشا كانت تصطنعها في الشام ومصر وبلاد الفرس واليمن وبلاد الحبشة .
وأما الدين فهذه الكعبة التي كانت تجتمع حولها قريش ويحج اليها العرب المشركون في كل عام ، والتي أخذت تبسط على نفوس هؤلاء العرب المشركين نوعا من السلطان قويا ، والتي أخذ هؤلاء العرب المشركون يجعلون منها رمزا لدين قوي كأنه كان يريد أن يقف في سبيل انتشار اليهودية والمسيحية من ناحية أخرى . فنحن نلمح في الأساطير أن شيئا من المنافسة الدينية كان قائما بين مكة ونجران . ونحن نلمح في الأساطير أيضا أن هذه المنافسة الدينية بين مكة وبين الكنيسة التي أنشأها الحبشة في صنعاء هي التي دعت إلى حرب الفيل التي ذكرت في القرآن .
فقريش إذن كانت في هذا العصر ناهضة نهضة مادية تجارية ، ونهضة دينية وثنية . وهي بحكم هاتين النهضتين كانت تحاول أن توجد في البلاد العربية وحدة سياسية وثنية مستقلة تقاوم تدخل الروم والفرس والحبشة ودياناتهم في البلاد العربية .
وإذا كان هذا حقا – ونحن نعتقد أنه حق – فمن المعقول جدا أن تبحث هذه المدينة الجديدة لنفسها عن أصل تاريخي قديم يتصل بالأصول التاريخية الماجدة التي تتحدث عنها الأساطير . وإذن فليس ما يمنع قريشا من أن تقبل هذه الأسطورة التي تفيد أن الكعبة من تأسيس اسماعيل وابراهيم ، كما قبلت روما قبل ذلك ولأسباب مشابهة أسطورة أخرى صنعها لها اليونان تثبت أن روما متصلة باينياس ابن بريام صاحب طروادة .
أمر هذه القصة إذن واضح . فهي حديثة العهد ظهرت قبيل الإسلام واستغلها الإسلام لسبب ديني ، وقبلتها مكة لسبب ديني وسياسي أيضا ، وإذن فيستطيع التاريخ الأدبي واللغوي ألا يحفل بها عند ما يريد أن يعترف أصل اللغة العريبة الفصحى . وإذن فنستطيع أن نقول أن الصلة بين اللغة العربية الفصحى التي كانت تتكلمها العدنانية واللغة التي أنت تتكلمها القحطانية في اليمن إنما هي كالصلة بين اللغة العربية وأي لغة أخرى من اللغات السامية المعروفة ، وإن قصة العاربة والمستعربة وتعلم اسماعيل العربية من جرهم ، كل ذلك حديث أساطير لا خطر له ولا غناء فيه .
والنتيجة لهذا البحث كله تردنا إلى الموضوع الذي أبتدأنا به منذ حين ، وهو أن هذا الشعر الذي يسمونه الجاهلي لا يمثل اللغة الجاهلية ولا يمكن أن يكون صحيحا . ذلك لأننا نجد بين هؤلاء الشعراء الذين يضيفون إليهم شيئا كثيرا من الشعر الجاهلي قوما ينتسبون إلى عرب اليمن إلى هذه القحطانية العاربة التي كانت تتكلم لغة غير لغة القرآن ، والتي كان يقول عنها أبو عمرو بن العلاء : إن لغتها مخالفة للغة العرب ، والتي أثبت البحث الحديث ، أن لها لغة أخرى غير اللغة العربية .
ولكننا حين نقرأ الشعر الذي يضاف إلى شعراء هذه القحطانية في الجاهلية لا نجد فرقا قليلا ولا كثيرا بينه وبين شعر العدنانية . نستغفر الله ! بل نحن لا نجد فرقا بين لغة هذا الشعر ولغة القرآن . فكيف يمكن فهم ذلك أو تأويله ؟ أمر ذلك يسير ، وهو أن هذا الشعر الذي يضاف إلى القحطانية قبل الإسلام ليس من القحطانية في شيء ، لم يقله شعراؤها وإنما حمل عليهم بعد الإسلام لأسباب مختلفة سنبينها حين نعرض لهذه الأسباب التي دعت إلى انتحال الشعر الجاهلي في الإسلام .
ابو تراجى
12-21-2009, 12:22 PM
" 5 "
الشعر الجاهلي واللهجات
على أن الأمر يتجاوز هذا الشعر الجاهلي القحطاني إلى الشعر الجاهلي العدناني نفسه . فالرواة يحدثونا أن الشعر تنقل في قبائل عدنان ، كان في ربيعة ثم انتقل إلى قيس ثم إلى تميم . فظل فيها إلى ما بعد الإسلام أي إلى أيام بني أمية حين نبغ الفرزدق وجرير .
ونحن لا نستطيع أن نقبل هذا النوع من الكلام إلا باسمين ، لأننا لا نعرف ما ربيعة وما قيس وما تميم معرفة علمية صحيحة ، أي لأننا ننكر أو نشك على أقل تقدير شكا قويا في قيمة هذه الأسماء التي تسمى بها القبائل ، وفي قيمة الأنساب التي تصل بين الشعراء وبين أسماء هذه القبائل ؛ ونعتقد أو نرجح أن هذا كله أقرب إلى الأساطير منه إلى العلم اليقين .
ولكن مسألة النسب وقيمته مسألة لا تعنينا الآن . فلندعها إلى حيث نعرض لها إذا اقتضت مباحث هذا الكتاب أن نعرض . وقد بينا رأينا فيها بيانا مجملا في "ذكرى أبي العلاء" . إنما المسالة التي تعنينا الآن وتحملنا على الشك في قيمة هذه النظرية (نظرية تنقل الشعر في قبائل عدنان قبل الإسلام) مسالة فنية خالصة . فالرواة مجمعون على أن قبائل عدنان لم تكن متحدة اللغة ولا متفقة اللهجة قبل أن يظهر الإسلام فيقارب بين اللغات المختلفة ويزيل كثيرا من تباين اللهجات . وكان من المعقول أن تختلف لغات العرب العدنانية وتتباين لهجاتهم قبل ظهور الإسلام . ولا سيما إذا صحت النظرية التي أشرنا إليها آنفا وهي نظرية العزلة العربية ، وثبت أن العرب كانوا متقاطعين متنابذين ، وأنه لم يكن بينهم من أسباب المواصلات المادية والمعنوية ما يمكن من توحيد اللهجات .
فإذا صح هذا كله ، كان من المعقول جدا أن تكون لكل قبيلة من هذه القبائل العدنانية لغتها ولهجتها ومذهبها في الكلام ، وأن يظهر اختلاف اللغات وتباين اللهجات في شعر هذه القبائل الذي قيل قبل أن يفرض القران على العرب لغة واحدة ولهجات متقاربة . ولكننا لا نرى شيئا من ذلك في الشعر العربي الجاهلي . فأنت تستطيع أن تقرأ هذه المطولات أو المعلقات التي يتخذها أنصار القديم نموذجا للشعر الجاهلي الصحيح ، فسترى أن فيها مطولة لامرئ القيس وهو من كندة أي من قحطان ، وأخرى لزهير ، وأخرى لعنترة ، وثالثة للبيد ، وكلهم من قيس ، ثم قصيدة لطرفة ، وقصيدة لعمرو بن كلثوم ، وقصيدة أخرى للحارث بن حلزة وكلهم من ربيعة .
تستطيع أن تقرأ هذه القصائد السبع دون ان تشعر فيها بشيء يشبه أن يكون اختلافا في اللهجة او تباعدا في اللغة أو تباينا في مذهب الكلام . البحر العروضي هو هو ، وقواعد القافية هي هي ، والألفاظ مستعملة في معانيها كما نجدها عند شعراء المسلمين ، والمذهب الشعري هو هو .
كل شيء في هذه المطولات يدل على أن اختلاف القبائل لم يؤثر في شعر الشعراء تاثيرا ما . فنحن بين اثنتين : إما أن نؤمن بأنه لم يكن هناك اختلاف بين القبائل العربية من عدنان وقحطان في اللغة ولا في اللهجة ولا في المذهب الكلامي ؛ وإما أن نعترف بأن هذا الشعر لم يصدر من هذه القبائل وإنما حمل عليها حملا بعد الإسلام . ونحن إلى الثانية أميل منا إلى الأولى . فالبرهان القاطع قائم على اختلاف اللغة واللهجة كان حقيقة واقعة بالقياس إلى عدنان وقحطان ، يعترف القدماء انفسهم بذلك كما رأيت أبا عمرو بن العلاء ، ويثبته البحث الحديث .
وهناك شيء بعيد الأثر لو أن لدينا أو لدى غيرنا من الوقت ما يمكننا من استقصائه وتفصيل القول فيه ، وهو أن القرآن الذي تلي بلغة واحدة ولهجة واحدة هي لغة قريش ولهجتها لم يكد يتناوله القراء من القبائل المختلفة حتى كثرت قراءاته وتعددت اللهجات فيه وتباينت تباينا كثيرا ، جد القراء والعلماء المتأخرون في ضبطه وتحقيقه وأقاموا له علما أو علوما خاصة . ولسنا نشير هنا إلى هذه القراءات التي تختلف فيما بينها اختلافا كثيرا في ضبط الحركات سواء أكانت حركات بنية أو حركات إعراب . لسنا نشير إلى اختلاف القراء في نصب " الطير " في الآية : (يا جبال أوبي معه والطير) أو رفعها ، ، ولا في اختلافهم في ضم الفاء أو فتحها في الآية : (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) ولا في اختلافهم في ضم الحاء أو كسرها في الآية : (وقالوا حجرا محجورا) ولا إلى اختلافهم في بناء الفعل للمجهول أو للمعلوم في الآية : (غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون) .
لا نشير إلى هذا النحو من اختلاف الروايات في القرآن فتلك مسالة معضلة نعرض لها ولما ينشا عنها من النتائج إذا أتيح أن ندرس تاريخ القرآن . إنما نشير إلى اختلاف آخر في القراءات يقبله العقل ، ويسبغه النقل ، وتقتضيه ضرورة اختلاف اللهجات بين قبائل العرب التي لم تستطع أن تغير حناجرها وألسنتها وشفاهها لتقرأ القرآن كما كان يتلوه النبي وعشيرته من قريش ، فقرأته كما كانت تتكلم ، فأمالت حيث لم تكن تميل قريش ، ومدت حيث لم تكن تمد ، وقصرت حيث لم تكن تقصر ، وسكنت حيث لم تكن تسكن ، وأدغمت أو أخفت ونقلت حيث لم تكن تدغم ولا تخفي ولا تنقل . فهذا النوع من اختلاف اللهجات له أثره الطبيعي اللازم في الشعر في أوزانه وتقاطيعه وبحوره وقوافيه بوجه عام .
ولسنا نستطيع أن نفهم كيف استقامت أوزان الشعر وبحوره وقوافيه كما دونها الخليل لقبائل العرب كلها على ما كان بينها من تباين اللغات ، واختلاف اللهجات . وإذا لم يكن نظم القرآن ، وهو ليس شعرا ولا مقيدا بما يتقيد به الشعر ، قد استطاع أن يستقيم في الأداء لهذه القبائل ، فكيف استطاع الشعر ، وهو مقيد بما تعلم من القيود ، أن يستقيم لها ! وكيف لم تحدث هذه اللهجات المتباينة آثارها في وزن الشعر وتقطيعه الموسيقي ، أي كيف لم توجد صلة واضحة ، بين هذه الاختلاف في اللهجة ويبن الأوزان الشعرية التي كانت تصطنعها القبائل ؟
ستقول : ولكن اختلاف اللهجات كان قائما بعد القرآن ، وليس من شك في أن قبائل العرب على اختلافها قد تعاطت الشعر بعد الإسلام ولم يظهر فيه اختلاف اللهجات ، فكما استقامت بحوره وأوزانه على هذا الاختلاف بعد الإسلام ، فليس ما يمنع أن تكون قد استقامت عليه في العصر الجاهلي .
ولست أنكر أن اختلاف اللهجات كان حقيقة واقعة بعد الإسلام . ولست أنكر أن الشعر قد استقام للقبائل كلها رغم هذا الاختلاف . ولكني أظن أنك تنسى شيئا يحسن ألا تنساه ، وهو أن القبائل بعد الإسلام قد اتخذت للأدب لغة غير لغتها ، ، وتقيدت في الأدب بقيود لم تكن لتتقيد بها لو كتبت أو شعرت في لغتها الخاصة ، أي أن الإسلام قد فرض على العرب جميعا لغة عامة واحدة هي لغة قريش . فليس غريبا أن تقييد هذه القبائل بهذه اللغة الجديدة في شعرها ونثرها في أدبها بوجه عام فلم يكن التميمي أو القيسي حين يقول الشعر في الإسلام يقوله بلغة تميم او قيس ولهجتها . ومثل ذلك واضح في غير اللغة العربية من اللغات القديمة والحديثة . وكان للدوريين من اليونان شعرهم الدوري وأوزانهم الدورية ، وكان لليونيين شعرهم اليوني وأوزانهم اليونية . ثم لما ظهرت أثينا على البلاد اليونانية عامة ذاع الشعر اليوني والأوزان اليونية والنثر الأتيكي ، وأصبح الدوريون إذا نظموا أو نثروا يصطنعون ما كان يصطنع في أثينا من مناهج النظم والنثر ، ويصطنعون اللغة اليونية التي هذبها مذهب الأثنيين في الكلام ، فهم كانوا يعدلون عن لغاتهم وأوزانهم وأساليبهم . وكذلك فعل العرب بعد الإسلام : عدلوا في لغتهم الأبدية عن كل ما كانت تمتاز به لغتهم ولهجتهم الخاصة إلى لغة القرآن ولهجتها . والأمر كذلك في الأمم الحديثة ذات الأقاليم المتنائية . والأطراف المتباعدة والتكوين الجنسي المعقد . ولست أضرب لذلك إلا مثلا واحدا حيا هو مثل فرنسا . ففي فرنسا إلى جانب اللغة الفرنسية لغات إقليمية لها نحوها ولها قوامها الخاص ولها شعرها ؛ ومع ذلك فأهل الأقاليم إذا أرادوا أن يظهروا آثارا أدبية أو علمية قيمة يعدلون عن لغتهم الإقليمية إلى اللغة الفرنسية . وقليل جدا من بينهم من يذهب مذهب (ميسترال) فيكتب في لغته الإقليمية الخاصة .
وأنا أشعر بالحاجة إلى أن أضرب مثلا آخر قد يدهش له الذين يدرسون الأدب العربي ؛ لأنهم لم يتعودوا مثله من الباحثين عن تاريخ الأدب . ذلك أن في لغتنا المصرية العصرية لهجات مختلفة وأنحاء متباينة من أنحاء القول ، فلأهل مصر العليا لهجاتهم ، ولأهل مصر الوسطى لهجاتهم ، ولأهل القاهرة لهجاتهم ، ولأهل مصرالسفلى لهجاتهم . وهناك اتفاق مطرد بين هذه اللهجات وبين ما للمصريين من شعر في لغتهم العامية ، فأهل مصر العليا يصطنعون أوزانا لا يصطنعها أهل القاهرة ولا أهل الدلتا ، وهؤلاء يصطنعون أوزانا لا يصطنعها أهل مصر العليا . وهذا ملائم لطبيعة الأشياء . فما كان للشعر أن يخرج عما ألف أصحابة من لغة ولهجة في الكلام . ومع هذا كله فنحن حين ننظم للشعر الأدبي أو نكتب النثر الأدبي والعلمي نعدل عن لغتنا ولهجتنا الإقليمية إلى هذه اللغة واللهجة التي عدل إليها العرب بعد الإسلام وهي لغة قريش ولهحة قريش ، أي لغة القرآن ولهجته .
* * * * *
فالمسألة إذن هي أن نعلم : أسادت لغة قريش ولهجتها في البلاد العربية ، واخضعت العرب لسلطانها في الشعر والنثر قبل الإسلام أم بعده؟ أما نحن فنتوسط ونقول : إنها سادت قبل الإسلام حين عظم شأن قريش وحين أخذت مكة تستحيل إلى وحدة سياسية مستقلة مقاومة للسياسة الأجنبية التي كانت تتسلط على أطراف البلاد العربية . ولكن سيادة لغة قريش قبيل الإسلام لم تكن شيئا يذكر ولم تكد تتجاوز الحجاز . فلما جاء الإسلام عمت هذه السيادة و سار سلطان اللغة واللهجة مع السلطان الديني جنبا لجنب . وإذن فنحن إذا استطعنا أن نفسر اتفاق اللغة واللهجة في شعر . أولئك الذين عاصروا النبي من أهل الحجاز ، فلن نستطيع أن نفسره في شعر الذين لم يعاصروه أو لم يحاوروه .
ولندع هذه المسألة الفنية الدقيقة التي نعترف بأنها في حاجة إلى تفصيل وتحقيق أوسع وأشمل مما يسمح لنا به المقام في هذا الفصل إلى مسألة أخرى ليست أقل منها طرا ، وإن كان أنصار القديم سيجدون في فهمها شيئا من العسر والمشقة ؛ لأنهم لم يتعودوا مثل هذه الريبة في البحث العلمي . وهي أنا نلاحظ أن العلماء قد اتخذوا هذه الشعر الجاهلي مادة للاستشهاد على ألفاظ القرآن والحديث ونحوهما ومذاهبهما الكلامية . ومن الغريب أنهم لا يكادون يجدون في ذلك مشقة ولا عسرا ، حتى إنك لتحس كأن هذا الشعر الجاهلي إنما قـُدّ على قـَدّ القرآن والحديث كما يقد الثوب على قد لابسه لا يزيد ولاينقص عما أراد طولا وسعة . إذن فنحن نجهر بأن هذا ليس من طبيعة الأشياء ، وأن هذه الدقة في الموازاة بين القرآن والحديث والشعر الجاهلي لا ينبغي أن تحمل على الاطمئنان إلا الذين رزقوا حظا من السذاجة لم يتح لنا مثله . إنما يجب أن تحملنا هذه الدقة والموازاة على الشك والحيرة وعلى أن نسأل أنفسنا : أليس ممكن ألا تكون هذه الدقة في الموازاة نتيجة من نتائج المصادفة ، وإنما هي شيء تكلف وطلب وانفق فيه أصحابه بياض الأيام وسواد الليالي ؟ يجب أن نكون على حظ عظيم جدا من السذاجة لنصدق أن فلانا أقبل على ابن عباس وقد أعد له طائفة من المسائل تتجاوز المائتين حول لغة القرآن فأخذ يلقي عليه المسألة فإذا أجاب عليه سأله : وهل تعرف العرب ذلك في أشعارها ؟ فيقول : نعم ! قال امرؤ القيس أو قال عنترة أو قال غيرهما من الشعراء . . .
ابو تراجى
12-21-2009, 12:23 PM
وينشد بيتا لا تشك إن كنت من أهل الفقه في أنه إنما وضع ليثبت صحة اللفظ الذي يستشهد عليه من ألفاظ القرآن !
وهنا نمس أمرا من هذه الأمور التي سيغضب لها أنصار الأدب القديم ، ولكننا سنمضي في طريقنا كما بدأنا لا مواربين ولا مخادعين :
أليس من الممكن أن تكون قصة ابن عباس ونافع بن الأزرق قد وضعت في تكلف وتصنع لغرض من هذه الأغراض المختلفة التي كانت تدعو إلى وضع الكلام وانتحاله ، لإتبات أن ألفاظ القرآن كلها مطابقة للفصيح من لغة العرب ، أو لإثبات ان عبدالله بن عباس كان من أقدر الناس على تأويل القرآن وتفسيره ومن أحفظهم لكلام العرب الجاهليين ؟ وأنت تعلم أن ذاكرة ابن عباس كانت مضرب المثل في القرن الثاني والثالث للهجرة . وأنت تذكر قصته مع نافع بن الأزرق هذا ، وعمرو بن أبي ربيعة حين أنشده : "أمن آل نعمٍ أنت غادٍ فمبكرُ" ، وأنت تعلم أن عبدالله بن عباس كان له مولى أخذ عنه العلم ونقله إلى الناس ودس على مولاه شيئا كثيرا ، وهو عكرمة . وأنت تعلم أن اثبات هذا الحفظ الكثير لعبدالله ابن عباس لم يكن يخلو من فائدة سياسية ، لأن ابن عباس روى أشياء كثيرة أو رويت عنه أشياء كثيرة تنفع الشيعة ، ولأن ابن عباس أجاب نافع بن الأزرق حين قال له : ما رأيت أحفظ منك يا بن عباس ، بقوله : ما رأيت أحفظ من علي . وأنت تعلم أن هناك حديثا ترويه الشيعة يجعل النبي مدينة العلم ، ويجعل عليا بابها .
بل أليس يمكن أن تكون قصة ابن عباس هذه قد وضعت في سذاجة وسهولة ويسر ، لا لشيء إلا هذا الغرض التعليمي اليسير ، وهو أن يسمع الطالب لفظا من ألفاظ القرآن ويجد الشاهد عليه من غير مشقة ولا عناء ، أراد أحد العلماء أن يفسر طائفة من ألفاظ القرآن فوضع هذه القصة واتخذها سبيلا إلى ما أراد ؟ ولعل لهذه القصة أصلا يسيرا جدا ، لعل نافعا سأل ابن عباس عن مسائل قليلة فزاد فيها هذا العالم ومدها حتى أصبحت رسالة مستقلة يتداولها الناس .
وهذا النحو من التكلف والانتحال للاغراض التعليمية الصرفة كان شائعا معروفا في العصر العباسي ولا سيما في القرن الثاث والرابع . ولست أريد أن أطيل ولا أن أتعمق في إثبات هذا ؛ إنما أحيلك إلى كتاب "الأمالى لأبي على القالي" وإلى ما يشبهه من الكتب فسترى طائفة من الأحاجي والأوصاف تنسب إلى الأعراب رجالا ونساء شبابا وشيبا ، سترى مثلا بنات سبعا اجتمعن وتواصفن أفراس آبائهن فتقول كل واحدة منهن في فرس أبيها كلاما غريبا ومسجوعا يأخذه أهل السذاجة على أنه قد قيل حقا ، في حين أنه لم يقل ، وإنما كتبه معلم يريد أن يحفظ تلاميذه أوصاف الخيل وما يقال فيها ، أرى عالم يريد أن يتفيهق ويظهر كثرة ما وعى من العلم . وقل مثل ذلك في سبع بنات اجتمعن وتواصفن المثل الأعلى للزوج الذي تطمع فيه كل واحدة منهن ، فأخذن يقلن كلاما غريبا مسجوعا في وصف الرجولة والفتوة والتعريض أو التلميح إلى ما تحب المرأة من الرجل .
ومثل هذا كثيرا شعرا ونثرا وسجعا ، تجده في الأمالي والعقد الفريد وديوان المعاني لأبي هلال وغيرها من الكتب . وأكاد أعتقد أن هذا النحو من الانتحال هو أصل المقامات وما يشبهها من هذا النوع من أنواع الإنشاء .
ولكني بعدت عن الموضوع فيما يظهر ، فلأعد إليه لأقول ما كنت أقول منذ حين ، وهو أن من الحق علينا لأنفسنا و للعلم أن نسأل :
أليس هذا الشعر الجاهلي الذي ثبت أنه لا يمثل حياة العرب الجاهليين لا عقليتهم ولا دياناتهم ولا حضاراتهم بل لا يمثل لغتهم ، أليس هذا الشعر قد وضع وضعا وحمل على أعصابه حملا بعد الإسلام ؟ أما أنا فلا أكاد أشك الآن في هذا . ولكننا محتاجون بعد أن ثبتت لنا هذه النظرية أن نتبين الأسباب المختلفة التي حملت الناس على وضع الشعر وانتحاله بعد الإسلام .
" 1 "
ليس الانتحال مقصورا على العرب
يجب أن يتعود الباحث درس تاريخ الأمم القديمة التي قدر لها أن تقوم بشيء من جلائل الأعمال ، وما اعترض حياتها من الصعاب والمحن وألوان الخطوب والصروف ، ليفهم تاريخ الأمة العربية على وجهه ويرد كل شيء فيه إلى أصله . وإذا كان هناك شيء يوخذ به الذين كتبوا تاريخ العرب وآدابهم فلم يوفقوا إلى الحق فيه ، فهو أنهم لم يلموا إلماما كافيا بتاريخ هذه الأمم القديمة ، أو لم يخطر لهم أن يقارنوا بين الأمة العربية والأمم التي خلت من قبلها ؛ وإنما نظروا إلى هذه الأمة العربية كأنها أمة فذة لم تعرف أحدا ولم يعرفها أحد ، لم تشبه أحدا ولم يشبهها أحد ، لم تؤثر في أحد ولم يوثر فيها أحد ، قبل قيام الحضارة العربية وانبساط سلطانها على العالم القديم .
والحق أنهم لو درسوا تاريخ هذه الأمم القديمة وقارنوا بينه وبين تاريخ العرب لتغير رأيهم في الأمة العربية ، ولتغير بذلك تاريخ العرب أنفسهم ، ولست أذكر من هذه الأمم القديمة إلا أمتين اثنتين : الأمة اليونانية والأمة الرومانية . فقد قدر لهاتين الأمتين في العصور القديمة مثل ما قدر للأمة العربية في العصور الوسطى . كلتاهما تحضرت بعد بداوة . وكلتاهما خضعت في حياتها الداخلية لهذه الصروف السياسية المختلفة . وكلتاهما انتهت إلى نوع من التكوين السياسي دفعها إلى أن تتجاوز موطنها الخاص وتغير على البلاد المجاورة وتبسط سلطانها على الأرض . وكلتاهما لم تبسط سلطانها على الأرض عبثا وإنما نفعت وانتفعت وتركت للإنسانية تراثا قيما لا تزال تنتفع به إلى الآن : ترك اليونان فلسفة وأدبا ، وترك الرومان تشريعا ونظاما .
وكذلك كان شأن هذه الأمة العربية ، تحضرت كما تحضر اليونان والرومان بعد البداوة ، وتأثرت كما تأثر اليونان والرومان بضروف سياسية مختلفة ، انتهى بها تكوينها السياسي إلى مثل ما انتهى التكوين الساسي لليونان والرومان إليه من تجاوز الحدود الطبيعية وبسط السلطان على الأرض ، وتركت كما ترك اليونان والرومان للإنسانية تراثا قيما خالدا فيه أدب وعلم ودين . وليس من العجب في شيء أن تكون العوارض التي عرضت لحياة العرب على اختلاف فروعها مشابهة للعوارض التي عرضت لحياة اليونان والرومان من وجوه كثيرة .
وفي الحق أن التفكير الهادئ في حياة هذه الأمم الثلاث ينتهي بنا إلى نتائج متشابهة إن لم نقل متحددة . ولم لا ؟ أليست هذه الإشارة التي قدمنها إلى ما بين هذه الأمم الثلاث من شبه تكفي لتحملك على أن تفكر في أن مؤثرات واحدة أو متقاربة قد أثرت في حياة هذه الأمم فانتهت إلى نتائج واحدة أو متقاربة !
ولسنا نريد أن نترك الموضوع الذي نحن بإزائه للبحث عما يمكن أن يكون من اتفاق أو افتراق بين العرب واليونان والرومان ؛ فنحن لم نكتب لهذا ، وإنما نريد أن نقول إن هذه الظاهرة الأدبية التي نحاول أن ندرسها في هذا الكتاب والتي يجزع لها أنصار القديم جزعا شديدا ليست مقصورة على الأمة العربية ، وإنما تتجاوزها إلى غيرها من الأمم القديمة ، ولا سيما هاتين الأمتين الخالدتين . فلن تكون الأمة العربية أول أمة انتحل فيها الشعر انتحالا وحمل على قدمائها كذبا وزوراً ، وإنما انتحل الشعر في الأمة اليونانية والرومانية من قبل وحمل على القدماء من شعرائها ، وانخدع به الناس وآمنوا له ، ونشأت عن هذا الانخداع والإيمان سنة أدبية توارثها الناس مطمئنين إليها ، حتى كان العصر الحديث وحتى استطاع النقاد من أصحاب التاريخ والأدب واللغة والفلسفة أن يردوا الأشياء إلى أصولها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا .
وأنت تعلم أن حركة النقد هذه بالقياس إلى اليونان والرومان لم تنته بعد ، وأنها لن تنتهي غدا ولا بعد غد ، وأنت تعلم أنها قد وصلت إلى نتائج غيرت تغيرا تاما ما كان معروفا متوارثا من تاريخ هاتين الأمتين وآدابهما . وأنت إذا فكرت فستوافقني على أن منشأ هذه الحركة النقدية إنما هو في حقيقة الأمر تأثر الباحثين في الأدب والتاريخ بهذا المنهج الذي دعوت إليه في أول هذا الكتاب ، وهو منهج (ديكارت) الفلسفي .
وسواء رضينا أم كرهنا فلا بد من أن تتأثر بهذا المنهج في بحثنا العلمي والأدبي كما تأثر من قبلنا به أهل الغرب . ولا بد من أن نصطنعه في نقد آدابنا وتاريخنا كما اصطنعه أهل الغرب في نقد آدابهم وتاريخهم . ذلك لأن عقليتنا نفسها قد أخذت منذ عشرات من السنين تتغير وتصبح غربية ، أو قل أقرب إلى الغربية منها إلى الشرقية . وهي كلما مضى عليها الزمن جدّت في التغير وأسرعت في الاتصال بأهل الغرب .
وإذا كان في مصر الآن قوم ينصرون القديم ، وآخرون ينصرون الجديد ، فليس ذلك إلا لأن في مصر قوما قد اصطبغت عقليتهم بهذه الصبغة الغربية ، وآخرين لم يظفروا منها بحظ أو لم يظفروا منها إلا بحظ قليل . وانتشار العلم الغربي في مصر وازدياد من يوم إلى يوم ، واتجاه الجهود الفردية والاجتماعية إلى نشر هذا العلم الغربي ؛ كل ذلك سيقضي غدا أو بعد غد بأن يصبح عقلنا غربيا ، وبأن ندرس آداب العرب وتاريخهم متأثرين بمنهج (ديكارت) كما فعل أهل الغرب في درس آدابهم وآداب اليونان والرومان .
ولقد أحب أن تلم إلماماً قليلا بأي كتاب من هذه الكتب الكثيرة التي تنشر الآن في أوروبا في تاريخ الآداب اليونانية أو اللاتينية ، وأن تسأل نفسك بعد هذا الإلمام ماذا بقى مما كان يعتقده القدماء في تاريخ الآداب عند هاتين الأمتين : أحق ما كان يعتقد القدماء في شأن الإلياذة والأودِسّا ؟ أحق ما كانوا يتحدثون به بل ما كانوا يؤمنون به في شأن (هوميروس) و (هيريودوس) وغيرهما من الشعراء القصصين ؟ أحق ما كان القدماء يتخذونه أساسا لسياستهم وعلمهم وأدبهم وحياتهم كلها من أخبار اليونان والرومان ؟ إن من اللذيد حقا أن تقرأ ما كتب (هيرودوت) في تاريخ اليونان ، و (تيتوس ليفوس) في تاريخ الرومان ، وما يكتب المحدثون الآن في تاريخ هاتين الأمتين . ولكنك لا تكاد تجد شيئا من الفرق بين ما كان يتحدث به ابن اسحاق ويرويه الطبري من تاريخ العرب وآدابهم ، وما يكتبه المؤرخون والأدباء عن العرب في هذا العصر . ذلك لأن الكثرة من هؤلاء المؤرخين والأدباء لم تتأثر بعدُ بهذا المنهج الحديث ، ولم تستطع بعدُ أن تؤمن بشخصيتها وأن تخلص هذه الشخصية من الأوهام والأساطير .
وإذا كان قد قدر لهذا الكتاب ألا يرضي الكثرة من هؤلاء الأدباء والمؤرخين فنحن واثقون بأن ذلك لن يضيره ولن يقلل من تأثيره في هذا الجيل الناشئ . فالمستقبل لمنهج (ديكارت) لا لمنهج القدماء .
" 2 "
السياسة وانتحال الشعر
قلت إن العرب قد خضعوا لمثل ما خضعت له الأمم القديمة من المؤثرات التي دعت إلى انتحال الشعر والأخبار . ولعل أهم هذه المؤثرا التي طبعت الأمة العربية وحياتها بطابع لا يمّحي ولا يزول هو هذا المؤثر الذي يصعب تمييزه والفصل فيه ؛ لأنه مزاج من عنصرين قويين جدا ، هما الدين والسياسة . والحق أن لا سبيل إلى فهم التاريخ الإسلامي مهما تختلف فروعه إلا إذا وضحت هذه المسألة (مسألة الدين والسياسة) توضيحا كافيا . فقد أرادت الظروف ألا يستطيع العرب منذ ظهر الإسلام أن يخلصوا من هذين المؤثرين في لحظة من لحظات حياتهم في القرنين الأول والثاني .
هم مسلمون لم يظهروا على العالم إلا بالإسلام ؛ فهم محتاجون إلى أن يعتزوا بهذا الإسلام ويرضوه ويجدوا في اتصالهم به ما يضمن لهم هذا الظهور وهذا السلطان الذي يحرصون عليه . وهم في الوقت نفسه أهل عصبية وأصحاب مطامع ومنافع ، فهم مضطرون إلى أن يرعوا هذه العصبية ويلائموا بينها وبين منافعهم ومطامعهم ودينهم .
وإذن فكل حركة من حركاتهم وكل مظهر من مظاهر حياتهم متأثر بالدين ، متأثر بالسياسة . وإذا كانت حياتهم كما نصف تأثرا متصلا بالدين والسياسة ، واجتهادا متصلا في التوفيق بينهما ، أو بعبارة أصح في الاستفادة منهما جميعا ، فخليق بالمؤرخ السياسي أو الادبي أو الاجتماعي أن يجعل مسألة الدين والسياسة عند العرب أساسا للبحث عن الفرع الذي يريد أن يبحث عنه من فروع التاريخ . وسترى عندما نتعمق بك قليلا في هذا الموضوع أنا لسنا غلاة ولا مخطئين .
وأول ما يحسن أن نلاحظه ، هو هذا الجهاد العنيف الذي اتصل بين النبي وأصحابه من ناحية ، وبين قريش وأوليائها من ناحية أخرى . أما في أول عهد الإسلام بالظهور حين كان النبي وأصحابه في مكة مستضعفين فقد كان هذا الجهاد جدليا خالصا ، وكان النبي يكاد يقوم به وحده بإزاء الكثرة المطلقة من قومه ، يجادلهم بالقرآن ويقارعهم بهذه الآيات المحكمات ، فيبلغ منهم ويفحمهم ويضطرهم إلى الإعياء . وهو كلما بلغ من ذلك حظا انتصر له من قومه فريق حتى تكوّن له حزب ذو خطر ، ولكنه لم يكن حزبا سياسيا ، ولم يكن يطمع في ملك ولا تغلـّب ولا قهر ، أو لم يكن ذلك في دعوته . غير أن هذا الحزب كان كلما اشتدت قوته وقوي أسره اشتدت مناضلة قريش له وفتنتها إياه حتى كان ما تعلم من الهجرة الأولى ثم من هجرة النبي إلى المدينة .
وليس هنا موضع البحث عن هذه الهجرة إلى المدينة ، وعما أعد الأنصار لنصر النبي وإيوائه ، وعن النتائج المختلفة التي أنتجتها الهجرة . ولكنا نستطيع أن نسجل مطمئنين أن هذه الهجرة قد وضعت مسألة الخلاف بين النبي وقريش وضعا جديدا ، جعلت الخلاف سياسيا يعتمد في حله على القوة السيف بعد أن كان من قبل دينيا يعتمد على الجدال والنضال بالحجة ليس غير .
* * * * *
منذ هاجر النبي إلى المدينة تكوّنت للإسلام وحدة سياسية لها قوتها المادية وبأسها الشديد ، وأحست قريش أن الأمر قد تجاوز الأوثان والآراء الموروثة والسنن القديمة ، إلى شيء آخر كان فيما يظهر أعظم خطرا في نفوس قريش من الدين وما يتصل به ، وهو السيادة السياسية في الحجاز ، والطرق التجارية بين مكة وبين البلاد التي كانت ترحل إليها بتجارتها في الشتاء والصيف . وأنت تعلم أن الإستيلاء على العير هو أصل الواقعة الكبرى الأولى بين النبي وقريش في بدر . فليس من شك إذن في أن الجهاد بين النبي وقريش قد كان دينيا خالصا ما أقام النبي في مكة . فلما انتقل إلى المدينة أصبح هذا الجهاد دينيا وسياسيا واقتصاديا ، وأصبح موضوع النزاع بين قريش والمسلمين ليس مقصورا على أن الإسلام حق أو غير حق ، بل هو يتناول مع ذلك الأمة العربية أو الحجازية على أقل تقدير لمن تذعن ، والطرق التجارية لمن تخضع .
وعلى هذا النحو وحده تستطيع أن تفهم سيرة النبي منذ هاجر إلى المدينة لا مع قريش وحدها بل مع غيرها من العرب ، بل مع اليهود أيضا .
ولكننا لا نكتب تاريخ النبي ، وإنما نريد أن نصل مسرعين إلى ما يعنينا من هذا كله ، وهو أن استحالة الجهاد إلى جهاد سياسي بعد أن كان جهادا دينيا قد استحدث عداوة بين مكة والمدينة ، أو بين قريش والأنصار لم تكن موجودة من قبل . فالسيرة تحدثنا بأن صلاة المودة كانت قوية بين قريش وبين الأوس والخزرج قبل أن يهاجر النبي إلى المدينة . وكان ذلك معقولا وطبيعيا ؛ فقد كان الأوس والخزرج على طريق قريش إلى الشام . ولم يكن بد لهذه المدينة التجارية التي تسمى مكة من أن تؤمن طرقها التجارية وتوثق صلات الود مع الذين يستطيعون أن يعرّضوا هذه الطرق للخطر .
نشأت إذن بعد الهجرة عداوة بين مكة والمدينة ، وما إلا أن اصطبغت هذه العداوة بالدم يوم انتصر الانصار في "بدر" ويوم انتصرت قريش في "أحد" . وما هي إلا أن اشترك الشعر في هذه العداوة مع السيف ، فوقف شعراء الأنصار وشعراء قريش يتهاجون ويتجادلون ويتناضلون ، يدافع كل فريق عن أحسابه وأنسابه ويشيد بذكر قومه . ثم كان الموقف دقيقا ، فقد كان شعراء الأنصار يدافعون قريشا عن النبي وأصحابه وهم من قريش ؛ وكان شعراء قريش يهجون مع الأنصار النبي وأصحابه ، وهم من خلاصة قريش . ويجب أن يكون هذا الهجاء قد بلغ أقصى ما يمكن من الحدة والعنف ؛ فإن النبي كان يحرّض عليه ، ويثيب أصحابه ويقدّمهم ويعِدهم ، مثل ما كان يعد المقاتلين من الأجر المثوبة عند الله ، ويتحدّث أن جبريل كان يؤيد حساناً .
كثر الهجاء إذن واشتد بين قريش والأنصار لما كثرت الحرب واشتدت . وأنت تعلم مقدار حظ العرب من العصبية وحرصهم على الثأر للدماء المسفوكة ، وجدّهم في الدفاع عن الأعراض المنتهكة . فليس غريبا أن تبلغ الضغينة بين هذين الحيين من أهل الحجاز أقصى ما كانت تستطيع أن تبلغه .
ولقد مضت قريش في جهادها بالسنان واللسان والأنفس والأموال ، وأعانها من أعانها من العرب واليهود ، ولكنها لم توفق . وأمست ذات يوم وإذا خيل النبي قد أظلـّت مكة ، فنظر زعيمها وحازمها
ابو تراجى
12-21-2009, 12:24 PM
وينشد بيتا لا تشك إن كنت من أهل الفقه في أنه إنما وضع ليثبت صحة اللفظ الذي يستشهد عليه من ألفاظ القرآن !
وهنا نمس أمرا من هذه الأمور التي سيغضب لها أنصار الأدب القديم ، ولكننا سنمضي في طريقنا كما بدأنا لا مواربين ولا مخادعين :
أليس من الممكن أن تكون قصة ابن عباس ونافع بن الأزرق قد وضعت في تكلف وتصنع لغرض من هذه الأغراض المختلفة التي كانت تدعو إلى وضع الكلام وانتحاله ، لإتبات أن ألفاظ القرآن كلها مطابقة للفصيح من لغة العرب ، أو لإثبات ان عبدالله بن عباس كان من أقدر الناس على تأويل القرآن وتفسيره ومن أحفظهم لكلام العرب الجاهليين ؟ وأنت تعلم أن ذاكرة ابن عباس كانت مضرب المثل في القرن الثاني والثالث للهجرة . وأنت تذكر قصته مع نافع بن الأزرق هذا ، وعمرو بن أبي ربيعة حين أنشده : "أمن آل نعمٍ أنت غادٍ فمبكرُ" ، وأنت تعلم أن عبدالله بن عباس كان له مولى أخذ عنه العلم ونقله إلى الناس ودس على مولاه شيئا كثيرا ، وهو عكرمة . وأنت تعلم أن اثبات هذا الحفظ الكثير لعبدالله ابن عباس لم يكن يخلو من فائدة سياسية ، لأن ابن عباس روى أشياء كثيرة أو رويت عنه أشياء كثيرة تنفع الشيعة ، ولأن ابن عباس أجاب نافع بن الأزرق حين قال له : ما رأيت أحفظ منك يا بن عباس ، بقوله : ما رأيت أحفظ من علي . وأنت تعلم أن هناك حديثا ترويه الشيعة يجعل النبي مدينة العلم ، ويجعل عليا بابها .
بل أليس يمكن أن تكون قصة ابن عباس هذه قد وضعت في سذاجة وسهولة ويسر ، لا لشيء إلا هذا الغرض التعليمي اليسير ، وهو أن يسمع الطالب لفظا من ألفاظ القرآن ويجد الشاهد عليه من غير مشقة ولا عناء ، أراد أحد العلماء أن يفسر طائفة من ألفاظ القرآن فوضع هذه القصة واتخذها سبيلا إلى ما أراد ؟ ولعل لهذه القصة أصلا يسيرا جدا ، لعل نافعا سأل ابن عباس عن مسائل قليلة فزاد فيها هذا العالم ومدها حتى أصبحت رسالة مستقلة يتداولها الناس .
وهذا النحو من التكلف والانتحال للاغراض التعليمية الصرفة كان شائعا معروفا في العصر العباسي ولا سيما في القرن الثاث والرابع . ولست أريد أن أطيل ولا أن أتعمق في إثبات هذا ؛ إنما أحيلك إلى كتاب "الأمالى لأبي على القالي" وإلى ما يشبهه من الكتب فسترى طائفة من الأحاجي والأوصاف تنسب إلى الأعراب رجالا ونساء شبابا وشيبا ، سترى مثلا بنات سبعا اجتمعن وتواصفن أفراس آبائهن فتقول كل واحدة منهن في فرس أبيها كلاما غريبا ومسجوعا يأخذه أهل السذاجة على أنه قد قيل حقا ، في حين أنه لم يقل ، وإنما كتبه معلم يريد أن يحفظ تلاميذه أوصاف الخيل وما يقال فيها ، أرى عالم يريد أن يتفيهق ويظهر كثرة ما وعى من العلم . وقل مثل ذلك في سبع بنات اجتمعن وتواصفن المثل الأعلى للزوج الذي تطمع فيه كل واحدة منهن ، فأخذن يقلن كلاما غريبا مسجوعا في وصف الرجولة والفتوة والتعريض أو التلميح إلى ما تحب المرأة من الرجل .
ومثل هذا كثيرا شعرا ونثرا وسجعا ، تجده في الأمالي والعقد الفريد وديوان المعاني لأبي هلال وغيرها من الكتب . وأكاد أعتقد أن هذا النحو من الانتحال هو أصل المقامات وما يشبهها من هذا النوع من أنواع الإنشاء .
ولكني بعدت عن الموضوع فيما يظهر ، فلأعد إليه لأقول ما كنت أقول منذ حين ، وهو أن من الحق علينا لأنفسنا و للعلم أن نسأل :
أليس هذا الشعر الجاهلي الذي ثبت أنه لا يمثل حياة العرب الجاهليين لا عقليتهم ولا دياناتهم ولا حضاراتهم بل لا يمثل لغتهم ، أليس هذا الشعر قد وضع وضعا وحمل على أعصابه حملا بعد الإسلام ؟ أما أنا فلا أكاد أشك الآن في هذا . ولكننا محتاجون بعد أن ثبتت لنا هذه النظرية أن نتبين الأسباب المختلفة التي حملت الناس على وضع الشعر وانتحاله بعد الإسلام .
" 1 "
ليس الانتحال مقصورا على العرب
يجب أن يتعود الباحث درس تاريخ الأمم القديمة التي قدر لها أن تقوم بشيء من جلائل الأعمال ، وما اعترض حياتها من الصعاب والمحن وألوان الخطوب والصروف ، ليفهم تاريخ الأمة العربية على وجهه ويرد كل شيء فيه إلى أصله . وإذا كان هناك شيء يوخذ به الذين كتبوا تاريخ العرب وآدابهم فلم يوفقوا إلى الحق فيه ، فهو أنهم لم يلموا إلماما كافيا بتاريخ هذه الأمم القديمة ، أو لم يخطر لهم أن يقارنوا بين الأمة العربية والأمم التي خلت من قبلها ؛ وإنما نظروا إلى هذه الأمة العربية كأنها أمة فذة لم تعرف أحدا ولم يعرفها أحد ، لم تشبه أحدا ولم يشبهها أحد ، لم تؤثر في أحد ولم يوثر فيها أحد ، قبل قيام الحضارة العربية وانبساط سلطانها على العالم القديم .
والحق أنهم لو درسوا تاريخ هذه الأمم القديمة وقارنوا بينه وبين تاريخ العرب لتغير رأيهم في الأمة العربية ، ولتغير بذلك تاريخ العرب أنفسهم ، ولست أذكر من هذه الأمم القديمة إلا أمتين اثنتين : الأمة اليونانية والأمة الرومانية . فقد قدر لهاتين الأمتين في العصور القديمة مثل ما قدر للأمة العربية في العصور الوسطى . كلتاهما تحضرت بعد بداوة . وكلتاهما خضعت في حياتها الداخلية لهذه الصروف السياسية المختلفة . وكلتاهما انتهت إلى نوع من التكوين السياسي دفعها إلى أن تتجاوز موطنها الخاص وتغير على البلاد المجاورة وتبسط سلطانها على الأرض . وكلتاهما لم تبسط سلطانها على الأرض عبثا وإنما نفعت وانتفعت وتركت للإنسانية تراثا قيما لا تزال تنتفع به إلى الآن : ترك اليونان فلسفة وأدبا ، وترك الرومان تشريعا ونظاما .
وكذلك كان شأن هذه الأمة العربية ، تحضرت كما تحضر اليونان والرومان بعد البداوة ، وتأثرت كما تأثر اليونان والرومان بضروف سياسية مختلفة ، انتهى بها تكوينها السياسي إلى مثل ما انتهى التكوين الساسي لليونان والرومان إليه من تجاوز الحدود الطبيعية وبسط السلطان على الأرض ، وتركت كما ترك اليونان والرومان للإنسانية تراثا قيما خالدا فيه أدب وعلم ودين . وليس من العجب في شيء أن تكون العوارض التي عرضت لحياة العرب على اختلاف فروعها مشابهة للعوارض التي عرضت لحياة اليونان والرومان من وجوه كثيرة .
وفي الحق أن التفكير الهادئ في حياة هذه الأمم الثلاث ينتهي بنا إلى نتائج متشابهة إن لم نقل متحددة . ولم لا ؟ أليست هذه الإشارة التي قدمنها إلى ما بين هذه الأمم الثلاث من شبه تكفي لتحملك على أن تفكر في أن مؤثرات واحدة أو متقاربة قد أثرت في حياة هذه الأمم فانتهت إلى نتائج واحدة أو متقاربة !
ولسنا نريد أن نترك الموضوع الذي نحن بإزائه للبحث عما يمكن أن يكون من اتفاق أو افتراق بين العرب واليونان والرومان ؛ فنحن لم نكتب لهذا ، وإنما نريد أن نقول إن هذه الظاهرة الأدبية التي نحاول أن ندرسها في هذا الكتاب والتي يجزع لها أنصار القديم جزعا شديدا ليست مقصورة على الأمة العربية ، وإنما تتجاوزها إلى غيرها من الأمم القديمة ، ولا سيما هاتين الأمتين الخالدتين . فلن تكون الأمة العربية أول أمة انتحل فيها الشعر انتحالا وحمل على قدمائها كذبا وزوراً ، وإنما انتحل الشعر في الأمة اليونانية والرومانية من قبل وحمل على القدماء من شعرائها ، وانخدع به الناس وآمنوا له ، ونشأت عن هذا الانخداع والإيمان سنة أدبية توارثها الناس مطمئنين إليها ، حتى كان العصر الحديث وحتى استطاع النقاد من أصحاب التاريخ والأدب واللغة والفلسفة أن يردوا الأشياء إلى أصولها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا .
وأنت تعلم أن حركة النقد هذه بالقياس إلى اليونان والرومان لم تنته بعد ، وأنها لن تنتهي غدا ولا بعد غد ، وأنت تعلم أنها قد وصلت إلى نتائج غيرت تغيرا تاما ما كان معروفا متوارثا من تاريخ هاتين الأمتين وآدابهما . وأنت إذا فكرت فستوافقني على أن منشأ هذه الحركة النقدية إنما هو في حقيقة الأمر تأثر الباحثين في الأدب والتاريخ بهذا المنهج الذي دعوت إليه في أول هذا الكتاب ، وهو منهج (ديكارت) الفلسفي .
وسواء رضينا أم كرهنا فلا بد من أن تتأثر بهذا المنهج في بحثنا العلمي والأدبي كما تأثر من قبلنا به أهل الغرب . ولا بد من أن نصطنعه في نقد آدابنا وتاريخنا كما اصطنعه أهل الغرب في نقد آدابهم وتاريخهم . ذلك لأن عقليتنا نفسها قد أخذت منذ عشرات من السنين تتغير وتصبح غربية ، أو قل أقرب إلى الغربية منها إلى الشرقية . وهي كلما مضى عليها الزمن جدّت في التغير وأسرعت في الاتصال بأهل الغرب .
وإذا كان في مصر الآن قوم ينصرون القديم ، وآخرون ينصرون الجديد ، فليس ذلك إلا لأن في مصر قوما قد اصطبغت عقليتهم بهذه الصبغة الغربية ، وآخرين لم يظفروا منها بحظ أو لم يظفروا منها إلا بحظ قليل . وانتشار العلم الغربي في مصر وازدياد من يوم إلى يوم ، واتجاه الجهود الفردية والاجتماعية إلى نشر هذا العلم الغربي ؛ كل ذلك سيقضي غدا أو بعد غد بأن يصبح عقلنا غربيا ، وبأن ندرس آداب العرب وتاريخهم متأثرين بمنهج (ديكارت) كما فعل أهل الغرب في درس آدابهم وآداب اليونان والرومان .
ولقد أحب أن تلم إلماماً قليلا بأي كتاب من هذه الكتب الكثيرة التي تنشر الآن في أوروبا في تاريخ الآداب اليونانية أو اللاتينية ، وأن تسأل نفسك بعد هذا الإلمام ماذا بقى مما كان يعتقده القدماء في تاريخ الآداب عند هاتين الأمتين : أحق ما كان يعتقد القدماء في شأن الإلياذة والأودِسّا ؟ أحق ما كانوا يتحدثون به بل ما كانوا يؤمنون به في شأن (هوميروس) و (هيريودوس) وغيرهما من الشعراء القصصين ؟ أحق ما كان القدماء يتخذونه أساسا لسياستهم وعلمهم وأدبهم وحياتهم كلها من أخبار اليونان والرومان ؟ إن من اللذيد حقا أن تقرأ ما كتب (هيرودوت) في تاريخ اليونان ، و (تيتوس ليفوس) في تاريخ الرومان ، وما يكتب المحدثون الآن في تاريخ هاتين الأمتين . ولكنك لا تكاد تجد شيئا من الفرق بين ما كان يتحدث به ابن اسحاق ويرويه الطبري من تاريخ العرب وآدابهم ، وما يكتبه المؤرخون والأدباء عن العرب في هذا العصر . ذلك لأن الكثرة من هؤلاء المؤرخين والأدباء لم تتأثر بعدُ بهذا المنهج الحديث ، ولم تستطع بعدُ أن تؤمن بشخصيتها وأن تخلص هذه الشخصية من الأوهام والأساطير .
وإذا كان قد قدر لهذا الكتاب ألا يرضي الكثرة من هؤلاء الأدباء والمؤرخين فنحن واثقون بأن ذلك لن يضيره ولن يقلل من تأثيره في هذا الجيل الناشئ . فالمستقبل لمنهج (ديكارت) لا لمنهج القدماء .
" 2 "
السياسة وانتحال الشعر
قلت إن العرب قد خضعوا لمثل ما خضعت له الأمم القديمة من المؤثرات التي دعت إلى انتحال الشعر والأخبار . ولعل أهم هذه المؤثرا التي طبعت الأمة العربية وحياتها بطابع لا يمّحي ولا يزول هو هذا المؤثر الذي يصعب تمييزه والفصل فيه ؛ لأنه مزاج من عنصرين قويين جدا ، هما الدين والسياسة . والحق أن لا سبيل إلى فهم التاريخ الإسلامي مهما تختلف فروعه إلا إذا وضحت هذه المسألة (مسألة الدين والسياسة) توضيحا كافيا . فقد أرادت الظروف ألا يستطيع العرب منذ ظهر الإسلام أن يخلصوا من هذين المؤثرين في لحظة من لحظات حياتهم في القرنين الأول والثاني .
هم مسلمون لم يظهروا على العالم إلا بالإسلام ؛ فهم محتاجون إلى أن يعتزوا بهذا الإسلام ويرضوه ويجدوا في اتصالهم به ما يضمن لهم هذا الظهور وهذا السلطان الذي يحرصون عليه . وهم في الوقت نفسه أهل عصبية وأصحاب مطامع ومنافع ، فهم مضطرون إلى أن يرعوا هذه العصبية ويلائموا بينها وبين منافعهم ومطامعهم ودينهم .
وإذن فكل حركة من حركاتهم وكل مظهر من مظاهر حياتهم متأثر بالدين ، متأثر بالسياسة . وإذا كانت حياتهم كما نصف تأثرا متصلا بالدين والسياسة ، واجتهادا متصلا في التوفيق بينهما ، أو بعبارة أصح في الاستفادة منهما جميعا ، فخليق بالمؤرخ السياسي أو الادبي أو الاجتماعي أن يجعل مسألة الدين والسياسة عند العرب أساسا للبحث عن الفرع الذي يريد أن يبحث عنه من فروع التاريخ . وسترى عندما نتعمق بك قليلا في هذا الموضوع أنا لسنا غلاة ولا مخطئين .
وأول ما يحسن أن نلاحظه ، هو هذا الجهاد العنيف الذي اتصل بين النبي وأصحابه من ناحية ، وبين قريش وأوليائها من ناحية أخرى . أما في أول عهد الإسلام بالظهور حين كان النبي وأصحابه في مكة مستضعفين فقد كان هذا الجهاد جدليا خالصا ، وكان النبي يكاد يقوم به وحده بإزاء الكثرة المطلقة من قومه ، يجادلهم بالقرآن ويقارعهم بهذه الآيات المحكمات ، فيبلغ منهم ويفحمهم ويضطرهم إلى الإعياء . وهو كلما بلغ من ذلك حظا انتصر له من قومه فريق حتى تكوّن له حزب ذو خطر ، ولكنه لم يكن حزبا سياسيا ، ولم يكن يطمع في ملك ولا تغلـّب ولا قهر ، أو لم يكن ذلك في دعوته . غير أن هذا الحزب كان كلما اشتدت قوته وقوي أسره اشتدت مناضلة قريش له وفتنتها إياه حتى كان ما تعلم من الهجرة الأولى ثم من هجرة النبي إلى المدينة .
وليس هنا موضع البحث عن هذه الهجرة إلى المدينة ، وعما أعد الأنصار لنصر النبي وإيوائه ، وعن النتائج المختلفة التي أنتجتها الهجرة . ولكنا نستطيع أن نسجل مطمئنين أن هذه الهجرة قد وضعت مسألة الخلاف بين النبي وقريش وضعا جديدا ، جعلت الخلاف سياسيا يعتمد في حله على القوة السيف بعد أن كان من قبل دينيا يعتمد على الجدال والنضال بالحجة ليس غير .
* * * * *
منذ هاجر النبي إلى المدينة تكوّنت للإسلام وحدة سياسية لها قوتها المادية وبأسها الشديد ، وأحست قريش أن الأمر قد تجاوز الأوثان والآراء الموروثة والسنن القديمة ، إلى شيء آخر كان فيما يظهر أعظم خطرا في نفوس قريش من الدين وما يتصل به ، وهو السيادة السياسية في الحجاز ، والطرق التجارية بين مكة وبين البلاد التي كانت ترحل إليها بتجارتها في الشتاء والصيف . وأنت تعلم أن الإستيلاء على العير هو أصل الواقعة الكبرى الأولى بين النبي وقريش في بدر . فليس من شك إذن في أن الجهاد بين النبي وقريش قد كان دينيا خالصا ما أقام النبي في مكة . فلما انتقل إلى المدينة أصبح هذا الجهاد دينيا وسياسيا واقتصاديا ، وأصبح موضوع النزاع بين قريش والمسلمين ليس مقصورا على أن الإسلام حق أو غير حق ، بل هو يتناول مع ذلك الأمة العربية أو الحجازية على أقل تقدير لمن تذعن ، والطرق التجارية لمن تخضع .
وعلى هذا النحو وحده تستطيع أن تفهم سيرة النبي منذ هاجر إلى المدينة لا مع قريش وحدها بل مع غيرها من العرب ، بل مع اليهود أيضا .
ولكننا لا نكتب تاريخ النبي ، وإنما نريد أن نصل مسرعين إلى ما يعنينا من هذا كله ، وهو أن استحالة الجهاد إلى جهاد سياسي بعد أن كان جهادا دينيا قد استحدث عداوة بين مكة والمدينة ، أو بين قريش والأنصار لم تكن موجودة من قبل . فالسيرة تحدثنا بأن صلاة المودة كانت قوية بين قريش وبين الأوس والخزرج قبل أن يهاجر النبي إلى المدينة . وكان ذلك معقولا وطبيعيا ؛ فقد كان الأوس والخزرج على طريق قريش إلى الشام . ولم يكن بد لهذه المدينة التجارية التي تسمى مكة من أن تؤمن طرقها التجارية وتوثق صلات الود مع الذين يستطيعون أن يعرّضوا هذه الطرق للخطر .
نشأت إذن بعد الهجرة عداوة بين مكة والمدينة ، وما إلا أن اصطبغت هذه العداوة بالدم يوم انتصر الانصار في "بدر" ويوم انتصرت قريش في "أحد" . وما هي إلا أن اشترك الشعر في هذه العداوة مع السيف ، فوقف شعراء الأنصار وشعراء قريش يتهاجون ويتجادلون ويتناضلون ، يدافع كل فريق عن أحسابه وأنسابه ويشيد بذكر قومه . ثم كان الموقف دقيقا ، فقد كان شعراء الأنصار يدافعون قريشا عن النبي وأصحابه وهم من قريش ؛ وكان شعراء قريش يهجون مع الأنصار النبي وأصحابه ، وهم من خلاصة قريش . ويجب أن يكون هذا الهجاء قد بلغ أقصى ما يمكن من الحدة والعنف ؛ فإن النبي كان يحرّض عليه ، ويثيب أصحابه ويقدّمهم ويعِدهم ، مثل ما كان يعد المقاتلين من الأجر المثوبة عند الله ، ويتحدّث أن جبريل كان يؤيد حساناً .
كثر الهجاء إذن واشتد بين قريش والأنصار لما كثرت الحرب واشتدت . وأنت تعلم مقدار حظ العرب من العصبية وحرصهم على الثأر للدماء المسفوكة ، وجدّهم في الدفاع عن الأعراض المنتهكة . فليس غريبا أن تبلغ الضغينة بين هذين الحيين من أهل الحجاز أقصى ما كانت تستطيع أن تبلغه .
ولقد مضت قريش في جهادها بالسنان واللسان والأنفس والأموال ، وأعانها من أعانها من العرب واليهود ، ولكنها لم توفق . وأمست ذات يوم وإذا خيل النبي قد أظلـّت مكة ، فنظر زعيمها وحازمها
ابو تراجى
12-21-2009, 12:26 PM
أبو سفيان فإذا هو بين اثنين : إما أن يمضي في المقاومة فتفنى مكة ، وإما أن يصانع ويصالح ويدخل فيما دخل فيه الناس وينتظر لعل هذا السلطان السياسي الذي انتقل من مكة إلى المدينة ومن قريش إلى الأنصار أن يعود إلى قريش وإلى مكة مرة أخرى . أسلم أبو سفيان وأسلمت معه قريش ، وتمت للنبي هذه الوحدة العربية ، وألقي الرماد على هذه النار التي كانت متأججة بين قريش والأنصار ، وأصبح الناس جميعا في ظاهر الأمر إخوانا مؤتلفين في الدين .
ولعل النبي لو عمّر بعد فتح مكة زمنا طويلا لاستطاع أن يمحو تلك الضغائن ، وأن يوجه نفوس العرب وجهة أخرى ، ولكنه توفى بعد الفتح بقليل ، ولم يضع قاعدة للخلافة ، ولا دستورا لهذه الامة التي جمعها بعد فرقة . فأي غرابة في أن تعود هذه الضغائن إلى الظهور ، وفي أن تستيقظ الفتنة بعد نومها ، وفي أن يزول هذا الرماد الذي كان يخفي تلك الأحقاد !
وفي الحق أن النبي لم يكد يدع هذه الدنيا حتى اختلف المهاجرون من قريش والأنصار من الأوس والخزرج في الخلافة أين تكون ؟ ولمن تكون ؟ وكاد الأمر يفسد بين الفريقين لولا بقية من دين وحزم نفر من قريش ، ولولا أن القوة المادية كانت إذ ذاك إلى قريش . فما هي إلا أن أذعنت الأنصار وقبلوا أن تخرج منهم الإمارة إلى قريش . وظهر أن الأمر قد استقر بين الفريقين ، وأنهم قد أجمعوا على ذلك لا يخالفهم فيه إلا سعد بن عُبادة الأنصاري الذي أبى أن يبايع أبا بكر ، وأن يبايع عمر ، وأن يصلي بصلاة المسلمين ، وأن يحج بحجهم . وظل يمثل المعارضة قوي الشكيمة ماضي العزيمة ، حتى قتل غيلة في بعض أسفاره . قتله الجن فيما يزعم الرواة . وانصرفت قوة قريش والأنصار إلى ما كان من انتقاض العرب على المسلمين أيام أبي بكر ، وإلى ما كان من الفتوح أيام عمر . ولكن المقيمين من أولئك وهؤلاء في مكة والمدينة لم يكونوا يستطيعون أن ينسوا تلك الخصومة العنيفة التي كانت بينهم أيام النبي ، ولا تلك الدماء التي سفكت في الغزوات .
وليس من شك في أن حزم عمر قد حال بين المهاجرين والأنصار ، أو بعبارة أصح : بين قريش والأنصار وبين الفتنة . فالرواة يحدثوننا أن عمر نهى عن رواية الشعر الذي تهاجى به المسلمون والمشركون أيام النبي . وهذه الرواية نفسها تثبت رواية أخرى ، وهي أن قريشا والأنصار تذاكروا ما كان قد هجى به بعضهم بعضا أيام النبي ؛ وكانوا حراصا على روايته يجدون في ذلك من اللذة والشماتة ما لا يشعر به إلا صاحب العصبية القوية إذا وتر أو انتصر .
وقد ذكر الرواة أن عمر مر ذات يوم فإذا حسان في نفر من المسلمين ينشدهم شعرا في مسجد النبي ؛ فأخذ بإذنه وقال : أرغاء كرغاء البعير ؟ قال حسان : إليك عني يا عمر ، فوالله كنت أنشد في هذا المكان من هو خير منك فيرضى ؛ فمضى عمر وتركه . وفقه هذه الرواية يسير لمن يلاحظ ما قدّمنا من أن الأنصار كانوا موتورين ، وأن عصبيتهم كانت لا تطمئن إلى انصراف الأمر عنهم ، فكانوا يتعزّون بنصرهم للنبي وانتصافهم من قريش وما كان لهم من البلاء قبل موت النبي وما أفادوا بأيديهم وألسنتهم من مجد .
وكان عمر قرشِياً تكره عصبيته أن تـُزدرى قريش ، وتنكر ما أصابها من هزيمة ، وما أشيع عنها من مكر . وكان فوق هذا كله أميرا حازما يريد أن يضبط أمور الرعية ، وأن يؤسس ملك المسلمين على شيء غير العصبية . وقد وفق بعض التوفيق ، ولكنه لم يظفر بكل ما كان يريد .
تحدّث الرواة أن عبد الله بن الزّبعرى وضرار بن الخطاب قدِما المدينة أيام عمر فذهبا إلى أبي أحمد بن جحش ، وكان رجلا ضريرا حسن الحديث يألفه الناس ويتحدثون عنده ، قالا جئناك لتدعوا لنا حسان بن ثابت لينشدنا وننشده ؛ قال : هو ما تريدان ، وأرسل إلى حسان فجاء ؛ قال : هذان أخواك قد أقبلا من مكة يريدان أن يسمعاك ويُسمعا لك ؛ قال حسان : إن شئتما فابدءا وإن شئتما بدأت ؛ قالا : بل نبدأ ، فأخذا ينشدانه مما قالت قريش في الأنصار حتى فار وأخذ يغلي كالمرجل ، فلما فرغا استوى كل منهما إلى راحلته ومضيا إلى مكة . وذهب حسان مغضبا إلى عمر وقص عليه الخبر ؛ قال عمر : سأردهما عليك إن شاء الله . ثم أرسل من ردّهما ؛ حتى إذا كانا بين يدي عمر ومعه نفر من أصحاب النبي ، قال لحسان : أنشدهما ما شئت ؛ فأنشدهما حتى اشتفى . وقال عمر بعد ذلك - فيما يحدثنا صاحب الأغاني - : قد كنتُ نهيتكم عن رواية هذا الشعر لأنه يوقظ الضغائن ، فأما إذا أبوا فاكتبوه . وسواء أقال عمر هذا أم لم يقله ، فقد كان الأنصار يكتبون هجاءهم لقريش ويحرصون على أن لا يضيع .
قال ابن سلام : وقد نظرت قريش فإذا حظها من الشعر قليل في الجاهلية ، فاستكثرت منه في الإسلام . وليس من شك عندي في أنها استكثرت بنوع خاص من هذا الشعر الذي يُهجى فيه الأنصار .
ولما قتل عمر وانتهت الخلافة بعد المشقة إلى عثمان ، تقدمت الفكرة السياسية التي كانت تشغل أبا سفيان خطوة أخرى ، فلم تصبح الخلافة في قريش فحسب ، بل أصبحت في بني أمية خاصة . واشتدت عصبية قريش ، واشتدت عصبية الأمويين ، واشتدت العصبيات الأخرى بين العرب ، وقد هدأت حركة الفتح ، وأخذ العرب يفرغ بعضهم لبعض . وكان من نتائج ذلك ما تعلم من قتل عثمان وافتراق المسلمين وانتهاء الأمر كله إلى بني أمية بعد تلك الفتن والحروب .
في ذلك الوقت تغيرت خطة الخليفة السياسية أو بعبارة أدق : فشلت هذه الخطة التي كان يختطها عمر ، وهي منع العرب أن يتذاكروا ما كان بينهم من الضغائن قبل الإسلام . وعاد العرب إلى شر مما كانوا فيه في جاهليتهم من التنافس والتفاخر في جميع الأمصار الإسلامية . ويكفي أن أقص عليك ما كان من تنافس الشعراء من الأنصار وغيرهم عند معاوية ويزيد بن معاوية ، لتعلم إلى أي حد عاد العرب في ذلك الوقت إلى عصبيتهم القديمة .
ولعلك قرأت تلك القصة التي تخبرنا بأن عبد الرحمن بن حسان شبب برملة بنت معاوية نكاية في بني أمية . فأما معاوية فاصطنع الحلم كعادته ، وقال لعبد الرحمن : فأين أنت من أختها هند ! وأما يزيد فقد كان صورة لجده أبي سفيان ، كان رجل عصبية وقوة وفتك وسخط على الإسلام وما سنه للناس من سنن ، فأغرى كعب بن جعيْل بهجاء الانصار ؛ فاستعفاه وقال : أتريد أن تردني كافرا بعد إسلام ؟ فأغرى الأخطل وكان نصرانيا فأجابه وهجا الأنصار هجاءً مقذعا مشهورا .
قلت أن يزيد كان صورة صادقة لجده أبي سفيان ، يؤثر العصبية على كل شيء . وأنت لا تنكر أن يزيد صاحب وقعة الحرّة التي انتهكت فيها حرمات الأنصار في المدينة ، والتي انتقمت فيها قريش من الذين انتصروا عليها في بدر ، والتي لم تقم للأنصار بعدها قائمة . ولأمر ما يقول الرواة حين يقصون وقعة الحرّة إنه قد قتل فيها ثمانون من الذين شهدوا بدراً ، أي من الذين أذلوا قريشاً .
ولستُ في حاجة أن أقص عليك هذه القصة الأخرى التي تمثل لنا عمرو بن العاص وقد ضاق ذرعا بالأنصار حتى كره اسمهم هذا ، وطلب إلى معاوية أن يمحوه ، واضطر النعمان بن بشير وهو الأنصاري الوحيد الذي شايع بني أمية إلى أن يقول :
يا سعدُ لاتجب الدعاء فما لنا نسبٌ نجيب به سوى الأنصارِ
نسـبٌ تخيّــره الإلـــه لقومنــا أثقِــــل بـــه نســبا على الكفارِ
إن الذيــن ثــووا ببـــدرٍ منكمُ يــوم القليبِ هُـــمُ وقـــودُ النارِ
وقد سمع معاوية هذا الشعر فلام عمْرا على تسرعه ليس غير . فلم يكن معاوية أقل بغضا للأنصار وتعصبا لقريش من مشيره عمرو ، أو ولي عهده يزيد . ولكن أصحاب هذه العصبية القرشية كانوا يتفاوتون فيما بينهم تفاوتا شديدا ، فكان منهم المسرف كيزيد ، المقتصد كمعاوية ، وكام منهم من يتجاوز الاقتصاد في العصبية إلى شيء يشبه العطف على الأنصار والرثاء لهم . ولعل الزبير بن العوام كان من هؤلاء العاطفين على الأنصار الراثين لهم الحافظين لعهدهم والراعين لوصية النبي فيهم ؛ فقد يحدثنا الرواة أنه مر بنفر من المسلمين فإذا فيهم حسان ينشدهم ، وهم غير حافلين بما يقول ؛ فلامهم على ذلك وذكرهم موقع شعر حسان من النبي ؛ وأثر ذلك في نفس حسان فقال يمدحه – وأحب أن تلتفت إلى أول هذا الشعر ، فهو حسن الدلالة على ما أريد أن أثبته من دخول الحزن على نفوس الانصار لهذا الموقف الجديد الذي وقفته منهم قريش – :
أقــــام على عهــــد النبي وهديـــــه حواريّــــه والقــولُ بالفعــل يعـدلُ
أقــــام على منهاجـــــه وطريقـــــه يوالي ولي الحــق والحــقُّ أعــدلُ
هو الفارس المشهور والبطـل الذي يصــول إذا ما كان يـــوم محجّـلُ
إذا كشفت عن ساقها الحرب حشّها بأبيـضٍ سبـاقٍ إلى المــوتِ يـرفلُ
وإن امــرأ كانت صفيّــــــة ُ أمّــــه ومــن أســــد في بيتـــها المرفـّــلُ
لــه مــن رســول الله قربى قريبــة ومــن نصــرة الإسلام مجدٌ مؤثلُ
لكــم كربــة ذبّ الزبيــــر بسيفـــه عن المصطفى والله يعطي فيجزلُ
فمـــا مثلـــه فيهـــم ولا كــان قبلـه وليس يكـــون الدّهــر ما دام يذبُلُ
ثنــاؤك خيــر مــن فعــال معاشـر وفعــلكُ يابــن الهاشميـــة أفضــلُ
فانظر إلى هذين البيتين في أول المقطوعة كيف يمثلان ذكر حسان لعهد النبي وحزنه عليه وأسفه على ما فات الأنصار من موالاة النبي لهم وإنصافهم إياهم . ولكن بقية هذه الأبيات تدعو إلى شيء من الاستطراد لا بأس به ؛ لأنه لا يتجاوز الموضوع كثيرا ؛ فقد يظهر من قراءة هذه الأبيات أنه قد قصد بها إلى الإلحاح في مدح الزبير وإحصاء مآثره . وقد يظهر أن في آخرها ضعفا لا يلائم قوة أولها .
وقد روى هذه القصة نفر من آل الزبير ومن أحفاد عبد الله بن الزبير بالدقة . أفتستبعد أن تكون عصبية الزبيريين قد مدّت هذه الأبيات وطوّلتها وتجاوزت بها ما كان قد أراد حسان من الاعتراف بالجميل إلى ما كانت تريد العصبية الزبيرية من تفضيل الزبير على منافسيه أو على منافسي ابنه عبد الله بنوع خاص .
واستطراد آخر لا بأس به ، لأنه يثبت ما نحن فيه أيضا ؛ فقد ذكرت لك ما كان من هجاء الأخطل للأنصار . وهم يتحدثون – كما رأيت – أن النعمان بن بشير غضب لهذا الهجاء وأنشد بين يدي معاوية أبياتا نرويها لك ، فسترى فيها مثل ما رأيت في أبيات حسان من أثر هذه العصبية التي تضيف إلى الشعراء ما لم يقولوا . وقد كان النعمان بن بشير في الأنصار يتعصب لقريش ولبني أمية ، أو قل يمالئهم التماسا للنفع عندهم . وقد تحدثوا أنه كان الأنصاري الوحيد الذي شهد صِفـِّين مع معاوية ، كما كان الزبير من هذه القلة القرشية التي كانت تعطف على الأنصار ذكراً لعهد النبي ، أو احتفاظاً بمودة الأنصار ليوم الحاجة . قال النعمان بن بشير لمعاوية :
معاويَ إلا تعطنا الحــــقّ تعتـرف لحى الأزد مشدودا عليهـا العمائمُ
أيشتمنا عبـــدُ الأراقــــــــــم ضَلـّة وماذا الذي تجــــدي عليك الأراقمُ
فمـــا ليَ ثأرٌ دون قطــــــع لسانـه فدونك مــن تـُرضيه عنك الدراهمُ
وراعِ رويــــــدا لا تسُمنـــــا دنيّـة لعـــــلك في غِبِّ الحـــــوادث نادمُ
متى تلقَ منــــــا عصبة خزرجيـة أو الأوسَ يومـا تخترمك المخارمُ
وتلقاك خيلٌ كالقطـا مستطيــــــرة شماطيــط أرســالٌ عليهـا الشكائمُ
يسوّمها العَمران عمرو بـن عامـر وعِمـــرانُ حتى تستبـاح المحارمُ
ويبدو من الخــوْد العزيـزة حجلها وتبيضّ من هـول السيوف المقادمُ
فتطلب شعْب الصــدع بعـد التئامه فتغــــــريه فالآن والأمـــر ســـالمُ
وإلا فثــــــوبي لأمــــــــة تـُبّعيّــــة تواريثُ آبـــائي وأبيــــضُ صارمُ
وأسمـــرُ خــــطيٌّ كــــــأنّ كعوبـه نوى القسْب فيهــــا لهْذميٌّ خـُثارمُ
فإن كنتَ لم تشهــــد ببـــدر وقيعـة أذلت قريشـــا والأنــــوفُ رواغم
فسائــــل بنــا حيّيْ لؤيّ بـن غالب وأنت بمــا يخفى مــن الأمر عالمُ
ألمْ تتبــــدّر يـــــوم بــــــدر سيوفنا وليلك عمـــا نـــاب قومـــكَ قــاتمُ
ضربناكـُــمُ حتى تفــــــرّق جمعكم وطـــارت أكفٌ منكـُــــمُ وجماجمُ
وعادت على البيت الحرام عرائس وأنت على خـــوف عليـك التمائمُ
وعضّت قريش بالأنــــامل بـِغضَة ومن قبل ما عضّت عليك الأداهمُ
فكنــا لهــا في كل أمـــر نكيــــــدهُ مكان الشجـــا والأمــرُ فيـــه تفاقمُ
فمــا إن رمى رامٍ فـأوهى صفاتنـا ولا ضامنا يوما مـن الدّهر ضائمُ
وإني لأغضي عــن أمـــور كثيرة سترقى بهـــا يومـــا إليك السلالمُ
أصانـــعُ فيهـــا عبــدَ شمسٍ وإنني لتـــلك التي في النفــس مني أكاتمُ
فمــا أنت والأمــر الذي لستَ أهلهُ ولكــن وليّ الحــق والأمـرِ هاشمُ
إليــهم يصيــر الأمــرُ بعـــد شتاته فمــن لك بالأمــر الذي هــو لازمُ
بهـم شـرّع الله الهـدى فاهتدى بهم ومنــــهم لــه هـــادٍ إمــــامٌ وخاتمُ
ابو تراجى
12-21-2009, 12:27 PM
فظاهر جدا أن هذه الأبيات الثلاثة الأخيرة على أقل تقدير قد حملت على النعمان بن بشير حملا ، حملها عليه الشيعة . ومع أننا نعلم أن الأنصار حين أخطأهم الحكم فاضطغنوا على قريش مالوا بطبيعة موقفهم السياسي إلى تأييد الحزب المناوئ لبني أمية ، فانضمّوا إلى علي ، فلسنا نشك في أن النعمان بن بشير لم يكن هاشمي المذهب ولا علويّ الرأي ، إنما كان أمويا أو بعبارة أصح : سُفيانيا . فلما أحس انتقال الأمر من آل أبي سفيان إلى مروان بن الحكم تحوّل عن الأمويين إلى إبن الزبير وقتل في ذلك .
فأنت ترى إلى أي حد كانت العصبية قد انتهت بقريش والأنصار . وأنت ترى تأثيرها في الشعر والشعراء . وأن ترى من هذين الاستطرادين كيف استغلت العصبية الزبيرية والهاشمية شعر حسان وشعر النعمان بن بشير لمناهضة خصومها . ولكنني لم أفرغ بعدُ من أمر هذه العصبية بين قريش والأنصار وتأثيرها في الشعر والشعراء ، ولا أريد أن أدع هذه العصبية دون أن أذكر ما كان بين عبد الرحمن بن حسان وعبد الرحمن بن الحكم أخي الخليفة مروان من هذا النضال العنيف الذي لم تبق لنا منه إلا آثار ضئيلة .
والرواة يختلفون في أصل هذه المهاجاة بين هذين الرجلين . وهم مضطرون إلى أن يختلفوا ؛ فقد دخلت العصبية في الرواية أيضا . أما الأنصار فكانوا يتحدثون أن هذين الرجلين كانا صديقين ؛ ولكن عبد الرحمن بن حسان الأنصاري كان يحب امرأة صاحبه القرشيّ ويختلف إليها ؛ فبلغ ذلك صاحبه فراسل امرأة عبد الرحمن بن حسان ؛ وأنبأت هذه زوجها فاحتال حتى حمل امرأة صاحبه على أن تزوره في بيته ؛ وأخفاها في إحدى الحجر ؛ واحتالت امرأته حتى حملت القرشيّ على أن يزورها ؛ فلما استقر به المقام عندها أقبل زوجها فأرادت أن تخفيه فأدخلته في إحدى الحجر ، فإذا هو يرى امرأته ؛ ففسد الأمر بين الصديقين . وأما قريش فكانت تروي القصة نفسها ، ولكنها تعكسها وتظهر صاحبها مظهر الوفي لصديقه بأنه كانت تأتيه رسائل امرأة عبد الرحمن بن حسان فلا يجيبها إلى ما كانت تريد رعاية لحرمة الصديق .
وليس من شك في أن هذه القصة خيال كانت تتفكه به الأنصار وقريش بعد أن هدأت نار الخصومة العملية بينهما ، وأن ما يرويه صاحب الأغاني عن أصل هذه المهاجاة بعيد كل البعد عن النساء :
كان الصديقان يتصيّدان بأكلب لهما ، فقال القرشيّ لصاحبه :
أزجر كلابك إنها قـَلـَطِيّة ٌ بُقـْعٌ ومثلُ كلابكم لم تصطدِ .
فرد عليه حسان :
من كان يأكل من فريسة صيده فالتمــرُ يغنينــا عــن المتصيّدِ
إنـــا أنـــاسٌ ريِّـقـــون وأمكـــــم ككلابكــم في الولــغ والمتردّدِ
حزناكـُـــمُ للضّــبّ تحترشــونهُ والريـفُ يمنعكـــم بكـــل مهنّدِ
وعظم الشر بين الصديقين منذ ذلك اليوم .
ولعل عبد الرحمن بن حسان قد أحسن تصوير نفسية الأنصار حين قال :
صار الذليـلُ عزيـزا والعزيـزُ به ذلّ وصـار فروع النـاس أذنابا
إني لملتمــس حتى يبيـــــن لكــــم فيكــم متى كنتــــمُ للناس أربابا
وفارقوا طلعكم ثم انظروا وسلوا عنا وعنكــم قديـم العلــم أنسابا
على أن الأمر تجاوز هذين الشاعرين ، فاستعان القرشي بشعراء من مضر وربيعة . ثم تجاوز الأمر الشعر والشعراء وانتهى إلى معاوية ، فأرسل إلى سعيد بن العاصي ، وكان واليه على المدينة ، يأمره بأن يضرب كلا من الشاعرين مائة سوط ، وكان سعيد عطوفا على الأنصار في أيام معاوية كما كان الزبير عطوفا عليهم أيام عمر ؛ وكانت بين سعيد وعبد الرحمن بن حسان مودّة فكره أن يضربه ، وكره أيضا أن يضرب القرشي فعطل أمر معاوية . غير أنه لم يلبث أن ترك ولاية المدينة لمروان بن الحكم الذي أسرع فتعصّب لأخيه وضرب عبد الرحمن بن حسان مائة سوط . هنا ذكر عبد الرحمن بن حسان أن للأنصار سفيرا في الشأم هو النعمان بن بشير فكتب إليه :
ليت شعــري أغائب أنت بالشأ م خليــــــلي أم راقـــــد نعمـــانُ
أيّــة ً مــا تكـن فقــد يرجع الغا ئب يومــــا ويوقـــــظ الوســنانُ
إن عمْــراً وعامـــراً أبوينـــــــا وحرامـا قدمــا على العهـد كانوا
إنهــم مانعــوك أم قلـــــــة الكتـّ ـابِ أم أنت عــــاتب غضبـــــانُ
أم جفـــاء أم أعوزتـك القراطيـ س أم أمـــري بــــه عليك هوانُ
يــوم أنبئـــت أنّ ســـاقيَ رُضـّ ـت وأتتــــــكم بــــذلك الركبـــانُ
ثــم قالـــوا إن ابن عمّك في بلـ ـوى أمــــورٍ أتى بهــــا الحدثانُ
فنسيت الأرحام والـودّ والصحـ ـبة فيمــــا أتت بـــــه الأزمـــانُ
إنمـــا الرمــــحُ فاعلمـــنّ قنــاة ٌ أو كبعضِ العيــدانِ لولا السنانُ
قالوا : فدخل النعمان بن بشير على معاوية ، فذكر له أن سعيدا عطّل أمره ، وأن مروان أنفذه في الأنصاري وحده ؛ قال معاوية : فتريد ماذا ؟ قال النعمان : أريد أن تعزم على مروان ليُمضين أمرك في الرجلين جميعاً . ويروى أن النعمان قال في ذلك هذه الأبيات :
يابن أبي سفيــان مــا مثلـُنا جــــــارَ عليـــــــه ملك أو أمير
أذكــر بنـــا مقــــدم أفراسنا بالحنـْـــو إذا أنت إلينـــــــا فقير
واذكر غداة السّاعديّ الذي آثركـــم بالأمــــر فيهــــــا بشير
فاحذر عليهم مثل بدر وقـد مرّ بكــــم يـــومٌ ببـــــدرٍ عسير
إن ابــن حسّـــان لــــه ثائر فاعطه الحــق تصـــحّ الصدور
ومـثــل أيـــام لـنـــا شـتتت ملكـــا لكــــم أمرك فيهـا صغير
أما تــــرى الأزد وأشياعها تجــولُ خـــزرا كاظمـات تزير
يصـول حولي منهمُ معشر إن صلتُ صالوا وهم لي نصير
يأبى لنـا الضيمُ فلا نـُعتـَلى عزٌ منيــــــعٌ وعديــــــد كثيـــــر
وعنصـرٌ في غزِّ جُرثومة عاديّـــة تنقــــلُ عنهــا الصخور
وانتهى أمر معاوية إلى مروان ، فضرب أخاه خمسين سوطا ، واستعفى عبد الرحمن بن حسان في الباقي فعفا . ولكنه أخذ يذيع في المدينة أن مروان قد ضربه حدّ الحرّ مائة صوت وضرب أخاه حدّ العبد خمسين ، فشقـّت هذه المقالة على عبد الرحمن بن الحكم وأقبل على أخيه فطلب إليه أن يتم عليه المائة ففعل . واتصل الهجاء بين الرجلين .
ولقد يستطيع الكاتب في التاريخ السياسي أن يضع كتابا خاصا ضخما في هذه العصبية بين قريش والأنصار ، وما كان لها من التأثير في حياة المسلمين أيام بني أمية ، لا نقول في المدينة ومكة ودمشق ، بل نقول في مصر وأفريقيا والأندلس . ويستطيع الكاتب في تاريخ الأدب أن يضع سفرا مستقلا فيما كان لهذه العصبية بين قريش والأنصار من التأثير في شعر الفريقين الذي قالوه في الإسلام ، وفي الشعر الذي انتحله الفريقان على شعرائهما في الجاهلية . هذا دون أن يتجاوز المؤرخ السياسي أو الأدبي الخصومة بين قريش والأنصار ، فكيف إذا تجاوزها إلى الخصومة بين القبائل الأخرى ! ذلك أن العصبية لم تكن مقصورة على أهل مكة والمدينة ، ولكنها تجاوزتهم إلى العرب كافة ، فتعصّبت العدنانية على اليمانية ؛ وتعصّبت مضر على بقية عدنان ؛ وتعصّبت ربيعة على مضر ؛ وانقسمت مضر نفسها فكانت فيها العصبية القيسيّة والتميمية والقرشية . وانقسمت ربيعة فكانت فيها عصبية تغـْلِب وعصبيّة بكر . وقل مثل ذلك في اليمن ؛ فقد كانت للأزد عصبيّتها ، ولحمْيَر عصبيّتها ، ولقضاعة عصبيّتها .
وكانت كل هذه العصبيات تتشعّب وتتفرع وتمتد أطرافها وتتشكل بأشكال الظروف السياسية والإقليمية التي تحيط بها ؛ فلها شكل في الشأم ، وآخر في العراق ، وثالث في خراسان ، ورابع في الأندلس . وأنت تعلم حق العلم أن هذه العصبية هي التي أزالت سلطان بني أميّة ؛ لأنهم عدلوا عن سياسة النبي التي كانت تريد محو العصبيات ، وأرادوا أن يعتزوا بفريق من العرب على فريق . قوّوا العصبيّة ثم عجزوا عن ضبطها ، فأدالت منهم ، بل أدالت من العرب للفرس .
وإذا كان هذا تأثير العصبيّة في الحياة السياسية وقد رأيت طرفا يسيرا من تأثيرها في الشعر والشعراء ، فأنت تستطيع أن تتصوّر هذه القبائل العربية في هذا الجهاد السياسي العنيف ، تحرص كل واحدة منها على أن يكون قديمها في الجاهلية خير قديم ، وعلى أن يكون مجدها في الجاهلية رفيعا مؤثلا بعيد العهد . وقد أرادت الظروف أن يضيع الشعر الجاهلي ، لأن العرب لم تكن تكتب شعرها بعد ، وإنما كانت ترويه حفظا . فلما كان ما كان في الإسلام من حروب الردّة ثم الفتوح ثم الفتن ، قتل من الرواة والحفـّاظ خلقٌ كثير . ثم اطمأنت العرب في الأمصار أيام بني أميّة وراجعت شعرها ، فإذا أكثره قد ضاع ، وإذا أقلّه قد بقي . وهي بعد في حاجة إلى الشعر تقدّمه وقودا لهذه العصبية المضطرمة . فاستكثرت من الشعر وقالت منه القصائد الطوال وغير الطوال ونحلتها شعراءها القدماء .
وليس هذا شيئا نفرضه نحن أو نستنبطه استنباطا ، وإنما هو شيء كان يعتقده القدماء أنفسهم . وقد حدّثنا به محمد بن سلاَم في كتابه "طبقات الشعراء" . وهو يحدّثنا بأكثر من هذا ؛ يحدّثنا بأن قريشا كانت أقل العرب شعراً في الجاهليّة ، فاضطرها ذلك إلى أن تكون أكثر العرب انتحالا للشعر في الإسلام . وابن سلاّم يحدثنا عن يونس بن حبيب أنه نقل عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقول : ما بقي لكم من شعر الجاهلية إلا أقلّه ولو جاءكم وافراً لجاءكم علمٌ وشعرٌ كثير .
ولابن سلاّم مذهب من الاستدلال لإثبات أن أكثر الشعر قد ضاع ، لا باس بأن نلم به إلمامة قصيرة . فهو يرى أن طَرَفة بن العبد وعبيد بن الأبرص من أشهر الشعراء الجاهليين وأشدّهم تقدّما . وهو يرى أن الرواة الصحيحين لم يحفظوا لهذين الشاعرين إلا قصائد بقدر عشر . فهو يقول : إن لم يكن هذان الشاعران قد قالا إلا ما يحفظ لهما فهما لا يستحقان هذه الشهرة وهذا التقدّم ؛ وإذن فقد قالا شعرا كثيرا ولكنه ضاع ، ولم يبق منه إلا هذا القليل . وشق على الرواة أو على غير الرواة ألا يُروى لهذين الشاعرين إلا قصائد بقدر عشر فأضافوا إليهما ما لم يقولا ، وحُمل عليهما كما يقول ابن سلاّم حمل كثير .
ولكن ابن سلاّم لا يقف عند هذا الحد ، بل هو ينقد ما كان يرويه ابن اسحاق وغيره من أصحاب السِّيَر من الشعر يضيفونه إلى عادٍ وثمود وغيرهم ، ويؤكد أن هذا الشعر منحول مختلق . وأي دليل على ذلك أوضح من هذه النصوص القرآنية التي تثبت أن الله قد أباد عاداً وثمود ولم يبق منهم باقية !
وسنعرض بعد قليل لهذا النحو من شعر عاد وثمود وغير عاد وثمود . ولكننا إنما ذكرناه الآن لنبين كيف كان القدماء يتبيّنون كما نتبين ويحسّون كما نحس أن هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين أكثره منحول ، لأسباب منها السياسي ومنها غير السياسي . كان القدماء يتبيّنون هذا . ولكن مناهجهم في النقد كانت أضعف من مناهجنا ؛ فكانوا يبدؤون ثم يقصرون عن الغاية . ومن هنا زعم ابن سلاّم أنه يستطيع أن يروي لنا شيئا من أوّليّة الشعر العربي . فروى أبياتا تنسب لجذيمة الأبرش ، وأخرى تنسب لزهير بن جناب ، ونحو هذا . وسترى أننا نحن لا نستطيع أن نقبل هذا الشعر ، كما أن ابن سلاّم لم يستطع أن يقبل شعر عاد وثمود .
ومهما يكن من شيء فإن هذا الفصل الطويل ينتهي بنا إلى نتيجة نعتقد أنها لا تقبل الشك ، وهي أن العصبيّة وما يتصل بها من المنافع السياسية قد كانت من أهم الأسباب التي حملت العرب على انتحال الشعر وإضافته إلى الجاهليين . وقد رأيت أن القدماء قد سبقونا إلى هذه النتيجة . وأريد أن ترى أنهم قد شقوا بها شقاءً كثيرا . فابن سلاّم يحدّثنا بأن أهل العلم قادرون على أن يميزوا الشعر الذي ينتحله الرواة في سهولة ، ولكنهم يجدون مشقة وعسرا في تمييز الشعر الذي ينتحله العرب أنفسهم . ونحن لا نقف عند استخلاص هذه النتيجة وتسجيلها ، وإنما نستخلص منها قاعدة علمية وهي أن مؤرخ الآداب مضطر حين يقرأ الشعر الذي يسمّى جاهليا أن يشك في صحّته كلما رأى شيئا من شأنه تقوية العصبية أو تأييد فريق من العرب على فريق . ويجب أن يشتد هذا الشك كلما كانت القبيلة أو العصبيّة التي يؤيدها هذا الشعر قبيلة أو عصبيّة قد لعبت - كما يقولون - دورا في الحياة السياسية للمسلمين .
" 3 "
الدين وانتحال الشعر
ولم تكن العواطف والمنافع الدينية أقل من العواطف والمنافع السياسية أثرا في تكلف الشعر وانتحاله وإضافته إلى الجاهليين . لا نقول في العصور المتأخرة وحدها . بل فيها وفي العصر الأموي أيضا . وربما ارتقى عصر الانتحال المتأثر بالدين إلى أيام الخلفاء الراشدين أيضا . ولو أن لدينا من سعة الوقت وفراغ البال ما يحتاج إليه هذا الموضوع للهونا وألهينا القارئ بنوع من البحث لا يخلو من فائدة علمية أدبية قيمة . وهو أن نضع تاريخا لهذا الانتحال المتأثر بالدين .
فنحن نرى أنه تشكل أشكالا مختلفة دعت إليها الظروف المختلفة التي أحاطت بالحياة الدينية للعرب خاصة وللمسلمين عامة . فكان هذا الانتحال في بعض أطواره يقصد به إلى إثبات صحة النبوة وصدق النبي ؛ وكان هذا النوع موجها إلى عامة الناس . وأنت تستطيع أن تحمل على هذا كل ما يروى من هذا الشعر الذي قيل في الجاهلية ممهدا لبعثة النبي وكل ما يتصل به من هذه الأخبار والأساطير التي تروى لتقنع العامة بأن علماء العرب وكهّانهم وأحبار اليهود ورهبان النصارى كانوا ينتظرون بعثة نبي عربي يخرج من قريش أو من مكة . وفي سيرة ابن هشام وغيرها من كتب التاريخ والسير ضروب كثيرة من هذا النوع . وأنت تستطيع أن تحمل على هذا لونا آخر من الشعر المنتحل لم يضف إلى الجاهليين من عرب الإنس وإنما أضيف إلى الجاهليين من عرب الجن . فقد يظهر أن الأمة العربية لم تكن أمة من الناس الذين ينتسبون إلى آدم ليس غير ، وإنما كان بإزاء هذه الأمة الإنسية أمة أخرى من الجن كانت تحيا حياة الإنسية وتخضع لما تخضع له من المؤثرات . وتحس مثلما تحس ، وتتوقع مثل ما تتوقع . وكانت تقول الشعر ، وكان شعرها أجود من شعر الإنس ، بل كان شعراؤها هم الذين يلهمون شعراء الإنس فأنت تعرف قصة عبيد وهبيد . وأنت تعرف أن الأعراب والرواة قد لهوا بعد الإسلام بتسمية الشياطين الذين كانوا يلهمون الشعراء قبل النبوة وبعدها . وفي القرآن سورة تسمى "سورة الجن" أنبأت بأن الجن استمعوا للنبي وهو يتلو القرآن فلانت قلوبهم وآمنوا بالله وبرسوله ، وعادوا فأنذروا قومهم ودعوهم إلى الدين الجديد . وهذه الصورة تنبئ أيضا بأن الجن كانوا يصعدون في السماء يسترقون السمع . ثم يهبطون وقد ألموا إلماما يختلف قوة وضعفا بأسرار الغيب ؛ فلما قارب زمن النبوة حيل بينهم وبين استراق السمع فرُجموا بهذه الشهب وانقطعت أخبار السماء عن أهل الأرض حينا . فلم يكد القصاص والرواة يقرؤون هذه السورة وما يشبهها من الآيات التي فيها حديث عن الجن حتى ذهبوا في تأويلها كل مذهب واستغلوها استغلالا لا حد له ، وأنطقوا الجن بضروب من الشعر وفنون من السجع ، ووضعوا على النبي نفسه أحاديث لم يكن بدّ منها لتأويل آيات القرآن على النحو الذي يريدونه ويقصدون إليه .
وأعجب من هذا أن السياسة نفسها قد اتخذت الجن أداة من أدواتها وأنطقتها بالشعر في العصر الإسلامي نفسه . فقد أشرنا في هذا الفصل السابق إلى ما كان من قتل سعد بن عبادة ، ذلك الأنصاريّ الذي أبى أن يذعن بالخلافة لقريش ، وقلنا أنهم تحدثوا أن الجن قتلته . وهم لم يكتفوا بهذا الحديث ، وإنما رووا شعرا قالته الجن تفتخر فيه بقتل سعد بن عبادة هذا :
قد قتلنا سيد الخز رج سعــد بن عبادة
ورمينــاهُ بسهميـ ـن فلم نخطئ فؤاده
وكذلك قالت الجن شعرا رثت عمر بن الخطاب :
أبعـــد قتيل بالمدينـــــة أظلمتْ له الأرض تهتز العضاهُ بأسوقِ
جزى الله خيرا من إمـامٍ وباركت يد الله في ذلك الأديم الممزقِ
فمن يسع أو يركبْ جناحي نعامةٍ ليدرك مـا حاولت بالأمس يُسْبَقِ
قضت أمورا ثم غادرت بعدها بوائقَ في أكمامها لــــم تـُفتقِ
ومـا كنتُ أخشى أن تكون وفاته بكفيّ سبتني أزرق العين مُطرق
ابو تراجى
12-21-2009, 12:28 PM
والعجب أن أصحاب الرواية مقتنعون بأن هذا الكلام من شعر الجن . وهم يتحدثون في شيء من الانكار والسخرية بأن الناس قد أضافوا هذا الشعر إلى الشماخ بن ضرار .
ولنعد إلى ما نحن فيه فقد أظهرناك على نحو من انتحال الشعر على الجن والإنس باسم الدين . والغرض من هذا الانتحال
- فيما نرجح
- إنما هو إرضاء حاجات العامة الذي يريدون المعجزة في كل شيء ، ولا يكرهون أن يقال لهم إن من دلائل صدق النبي في رسالته إنه كان منتظرا قبل أن يجيء بدهرٍ طويل ، تحدّثت بهذا الانتظار شياطين الجن وكهان الإنس وأحبار اليهود ورهبان النصارى .
وكما أن القصاص المنتحلين قد اعتمدوا على الآيات الذي ذكرت فيها الجن ليخترعوا ما اخترعوا من شعر الجن وأخبارهم المتصلة بالدين ، فهم قد اعتمدوا على القرآن أيضا فيما رووا وانتحلوا من الأخبار والأشعار والأحاديث التي تضاف إلى الأحبار والرهبان . فالقرآن يحدثنا بأن اليهود والنصارى يجدون النبي مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل . وإذاً يجب أن نخترع القصص والأساطير وما يتصل بها من الشعر ليثبت أن المخلصين من الأحبار والرهبان كانوا يتوقعون بعثة النبي ويدعون الناس إلى الإيمان به حتى قبل أن يظِل الناس زمانه .
ونوع آخر من تأثير الدين في انتحال الشعر وإضافته إلى الجاهليين ، وهو ما يتصل بتعظيم شأن النبي من ناحية أسرته ونسبه في قريش . فلأمرٍ ما اقتنع الناس بأن النبي يجب أن يكون صفوة بني هاشم ، وأن يكون بنو هاشم صفوة بني عبد مناف ، وأن يكون بنو عبد مناف صفوة بني قصي ، وأن يكون قصي صفوة قريش ، وقريش صفوة مضر ، ومضر صفوة عدنان ، وعدنان صفوة العرب ، والعرب صفوة الإنسانية كلها . وأخذ القصاص يجتهدون في تثبيت هذا النوع من التصفية والتنقية وما يتصل منه بأسرة النبي خاصة ، فيضيفون إلى عبدالله وعبدالمطلب وهاشم وعبدمناف وقصي من الأخبار ما يرفع شأنهم ويعلي مكانتهم ويثبت تفوقهم على قومهم خاصة وعلى العرب عامة . وأنت تعلم أن طبيعة القصص عند العرب تستتبع الشعر ، ولا سيما إذا كانت العامة هي التي تراد بهذا القصص .
وهنا تتظاهر العواطف الدينية والعواطف السياسية على انتحال الشعر . فقد أرادت الظروف أن تكون الخلافة والملك في قريش رهط النبي ، وأن تختلف قريش حول هذا الملك ، فيستقر حينا في بني أمية وينتقل منهم إلى بني هاشم رهط النبي الأدنين . ويشتد التنافس بين أولئك وهؤلاء ويتخذ أولئك وهؤلاء القصص وسيلة من وسائل الجهاد السياسي . فأما في أيام بني أمية فيجتهد القصاص في إثبات ما كان لأمية من مجد في الجاهلية . وأما في أيام العباسيين فيجتهد القصاص في إثبات ما كان لبني هشام من مجد في الجاهلية . وتشتد الخصومة بين قصاص هذين الحزبين السياسيين ، وتكثر الروايات والأخبار والأشعار .
ثم لا يقتصر الأمر على هذين الصنوين من بني عبد مناف ؛ فالارستقراطية القرشية كلها طموحة إلى المجد حريصة على أن يكون لها حظ منه في قديمها كما أن لها حظا منه في حديثها . وإذاً فالبطون القرشية على اختلافها تنتحل الأخبار والأشعار وتغري القصاص وغير القصاص بانتحالها . ولا أصل لهذا كله إلا أن قريشا رهط النبي من ناحية ، وأن الملك قد استقر فيها من ناحية أخرى . فانظر إلى تعاون العواطف الدينية والسياسية على انتحال الشعر أيام بني أمية وبني العباس .
ولست في حاجة إلى أن أضرب لك الأمثال . فأنت تستطيع أن تنظر في سيرة ابن هشام وغيرها من كتب السير والتاريخ لترى من هذا كله الشيء الكثير . وإنما أضرب لك مثلا واحدا يوضح ما ذهبت إليه من أن بطون قريش كانت تحث على انتحال الشعر منافسة للأسرة المالكة ، أموية كانت أو هاشمية . وهذه القصة التي سأرويها تمس رهط بني مخزوم من قريش ، وهي تعطيك مثلا صادقا قويا لحرص قريش على انتحال الشعر لا تتحرج في ذلك ولا ترعى فيه صدقا ولا دينا .
تحدث صاحب الأغاني بإسناد له عن عبد العزيز بن أبي نهشل قال : قال لي أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وجئته أطلب منه مغرما : يا خال هذه أربعة آلاف درهم وانشد هذه الأبيات الأربعة وقل سمعت حسّانا ينشدها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقلت أعوذ بالله أن أفتري على الله ورسوله ، ولكن إن شئت أن أقول سمعت عائشة تنشدها فعلت ؛ فقال : لا ، إلا أن تقول سمعت حسّانا ينشدها رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ؛ فأبى عليّ وأبيتُ عليه ؛ فأقمنا لذلك لا نتكلم عدة ليال . فأرسل إليّ فقال قل أبياتا تمدح بها هشاما
– يعني ابن المغيرة
– وبني أمية ؛ فقلت سمِّهم لي ؛ فسمّاهم ، وقال اجعلها في عكاظ واجعلها لأبيك ؛ فقلت :
ألا لله قــــــــــــــومٌ و لدت أختُ بني سهم
هشامٌ وأبـــــــو عبدِ منافٍ مِدرهُ الخصم
وذو الرمحين أشــباك على القـــوة والحزم
فهــــــذان يــــــذودان وذا من كَثبٍ يرمي
أســودٌ تزهي الأقرا ن منـّاعـون للهضم
وهم يوم عكاظٍ منعوا النــــاس مـــن الهزم
وهم من ولدوا أشبوا بسر الحسَبِ الضخم
فإن أحلف وبيت الله لا أحلف على إثــــــــم
لما مـــن أخوة تبني قصور الشأم والرّدْم
بأزكى من بني رَيطة أو أوزنَ في الحـلم
قال : ثم جئت فقلت : هذه قالها أبي ؛ فقال لا ، ولكن قل قالها ابن الزبعرى ؛ قال فهي إلى الآن منسوبة في كتب الناس إلى ابن الزبعرى .
فانظر إلى عبد الرحمن بن الحارث بن هشام كيف أراد صاحبه على أن يكذب وينتحل الشعر على حسّان ؛ ثم لا يكفيه هذا الانتحال حتى يذيع صاحبه أنه سمع حسّانا ينشد هذا الشعر بين يدي النبي ، كل ذلك بأربعة آلاف درهم . ولكن صاحبنا كره أن يكذب على النبي بهذا المقدار ، واستباح أن يكذب على عائشة . وعبد الرحمن لا يرضيه إلا الكذب على النبي ؛ فاختصما . وكلاهما شديد الحاجة إلى صاحبه ، هذا يريد شعرا لشاعر معروف ، والآخر يريد المال ؛ فيتفقان آخر الأمر على أن ينحل الشعر عبد الله بن الزبعرى شاعر قريش . ومثل هذا كثير .
نحو آخر من تأثير الدين في انتحال الشعر وهو هذا الذي يلجأ إليه القصاص ما يجدونه مكتوبا في القرآن من أخبار الأمم القديمة البائدة كعاد وثمود ومن إليهم . فالرواة يضيفون إليهم شعرا كثيرا . وقد كفانا ابن سلاّم نقده وتحليله حين جد في طبقات الشعراء في إثبات أن هذا الشعر وما يشبهه مما يضاف إلى تبّع وحِميَر موضوعٌ منتحل ، وضعه ابن اسحق وما إليه من أصحاب القصص . وابن اسحاق ومن إليه من أصحاب القصص لا يكتفون بالشعر يضيفونه إلى عادٍ وثمود وتبّع وحِميَر وإنما هم يضيفون الشعر إلى آدم نفسه ، فهم يزعمون أنه رثى هابيل حين قتله أخوه قابيل . ونظن أن من الإطالة والإملال أن نقف عند هذا النحو من السخف .
ونحو آخر من تأثير الدين في انتحال الشعر ، وذلك حين ظهرت الحياة العلمية عند العرب بعد أن اتصلت الأسباب بينهم وبين الأمم المغلوبة . فأرادوا هم أو الموالي أو أولئك وهؤلاء أن يدرسوا القرآن درسا لغويا ويثبتوا صحة ألفاظه ومعانيه . ولأمر ما شعروا بالحاجة إلى إثبات أن القرآن كتاب عربي مطابق في ألفاظه للغة العرب . فحرصوا على أن يستشهدوا على كل كلمة من كلمات القرآن بشيء من شعر العرب يثبت أن هذه الكلمة القرآنية عربية لا سبيل إلى الشك في عربيتها . وأنت توافقني في غير مشقة على أن من العسير كما قدمتُ في الكتاب الأول أن نطمئن إلى كل هذا الشعر الذي يستشهد به الرواة والمفسرون على ألفاظ القرآن ومعانيه . وقد عرفت رأينا في ذلك وفي قصة عبدالله بن عباس ونافع بن الأزرق ؛ فلا حاجة إلى أن نعيد القول فيه . وإنما نعيد شيئا واحدا هو أننا نعتقد أنه إذا كان هناك نص عربي لا تقبل لغته شكا ولا ريبا وهو لذلك أوثق مصدر للغة العربية فهو القرآن . وبنصوص القرآن وألفاظه يجب أن نستشهد على صحة ما يسمونه الشعر الجاهلي بدل أن نستشهد بهذا الشعر على نصوص القرآن .
ولستُ أفهم كيف يمكن أن يتسرب الشك إلى عالم جاد في عربية القرآن واستقامة ألفاظه وأساليبه ونظمه على ما عرف العرب أيام النبي من لفظ ونظم وأسلوب ! وإنما هناك مسألة أخرى وهي أن العلماء وأصحاب التأويل من الموالي بنوع خاص لم يتفقوا في كثير من الأحيان على فهم القرآن وتأويل نصوصه ، فكانت بينهم خصومات في التأويل والتفسير . وعن هذه الخصومات نشأت خصومات أخرى بين الفقهاء وأصحاب التشريع .
وهنا نوع جديد من تأثير الدين في انتحال الشعر . فهذه الخصومات بين العلماء كان لها تأثير غير قليل في مكانة العالِم وشهرته ورأي الناس فيه وثقة الأمراء والخلفاء بعلمه . ومن هنا كان هؤلاء العلماء حِراصا على أن يظهروا دائما مظهر المنتصرين في خصوماتهم الموفـّقين إلى الحق والصواب فيما يذهبون إليه من رأي . وأي شيء يتيح لهم هذا مثل الاستشهاد ؛ فاستشهدوا بشعر الجاهليين على كل شيء ، وأصبحت قراءة الكتب الأدبية واللغوية وكتب التفسير والمقالات تترك في نفسك أثرا قويا وصورة قريبة لهذا الشعر العربي الجاهلي ، حتى ليخيل إليك أن أحد هؤلاء العلماء على اختلاف ما كان ينظر فيه من فروع العلم لم يكن عليه إلا أن يمد يده إذا احتاج فيظفر بما شاء الله من كلام العرب قبل الإسلام ، كأن كلام العرب قبل الإسلام قد وعى كل شيء وأحصى كل شيء ، هذا وهم مجمعون على أن هؤلاء الجاهليين الذين قالوا في كل شيء كانوا جهلة غلاظا فظاظا . أفترى إلى هؤلاء الجهال الغلاظ يستشهد بجهلهم وغلظتهم على ما انتهت إليه الحضارة العباسية من علم ودقة فنية ! فالمعتزلة يثبتون مذاهبهم بشعر العرب الجاهليين . وغير المعتزلة من أصحاب المقالات ينقضون آراء المعتزلة معتمدين على شعر الجاهليين . وما أرى إلا أنك ضاحك مثلي أمام هذا الشطر الذي رواه بعض المعتزلة ليثبت أن كرسي الله الذي وسع السموات والأرض هو علمه ؛ وهذا الشطر هو قول الشاعر (المجهول طبعا) : "ولا بكرسي علم الله مخلوق" .
وكذب أصحاب العلم على الجاهليين كثير لا سبيل إلى إحصائه أو استقصائه . فهو ليس مقصورا على رجال الدين وأصحاب التأويل والمقالات ورجال اللغة وأهل الأدب ، وإنما هو يجاوزهم إلى غيرهم من الذين قالوا في العلم مهما يكن الموضوع الذي تناولوه .
لأمر ما كان البدع في العصر العباسي عند فريق من الناس أن يردّ كل شيء إلى العرب حتى الأشياء التي استحدثت أو جاء بها المغلوبون من الفرس والروم وغيرهم . وإذا كان الأمر كذلك فليس لانتحال الشعر على الجاهليين حد . وأنت إذا نظرت في كتاب الحيوان للجاحظ رأيت من هذا الانتحال ما يقنعك ويرضيك .
ولكني لا أريد أن أبعد عما أنا فيه من تأثير العواطف والمنافع الدينية في انتحال الشعر وإضافته إلى الجاهليين . وقد رأينا إلى الآن فنونا من هذا التأثير ؛ ولكننا لم نصل بعد إلى أعظم هذه الفنون كلها خطرا وأبعدها أثرا وأشدها عبثا بعقول القدماء والمحدثين ، وهو هذا النوع الذي ظهر عندما استؤنف الجدال في الدين بين المسلمين وأصحاب الملل الأخرى ، ولا سيما اليهود والنصارى . هذا الجدل الذي قوى بين النبي وخصومه ، ثم هدأ بعد أن تم انتصار النبي على اليهود والوثنيين في بلاد العرب ، وانقطع أو كاد ينقطع أيام الخلفاء الراشدين؛ لأن الكلمة في أيام هؤلاء الخلفاء لم تكن للحجة ولا للسان ، وإنما كانت لهذا السيف الذي أزال سلطان الفرس واقتطع من دولة الروم الشأم وفلسطين ومصر وقسما من أفريقيا الشمالية . فلما انتهت هذه الفتوح واستقر العرب في الأمصار واتصلت الأسباب بينهم وبين المغلوبين من النصارى وغير النصارى استؤنف هذا الجدال وأخذ صورة أقرب إلى النضال منها إلى أي شيء آخر . وذهب المجادلون في هذا النوع من الخصومة مذاهب لا تخلو من غرابة نحب أن نشير إلى بعضها في شيء من الإيجاز .
أما المسلمون فقد أرادوا أن يثبتوا أن للإسلام أولية في بلاد العرب كانت قبل أن يبعث النبي ، وأن خلاصة الدين الإسلامي وصفوته هي خلاصة الدين الحق الذي أوحاه الله إلى الأنبياء من قبل . فليس غريبا أن نجد قبل الإسلام قوما يدينون بالإسلام أخذوه من هذه الكتب السماوية التي أوحيت قبل القرآن . والقرآن يحدثنا عن هذه الكتب ، فهو يذكر التوراة والإنجيل ويجادل فيهما اليهود والنصارى . وهو يذكر غير التوراة والإنجيل شيئا آخر هو صحف إبراهيم . ويذكر غير دين اليهود والنصارى دينا آخر هو ملة إبراهيم ، هو هذه الحنيفية التي لم نستطع إلى الآن أن نتبين معناها الصحيح . وإذا كان اليهود قد استأثروا بدينهم وتأويله ، وكان النصارى قد استأثروا بدينهم وتأويله ، وكان القرآن قد وقف من أولئك وهؤلاء موقف من ينكر عليهم صحة ما يزعمون ، فطعن في صحة ما بين أيديهم من التوراة والإنجيل واتهمهم بالتحريف والتغيير ، ولم يكن أحد قد احتكر ملة إبراهيم ولا زعم لنفسه الانفراد بتأويله ، فقد أخذ المسلمون يرددون الإسلام في خلاصته إلى دين إبراهيم هذا الذي هو أقدم وأنقى من دين اليهود والنصارى .
وشاعت في العرب أثناء ظهور الإسلام وبعده فكرة أن الإسلام يجدد دين إبراهيم . ومن هنا أخذوا يعتقدون أن دين إبراهيم هذا قد كان دين العرب في عصر من العصور ثم أعرضت عنه لما أضلها به المضلون وانصرفت إلى عبادة الأوثان . ولم يحتفظ بدين إبراهيم إلا أفراد قليلون يظهرون من حين لحين .
ابو تراجى
12-21-2009, 12:29 PM
هؤلاء الأفراد يتحدثون فنجد من أحاديثهم ما يشبه الإسلام . وتأويل ذلك يسير ؛ فهم أتباع إبراهيم ، ودين إبراهيم هو الإسلام . وتفسير هذا من الوجهة العلمية يسير أيضا ؛ فأحاديث هؤلاء الناس قد وضعت لهم وحملت عليهم حملا بعد الإسلام ، لا لشيء إلا ليثبت أن للإسلام في بلاد العرب قدمة وسابقة . وعلى هذا النحو تستطيع أن تحمل كل ما تجد من هذه الأخبار والأشعار والأحاديث التي تضاف إلى الجاهليين والتي يظهر بينها وبين ما في القرآن من الحديث شبه قوي أو ضعيف .
وهنا نصل إلى مسألة عني بها الباحثون عن تاريخ القرآن من الفرنج والمستشرقين خاصة ، وهي تأثير المصادر العربية الخالصة في القرآن . فقد كان هؤلاء الباحثون يرون أن القرآن تأثر باليهودية والنصرانية ومذاهب أخرى بين بين كانت شائعة في البلاد العربية وما جاورها . ولكنهم رأوا أن يضيفوا إلى هذه المصادر مصدرا عربيا خالصا ؛ والتمسوا هذا المصدر من شعر العرب الجاهليين ، ولاسيما الذين كانوا يتمنعون منهم . وزعم الأستاذ (كليمان هوار)
- في فصل طويل نشرته له المجلة الآسيوية سنة 1804
- إنه قد ظفر من ذلك بشيء قيم واستكشف مصدرا جديدا من مصادر القرآن ، هذا الشيء القيم وهذا المصدر الجديد هو شعر أمية بن أبي الصلت . وقد طال الأستاذ (هوار) في هذا البحث وقارن بين هذا الشعر الذين يُنسب إلى أمية بن أبي الصلت وبين آيات من القرآن . وانتهى من هذه المقارنة إلى نتيجتين :
(الأولى) أن هذا الشعر الذي ينسب لأمية بن أبي الصلت صحيح :
لأن هناك فروقا بين ما جاء فيه وما جاء في القرآن من تفصيل بعض القصص ، ولو كان منتحلا لكانت المطابقة تامة بينه وبين القرآن . وإذا كان هذا الشعر صحيحا ، فيجب في رأي الأستاذ (هوار) أن يكون النبي قد استعان به قليلا أو كثيرا في نظم القرآن .
(الثانية) إن صحة هذا الشعر واستعانة النبي به في نظم القرآن قد حملتا المسلمين على محاربة شعر أمية بن أبي الصلت ومحوه ليستأثر القرآن بالجدة وليصح أن النبي قد انفرد بتلقي الوحي من السماء . وعلى هذا النحو استطاع الأستاذ (هوار) أو خيّل إليه أنه استطاع أن يثبت أن هناك شعرا جاهليا صحيحا ، وأن هذا الشعر الجاهلي قد كان له أثر في القرآن . مع أني من أشد الناس إعجابا بالأستاذ (هوار) وبطائفة من أصحابه المستشرقين وبما ينتهون إليه في كثير من الأحيان من النتائج العلمية القيمة في تاريخ الأدب العربي وبالمناهج التي يتخذونها للبحث ، فإني لا أستطيع أن أقرأ مثل هذا الفصل الذي أشرت إليه آنفا دون أن أعجب كيف يتورط العلماء أحيانا في مواقف لا صلة بينها وبين العلم . وليس يعنيني هنا أن يكون القرآن قد تأثر بشعر أمية أو لا يكون ، فأنا لا أؤرخ القرآن ، وأنا لا أذود عنه ولا أتعرض للوحي وما يتصل به ، ولا للصلة بين القرآن وما كان يتحدث به اليهود والنصارى . كل ذلك لا يعنيني الآن ، وإنما الذي يعنيني هو شعر أمية بن أبي الصلت وأمثاله من الشعراء .
والغريب من أمر المستشرقين في هذا الموضوع وأمثاله أنهم يشكـّون في صحة السيرة نفسها ويتجاوز بعضهم الشك إلى الجحود ، فلا يرون في السيرة مصدرا تاريخيا صحيحا ، وإنما هي عندهم كما ينبغي أن تكون عند العلماء جميعا : طائفة من الأخبار والأحاديث تحتاج إلى التحقيق والبحث العلمي الدقيق ليمتاز صحيحها من منتحلها . هم يقفون هذا الموقف العلمي من السيرة ويغلون في هذا الموقف ؛ ولكنهم يقفون من أمية بن أبي الصلت وشعره موقف المستيقن المطمئن ؛ مع إن أخبار أمية ليست أدنى إلى الصدق ولا أبلغ في الصحة من أخبار السيرة . فما سر هذا الاطمئنان الغريب إلى نحو من الأخبار دون النحو الآخر ؟ أيمكن أن يكون المستشرقون أنفسهم لم يبرءوا من هذا التعصب الذي يرمون به الباحثين من أصحاب الديانات ؟ أما أنا فلستُ مستشرقا ولستُ رجلا من رجال الدين . وإنما أريد أن أقف من شعر أمية بن أبي الصلت نفس الموقف العلمي الذي وقفته من شعر الجاهليين جميعا . وحسبي أن شعر أمية بن أبي الصلت لم يصل إلينا إلا عن طريق الرواية والحفظ لا شك في صحته كما شككت في صحة شعر امرئ القيس والأعشى وزهير . وإن لم يكن لهم من النبي موقف أمية بن أبي الصلت .
ثم إن هذا الموقف نفسه يحملني على أن أرتاب الارتياب كله في شعر أمية بن أبي الصلت ؛ فقد وقف أمية من النبي موقف خصومة : هجا أصحابه وأيد مخالفيه ورثى أهل بدر من المشركين . وكان هذا وحده يكفي لينهي عن رواية شعره ، وليضيع هذا الشعر كما ضاعت الكثرة المطلقة من الشعر الوثني الذي هجى فيه النبي وأصحابه حين كانت الخصومة شديدة بينهم وبين مخالفيهم من العرب الوثنيين واليهود . وليس يمكن أن يكون من الحق في شيء أن النبي نهى عن رواية شعر أمية لينفرد بالعلم والوحي بأخبار الغيب . فما كان شعر أمية بن أبي الصلت إلا شعرا كغيره من الشعر لا يستطيع أن ينهض للقرآن كما لم يستطع غيره من الشعر أن ينهض للقرآن . وما كان علم أمية بن أبي الصلت بأمور الدين إلا كعلم أحبار اليهود ورهبان النصارى . وقد ثبت النبي لأولئك وهؤلاء واستطاع أن يغلبهم على عقول العرب بالحجة مرة وبالسيف مرة أخرى . فأمر النبي مع أمية بن أبي الصلت كأمره مع هؤلاء الشعراء الكثيرين الذين هجوا وناهضوا وألبوا عليه .
ومن هنا تستطيع أن تفهم ما يروى من أن النبي أنشد شيئا من شعر أمية فيه دين وتحنـّف فقال : " آمن لسانه وكفر قلبه " . آمن لسانه لأنه كان يدعوا إلى مثل ما كان يدعوا إليه النبي ؛ وكفر قلبه لأنه كان يظاهر المشركين على صاحب هذا الدين الذي كان يدعوا إليه . فأمره كأمر هؤلاء اليهود الذين أيدوا النبي ووادعوه ، حتى إذا خافوه على سلطانهم السياسي والاقتصادي والديني ظاهروا عليه المشركين من قريش .
ليس إذاً شعر أمية بن أبي الصلت بـِدْعا في شعر المتحنفين من العرب أو المتنصرين والمتهودين منهم . وليس يمكن أن يكون المسلمون قد تعمدوا محوه ؛ إلا ما كان منه هجاءً للنبي وأصحابه ونعياً على الإسلام ؛ فقد سلك المسلمون فيه مسلكهم في غيره من الشعر الذي أهمل حتى ضاع .
ولكن في شعر أمية بن أبي الصلت أخباراً وردت في القرآن كأخبار ثمود وصالح والناقة والصّيْح . ويرى الأستاذ (هوار) أن ورود هذه الأخبار في شعر أمية بعض المخالفة لما جاء في القرآن دليل على صحة هذا الشعر من جهة ، وعلى أن النبي قد استقى من أخباره من جهة أخرى .
ولستُ أدري قيمة هذا النحو من البحث . فمن الذي زعم أن ما جاء في القرآن من الأخبار كان كله مجهولا قبل أن يجيء به القرآن ؟ ومن الذي يستطيع أن ينكر أن كثيرا من القصص القرآني كان معروفا بعضه عند اليهود وبعضه عند النصارى وبعضه عند العرب أنفسهم ، وكان من اليسير أن يعرفه النبي ، كما كان من اليسير أن يعرفه غير النبي من المتصلين بأهل الكتاب . ثم كان النبي وأمية متعاصرين . فلِم يكون النبي هو الذي أخذ عن أمية ولا يكون أمية هو الذي أخذ عن النبي ؟ ثم من الذي يستطيع أن يقول إن من ينتحل الشعر ليحاكي القرآن ملزم أن يلائم بين شعره وبين نصوص القرآن ؟ أليس المعقول أن يخالف بينهما ما استطاع ليخفي الانتحال ويوهم أن شعر صحيح لا تكلف فيه ولا تعمّل ؟ بلى !
ونحن نعتقد أن هذا الشعر الذي يضاف إلى أمية بن أبي الصلت وإلى غيره من المتحنفين الذين عاصروا النبي أو جاءوا قبله إنما انتحل انتحالا . انتحله المسلمون ليثبتوا
- كما قدمنا
- أن للإسلام قِدَمه وسابقته في البلاد العربية . ومن هنا لا نستطيع أن نقبل ما يضاف إلى هؤلاء الشعراء والمتحنفين إلا مع شيء من الاحتياط والشك غير قليل .
هذا شأن المسلمين . فأما غير المسلمين من أصحاب الديانات الأخرى فقد نظروا فإذا لهم في حياة الأمة العربية قبل الإسلام قديم . وفي الحق أن اليهود قد استعمروا جزءاً غير قليل من بلاد الحجاز في المدينة وحولها وعلى طريق الشام . وفي الحق أيضا أن اليهودية قد جاوزت الحجاز إلى اليمن . ويظهر أنها استقرت حيناً عند سراة اليمن وأشرافها . وأنها أثرت بوجه ما في الخصومة التي كانت بين أهل اليمن وبين الحبشة ، وهم نصارى . ثم في الحق أن اليهودية قد استتبعت حركة اضطهاد للنصارى في نجران ذكرها القرآن في سورة البروج .
كل هذا حق لا شك فيه . وكل هذا ظاهر في أخبار العرب وأساطيرهم ، وهو ظاهر في القرآن بنوع خاص ؛ فليس قليلا ما يمس اليهود من سور القرآن وآياته . وأنت تعلم ما كان بين النبي واليهود من خصومة انتهت بإجلاء اليهود عن بلاد العرب أيام عمر بن الخطاب . وكان اليهود قد تعربوا حقا ، وكان كثير من العرب قد تهوّدوا . وليس من شك عندي في أن الاختلاط بين اليهود وبين الأوس والخزرج قد أعد هاتين القبيلتين لقبول الدين الجديد وتأييد صاحبه .
هذه حالة اليهود . فأما النصارى فقد انتشرت دياناتهم انتشارا قويا في بعض بلاد العرب فيما يلي الشام حيث كان الغسانيون الخاضعون لسلطان الروم ، وفيما يلي العراق حيث كان المناذرة الخاضعون لسلطان الفرس ، وفي نجران من بلاد اليمن التي كانت على اتصال بالحبش وهم نصارى .
ويظهر أن قبائل من العرب البادين تنصرت قبل الإسلام بأزمات تختلف طولا وقصرا . فنحن نعلم مثلا أن تغلب كانت نصرانية وأنها أثارت مسألة من مسائل الفقه . فالقاعدة أنه لا يقبل من العربي إلا الإسلام أو السيف ؛ فأما الجزية فتقبل من غير العرب ولكن تغلب قبلت منها الجزية ، قبلها عمر فيما يقول الفقهاء .
تغلغلت النصرانية إذاً كما تغلغلت اليهودية في بلاد العرب . وأكبر الظن أن الإسلام لو لم يظهر لانتهى الأمر بالعرب إلى اعتناق إحدى هاتين الديانتين . ولكن الأمة العربية كان لها مزاجها الخاص الذي لم يستقم لهذين الدينين والذي استتبع دينا أقل ما يوصف به أنه ملائم ملاءمة تامة لطبيعة الأمة العربية .
مهما يكن من شيء ، فليس من المعقول أن ينتشر هذان الدينان في البلاد العربية دون أن يكون لهما أثر ظاهر في الشعر العربي قبل الإسلام . وقد رأيت أن العصبية العربية حملت العرب على أن ينتحلوا الشعر ويضيفوه إلى عشائرهم في الجاهلية بعد أن ضاع شعر هذه العشائر فالأمر كذلك غي اليهود والنصارى : تعصبوا لأسلافهم من الجاهليين وأبوا إلا أن يكون لهم شعر كشعر غيرهم من الوثنيين ، وأبوا إلا أن يكون لهم مجد وسؤدد كما كان لغيرهم مجد وسؤدد أيضا ، فانتحلوا كما انتحل غيرهم ، ونظموا شعرا أضافوه إلى السموءل بن عادياء وإلى عديّ بن زيد وغيرهما من شعراء اليهود والنصارى .
والرواة القدماء أنفسهم يحسون شيئا من هذا فهم يجدون فيما ينسب إلى عديّ بن زيد من الشعر سهولة وليناً لا يلائمان العصر الجاهلي ، فيحاولون تعليل ذلك بالإقليم والاتصال بالفرس واصطناع الحياة الحضرية التي كان يصطنعها أهل الحيرة .
ونحن نجد مثل هذه السهولة في شعر اليهود ، في شعر السموءل بنوع خاص . ولا نستطيع أن نعللها بمثل ما عُللت به في شعر عديّ . فقد كان السموءل
- إن صحت الأخبار
- يعيش عيشة خشنة أقرب إلى حياة السادة البادية منها إلى حياة أصحاب الحضر . ويحدثنا صاحب الأغاني بأن وُلد السموءل انتحلوا قصيدة قافية أضافوها إلى امرئ القيس وزعموا أنه مدح بها السموءل حين أودعه سلاحه في طريقه إلى قسطنطينية . ونرجح نحن أن وُلد السموءل هم الذين انتحلوا هذه القصيدة الرائية التي تضاف للأعشى والتي يقال أنه مدح بها شرحبيل بن السموءل في قصته المشهورة مع الكلبي .
فأنت ترى أن للعواطف الدينية على اختلافها وتنوع أغراضها مثل ما للعواطف السياسية من التأثير في انتحال الشعر ولإضافته إلى الجاهليين .
وإذا كان من الحق أن نحتاط في قبول الشعر الذي يظهر فيه تأثير ما للأهواء السياسية ، فمن الحق أيضا أن نحتاط في قبول الشعر الذي يظهر فيه تأثير ما للأهواء الدينية .
وأكبر الظن أن الشعر الذي يسمى جاهليا مقسم بين السياسة والدين ، ذهبت هذه بشطر منه وذهب هذا بالشطر الآخر .
ولكن أسباب الانتحال ليست مقصورة على السياسة والدين بل هي تجاوزتهما إلى أشياء أخرى .
" 4 "
القصص وانتحال الشعر
من هذه الأشياء شيء ليس دينا ولا سياسة ؛ ولكنه يتصل بالدين وبالسياسة اتصالا قويا ، نريد به القصص الذي أشرنا إليه غير مرة فيما قدمنا من القول .
فالقصص في نفسه ليس من السياسة ولا من الدين ، وإنما هو فن من فنون الأدب العربي توسط بين آداب الخاصة والآداب الشعبية . وكان مرآة للون من ألوان الحياة النفسية عند المسلمين . وأزهر في عصر غير قصير من عصور الأدب العربي الراقية ، أزهر أيام بني أمية وصدرا من أيام بني العباس ، حتى إذا كثر التدوين وانتشرت الكتب واستطاع الناس أن يلهوا بالقراءة دون أن يتكلفوا الانتقال إلى مجالس القصاص ، ضعف أمر هذا الفن وأخذ يفقد صفته الأدبية الراقية شيئا فشيئا حتى ابتذل وانصرف عنه الناس .
وهذا الفن الأدبي تناول الحياة العربية والإسلامية كلها من ناحية خيالية لم يقدرها الذين درسوا تاريخ الآداب العربية قدرها ، لا أكاد أستثني منهم إلا الأستاذ مصطفى صادق الرافعي ؛ فهو قد فطن لما يمكن أن يكون من تأثير القصص في انتحال الشعر وإضافته إلى القدماء ، كما فطن لأشياء أخرى قيمة وأحاط بها إحاطة حسنة في الجزء الأول من كتابه " تاريخ آداب العرب " . نقول إن هذا الفن قد تناول الحياة العربية والإسلامية من ناحية خيالية خالصة . ونعتقد أن الذين يدرسون تاريخ الأدب العربي لو أنهم عُنوا بدرس هذا الفن عناية علمية صحيحة لوصلوا إلى نتائج قيمة ولغيروا رأيهم في تاريخ الأدب . فمهما تكن الأسباب التي دعت إلى نشأة فن القصص عند المسلمين ، فقد نشأ هذا الفن ؛ وكانت منزلته عند المسلمين هي بعينها منزلة الشعر القصصي عند قدماء اليونان . وكانت الصلة بينه وبين الجماعات هي بعينها الصلة بين الشعر القصصي اليوناني وجماعات اليونان القدماء .
وليس من شك عندنا في أن هؤلاء القصاص من المسلمين قد تركوا آثارا قصصية لا تقل جمالا وروعة وحسن موقع في النفس عن "الإلياذة" و "الأوديسا" . وكل ما بين القصص الإسلامي واليوناني من الفرق هو أن الأول لم يكن شعرا كله وإنما كان نثرا يزينه الشعر من حين إلى حين بينما كان الثاني كله شعرا ، وأن الأول لم يكن يلقيه صاحبه على أنغام الأدوات الموسيقية بينما كان القاص اليوناني يعتمد على الأداة الموسيقية اعتمادا ما ، وأن الأول لم يجد من عناية المسلمين مثلما وجد الثاني من عناية اليونان ؛ فبينما كان اليونان يقدّسون "الإلياذة" و "الأوديسا" ويعنون بجمعهما وترتيبهما وروايتهما وإذاعتهما عناية المسلمين بالقرآن ، كان المسلمون مشغولين بالقرآن وعلومه عن قصصهم هذا .
وفي الحق أن الأدب العربي لم يدرس في العصور الإسلامية الأولى لنفسه وإنما درس من حيث هو وسيلة إلى تفسير القرآن وتأويله واستنباط الأحكام منه ومن الحديث . وكان هذا كله أدنى إلى الجد وألصق به من هذا القصص الذي كان يمضي مع الخيال حيث أراد ويتقرّب من نفس الشعب ويمثل له أهواءه وشهواته ومُثله العليا . فليس غريبا أن ينصرف عن القصص أصحاب الجدّ من المسلمين .
كان قصّاص المسلمين يتحدّثون إلى الناس من مساجد الأمصار فيذكرون لهم قديم العرب والعجم وما يتـّصل بالنبوات ، ويمضون معهم في تفسير القرآن والحديث ورواية السيرة والمغازي والفتوح إلى حيث يستطيع الخيال أن يذهب بهم لا إلى حيث يلزمهم العلم والصدق أن يقفوا . وكان الناس كلِفين بهؤلاء القصاص مشغوفين بما يلقون إليهم من حديث . وما أسرع ما فطن الخلفاء والأمراء لقيمة هذه الأداة الجديدة من الوجهة السياسية والدينية ، فاصطنعوها وسيطروا عليها واستغلوها استغلالا شديدا ، وأصبح القصص أداة سياسية كالشعر .
وليس من شك في أن العناية بدرس هذا الفن ستنتهي إلى مثل ما انتهت إليه العناية بدرس الشعر من أن الأحزاب السياسية على اختلافها كانت تصطنع القصاص ينشرون لها الدعوة في طبقات الشعب على اختلافها ، كما كانت تصطنع الشعراء يناضلون عنها ويذودون عن آرائها وزعمائها . ونحن نعرف من سيرة ابن اسحاق أنه كان هاشمي النزعة والهوى ، وأنه لقي في ذلك عناءً من الأمويين في آخر عهدهم بالسلطان ، وأنه ظفر بحسن المنزلة عند العباسيين في أوّل عهدهم بالملك .
والتعمق في درس حياة القصاص الذين كانوا يقصّون في البصرة والكوفة ومكة والمدينة وغيرها من الأمصار يظهرنا من غير شك على الصِّلات التي كانت تصل بين هؤلاء القصّاص وبين الأحزاب السياسية .
غير أن القصص لم يتأثر بالسياسة وحدها ، وإنما تأثر بالدين أيضا . وقد رأيت في الفصل الماضي مُثـُلا توضح هذا التأثر .
وتأثر القصص بشيء آخر غير السياسة والدين وهو روح الشعب الذي كان يُتحدث إليه . ومن هنا عني عناية شديدة بالأساطير والمعجزات وغرائب الأمور . ومن هنا اجتـُهد في تفسير هذه الأساطير وإكمال الناقص منها وتوضيح الغامض . فنحن نستطيع أن نقول إن هذا القصص كان يستمد قوته وثروته من مصادر مختلفة ، أهمها أربعة :
(الأول) مصدر عربي هو القرآن وما كان يتصل به من الأحاديث والروايات ، وما كانت تتحدث به العرب في الأمصار من أخبارها وأساطيرها وما كانت تروي من شعر ، وما كان يتحدث به الرواة من سيرة النبي والخلفاء وغزواتهم وفتوحهم .
(الثاني) مصدر يهودي نصراني ، وهو ما كان يأخذه القصّاص عن أهل الكتاب من أخبار الأنبياء والأحبار والرهبان وما يتصل بذلك ، وليس ينبغي أن ننسى هنا تأثير أولئك اليهود والنصارى الذين أسلموا وأخذوا يضعون الأحاديث ويدسونها مخلصين أو غير مخلصين .
(الثالث) مصدر فارسي ، وهو هذا الذي كان يستقيه القصّاص في العراق خاصة من الفرس مما يتصل بأخبارهم وأساطيرهم وأخبار الهند وأساطيرها .
ثم المصدر الرابع مصدر مختلط هو هذا الذي يمثل نفسية العامة غير العربية من أهل العراق والجزيرة والشام من الأنباط والسريان ومن إليهم من هؤلاء الأخلاط الذين كانوا منبثين في هذه الأقطار والذين لم تكن لهم سيادة ولا وجود سياسي ظاهر .
كل هذه المصادر كانت تمد القصّاص . فكنتَ ترى في قصصهم ألوانا من القول وفنونا من الحديث قد لا تعجب العالِم المحقق لاضطرابها وظهور سلطان الخيال عليها ؛ ولكن لها جمالا أدبيا فنيا رائعا يعجب به من يستطيع أن يقدر التئام هذه الأهواء المختلفة التي تتصل بشعوب مختلفة وأجيال متباينة من الناس . ويعجب به بنوع خاص الذين يحاولون أن يتبينوا فيه نفسية الشعوب والأجيال التي كانت تلهم هؤلاء القصّاص .
مهما يكن من شيء ، فإن هذه المصادر كلها كانت تطلق ألسنة القصّاص بما كانوا يتحدثون به إلى سامعيهم في الأمصار . وأنت تعلم أن القصص العربي لا قيمة له ولا خطر في نفس سامعيه إذا لم يزنه الشعر من حين إلى حين . ويكفي أن تنظر في "ألف ليلة وليلة" وفي قصة عنترة وما يشبهها ، فسترى أن هذه القصص لا تستطيع أن تستغني عن الشعر ، وأن كل موقف قيم أو ذي خطر من مواقف هذه القصص لا يستقيم لكاتبه وسامعه إلا إذا أضيف إليه قدر من الشعر قليل أو كثير يكون عماداً له ودعامة . وإذن فقد كان القصّاص أيام بني أمية وبني العباس في حاجة إلى مقادير لا حدّ لها من الشعر يزينون بها قصصهم ويدعمون بها مواقفهم المختلفة فيه . وهم قد وجدوا من هذا الشعر ما كانوا يشتهون وفوق ما كانوا يشتهون .
وأكاد لا أشك في أن هؤلاء القصّاص لم يكونوا يستقلون بقصصهم ولا بما يحتاجون إليه من الشعر في هذا القصص ، وإنما كانوا يستعينون بأفراد من الناس يجمعون لهم الأحاديث والأخبار ويلفقونها ، وآخرين ينظمون لهم القصائد وينسقونها ، ولدينا نص يبيح لنا أن نفترض هذا الفرض ؛ فقد يحدثنا ابن سلاّم أن ابن إسحاق كان يعتذر عما كان يروى من غثاء الشعر فيقول : لا علم لي بالشعر إنما أوتي به فأحمله . فقد كان هناك قوم إذن يأتون بالشعر وكان هو يحمله . فمن هؤلاء القوم ؟ .
أليس من الحق لنا أن نتصوّر أن هؤلاء القصاص لم يكونوا يتحدثون إلى الناس فحسب ، وإنما كان كل واحد منهم يشرف على طائفة غير قليلة من الرواة والملفقين ومن النظام والمنسقين ، حتى إذا استقام لهم مقدار من تلفيق أولئك وتنسيق هؤلاء طبعوه بطابعهم ونفخوا فيه من روحهم وأذاعوه بين الناس . وكان مثلهم في هذا مثل القاص الفرنسي المعروف (ألكسندر دوما) الكبير . وأنت تدهش إذا رأيت هذه الكثرة الشعرية التي تنبث فيما بقي لنا من آثار القصّاص . فلديك في سيرة ابن هشام وحدها دواوين من الشعر نظم بعضها حول غزوة بدر ، وبعضها حول غزوة أحد ، وبعضها في غير هاتين الغزوتين من المواقف والوقائع ، وأضيف بعضه إلى حمزة ، وبعضه إلى عليّ ، وبعضه إلى حسّان ، وبعضه إلى كعب بن مالك ، وأضيف بعضه إلى نفر من شعراء قريش ، وإلى نفر من قريش لم يكونوا شعراء قط ، وإلى نفر آخرين من غير قريش . وليش غير سيرة ابن هشام أقل منها حظا في هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين مرة وإلى المخضرمين مرة أخرى .
وكثرة هذا الشعر الذي صدر عن المصانع الشعرية في الأمصار المختلفة أيام بني أمية وبني العباس كانت سببا في نشأة رأي يظهر أن القدماء كانوا مقتنعين به ، وأن الكثرة المطلقة من المحدثين ليست أقل به اقتناعا ، وهو أن الأمة العربية كلها شاعرة ، وأن كل عربي شاعر بطبعه وسليقته ، يكفي أن يصرف همه إلى القول فإذا هو ينساق إليه انسياقا . كان القدماء يعتقدون هذا وما يزال المحدثون يرونه . وعذر أولئك وهؤلاء أن لديهم كثرة فاحشة من الشعر تضاف إلى ناس منهم المعروف ومنهم غير المعروف ، منهم الحضري ومنهم البدوي . فأما العلماء والمحققون منهم فقد استطاعوا أن ينفوا من هذا الشعر مقدارا قليلا أو كثيرا لم يستطيعوا أن يقبلوه ولا أن يطمئنوا إليه . ولكنهم بعد الحذف والنفي والنقد والتمحيص نظروا فإذا لديهم مقادير ضخمة تضاف إلى ناس منهم المعروف ومنهم المجهول ، ومنهم الحضري ومنهم البدوي . فأي شيء أيسر من أن يعتقدوا أن العربي شاعر بفطرته ، وأنه يكفي أن يكون الرجل عربيا ليقول الشعر متى شاء وكيف شاء .
ولكن رأيا كهذا لا يلائم طبيعة الأشياء . فنحن نستطيع أن نؤمن بأن الأمم تتفاوت حظوظها من الشعر ، فبعضها أشعر من بعض ، وبعضها أكثر شعراء من بعضها الآخر . ولكن لا نستطيع أن نفهم أن يكون جيل من الناس شاعرا كله ، أو أن تكون أمة من الأمم شاعرة كلها رجالا ونساءً وشبانا وشيبا وولدانا أيضا . ولدينا نصوص قديمة تدلنا على أن العرب لم يكونوا جميعا شعراء . فكثيرا ما حاول العربي قول الشعر فلم يوفق إلى شيء . وقد طلب إلى النبي في بعض المواقف التي احتاج المسلمون فيها إلى الشعر أن يأذن لعلي في أن يقول شعرا يرد به على شعراء قريش فأبى النبي أن يأذن له ، لأنه لم يكن من ذلك في شيء ، وأذن لحسّان .
وما نظن أننا في حاجة إلى أن نقيم الأدلة نبسط البراهين على أن العرب لم يكونوا كلهم شعراء . وإنما سبيلنا أن نوضح أن كثرة هذا الشعر هي التي خيّلت إلى القدماء والمحدثين أن لفظ العربي مرادف للفظ الشعر . فإذا أضفت إلى ما قدمنا أنك تجد كثيرا من الشعر يضاف إلى قائل غير معروف بل غير مسمى ، فتراهم يقولن مرة قال الشاعر ، وأخرى قال الأول ، وثالثة قال الآخر ، ورابعة قال رجل من بني فلان ، وخامسة قال أعرابي وهلم جرا
– نقول إذا لاحظت هذا كله عذرت القدماء والمحدثين إذا اعتقدوا أن العرب كلهم شعراء .
والحق أن العرب كانوا كغيرهم من الأمم ذات الفصاحة واللسن والأذهان القوية يكثر فيهم الشعر دون أن يعم كافتهم ، وأن أكثر هذا الشعر الذي يضاف إلى غير قائل أو إلى قائل مجهول إنما هو شعر مصنوع موضوع انتحل انتحالا بسبب من هذه الأسباب التي نحن بإزائها ومنها القصص .
كثرة هذا الشعر الذي احتاج إليه القصّاص لتزدان به قصصهم من ناحية وليسيغها القراء والسامعون من ناحية أخرى خدعت فريقا من العلماء ، فقبلوها على أنها صدرت من العرب حقا . وقد فطن بعض العلماء إلى ما في هذا الشعر من تكلف حينا ومن سخف وإسفاف حينا آخر ، وفطن إلى أن بعض هذا الشعر يستحيل أن يكون قد صدر عن الذين يُنسب إليهم . ومن هؤلاء العلماء محمد بن سلاّم الذي أنكر
– كما رأيت
– ما يضيفه ابن إسحاق إلى عاد وثمود وحِمْير وتبّع ، وأنكر كثير مما رواه ابن إسحاق في السيرة من شعر الرجال والنساء سواء منهم من عُرف بالشعر ومن لم يقل شعرا قط . وآخرون غير ابن سلاّم أنكروا ما روى ابن إسحاق وأصحابه القصّاصون ؛ نذكر منهم ابن هشام الذي يروي لنا في السيرة ما كان يرويه ابن إسحاق ، حتى إذا فرغ من رواية القصيدة . قال : وأكثر أهل العلم بالشعر أو بعض أهل العلم بالشعر ينكر هذه القصيدة أو ينكرها لمن تضاف إليه .
ولكن هؤلاء العلماء الذين فطنوا لأثر القصص في انتحال الشعر خـُدعوا أيضا ؛ فلم يكن صناع الشعر جميعا ضِعافا ولا محمّقين ، بل كان منهم ذوي البصيرة النافذة والفؤاد الذكي والطبع اللطيف ، فكان يجيد الشعر ويحسن انتحاله وتكلفه ، وكان فطِنا يجتهد في إخفاء صنعته ويوفق من ذلك إلى الشيء الكثير . وابن سلاّم نفسه يحدثنا بأنه إذا سهل على العلماء النقاد أن يعرفوا ما تكلفه الضعفاء من المنتحلين ، فمن العسير عليهم أن يميزوا ما كان يتكلفه العرب أنفسهم ، وقد رأيت أن العرب أنفسهم كانوا يتكلفون ويضعون ويكذبون ، فيسرفون في هذا كله .
ولعل من أوضح الأمثلة لانخداع ابن سلاّم عن هذا الشعر المنتحل هذه الطائفة التي رواها على أنها أقدم ما قالته العرب من الشعر الصحيح ، والتي يضاف بعضها إلى جذيمة الأبرش ، وبعضها إلى زهير بن جناب ، وبعضها إلى العنبر بن تميم ، وبعضها إلى مالك وسعد ابني زيد مناة بن تميم ، وبعضها إلى أعصر بن سعد بن قيس عيْلان . وكل هذا الشعر إذا نظرت فيه سخيف سقيم ظاهر التكلف بيّن الصنعة . واضح جداً أن راويا من الرواة أو قاصا من القصّاص تكلفه ليفسر مثلا من الأمثال أو أسطورة من الأساطير أو لفظا غريبا أو ليلذ القارئ أو السامع ليس غير . ولنضرب لذلك مثلا هذين البيتين الذين يضافان إلى أعصر بن سعد بن قيس عيْلان ، وهما :
قالت عميرة ما لرأسك بعد ما نفد الزمان أتى بلون منكر
أعميز إنّ أباك شيّب رأسه كـَرُّ الليالي واختلاف الأعصر
قال ابن سلاّم وغيره من العلماء والرواة : إن هذا الرجل إنما سمّي "أعصر" لهذا البيت الأخير . قال ابن سلاّم : وبعض الناس يسميه "يعصر" وليس بشيء .
وابن سلاّم نفسه يحدثنا أن معدّاً كان يعيش في العصر الذي كان يعيش فيه موسى بن عمران ، أي قبل المسيح بقرون عدّة أي قبل الإسلام بأكثر من عشرة قرون ، فإذا لاحظنا أن "أعصر" هذا هو ابن سعد بن قيس عيْلان بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ ، رأينا أنه إن عاش فقد عاش في زمن متقدم جدا أي قبل الإسلام بعشرة قرون على أقل تقدير .
أفتظن أن هذين البيتين اللذين قرأتهما آنفا يمكن أن يكونا قد قيلا قبل الإسلام بألف سنة ! ونحن لا نعرف اللغة العربية قبل الإسلام بثلاثة قرون أو أربعة قرون ، ونحن نجد مشقة غير قليلة في فهم الشعر العربي الصحيح الذي قيل أيام النبي أو بعد النبي ، ولا نجد شيئا من العسر في فهم هذا الكلام الذي إن صح رأي ابن سلاّم فقد قيل قبل النبي بأكثر من عشرة قرون .
أليس واضحا جليا أن هذين البيتين إنما قيلا في الإسلام ليفسرا اسم هذا الرجل الذي هو في حقيقة الأمر من أشخاص الأساطير لا نعرف أوُجد في حقيقة الأمر أم لم يوجد .
وقل مثل هذا فيما يضيفه ابن سلاّم إلى مالك وسعد ابنيْ زيد مناة بن تميم . فنحن لا نعرف مَنْ سعدٌ ومَنْ مالك ومَنْ زيد مناة ومَنْ تميم . وأكبر الظن عندنا أنهم أشخاص أساطير لم يوجدوا قط . ولكن رأي الرواة والقصاص مثلا تستعمله العرب وهو : "ما هكذا تورد يا سعد الإبل" .. وهم في حاجة إلى تفسير الأمثال ؛ والشعوب نفسها في حاجة إلى تفسير الأمثال أيضا . ومن هنا اخترعت هذه القصة التي نطق فيها سعد ومالك بما يضاف إليهما من الرجز .
وقل مثل هذا فيما يضاف للعنبر بن تميم وهو :
قد رابني من دلوِيَ اضطرابها والنأي في بهراء واغترابها
إلاّ تجيء ملأى يجيء قِرابها
فالأمر عندنا لا يتجاوز تفسير هذا البيت الأخير الذي كان يجري مجرى المثل فيما يظهر . وقل مثل هذا في هذا الشعر الذي يضاف إلى جذيمة الأبرش ، وفي كل ما يتصل بجذيمة وصاحبته الزّباء وابن اخته عمرو بن عديّ ووزيره قـَصير .
فليس لهذا كله إلا أصل واحد هو تفسير طائفة من الأمثال ذكرت فيها أسماء هؤلاء الناس كلهم أو بعضهم كقولهم "لا يطاع لقصير أمر" . وقولهم : "لأمرٍ ما جدع قصيرٌ أنفه" ، وقولهم : "شب عمرو على الطوق" . أو ذكر فيها ما يتصل بهؤلاء الناس في هذه القصص التي كانت شائعة عند هؤلاء الأخلاط من سكان العراق والجزيرة والشأم وما يتصل بها من بوادي العرب ، كفرس جذيمة التي كانت تسمى "العصا" والبرج الذي بناه قصير على العصا بعد أن نفقت وكان يسمّى "برج العصا" ، ودم جذيمة الذي جمعته الزّباء في طست من الذهب ، وجـِمال عمرو بن عديّ التي احتال قصير في إدخالها تدْمر وعليها الرجال في الغرائر .
وتستطيع أن تذهب هذا المذهب من الفهم والتفسير في كل هذه الحكايات والأساطير التي تتصل بالأسماء والأمثال والأمكنة وما إليها وما ينشد فيها من الشعر .
ولكن القدماء لم يذهبوا هذا المذهب ؛ وإنما قبلوا هذه الأخبار والأشعار على علاتها ورووها على أنها صحيحة لأنهم سمعوها من رواة كانوا يعتقدون أنهم ثقات مصححون . ومن هنا روى ابن سلاّم وغيره أبياتا لجذيمة على أنها من أقدم الشعر العربي وهي التي تبتدئ بهذا البيت :
ربما أوفيتُ في علمٍ ترفعنْ ثوبي شمالاتُ
وهناك لون من ألوان القصص كان الناس يتحدثون به ويميلون إليه ميلا شديدا ويرون فيه الأكاذيب والأعاجيب وهو أخبار المعمّرين الذين مدّت لهم الحياة إلى أبعد مما ألف الناس . وقد رويت حول هؤلاء المعمّرين أخبار وأشعار قبلها العلماء الثقات في القرن الثالث للهجرة كأبي حاتم السجستاني وابن سلاّم نفسه ، وهو يروي لنا في كتاب الطبقات هذا الشعر المتكلف السخيف الذي يضاف إلى أحد هؤلاء المعمّرين وهو المستوغر بن ربيعة بن كعب بن سعد الذي بقي بقاءً طويلا حتى قال :
ولقد سئمت من الحياة وطولها وازددت من عدد السنين مئيــنا
مائة أتت من بعدها مئتان لي وازددت من عدد الشهور سنينا
هل ما بقي إلا كما قد فاتنا يـــومٌ يكــــرُّ وليلة ٌ تحـــدونا
ويروي لنا ابن سلاّم شعرا آخر ليس أقل من هذا الشعر سخفا ولا تكلفا ولا انتحالا يضيفه إلى دُوَيْد بن زيد بن نهد حين حضره الموت :
اليـــومَ يبنى لدُوَيْد بيته لو كان للدهر بلىً أبليته
أو كان قربي واحداً كفيته يا رُبَّ نهْبٍ صالحٍ حويته
ورُبَّ غيْلٍ حسن لويته ومِعصمٍ مخضّبٍ ثنـيـته
فأنت ترى أن ابن سلاّم على ما أظهر من الشك فيما كان يروي ابن إسحاق من شعر عاد وثمود وتبّع وحِمْير ، قد انخدع عما كان يرويه ابن إسحاق وغير ابن إسحاق من القصّاص من الشعر يضيفونه إلى القدماء من حاضرة العرب وباديتهم .
والرواة أشد انخداعا حين يتصل الأمر بالبادية اتصالا شديدا ، وذلك في هذه الأخبار التي يسمونها "أيام العرب" أو "أيام الناس" . فهم سمعوا بعض هذه الأخبار من الأعراب ثم رأوها تقص مفصلة مطوّلة فقبلوا ما كان يروى منها على أنه جدّ من الأمر ، ورووه وفسّروه وفسّروا به الشعر واستخلصوا منه تاريخ العرب ؛ مع أن الأمر فيه لا يتجاوز ما قدّمناه . فليست هذه الأخبار إلا المظهر القصصي لهذه الحياة العربية القديمة ، ذكره العرب بعد أن استقروا في الأمصار فزادوا فيه ونمّوه وزينوه بالشعر ؛ كما ذكر اليونان قديمهم فأنشأوا فيه "الإلياذة" و "الأوديسا" وغيرهما من قصائد الشعر القصصي التي لم يكن يكد يبلغها الإحصاء . فحرب البسوس وحرب داحس والغبراء وحرب الفساد وهذه "الأيام" الكثيرة التي وضعت فيها الكتب ونظم فيها الشعر ليست في حقيقة الأمر – إن استقامة نظريتنا – إلا توسيعا وتنمية لأساطير وذكريات كان العرب يتحدّثون بها بعد الإسلام .
ومن هنا نستطيع أن نقول مطمئنين إن مؤرّخ الآداب العربية خليق أن يقف موقف الشك – إن لم يقف موقف الإنكار الصريح – أمام هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين ، والذي هو في حقيقة الأمر تفسير أو تزيين لقصة من القصص أو توضيح لاسم من الأسماء أو شرح لمثل من الأمثال .
كل ما يُروى عن عاد وثمود وطسْم وجَديس وجُرهُم والعماليق موضوع لا أصل له . وكل ما يُروى عن تبّع وحِمْير وشعراء اليمن في العصور القديمة ، وأخبار الكهان ، وما يتصل بسيْل العرم وتفرّق العرب بعده موضوع لا أصل له .
وكل ما يُروى من أيام العرب وحروبها وخصوماتها وما يتصل بذلك من الشعر خليق أن يكون موضوعا . والكثرة المطلقة منه موضوعة من غير شك .
وكل ما يُروى من هذه الأخبار والأشعار التي تتصل بما كان بين بين العرب والأمم الأجنبية من العلاقات قبل الإسلام كعلاقاتهم بالفرس واليهود والحبشة خليق أن يكون موضوعا . وكثرته المطلقة موضوعة من غير شك .
ولسنا نذكر شعر آدم وما يشبهه فنحن لم نكتب هذا الكتاب هازلين ولا لاعبين .
ابو تراجى
12-21-2009, 12:30 PM
هؤلاء الأفراد يتحدثون فنجد من أحاديثهم ما يشبه الإسلام . وتأويل ذلك يسير ؛ فهم أتباع إبراهيم ، ودين إبراهيم هو الإسلام . وتفسير هذا من الوجهة العلمية يسير أيضا ؛ فأحاديث هؤلاء الناس قد وضعت لهم وحملت عليهم حملا بعد الإسلام ، لا لشيء إلا ليثبت أن للإسلام في بلاد العرب قدمة وسابقة . وعلى هذا النحو تستطيع أن تحمل كل ما تجد من هذه الأخبار والأشعار والأحاديث التي تضاف إلى الجاهليين والتي يظهر بينها وبين ما في القرآن من الحديث شبه قوي أو ضعيف .
وهنا نصل إلى مسألة عني بها الباحثون عن تاريخ القرآن من الفرنج والمستشرقين خاصة ، وهي تأثير المصادر العربية الخالصة في القرآن . فقد كان هؤلاء الباحثون يرون أن القرآن تأثر باليهودية والنصرانية ومذاهب أخرى بين بين كانت شائعة في البلاد العربية وما جاورها . ولكنهم رأوا أن يضيفوا إلى هذه المصادر مصدرا عربيا خالصا ؛ والتمسوا هذا المصدر من شعر العرب الجاهليين ، ولاسيما الذين كانوا يتمنعون منهم . وزعم الأستاذ (كليمان هوار)
- في فصل طويل نشرته له المجلة الآسيوية سنة 1804
- إنه قد ظفر من ذلك بشيء قيم واستكشف مصدرا جديدا من مصادر القرآن ، هذا الشيء القيم وهذا المصدر الجديد هو شعر أمية بن أبي الصلت . وقد طال الأستاذ (هوار) في هذا البحث وقارن بين هذا الشعر الذين يُنسب إلى أمية بن أبي الصلت وبين آيات من القرآن . وانتهى من هذه المقارنة إلى نتيجتين :
(الأولى) أن هذا الشعر الذي ينسب لأمية بن أبي الصلت صحيح :
لأن هناك فروقا بين ما جاء فيه وما جاء في القرآن من تفصيل بعض القصص ، ولو كان منتحلا لكانت المطابقة تامة بينه وبين القرآن . وإذا كان هذا الشعر صحيحا ، فيجب في رأي الأستاذ (هوار) أن يكون النبي قد استعان به قليلا أو كثيرا في نظم القرآن .
(الثانية) إن صحة هذا الشعر واستعانة النبي به في نظم القرآن قد حملتا المسلمين على محاربة شعر أمية بن أبي الصلت ومحوه ليستأثر القرآن بالجدة وليصح أن النبي قد انفرد بتلقي الوحي من السماء . وعلى هذا النحو استطاع الأستاذ (هوار) أو خيّل إليه أنه استطاع أن يثبت أن هناك شعرا جاهليا صحيحا ، وأن هذا الشعر الجاهلي قد كان له أثر في القرآن . مع أني من أشد الناس إعجابا بالأستاذ (هوار) وبطائفة من أصحابه المستشرقين وبما ينتهون إليه في كثير من الأحيان من النتائج العلمية القيمة في تاريخ الأدب العربي وبالمناهج التي يتخذونها للبحث ، فإني لا أستطيع أن أقرأ مثل هذا الفصل الذي أشرت إليه آنفا دون أن أعجب كيف يتورط العلماء أحيانا في مواقف لا صلة بينها وبين العلم . وليس يعنيني هنا أن يكون القرآن قد تأثر بشعر أمية أو لا يكون ، فأنا لا أؤرخ القرآن ، وأنا لا أذود عنه ولا أتعرض للوحي وما يتصل به ، ولا للصلة بين القرآن وما كان يتحدث به اليهود والنصارى . كل ذلك لا يعنيني الآن ، وإنما الذي يعنيني هو شعر أمية بن أبي الصلت وأمثاله من الشعراء .
والغريب من أمر المستشرقين في هذا الموضوع وأمثاله أنهم يشكـّون في صحة السيرة نفسها ويتجاوز بعضهم الشك إلى الجحود ، فلا يرون في السيرة مصدرا تاريخيا صحيحا ، وإنما هي عندهم كما ينبغي أن تكون عند العلماء جميعا : طائفة من الأخبار والأحاديث تحتاج إلى التحقيق والبحث العلمي الدقيق ليمتاز صحيحها من منتحلها . هم يقفون هذا الموقف العلمي من السيرة ويغلون في هذا الموقف ؛ ولكنهم يقفون من أمية بن أبي الصلت وشعره موقف المستيقن المطمئن ؛ مع إن أخبار أمية ليست أدنى إلى الصدق ولا أبلغ في الصحة من أخبار السيرة . فما سر هذا الاطمئنان الغريب إلى نحو من الأخبار دون النحو الآخر ؟ أيمكن أن يكون المستشرقون أنفسهم لم يبرءوا من هذا التعصب الذي يرمون به الباحثين من أصحاب الديانات ؟ أما أنا فلستُ مستشرقا ولستُ رجلا من رجال الدين . وإنما أريد أن أقف من شعر أمية بن أبي الصلت نفس الموقف العلمي الذي وقفته من شعر الجاهليين جميعا . وحسبي أن شعر أمية بن أبي الصلت لم يصل إلينا إلا عن طريق الرواية والحفظ لا شك في صحته كما شككت في صحة شعر امرئ القيس والأعشى وزهير . وإن لم يكن لهم من النبي موقف أمية بن أبي الصلت .
ثم إن هذا الموقف نفسه يحملني على أن أرتاب الارتياب كله في شعر أمية بن أبي الصلت ؛ فقد وقف أمية من النبي موقف خصومة : هجا أصحابه وأيد مخالفيه ورثى أهل بدر من المشركين . وكان هذا وحده يكفي لينهي عن رواية شعره ، وليضيع هذا الشعر كما ضاعت الكثرة المطلقة من الشعر الوثني الذي هجى فيه النبي وأصحابه حين كانت الخصومة شديدة بينهم وبين مخالفيهم من العرب الوثنيين واليهود . وليس يمكن أن يكون من الحق في شيء أن النبي نهى عن رواية شعر أمية لينفرد بالعلم والوحي بأخبار الغيب . فما كان شعر أمية بن أبي الصلت إلا شعرا كغيره من الشعر لا يستطيع أن ينهض للقرآن كما لم يستطع غيره من الشعر أن ينهض للقرآن . وما كان علم أمية بن أبي الصلت بأمور الدين إلا كعلم أحبار اليهود ورهبان النصارى . وقد ثبت النبي لأولئك وهؤلاء واستطاع أن يغلبهم على عقول العرب بالحجة مرة وبالسيف مرة أخرى . فأمر النبي مع أمية بن أبي الصلت كأمره مع هؤلاء الشعراء الكثيرين الذين هجوا وناهضوا وألبوا عليه .
ومن هنا تستطيع أن تفهم ما يروى من أن النبي أنشد شيئا من شعر أمية فيه دين وتحنـّف فقال : " آمن لسانه وكفر قلبه " . آمن لسانه لأنه كان يدعوا إلى مثل ما كان يدعوا إليه النبي ؛ وكفر قلبه لأنه كان يظاهر المشركين على صاحب هذا الدين الذي كان يدعوا إليه . فأمره كأمر هؤلاء اليهود الذين أيدوا النبي ووادعوه ، حتى إذا خافوه على سلطانهم السياسي والاقتصادي والديني ظاهروا عليه المشركين من قريش .
ليس إذاً شعر أمية بن أبي الصلت بـِدْعا في شعر المتحنفين من العرب أو المتنصرين والمتهودين منهم . وليس يمكن أن يكون المسلمون قد تعمدوا محوه ؛ إلا ما كان منه هجاءً للنبي وأصحابه ونعياً على الإسلام ؛ فقد سلك المسلمون فيه مسلكهم في غيره من الشعر الذي أهمل حتى ضاع .
ولكن في شعر أمية بن أبي الصلت أخباراً وردت في القرآن كأخبار ثمود وصالح والناقة والصّيْح . ويرى الأستاذ (هوار) أن ورود هذه الأخبار في شعر أمية بعض المخالفة لما جاء في القرآن دليل على صحة هذا الشعر من جهة ، وعلى أن النبي قد استقى من أخباره من جهة أخرى .
ولستُ أدري قيمة هذا النحو من البحث . فمن الذي زعم أن ما جاء في القرآن من الأخبار كان كله مجهولا قبل أن يجيء به القرآن ؟ ومن الذي يستطيع أن ينكر أن كثيرا من القصص القرآني كان معروفا بعضه عند اليهود وبعضه عند النصارى وبعضه عند العرب أنفسهم ، وكان من اليسير أن يعرفه النبي ، كما كان من اليسير أن يعرفه غير النبي من المتصلين بأهل الكتاب . ثم كان النبي وأمية متعاصرين . فلِم يكون النبي هو الذي أخذ عن أمية ولا يكون أمية هو الذي أخذ عن النبي ؟ ثم من الذي يستطيع أن يقول إن من ينتحل الشعر ليحاكي القرآن ملزم أن يلائم بين شعره وبين نصوص القرآن ؟ أليس المعقول أن يخالف بينهما ما استطاع ليخفي الانتحال ويوهم أن شعر صحيح لا تكلف فيه ولا تعمّل ؟ بلى !
ونحن نعتقد أن هذا الشعر الذي يضاف إلى أمية بن أبي الصلت وإلى غيره من المتحنفين الذين عاصروا النبي أو جاءوا قبله إنما انتحل انتحالا . انتحله المسلمون ليثبتوا
- كما قدمنا
- أن للإسلام قِدَمه وسابقته في البلاد العربية . ومن هنا لا نستطيع أن نقبل ما يضاف إلى هؤلاء الشعراء والمتحنفين إلا مع شيء من الاحتياط والشك غير قليل .
هذا شأن المسلمين . فأما غير المسلمين من أصحاب الديانات الأخرى فقد نظروا فإذا لهم في حياة الأمة العربية قبل الإسلام قديم . وفي الحق أن اليهود قد استعمروا جزءاً غير قليل من بلاد الحجاز في المدينة وحولها وعلى طريق الشام . وفي الحق أيضا أن اليهودية قد جاوزت الحجاز إلى اليمن . ويظهر أنها استقرت حيناً عند سراة اليمن وأشرافها . وأنها أثرت بوجه ما في الخصومة التي كانت بين أهل اليمن وبين الحبشة ، وهم نصارى . ثم في الحق أن اليهودية قد استتبعت حركة اضطهاد للنصارى في نجران ذكرها القرآن في سورة البروج .
كل هذا حق لا شك فيه . وكل هذا ظاهر في أخبار العرب وأساطيرهم ، وهو ظاهر في القرآن بنوع خاص ؛ فليس قليلا ما يمس اليهود من سور القرآن وآياته . وأنت تعلم ما كان بين النبي واليهود من خصومة انتهت بإجلاء اليهود عن بلاد العرب أيام عمر بن الخطاب . وكان اليهود قد تعربوا حقا ، وكان كثير من العرب قد تهوّدوا . وليس من شك عندي في أن الاختلاط بين اليهود وبين الأوس والخزرج قد أعد هاتين القبيلتين لقبول الدين الجديد وتأييد صاحبه .
هذه حالة اليهود . فأما النصارى فقد انتشرت دياناتهم انتشارا قويا في بعض بلاد العرب فيما يلي الشام حيث كان الغسانيون الخاضعون لسلطان الروم ، وفيما يلي العراق حيث كان المناذرة الخاضعون لسلطان الفرس ، وفي نجران من بلاد اليمن التي كانت على اتصال بالحبش وهم نصارى .
ويظهر أن قبائل من العرب البادين تنصرت قبل الإسلام بأزمات تختلف طولا وقصرا . فنحن نعلم مثلا أن تغلب كانت نصرانية وأنها أثارت مسألة من مسائل الفقه . فالقاعدة أنه لا يقبل من العربي إلا الإسلام أو السيف ؛ فأما الجزية فتقبل من غير العرب ولكن تغلب قبلت منها الجزية ، قبلها عمر فيما يقول الفقهاء .
تغلغلت النصرانية إذاً كما تغلغلت اليهودية في بلاد العرب . وأكبر الظن أن الإسلام لو لم يظهر لانتهى الأمر بالعرب إلى اعتناق إحدى هاتين الديانتين . ولكن الأمة العربية كان لها مزاجها الخاص الذي لم يستقم لهذين الدينين والذي استتبع دينا أقل ما يوصف به أنه ملائم ملاءمة تامة لطبيعة الأمة العربية .
مهما يكن من شيء ، فليس من المعقول أن ينتشر هذان الدينان في البلاد العربية دون أن يكون لهما أثر ظاهر في الشعر العربي قبل الإسلام . وقد رأيت أن العصبية العربية حملت العرب على أن ينتحلوا الشعر ويضيفوه إلى عشائرهم في الجاهلية بعد أن ضاع شعر هذه العشائر فالأمر كذلك غي اليهود والنصارى : تعصبوا لأسلافهم من الجاهليين وأبوا إلا أن يكون لهم شعر كشعر غيرهم من الوثنيين ، وأبوا إلا أن يكون لهم مجد وسؤدد كما كان لغيرهم مجد وسؤدد أيضا ، فانتحلوا كما انتحل غيرهم ، ونظموا شعرا أضافوه إلى السموءل بن عادياء وإلى عديّ بن زيد وغيرهما من شعراء اليهود والنصارى .
والرواة القدماء أنفسهم يحسون شيئا من هذا فهم يجدون فيما ينسب إلى عديّ بن زيد من الشعر سهولة وليناً لا يلائمان العصر الجاهلي ، فيحاولون تعليل ذلك بالإقليم والاتصال بالفرس واصطناع الحياة الحضرية التي كان يصطنعها أهل الحيرة .
ونحن نجد مثل هذه السهولة في شعر اليهود ، في شعر السموءل بنوع خاص . ولا نستطيع أن نعللها بمثل ما عُللت به في شعر عديّ . فقد كان السموءل
- إن صحت الأخبار
- يعيش عيشة خشنة أقرب إلى حياة السادة البادية منها إلى حياة أصحاب الحضر . ويحدثنا صاحب الأغاني بأن وُلد السموءل انتحلوا قصيدة قافية أضافوها إلى امرئ القيس وزعموا أنه مدح بها السموءل حين أودعه سلاحه في طريقه إلى قسطنطينية . ونرجح نحن أن وُلد السموءل هم الذين انتحلوا هذه القصيدة الرائية التي تضاف للأعشى والتي يقال أنه مدح بها شرحبيل بن السموءل في قصته المشهورة مع الكلبي .
فأنت ترى أن للعواطف الدينية على اختلافها وتنوع أغراضها مثل ما للعواطف السياسية من التأثير في انتحال الشعر ولإضافته إلى الجاهليين .
وإذا كان من الحق أن نحتاط في قبول الشعر الذي يظهر فيه تأثير ما للأهواء السياسية ، فمن الحق أيضا أن نحتاط في قبول الشعر الذي يظهر فيه تأثير ما للأهواء الدينية .
وأكبر الظن أن الشعر الذي يسمى جاهليا مقسم بين السياسة والدين ، ذهبت هذه بشطر منه وذهب هذا بالشطر الآخر .
ولكن أسباب الانتحال ليست مقصورة على السياسة والدين بل هي تجاوزتهما إلى أشياء أخرى .
" 4 "
القصص وانتحال الشعر
من هذه الأشياء شيء ليس دينا ولا سياسة ؛ ولكنه يتصل بالدين وبالسياسة اتصالا قويا ، نريد به القصص الذي أشرنا إليه غير مرة فيما قدمنا من القول .
فالقصص في نفسه ليس من السياسة ولا من الدين ، وإنما هو فن من فنون الأدب العربي توسط بين آداب الخاصة والآداب الشعبية . وكان مرآة للون من ألوان الحياة النفسية عند المسلمين . وأزهر في عصر غير قصير من عصور الأدب العربي الراقية ، أزهر أيام بني أمية وصدرا من أيام بني العباس ، حتى إذا كثر التدوين وانتشرت الكتب واستطاع الناس أن يلهوا بالقراءة دون أن يتكلفوا الانتقال إلى مجالس القصاص ، ضعف أمر هذا الفن وأخذ يفقد صفته الأدبية الراقية شيئا فشيئا حتى ابتذل وانصرف عنه الناس .
وهذا الفن الأدبي تناول الحياة العربية والإسلامية كلها من ناحية خيالية لم يقدرها الذين درسوا تاريخ الآداب العربية قدرها ، لا أكاد أستثني منهم إلا الأستاذ مصطفى صادق الرافعي ؛ فهو قد فطن لما يمكن أن يكون من تأثير القصص في انتحال الشعر وإضافته إلى القدماء ، كما فطن لأشياء أخرى قيمة وأحاط بها إحاطة حسنة في الجزء الأول من كتابه " تاريخ آداب العرب " . نقول إن هذا الفن قد تناول الحياة العربية والإسلامية من ناحية خيالية خالصة . ونعتقد أن الذين يدرسون تاريخ الأدب العربي لو أنهم عُنوا بدرس هذا الفن عناية علمية صحيحة لوصلوا إلى نتائج قيمة ولغيروا رأيهم في تاريخ الأدب . فمهما تكن الأسباب التي دعت إلى نشأة فن القصص عند المسلمين ، فقد نشأ هذا الفن ؛ وكانت منزلته عند المسلمين هي بعينها منزلة الشعر القصصي عند قدماء اليونان . وكانت الصلة بينه وبين الجماعات هي بعينها الصلة بين الشعر القصصي اليوناني وجماعات اليونان القدماء .
وليس من شك عندنا في أن هؤلاء القصاص من المسلمين قد تركوا آثارا قصصية لا تقل جمالا وروعة وحسن موقع في النفس عن "الإلياذة" و "الأوديسا" . وكل ما بين القصص الإسلامي واليوناني من الفرق هو أن الأول لم يكن شعرا كله وإنما كان نثرا يزينه الشعر من حين إلى حين بينما كان الثاني كله شعرا ، وأن الأول لم يكن يلقيه صاحبه على أنغام الأدوات الموسيقية بينما كان القاص اليوناني يعتمد على الأداة الموسيقية اعتمادا ما ، وأن الأول لم يجد من عناية المسلمين مثلما وجد الثاني من عناية اليونان ؛ فبينما كان اليونان يقدّسون "الإلياذة" و "الأوديسا" ويعنون بجمعهما وترتيبهما وروايتهما وإذاعتهما عناية المسلمين بالقرآن ، كان المسلمون مشغولين بالقرآن وعلومه عن قصصهم هذا .
وفي الحق أن الأدب العربي لم يدرس في العصور الإسلامية الأولى لنفسه وإنما درس من حيث هو وسيلة إلى تفسير القرآن وتأويله واستنباط الأحكام منه ومن الحديث . وكان هذا كله أدنى إلى الجد وألصق به من هذا القصص الذي كان يمضي مع الخيال حيث أراد ويتقرّب من نفس الشعب ويمثل له أهواءه وشهواته ومُثله العليا . فليس غريبا أن ينصرف عن القصص أصحاب الجدّ من المسلمين .
كان قصّاص المسلمين يتحدّثون إلى الناس من مساجد الأمصار فيذكرون لهم قديم العرب والعجم وما يتـّصل بالنبوات ، ويمضون معهم في تفسير القرآن والحديث ورواية السيرة والمغازي والفتوح إلى حيث يستطيع الخيال أن يذهب بهم لا إلى حيث يلزمهم العلم والصدق أن يقفوا . وكان الناس كلِفين بهؤلاء القصاص مشغوفين بما يلقون إليهم من حديث . وما أسرع ما فطن الخلفاء والأمراء لقيمة هذه الأداة الجديدة من الوجهة السياسية والدينية ، فاصطنعوها وسيطروا عليها واستغلوها استغلالا شديدا ، وأصبح القصص أداة سياسية كالشعر .
وليس من شك في أن العناية بدرس هذا الفن ستنتهي إلى مثل ما انتهت إليه العناية بدرس الشعر من أن الأحزاب السياسية على اختلافها كانت تصطنع القصاص ينشرون لها الدعوة في طبقات الشعب على اختلافها ، كما كانت تصطنع الشعراء يناضلون عنها ويذودون عن آرائها وزعمائها . ونحن نعرف من سيرة ابن اسحاق أنه كان هاشمي النزعة والهوى ، وأنه لقي في ذلك عناءً من الأمويين في آخر عهدهم بالسلطان ، وأنه ظفر بحسن المنزلة عند العباسيين في أوّل عهدهم بالملك .
والتعمق في درس حياة القصاص الذين كانوا يقصّون في البصرة والكوفة ومكة والمدينة وغيرها من الأمصار يظهرنا من غير شك على الصِّلات التي كانت تصل بين هؤلاء القصّاص وبين الأحزاب السياسية .
غير أن القصص لم يتأثر بالسياسة وحدها ، وإنما تأثر بالدين أيضا . وقد رأيت في الفصل الماضي مُثـُلا توضح هذا التأثر .
وتأثر القصص بشيء آخر غير السياسة والدين وهو روح الشعب الذي كان يُتحدث إليه . ومن هنا عني عناية شديدة بالأساطير والمعجزات وغرائب الأمور . ومن هنا اجتـُهد في تفسير هذه الأساطير وإكمال الناقص منها وتوضيح الغامض . فنحن نستطيع أن نقول إن هذا القصص كان يستمد قوته وثروته من مصادر مختلفة ، أهمها أربعة :
(الأول) مصدر عربي هو القرآن وما كان يتصل به من الأحاديث والروايات ، وما كانت تتحدث به العرب في الأمصار من أخبارها وأساطيرها وما كانت تروي من شعر ، وما كان يتحدث به الرواة من سيرة النبي والخلفاء وغزواتهم وفتوحهم .
(الثاني) مصدر يهودي نصراني ، وهو ما كان يأخذه القصّاص عن أهل الكتاب من أخبار الأنبياء والأحبار والرهبان وما يتصل بذلك ، وليس ينبغي أن ننسى هنا تأثير أولئك اليهود والنصارى الذين أسلموا وأخذوا يضعون الأحاديث ويدسونها مخلصين أو غير مخلصين .
(الثالث) مصدر فارسي ، وهو هذا الذي كان يستقيه القصّاص في العراق خاصة من الفرس مما يتصل بأخبارهم وأساطيرهم وأخبار الهند وأساطيرها .
ثم المصدر الرابع مصدر مختلط هو هذا الذي يمثل نفسية العامة غير العربية من أهل العراق والجزيرة والشام من الأنباط والسريان ومن إليهم من هؤلاء الأخلاط الذين كانوا منبثين في هذه الأقطار والذين لم تكن لهم سيادة ولا وجود سياسي ظاهر .
كل هذه المصادر كانت تمد القصّاص . فكنتَ ترى في قصصهم ألوانا من القول وفنونا من الحديث قد لا تعجب العالِم المحقق لاضطرابها وظهور سلطان الخيال عليها ؛ ولكن لها جمالا أدبيا فنيا رائعا يعجب به من يستطيع أن يقدر التئام هذه الأهواء المختلفة التي تتصل بشعوب مختلفة وأجيال متباينة من الناس . ويعجب به بنوع خاص الذين يحاولون أن يتبينوا فيه نفسية الشعوب والأجيال التي كانت تلهم هؤلاء القصّاص .
مهما يكن من شيء ، فإن هذه المصادر كلها كانت تطلق ألسنة القصّاص بما كانوا يتحدثون به إلى سامعيهم في الأمصار . وأنت تعلم أن القصص العربي لا قيمة له ولا خطر في نفس سامعيه إذا لم يزنه الشعر من حين إلى حين . ويكفي أن تنظر في "ألف ليلة وليلة" وفي قصة عنترة وما يشبهها ، فسترى أن هذه القصص لا تستطيع أن تستغني عن الشعر ، وأن كل موقف قيم أو ذي خطر من مواقف هذه القصص لا يستقيم لكاتبه وسامعه إلا إذا أضيف إليه قدر من الشعر قليل أو كثير يكون عماداً له ودعامة . وإذن فقد كان القصّاص أيام بني أمية وبني العباس في حاجة إلى مقادير لا حدّ لها من الشعر يزينون بها قصصهم ويدعمون بها مواقفهم المختلفة فيه . وهم قد وجدوا من هذا الشعر ما كانوا يشتهون وفوق ما كانوا يشتهون .
وأكاد لا أشك في أن هؤلاء القصّاص لم يكونوا يستقلون بقصصهم ولا بما يحتاجون إليه من الشعر في هذا القصص ، وإنما كانوا يستعينون بأفراد من الناس يجمعون لهم الأحاديث والأخبار ويلفقونها ، وآخرين ينظمون لهم القصائد وينسقونها ، ولدينا نص يبيح لنا أن نفترض هذا الفرض ؛ فقد يحدثنا ابن سلاّم أن ابن إسحاق كان يعتذر عما كان يروى من غثاء الشعر فيقول : لا علم لي بالشعر إنما أوتي به فأحمله . فقد كان هناك قوم إذن يأتون بالشعر وكان هو يحمله . فمن هؤلاء القوم ؟ .
أليس من الحق لنا أن نتصوّر أن هؤلاء القصاص لم يكونوا يتحدثون إلى الناس فحسب ، وإنما كان كل واحد منهم يشرف على طائفة غير قليلة من الرواة والملفقين ومن النظام والمنسقين ، حتى إذا استقام لهم مقدار من تلفيق أولئك وتنسيق هؤلاء طبعوه بطابعهم ونفخوا فيه من روحهم وأذاعوه بين الناس . وكان مثلهم في هذا مثل القاص الفرنسي المعروف (ألكسندر دوما) الكبير . وأنت تدهش إذا رأيت هذه الكثرة الشعرية التي تنبث فيما بقي لنا من آثار القصّاص . فلديك في سيرة ابن هشام وحدها دواوين من الشعر نظم بعضها حول غزوة بدر ، وبعضها حول غزوة أحد ، وبعضها في غير هاتين الغزوتين من المواقف والوقائع ، وأضيف بعضه إلى حمزة ، وبعضه إلى عليّ ، وبعضه إلى حسّان ، وبعضه إلى كعب بن مالك ، وأضيف بعضه إلى نفر من شعراء قريش ، وإلى نفر من قريش لم يكونوا شعراء قط ، وإلى نفر آخرين من غير قريش . وليش غير سيرة ابن هشام أقل منها حظا في هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين مرة وإلى المخضرمين مرة أخرى .
وكثرة هذا الشعر الذي صدر عن المصانع الشعرية في الأمصار المختلفة أيام بني أمية وبني العباس كانت سببا في نشأة رأي يظهر أن القدماء كانوا مقتنعين به ، وأن الكثرة المطلقة من المحدثين ليست أقل به اقتناعا ، وهو أن الأمة العربية كلها شاعرة ، وأن كل عربي شاعر بطبعه وسليقته ، يكفي أن يصرف همه إلى القول فإذا هو ينساق إليه انسياقا . كان القدماء يعتقدون هذا وما يزال المحدثون يرونه . وعذر أولئك وهؤلاء أن لديهم كثرة فاحشة من الشعر تضاف إلى ناس منهم المعروف ومنهم غير المعروف ، منهم الحضري ومنهم البدوي . فأما العلماء والمحققون منهم فقد استطاعوا أن ينفوا من هذا الشعر مقدارا قليلا أو كثيرا لم يستطيعوا أن يقبلوه ولا أن يطمئنوا إليه . ولكنهم بعد الحذف والنفي والنقد والتمحيص نظروا فإذا لديهم مقادير ضخمة تضاف إلى ناس منهم المعروف ومنهم المجهول ، ومنهم الحضري ومنهم البدوي . فأي شيء أيسر من أن يعتقدوا أن العربي شاعر بفطرته ، وأنه يكفي أن يكون الرجل عربيا ليقول الشعر متى شاء وكيف شاء .
ولكن رأيا كهذا لا يلائم طبيعة الأشياء . فنحن نستطيع أن نؤمن بأن الأمم تتفاوت حظوظها من الشعر ، فبعضها أشعر من بعض ، وبعضها أكثر شعراء من بعضها الآخر . ولكن لا نستطيع أن نفهم أن يكون جيل من الناس شاعرا كله ، أو أن تكون أمة من الأمم شاعرة كلها رجالا ونساءً وشبانا وشيبا وولدانا أيضا . ولدينا نصوص قديمة تدلنا على أن العرب لم يكونوا جميعا شعراء . فكثيرا ما حاول العربي قول الشعر فلم يوفق إلى شيء . وقد طلب إلى النبي في بعض المواقف التي احتاج المسلمون فيها إلى الشعر أن يأذن لعلي في أن يقول شعرا يرد به على شعراء قريش فأبى النبي أن يأذن له ، لأنه لم يكن من ذلك في شيء ، وأذن لحسّان .
وما نظن أننا في حاجة إلى أن نقيم الأدلة نبسط البراهين على أن العرب لم يكونوا كلهم شعراء . وإنما سبيلنا أن نوضح أن كثرة هذا الشعر هي التي خيّلت إلى القدماء والمحدثين أن لفظ العربي مرادف للفظ الشعر . فإذا أضفت إلى ما قدمنا أنك تجد كثيرا من الشعر يضاف إلى قائل غير معروف بل غير مسمى ، فتراهم يقولن مرة قال الشاعر ، وأخرى قال الأول ، وثالثة قال الآخر ، ورابعة قال رجل من بني فلان ، وخامسة قال أعرابي وهلم جرا
– نقول إذا لاحظت هذا كله عذرت القدماء والمحدثين إذا اعتقدوا أن العرب كلهم شعراء .
والحق أن العرب كانوا كغيرهم من الأمم ذات الفصاحة واللسن والأذهان القوية يكثر فيهم الشعر دون أن يعم كافتهم ، وأن أكثر هذا الشعر الذي يضاف إلى غير قائل أو إلى قائل مجهول إنما هو شعر مصنوع موضوع انتحل انتحالا بسبب من هذه الأسباب التي نحن بإزائها ومنها القصص .
كثرة هذا الشعر الذي احتاج إليه القصّاص لتزدان به قصصهم من ناحية وليسيغها القراء والسامعون من ناحية أخرى خدعت فريقا من العلماء ، فقبلوها على أنها صدرت من العرب حقا . وقد فطن بعض العلماء إلى ما في هذا الشعر من تكلف حينا ومن سخف وإسفاف حينا آخر ، وفطن إلى أن بعض هذا الشعر يستحيل أن يكون قد صدر عن الذين يُنسب إليهم . ومن هؤلاء العلماء محمد بن سلاّم الذي أنكر
– كما رأيت
– ما يضيفه ابن إسحاق إلى عاد وثمود وحِمْير وتبّع ، وأنكر كثير مما رواه ابن إسحاق في السيرة من شعر الرجال والنساء سواء منهم من عُرف بالشعر ومن لم يقل شعرا قط . وآخرون غير ابن سلاّم أنكروا ما روى ابن إسحاق وأصحابه القصّاصون ؛ نذكر منهم ابن هشام الذي يروي لنا في السيرة ما كان يرويه ابن إسحاق ، حتى إذا فرغ من رواية القصيدة . قال : وأكثر أهل العلم بالشعر أو بعض أهل العلم بالشعر ينكر هذه القصيدة أو ينكرها لمن تضاف إليه .
ولكن هؤلاء العلماء الذين فطنوا لأثر القصص في انتحال الشعر خـُدعوا أيضا ؛ فلم يكن صناع الشعر جميعا ضِعافا ولا محمّقين ، بل كان منهم ذوي البصيرة النافذة والفؤاد الذكي والطبع اللطيف ، فكان يجيد الشعر ويحسن انتحاله وتكلفه ، وكان فطِنا يجتهد في إخفاء صنعته ويوفق من ذلك إلى الشيء الكثير . وابن سلاّم نفسه يحدثنا بأنه إذا سهل على العلماء النقاد أن يعرفوا ما تكلفه الضعفاء من المنتحلين ، فمن العسير عليهم أن يميزوا ما كان يتكلفه العرب أنفسهم ، وقد رأيت أن العرب أنفسهم كانوا يتكلفون ويضعون ويكذبون ، فيسرفون في هذا كله .
ولعل من أوضح الأمثلة لانخداع ابن سلاّم عن هذا الشعر المنتحل هذه الطائفة التي رواها على أنها أقدم ما قالته العرب من الشعر الصحيح ، والتي يضاف بعضها إلى جذيمة الأبرش ، وبعضها إلى زهير بن جناب ، وبعضها إلى العنبر بن تميم ، وبعضها إلى مالك وسعد ابني زيد مناة بن تميم ، وبعضها إلى أعصر بن سعد بن قيس عيْلان . وكل هذا الشعر إذا نظرت فيه سخيف سقيم ظاهر التكلف بيّن الصنعة . واضح جداً أن راويا من الرواة أو قاصا من القصّاص تكلفه ليفسر مثلا من الأمثال أو أسطورة من الأساطير أو لفظا غريبا أو ليلذ القارئ أو السامع ليس غير . ولنضرب لذلك مثلا هذين البيتين الذين يضافان إلى أعصر بن سعد بن قيس عيْلان ، وهما :
قالت عميرة ما لرأسك بعد ما نفد الزمان أتى بلون منكر
أعميز إنّ أباك شيّب رأسه كـَرُّ الليالي واختلاف الأعصر
قال ابن سلاّم وغيره من العلماء والرواة : إن هذا الرجل إنما سمّي "أعصر" لهذا البيت الأخير . قال ابن سلاّم : وبعض الناس يسميه "يعصر" وليس بشيء .
وابن سلاّم نفسه يحدثنا أن معدّاً كان يعيش في العصر الذي كان يعيش فيه موسى بن عمران ، أي قبل المسيح بقرون عدّة أي قبل الإسلام بأكثر من عشرة قرون ، فإذا لاحظنا أن "أعصر" هذا هو ابن سعد بن قيس عيْلان بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ ، رأينا أنه إن عاش فقد عاش في زمن متقدم جدا أي قبل الإسلام بعشرة قرون على أقل تقدير .
أفتظن أن هذين البيتين اللذين قرأتهما آنفا يمكن أن يكونا قد قيلا قبل الإسلام بألف سنة ! ونحن لا نعرف اللغة العربية قبل الإسلام بثلاثة قرون أو أربعة قرون ، ونحن نجد مشقة غير قليلة في فهم الشعر العربي الصحيح الذي قيل أيام النبي أو بعد النبي ، ولا نجد شيئا من العسر في فهم هذا الكلام الذي إن صح رأي ابن سلاّم فقد قيل قبل النبي بأكثر من عشرة قرون .
أليس واضحا جليا أن هذين البيتين إنما قيلا في الإسلام ليفسرا اسم هذا الرجل الذي هو في حقيقة الأمر من أشخاص الأساطير لا نعرف أوُجد في حقيقة الأمر أم لم يوجد .
وقل مثل هذا فيما يضيفه ابن سلاّم إلى مالك وسعد ابنيْ زيد مناة بن تميم . فنحن لا نعرف مَنْ سعدٌ ومَنْ مالك ومَنْ زيد مناة ومَنْ تميم . وأكبر الظن عندنا أنهم أشخاص أساطير لم يوجدوا قط . ولكن رأي الرواة والقصاص مثلا تستعمله العرب وهو : "ما هكذا تورد يا سعد الإبل" .. وهم في حاجة إلى تفسير الأمثال ؛ والشعوب نفسها في حاجة إلى تفسير الأمثال أيضا . ومن هنا اخترعت هذه القصة التي نطق فيها سعد ومالك بما يضاف إليهما من الرجز .
وقل مثل هذا فيما يضاف للعنبر بن تميم وهو :
قد رابني من دلوِيَ اضطرابها والنأي في بهراء واغترابها
إلاّ تجيء ملأى يجيء قِرابها
فالأمر عندنا لا يتجاوز تفسير هذا البيت الأخير الذي كان يجري مجرى المثل فيما يظهر . وقل مثل هذا في هذا الشعر الذي يضاف إلى جذيمة الأبرش ، وفي كل ما يتصل بجذيمة وصاحبته الزّباء وابن اخته عمرو بن عديّ ووزيره قـَصير .
فليس لهذا كله إلا أصل واحد هو تفسير طائفة من الأمثال ذكرت فيها أسماء هؤلاء الناس كلهم أو بعضهم كقولهم "لا يطاع لقصير أمر" . وقولهم : "لأمرٍ ما جدع قصيرٌ أنفه" ، وقولهم : "شب عمرو على الطوق" . أو ذكر فيها ما يتصل بهؤلاء الناس في هذه القصص التي كانت شائعة عند هؤلاء الأخلاط من سكان العراق والجزيرة والشأم وما يتصل بها من بوادي العرب ، كفرس جذيمة التي كانت تسمى "العصا" والبرج الذي بناه قصير على العصا بعد أن نفقت وكان يسمّى "برج العصا" ، ودم جذيمة الذي جمعته الزّباء في طست من الذهب ، وجـِمال عمرو بن عديّ التي احتال قصير في إدخالها تدْمر وعليها الرجال في الغرائر .
وتستطيع أن تذهب هذا المذهب من الفهم والتفسير في كل هذه الحكايات والأساطير التي تتصل بالأسماء والأمثال والأمكنة وما إليها وما ينشد فيها من الشعر .
ولكن القدماء لم يذهبوا هذا المذهب ؛ وإنما قبلوا هذه الأخبار والأشعار على علاتها ورووها على أنها صحيحة لأنهم سمعوها من رواة كانوا يعتقدون أنهم ثقات مصححون . ومن هنا روى ابن سلاّم وغيره أبياتا لجذيمة على أنها من أقدم الشعر العربي وهي التي تبتدئ بهذا البيت :
ربما أوفيتُ في علمٍ ترفعنْ ثوبي شمالاتُ
وهناك لون من ألوان القصص كان الناس يتحدثون به ويميلون إليه ميلا شديدا ويرون فيه الأكاذيب والأعاجيب وهو أخبار المعمّرين الذين مدّت لهم الحياة إلى أبعد مما ألف الناس . وقد رويت حول هؤلاء المعمّرين أخبار وأشعار قبلها العلماء الثقات في القرن الثالث للهجرة كأبي حاتم السجستاني وابن سلاّم نفسه ، وهو يروي لنا في كتاب الطبقات هذا الشعر المتكلف السخيف الذي يضاف إلى أحد هؤلاء المعمّرين وهو المستوغر بن ربيعة بن كعب بن سعد الذي بقي بقاءً طويلا حتى قال :
ولقد سئمت من الحياة وطولها وازددت من عدد السنين مئيــنا
مائة أتت من بعدها مئتان لي وازددت من عدد الشهور سنينا
هل ما بقي إلا كما قد فاتنا يـــومٌ يكــــرُّ وليلة ٌ تحـــدونا
ويروي لنا ابن سلاّم شعرا آخر ليس أقل من هذا الشعر سخفا ولا تكلفا ولا انتحالا يضيفه إلى دُوَيْد بن زيد بن نهد حين حضره الموت :
اليـــومَ يبنى لدُوَيْد بيته لو كان للدهر بلىً أبليته
أو كان قربي واحداً كفيته يا رُبَّ نهْبٍ صالحٍ حويته
ورُبَّ غيْلٍ حسن لويته ومِعصمٍ مخضّبٍ ثنـيـته
فأنت ترى أن ابن سلاّم على ما أظهر من الشك فيما كان يروي ابن إسحاق من شعر عاد وثمود وتبّع وحِمْير ، قد انخدع عما كان يرويه ابن إسحاق وغير ابن إسحاق من القصّاص من الشعر يضيفونه إلى القدماء من حاضرة العرب وباديتهم .
والرواة أشد انخداعا حين يتصل الأمر بالبادية اتصالا شديدا ، وذلك في هذه الأخبار التي يسمونها "أيام العرب" أو "أيام الناس" . فهم سمعوا بعض هذه الأخبار من الأعراب ثم رأوها تقص مفصلة مطوّلة فقبلوا ما كان يروى منها على أنه جدّ من الأمر ، ورووه وفسّروه وفسّروا به الشعر واستخلصوا منه تاريخ العرب ؛ مع أن الأمر فيه لا يتجاوز ما قدّمناه . فليست هذه الأخبار إلا المظهر القصصي لهذه الحياة العربية القديمة ، ذكره العرب بعد أن استقروا في الأمصار فزادوا فيه ونمّوه وزينوه بالشعر ؛ كما ذكر اليونان قديمهم فأنشأوا فيه "الإلياذة" و "الأوديسا" وغيرهما من قصائد الشعر القصصي التي لم يكن يكد يبلغها الإحصاء . فحرب البسوس وحرب داحس والغبراء وحرب الفساد وهذه "الأيام" الكثيرة التي وضعت فيها الكتب ونظم فيها الشعر ليست في حقيقة الأمر – إن استقامة نظريتنا – إلا توسيعا وتنمية لأساطير وذكريات كان العرب يتحدّثون بها بعد الإسلام .
ومن هنا نستطيع أن نقول مطمئنين إن مؤرّخ الآداب العربية خليق أن يقف موقف الشك – إن لم يقف موقف الإنكار الصريح – أمام هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين ، والذي هو في حقيقة الأمر تفسير أو تزيين لقصة من القصص أو توضيح لاسم من الأسماء أو شرح لمثل من الأمثال .
كل ما يُروى عن عاد وثمود وطسْم وجَديس وجُرهُم والعماليق موضوع لا أصل له . وكل ما يُروى عن تبّع وحِمْير وشعراء اليمن في العصور القديمة ، وأخبار الكهان ، وما يتصل بسيْل العرم وتفرّق العرب بعده موضوع لا أصل له .
وكل ما يُروى من أيام العرب وحروبها وخصوماتها وما يتصل بذلك من الشعر خليق أن يكون موضوعا . والكثرة المطلقة منه موضوعة من غير شك .
وكل ما يُروى من هذه الأخبار والأشعار التي تتصل بما كان بين بين العرب والأمم الأجنبية من العلاقات قبل الإسلام كعلاقاتهم بالفرس واليهود والحبشة خليق أن يكون موضوعا . وكثرته المطلقة موضوعة من غير شك .
ولسنا نذكر شعر آدم وما يشبهه فنحن لم نكتب هذا الكتاب هازلين ولا لاعبين .
ابو تراجى
12-21-2009, 12:31 PM
" 5 "
الشعوبية وانتحال الشعر
والشعوبية ما رأيك فيهم وفيما يمكنِ أن يكون لهم من الأثر القوي في إنتحال الشعر والأخبار وإضافتها إلى الجاهليين ؟ أما نحن فنعتقد أن هؤلاء الشعوبية قد انتحلوا أخباراً وأشعاراً كثيرة وأضافوها إلى الجاهليين والإسلاميين . ولم يقف أمرهم عند إنتحال الأخبار والأشعار ، بل هم قد أضطروا خصومهم ومناظريهم إلى الانتحال والإسراف فيه . وأنت تعلم أن أصل هذه الفرقة إنما هو هذا الحقد الذي أضمره الفرس المغلوبون للعرب الغالبين ، وأنت تعلم أن هذه الخصومة قد أخذت مظاهر مختلفة منذ تم الفتح للعرب ، وأحدثت آثاراً مختلفة بعيدة في حياة المسلمين الدينية والسياسية والأدبية . ولكنا لا نريد أن نتجاوز في هذا الفصل تأثير الشعوبية في الحياة الأدبية وحدها وفي انتحال الشعر على الجاهليين بنوع خاص .
لم يكد ينتصف القرن الأوّل للهجرة حتى كان فريق من سبي الفرس قد أستغرب وأتقن العربية وأستوطن الأقطار العربية الخالصة ، وأخذ يكون له فيها نسل وذرية ، وأخذ هذا الشباب الفارسي الناشئ يتكلم العربية كما يتكلمها العرب أنفسهم . وما هي إلا أن أخذ هذا الشباب يحاول نظم الشعر العربي على نحو ما كان ينظمه شعراء العرب . ثم لم يقف أمرهم عند نظم الشعر بل تجاوزه إلى أن شاركوا العرب في أغراضهم الشعرية السياسية . فكان من هؤلاء الموالي شعراء يتعصّبون للأحزاب العربية السياسية ويناضلون عنها .
وهذا الموقف السياسي الذي وقفه الموالي الأحزاب يسّر الأمر عليهم تيسيراً شديداً . فقد كان أحدهم لا يكاد تأييده لحزب من هذه الأحزاب حتى يفرح به هذا الحزب ويعطف عليه ويجزل له الصِّلات ويذهب في تشجيعه كل مذهب ، على نحو ما تفعل الأحزاب السياسية الآن بالصحف التي تقف منها مواقف التأييد ، تقبل عليها وتمنحها المعونة لا تبالي في ذلك بشيء ، لأنها لا تريد إلا نشر الدعوة ، ولأنها لا تريد إلا الفوز . ومن إبتغى الفوز وحده كان خليقا ألا يحقق في اختيار الوسائل وتدبرالعواقب .
وكذلك كانت تفعل الأحزاب العربية أيام بني أمية . كان هذا المولى يعلن تأييده للأمويين في قصيدة من الشعر فما أسرع ما يضمه الأمويون إليهم لا يعنيهم أكان مخلصاً لهم أو مبتغياً للحظوة والزلفى .
وكذلك كان يفعل حزب آل الزبير وحزب الهاشميين . وكذلك كانت الخصومة بين الأحزاب العربية للمغلوبين الموتورين من الموالي أن يتدخّلوا في السياسة العربية وأن يهجوا أشراف قريش وقرابة النبي .
كان بني أمية يشجعون أبا العباس الأعمى ، وكان آل الزبير يشجعون إسماعيل بن يسار ، وكان هذان الشاعران يستبيحان لأنفسهما هجو أشراف قريش خاصة والعرب عامة في سبيل التأييد لآل مروان وآل حرب وآل الزبير .
ولم يكن هؤلاء الموالي مخلصين للعرب حقاً ، إنما كانوا يستغلّون هذه الخصومة السياسية بين الأحزاب ليعيشوا من جهة وليخرجوا من حياة الرق أو حياة الولاء إلى حياة تشبه حياة الأحرار والسادة من جهة أخرى ، ثم ليشفوا ما في صدورهم من غل وينّفسوا عن أنفسهم ما كانوا يضمرون من ضغينة من جهة ثالثة .
ولعل إسماعيل بن يسار أظهر مثل هذه الطائفة من الشعراء الموالي . الذين كانوا يبغضون العرب ويزدرونهم ويستغلون ما بينهم من الخصومات السياسية لحاجاتهم ولذاتهم وأهوائهم . قالوا : كان إسماعيل بن يسار زبيري الهوى ، فلما ظفر آل مروان بآل الزبير أصبح إسماعيل مروانياً وقبله بنو أمية ، فأستأذن ذات يوم على الوليد بن عبدالملك فأخّره ساعة حتى إذا أذن له دخل عليه يبكي ، فلما سأله عن بكائه هذا قال : أخرتني وأنت تعلم مروانيتي ومروانية أبي ؛ فأخذ الوليد يهوّن عليه ويعتذر إليه وهو لا يزداد إلا إغراقاً في البكاء ، حتى وصله الوليد فأحسن صلته ، فلما خرج تبعه بعض من حضر فسأله عن هذه . المروانية التي إدعاها : وما هي ومتى كانت ؟ فأجاب : إن هذه المروانية هي بغضنا لآل مروان وهي التي حملت أباه يساراً وهو يموت على أن يتقرّب إلى الله بلعن مروان بن الحكم ، وهي التي تحمل أمه على أن تلعن آل مروان مكان ما تتقرّب به من التسبيح .
ولكن آل مروان كانوا في حاجة إلى إصطناع هؤلاء الشعراء يذودون عنهم ويناضلون بني هاشم خاصة ؛ فقد علمت منزلة بني هاشم في نفوس الموالي والفرس .
والرواة يحدّثوننا بأن حب بني أمية لشاعرهم أبي العباس الأعمى لم يكن له حدّ ؛ فقد كانت صلات بني أمية ترسل إليه في مكة . وحج عبدالملك مرة فدخل عليه هذا الشاعر وأنشده شعرا هجا به أبن الزبير ، فخلف عبدالملك على من في المجلس من قرابته ومن قريش ليكسونّه كل واحد منهم ؛ قالوا فألقيت عليه الحلل والثياب حتى كادت تخفيه ، ونهض فجلس عليها بقية مجلسه مع عبدالملك .
ولم تكن سيرة الهاشميين مع أنصارهم من الموالي أقل من سيرة الأمويين والزبيريين . وكانت النتيجة لهذا كله أن استباح هؤلاء الموالي لأنفسهم هجو العرب أوّلا ثم ذكر قديمهم والافتخار بالفرس ثانيا . وهجاء العرب أيام بني أمية ؛ ولكنك تجد من ذلك طرفاً مجزئاً مغنياً في الأغاني وغيره من كتب الأدب .
أما العصر العباسي فيكفي أن تقرأ هذه القصيدة التي قالها أبو نواس يهجو فيها العرب وقريشا ، والتي يقال إن الرشيد أطال حبسه فيها .
وهم يحدّثوننا أن الجرأة بلغت بإسماعيل بن يسار أن أنشد فخره بالفرس بين يدي هشام بن عبدالملك ؛ فغضب عليه الخليفة وأمر به فألقي في بركة كانت بين يديه ولم يخرج إلا وقد أشرف على الموت .
نسوق هذا كله لنعطيك صورة من حقد الفرس على العرب وما كان له من أثر في الحياة الأدبية لهؤلاء الشعراء .
وقد وصلنا إلى ما كنا نريد من تأثير هذه الشعوبية في انتحال الشعر ، فيكفي أن يحاول الشاعر من الموالي الإفتخار على العرب ليفكر في أن يثبت أن العرب أنفسهم كانوا قبل أن يتيح لهم الإسلام هذا التغلب يعترفون بفضل الفرس وتقدّمهم ، ويقولون في ذلك الشعر يتقّربون به إليهم ويبتغون به المثوبة عندهم ، ولا سيما إذا كانت الحوادث التاريخية والأساطير تعين على ذلك وتدني منه .
ومن الذي يستطيع أن ينكر أن الفرس قد سيطروا قبل الإسلام على العراق وأخضعوا لسلطانهم من كان يسكن حضره وباديته من العرب ! ومن ذا الذي يستطيع أن ينكر أن الفرس قد أرسلوا جيشاً أحتل اليمن وأخرج منه الحبشة ! ومن ذا الذي يستطيع أن ينكر أنه قد كانت بين الفرس والعرب وقائع ، وأن ملوك الحيرة كانوا أتباعاً للفرس يوفدون إليهم من حين إلى حين أشراف البادية العربية ؟ وإذا كان هذا كله حقا فلم لا يستغله الموالي ؟ ولم لا يعتزون به على العرب المتغلبين الذين يزدرونهم ويتخذونهم رقيقا وخدما ؟
الحق أن الموالي لم يقّصروا في هذا ، فهم أنطقوا العرب بكثير من نثر الكلام وشعره ، فيه مدح للفرس وثناء عليهم وتقرّب منهم . وهم زعموا لنا الأعشى زار كسرى ومدحه وظفر بجوائزه . وهم أضافوا عديّ بن زيد ولقيط يَعْمُر وغيرهما من إياد والعباد كثيراً من الشعر فيه الإشادة بملوك الفرس وسلطانهم وجيوشهم . وهم أنطقوا شاعراً من شعراء الطائف بأبيات رواها الثقات من الرواة على أنها صحيحة لا شك فيها ، وهي أبيات تضاف إلى أبي الصلت بن ربيعة ، وهو أبو أمية بن أبي الصلت المعروف . وقد يكون من الخير أن نروي هذه الأبيات وهي :
لله ردّهُم من عصبــــة خرجــــــوا ما إن ترى لهم في النـــــاس أمثالا
بيضـاً مرزابةً غُـــراً حجاحجـــــة أُسدا ترّبب في الغَيْيضــــات أشبالا
لا يرمَضُون إذا حرّت مغافــــرهم ولا ترى منهـــمُ في الطعـــن مَيَّالا
مًنْ مثلُ كسرى وسابور الجنود له أو مثل وهرز يوم الجيش إذ صالا
فاشرب هنيئا عليك التاجُ مرتفعــا في رأس غُمْدانَ داراً منك مْحِلالا
واحتطم بالمسك إذا شالت نعامتهم وأسبل اليوم في بُرديـــك إسبــــالا
تلك المكارم لا قَعْبان من لبــــــــنٍ شيبـــاَ بمــــاء فعـــــادا بعدُ أبـوالا
والشعر في مدح سيف بن ذي يزن . وقد زاد ابن قتيبة في أوّله هذه الأبيات وهي أبلغ في الدلالة على ما نريد أن ندل عليه وهي :
ولن يطلب الوترأمثال ابن ذي يزَنٍ لجج في البحر للأعداء أحـوالا
أتى هِرَقْــلَ وقــد شـالــت نَعامتــــه فلم يجـــد عنده القولَ الذي قالا
ثم أنتحى نحو كســـرى بعـد تاسعةٍ من السنيـن ، لقــد أبعدتَ إيغالا
حتى أتى ببني الأحــــرار يحملهــم إنك عمري لقـــد أسرعتَ قلقالا
فأنظر إليه كيف قدّم الفرس على الروم في أوّل الشعر وعلى العرب في سائره ! ولو أن العرب غلبوا الروم بعد الإسلام وأزالوا سلطانهم كما أزالوا سلطان الفرس وأخضعوهم لمثل ما أخضعوا له الفرس لكان للروم مع العرب شأن يشبه شأن الفرس معهم . ولكن العرب لم يقوّضوا سلطان الروم وإنما أقتطعوا طائفة من أقاليمهم وظلت دولتهم قائمة .
ومن الخير أن نروى أبيتاً قالها إسماعيل بن يسار في الفخر بالفرس ، فسترى بينها وبين الشعر الذي يضاف إلى أبي الصلت ما يحمل على شيء من الشك والريبة . قال :
إني وجدّك ما عُودي بــــــــذي خَوَرٍ عند الحِفَاظ ولا حَوْضي بمهدوم
أصلي كريمُ ومجـــــــدي لا يُقاس به ولي لســـانُ كحدّ السيف مسموم
أحمي به مجـــــد أقـــوام ذوي حسب من كل قــرم بتاج الملك معموم
حجاحج ســــادة بُلْـــــــج مرازبــــــة جرد عِتـــاق مساميـــح مطاعيم
مَنْ مثلُ كسرى وسابور الجنود معَاً والهرمـــزان لفخرٍ أو لتعظيـــم
أُسد الكتّائب يوم الرَّوع إن زحفـــوا وهم أذلُّوا ملوك التـرك والروم
يمشون في حلـــق المــــاذي سابغـةً مشي الضراغمة الأُسد اللهاميم
هنـــــاك إن تســـــألي تُنْبـَـــى لنــــا جُرْثومةً قَهَرت عِزّ الجراثيــــم
على هذا النحو من انتحال الموالي للشعر والأخبار يضيفونها إلى العرب ذكراً لمآثر الفرس ، وما كان لهم من سلطان ومجد في الجاهلية . كان العرب مضطرين إلى أن يجيبوا بلون من الانتحال يشبه هذا اللون ، فيه تغليب للعرب على الفرس ، وفيه إثبات لأن ملك الفرس في الجاهلية وتسلطهم على العرب لم يكن من شأنه أن يذل هؤلاء أو أن يقّدم عليهم أولئك .
ومن هنا مواقف هذه الوفود التي تتحدّث أمام كسرى مجامد العرب وعزّتها ومنعتها وإبائها للضيم . ومن هنا هذه المواقف التي تضاف إلى ملوك الحيرة والتي تظهر هؤلاء الملوك أحياناً عصاة مناهضين للملك الأعظم . ثم من هنا هذه الأيام والوقائع التي كانت للعرب على الفرس والتي تحدّث النبيّ عن بعضها وهو يوم ذي قار .
فأنت ترى أن الشعوبية في مظهرها السياسي الأول قد حملت الفرس على أنتحال الأشعار والأخبار وأكرهت العرب على أن يلقوا الأنتحال بمثله .
على أن هذه الشعوبية لم تلبث أن أستحالت بعد سقوط الأمويين وقيام سلطان الفرس على يد العباسيين إلى خلاف له صورة عليمة أدبية أقرب إلى البحث والجدل في أنواع العلم منها إلى ما كان معروفاً من الخصومة السياسية بين الغالب والمغلوب . وكان هذا النحو من الشعوبية أخصب من النوع السابق وأبلغ في حمل العرب والفرس على الانتحال والإسراف فيه .
ولعلك تلاحظ أن الكثرة المطلقة من العلماء الذين أنصرفوا إلى الأدب واللغة والكلام والفلسفة كانوا من العجم الموالي ، وكانوا يستظلون بسلطان الوزراء والمشيرين من الفرس أيضاً ؛ وكانت غايتهم قد أستحالت من إثبات سابقة الفرس في الملك والسلطان إلى ترويج هذا السلطان الذي كسبوه أيام بني العباس وإقامة الأدلة الناهضة على أن الأمر قد ردّ إلى أهله وعلى أن هؤلاء العرب الذين حيل بينهم وبين السيادة الفعلية ليسوا ولم يكونوا أهلا لهذه السيادة . ومن هنا كان هؤلاء العلماء والمناظرون أصحاب أزدراء ونعى عليهم وغضٍّ من أقدارهم .
فأما أبو عُبّيْدة مَعْمَر بن المُثَنىَّ الذي يرجع العرب إليه فيما يرون من لغة وأدب ، فقد كان أشدّ الناس بغضا للعرب وأزدراءً لهم ؛ وهو الذي وضع كتابا لا نعرف الآن إلا إسمه وهو " مثالب العرب " . وأما غير أبي عبيدة من علماء الموالي ومتكلميهم وفلاسفتهم فقد كانوا يمضون في أزدراء العرب إلى غير حدّ : ينالونهم في حروبهم ، ينالونهم في شعرهم ، ينالونهم في خطابتهم ، وينالونهم في دينهم أيضاً. فليست الزندقة إلا مظهراً من مظاهر الشعوبية ؛ وليس تفضيل النار على الطين وإبليس على آدم إلا مظهراً من مظاهر الشعوبية الفارسيّة التي كانت تفضّل المجوسية على الإسلام .
وأنت تجد في " البيان والتبين " كلاما كثيراً تستبين منه إلى أيّ حدّ كان الفرس يعجبون بآثار الأمم الأعجمية ويقدّمونها على آثار العرب ، فهم يعجبون بخطب الفرس وسياستهم ، وعلم الهند وحكمتها ، ومنطق اليونان وفلسفتهم ؛ وهم ينكرون على العرب أن يكون لهم شيء يقارب هذا . والجاحظ ينفق لكل هذه المفاخر الأعجمية وأن يأتوا بخير منها .
ولعل أصدق مثال لهذه الخصومة العنيفة بين علماء العرب والموالي : هذا الكتاب الذي كتبه الجاحظ في البيان والتبين وهو "كتاب العصـا". وأصل هذا الكتاب كما تعلم أن الشعوبية كانوا ينكرون على العرب الخطابة ، وينكرون على خطباء العرب ما كانوا يصطنعون أثناء خطابتهم من هيئة وشكل وما كانوا يتخذون من أداة ، وكانوا يعيبون على العرب إتخاذ العصا والمخصرة وهم يخطبون . فكتب الجاحظ كتاب العصا ليثبت فيه أن العرب أخطب من العجم ، وأن أتخاذ الخطيب العربي للعصا لا يغضّ من فنه الخطابي . أليست العصا محمودة في القرآن والسنـة وفي التوراة وفي أحاديث القدماء ؟ ومن هنا مضى الجاحظ في تعداد فضائل العصا حتى أنفق في ذلك سفراً ضخماً .
والذي يعنينا من هذا كله هو أن نلاحظ أن الجاحظ وأمثاله من الذين كانوا يعنون بالردّ على الشعوبية ، ومهما يكن علمهم ومهما تكن روايتهم لم يستطيعوا أن يعصموا أنفسهم من هذا الأنتحال الذي كانوا يضطرون إليه إضطراراً ليسكتوا خصومهم من الشعوبية . فليس من اليسير أن نصدق أن كل ما يرويه الجاحظ من الأشعار والأخبار حول العصا والمخصرة ويضيفه إلى الجاهليين صحيح . ونحن نعلم حق العلم أن الخصومة حين تشتدّ بين الفرق والأحزاب فأيسر وسائلها الكذب . كانت الشعوبية ينتحلون من الشعر ما فيه ذود عن العرب ورفع أقدارهم .
ونوع آخر من الانتحال دعت إليه الشعوبية ، تجده بنوع خاص في كتاب الحيوان للجاحظ وما يشبهه من كتب العلم التي ينحوبها أصحابها نحو الأدب . ذلك أن الخصومة بين العرب والعجم دعت العرب وأنصارهم إلى أن يزعموا أن الأدب العربي القديم لا يخلو أو لا يكاد يخلو من شيء تشتمل عليه العلوم المحدّثة . فإذا عرضوا لشيء مما في هذه العلوم الأجنبية فلا بد أن يثبتوا أن العرب قد عرفوه أو ألموا به أو كادوا يعرفونه ويلمون به .
ومن هنا لا تكاد تجد شيئاً من هذه الأنواع الحيوانية التي عرض لها الجاحظ في كتاب الحيوان إلا وقد قالت العرب شيئاً قليلاً أو كثيراً طويلاً أو قصيراً ، واضحاً أو غامضاً . يجب أن يكون للعرب قول في كل شيء وسابقة في كل شيء ، هم مضطرون إلى ذلك إضطراراً ليثبتوا ما يفقدون من السلطان السياسي ، وبمقدار ما ترفع هذه الأمم المغلوبة رءوسها .
وأنا استطيع أن أمضي في تفصيل هذه الآثار المختلفة التي تركتها الشعوبية في الأدب العربي وفي الأنتحال بنوع خاص ؛ ولكني لم أكتب هذا الكتاب إلا لألمّ إلماماً بكل هذه الأسباب التي تحمل على الشك في قيمة ما يضاف إلى الجاهليين من الشعر . وأحسبني قد ألمت بالشعوبية وتأثيرها في ذلك إلماماً كافياً .
" 6 "
الرواة وانتحال الشعر
فإذا فرغنا من هذه الأسباب العامة التي كانت تحمل الأنتحال والتي تتصل بظروف الحياة السياسية والدينية والفنية للمسلمين فلن نفرغ من كل شيء ، بل نحن مضطرون إلى أن نقف وقفات قصيرة عند طائفة أخرى من الأسباب ، ليست من العموم والاطراد بمنزلة الأسباب المتقدّمة . ولكنها ليست أقل منها تأثيراً في حياة الأدب العربيّ القديم ، وحثاًّ على تحميل الجاهليين ما لم يقولوا من الشعر والنثر . أريد بها هذه الأسباب التي تتصل بأشخاص أولئك الذين نقلوا إلينا أدب العرب ودوّنوه . وهؤلاء الأشخاص الرواة . وهم بين اثنتين : إما أن يكونوا من العرب ، فهم متأثرون بما كان يتأثر به العرب . وإما أن يكونوا من الموالي ، فهم متأثرون بما كان يتأثر به الموالي من تلك الأسباب العامة . وهم على تأثرهم بهذه الأسباب العامة متأثرون بأشياء أخرى هي التي أريد أن أقف عندها وقفات قصيرة كما قلت .
ولعل أهمّ هذه المؤثرات التي عبثت بالأدب العربيّ وجعلت حظه من الهزل عظيماً : مجون الرواة وإسرافهم في اللهو والعبث وإنصرافهم عن أصول الدين وقواعد الأخلاق إلى ما يأباه وتنكره الأخلاق .
ولعلى لا أحتاج بعد الذي كتبته مفصلاً في الجزء الأوّل من "حديث الأربعاء" إلى أن أطيل في وصف ما كان فيه هؤلاء الناس من اللهو والمجون . ولست أذكر هنا إلا اثنتين إذا ذكرتهما فقد ذكرت الرواية كلها والرواة جميعاً : فأما أحدهما فحَمَّاد الراوية . وأما الآخر فخَلَف الأحمر .
كان حماد الراوية زعيم أهل الكوفة في الرواية والحفظ . وكان خلف الأحمر زعيم أهل البصرة في الرواية والحفظ أيضاً . وكان كلا الرجلين مسرفاً على نفسه ليس له حظ من دين ولا خلق ولا احتشام ولا وقار . كان كلا الرجلين سكيراً فاسقاً مستهتراً بالخمر والفسق . وكان كلا الرجلين صاحب شك ودعابة ومجون .
فأما حماد فقد كان صديقاً لحمّاد عجْرد وحمّاد الزبرقان ومُطِيع ابن إيَاس . وكلهم أسرف فيما لا يليق بالرجل الكريم الوقور . وأما خلف فكان صديقاً لوالبة بن الحُبَاب وأستاذاً لأبى نُوّاس . وكان هؤلاء الناس جميعاً في أمصار العراق الثلاثة مظهر الدعابة والخلاعة ؛ ليس منهم إلا من أتهم في دينه ورمي بالزندقة ، يتفق على ذلك الناس جميعاً : لا يصفهم أحد بخير ، ولا يزعم لهم أحد صلاحا في دين أو دنيا .
وأهل الكوفة مجمعون على أن أستاذهم في الرواية حمّاد ، عنه أخذوا ما أخذوا من شعر العرب . وأهل البصرة مجمعون على أن أستاذهم في الرواية خلف ، عنه أخذوا ما أخذوا من شعر العرب أيضاً . وأهل الكوفة والبصرة مجمعون على تجريح الرجلين في دينهما وخُلُقهما ومروءتهما . وهم مجمعون على أنهما لم يكونا يحفظان الشعر ويحسنان روايته ليس غير ، وإنما كانا شاعرين مجيدين يصلان من التقليد والمهارة فيه إلى حيث لا يستطيع أحد أن يميز بين ما يرويان وما ينتحلان .
فأما حماد فيحدّثنا عنه رواية من خيرة الرواة الكوفة هو المُفَضَّل الضّبّيّ أنه قد أفسد الشعر إفساداً لا يصلح بعده أبداً ؛ فلما سئل عن سبب ذلك ألحنُ أم خطأ ؟ قال : ليته كان كذلك ، فإن أهل العلم يردّون من أخطأ إلى الصواب ، ولكنه رجل عالم بلغات العرب وأشعارها ومذاهب الشعراء ومعاينتهم ، فلا يزال يقول الشعر يشبه به مذهب رجل ويدخله في شعره ويحمل ذلك عنه في الآفاق ، فختلط أشعار القدماء ، ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد ، وأين ذلك ؟
ويحدّثنا محمد بن سلاّم أنه دخل على بِلاَل بن أبى بُرْدة بن أبي موسى الأشعري ، فقال له بلال : ما أطرفتني شيئاً ؛ فغدا عليه حماد فأنشده قصيدة للحطيئة في مدح أبي موسى ؛ قال بلال : ويحك يمدح الحطيئة أبا موسى ولا أعرف ذلك ، وأنا أروي شعر الحطيئة ! ولكن دعها تذهب في الناس ؛ وقد تركها حماد فذهبت في الناس وهي في ديوان الحطيئة . والرواة انفسهم يختلفون ، فمنهم من يزعم أن الحطيئة قالها حقاً .
وكان يونس بن حبيب يقول : العجب لمن يروي عن حمّاد ، كان يكسر ويلحن ويكذب . وثبت كذب حماد في الرواية للمهدي ؛ فأمر حاجبه فأعان في الناس أنه يبطل رواية حماد .
وفي الحق أن حمادا كان يسرف في الرواية والتكثر منها . وأخباره في ذلك لا يكاد يصدّقها أحد ، فلم يكن يسال عن شيء إلا عرفه . وقد زعم للوليد بن يزيد أنه يستطيع أن يروي على كل حرف من حروف المعجم مائة قصيدة لمن لم يعرفهم من الشعراء . قالوا وأمتحنه الوليد حتى ضجر فوكل به من أتم إمتحانه ثم أجازه .
وأما خلف فكـلام الناس في كذبه كثير . وأبن سلام ينبئناً بأنه كان أفرس الناس بيت الشعر . ويتحدّثون أنه وضع لأهل الكوفة ما شاء الله أن يضع لهم ، ثم نسك في آخر أيامه فأنبأ أهل الكوفة بما كان قد وضع لهم من الشعر ؛ فأبوا تصديقه . وأعترف هو للأصمعي بأنه وضع غير قصيدة . ويزعمون أنه وضع لاميّة العرب على الشَّنْفَرَى ، ولاميّة أخرى على تأبَّطَ شراًّ رويت في الحماسة .
وهناك رواية كوفيّ لم يكن أقل حظا من صاحبيه هذين في الكذب والانتحال . كان يجمع شعر القبائل حتى إذا جمع شعر قبيلة كتب مصحفاً بخطه ووضعه في مسجد الكوفة . ويقول خصومه : إنه كان ثقة لولا إسرافه في شرب الخمر ، وهو أبو عمرو الشيباني . ويقولون : إنه جمع شعر سبعين قبيلة .
وأكبر الظن أنه كان يأجر نفسه للقبائل يجمع واحدة منها شعراً يضيفه إلى شعرائها . وليس هذا غريباً في تاريخ الأدب ، فقد كان مثله كثيراً في تاريخ الأدب اليوناني والروماني .
وإذا فسدت مروءة الرواة كما فسدت مروءة حماد وخلف وأبى عمرو الشيباني ، وإذا أحاطت بهم ظروف مختلفة تحملهم على الكذب والانتحال ككسب المال والتقرّب إلى الأشراف والأمراء والظهور على الخصوم والمنافسين ونكاية العرب ــــ نقول : إذا فسدت مروءة هؤلاء الرواة وأحاطت بهم مثل هذه الظروف ، كان من الحق علينا ألا نقبل مطمئنين ما ينقلون إلينا من شعر القدماء .
والعجب أن الرواة لم تفسد مروءتهم ولم يُعرفوا بفسق ولا مجون ولا شعوبية قد كذبوا أيضاً وانتحلوا . فأبو عمرو بن العَلاَء يعترف بأنه وضع على الأعشى بيتاً :
وأنكرتني وما كان الذي نكرت من الحوادث إلا الشيب والصلعا
ويعترف الأصمعي بشيء يشبه ذلك .
ويقول اللاحقي إن سيبويـه سأله عن إعمال العرب " فَعِلاَ " ، فوضع له هذا البيت :
حَذِرُ أمورا لا تَضِيرُ وآمنُ ما ليس ينجيـه من الأقــدار
ومثل هذا كثير .
وهناك طائفة من الرواة غير هؤلاء ليس من شك في أنهم كانوا يتخذون الانتحال في الشعر واللغة وسيلة من وسائل الكسب . وكانوا يفعلون ذلك في شيء من السخرية والعبث ، نريد بهم هؤلاء الأعراب الذين كان يرتحل إليهم في البادية رواة الأمصار يسألونهم عن الشعر والغريب . فليس من شك عند من يعرف أخلاق الأعراب في أن هؤلاء الناس حين رأوا إلحاح أهل الأمصار عليهم في طلب الشعر والغريب وعنايتهم بما كانوا يلقون إليهم منهما ، قدّروا بضاعتهم وأستكثروا منها . ثم لم يلبثوا أن أحسوا أزدياد حرص الأمصار على هذه البضاعة ، فحدّوا في تجارتهم وأبوا أن يظلوا في باديتهم ينتظرون رواة الأمصار . ولم لا يتولون هم إصدار بضاعتهم بأنفسهم؟ ولم لا يهبطون إلى الأمصار يحملون الشعر والغريب والنوادر إلى الرواة فيريحونهم من الرحلة ومشاق السفر ونفقاته ، ويحدثون التنافس بينهم ، ويفيدون من ذلك ما لم يكونوا يفيدون حين لم يكن يقتحم الصحارى إليهم إلا رجل كالأصمعي أو أبي عمرو بن العلاء؟ وكذلك فعلوا : إنحدروا إلى الأمصار في العراق خاصة وكثر أزدحام الرواة حولهم فنَفَقت بضاعتهم ، وأنت تعلم أن نَفاق البضاعة أدعى إلى الإنتاج ؛ فأخذ هؤلاء الأعراب يكذبون وأسرفوا في الكذب ، حتى أحس الرواة أنفسهم ذلك . فالأصمعيّ يحدثنا عن أحد هؤلاء الأعراب ، وأسمه أبو ضمضم ، أنه أنشد لمائة شاعر أو ثمانين شاعرا كلهم يسمى عمرا ؛ قال الأصمعي : فعددت أنا وخلف الأحمر فلم نقدر على ثلاثين .
ويحدّثنا أبن سلاّم عن أبي عُبَيْدة أن داود بن متمم بن نويرة ورد البصرة فيما يقدم له الأعراب ، فأخذ أبو عبيدة يسأله عن شعر أبيه وكفاه حاجته ؛ فلما فرغ داود من رواية شعر أبيه وكره أن تنقطع عناية أبي عبيدة به أخذ يضع على أبيه ما لم يقل ، وعرف ذلك أبو عبيدة .
ونظن أننا قد بلغنا ما كنا نريد من إحصاء الأسباب المختلفة التي حملت على انتحال الشعر وإضافته إلى الجاهليين ، والتي تضطرنا نحن في هذا العصر إلى أن نقف موقف الشك والأحتياط أمام هذا الشعر .
كل شيء في حياة المسلمين في القرون الثلاثة الأولى كان يدعو إلى انتحال الشعر وتلفيقه سواء في ذلك الحياة الصالحة حياة الأتقياء والبررة ، والحياة السيئة حياة الفساق وأصحاب المجون . فإذا كان الأمر على هذا النحو فهل تظن أن من الحزم والفطنة أن نقبل ما يقول القدماء في غير نقد ولا تحقيق ؟
وقد قدّمنا أن هذا الكذب والانتحال في الأدب والتاريخ لم يكونا مقصورين على العرب ، وإنما هما حظ شائع في الآداب القديمة كلها . فخير لنا أن نجتهد في تعرّف ما يمكن أن تصح إضافته إلى الجاهليين من الشعر . وسبيل ذلك أن ندرس الشعر نفسه في ألفاظه ومعانيه بعد أن درسنا ما يحيط به من الظروف
" 1 "
قصص وتاريخ
نظن أن أنصار القديم لا يطمعون منا في أن نغير لهم حقائق الأشياء أو أن نسمي هذه الحقائق بغير أسمائها ، لنبلغ رضاهم ونتجنب سخطهم ومهما نكن حِراصا على أن يرضوا ومهما نكن شديدي الكره لسخطهم فنحن على رضا الحق أحرص ، وللعبث بالحق والعلم أشد كرها .
ولن نستطيع أن نسمي حقاً ما ليس بالحق ، وتاريخاً ما ليس بالتاريخ . ولن نستطيع أن نعترف بأن ما يروي من سيرة هؤلاء الشعراء الجاهليين وما يضاف إليهم من الشعر تاريخ يمكن الإطمئنان إليه أو الثقة به ؛ وإنما كثرة هذا كله قصص وأساطير لا تفيد يقينا ولا ترجيحاً ، وإنما تبعث في النفوس ظنوناً وأوهاماً . وسبيل الباحث المحقق أن يستعرضها في عناية وأناة وبراءة من الأهواء والأغراض ، فيدرسها محللاً ناقداً مستقصياً في النقد والتحليل . فإن إنتهى من درسه هذا إلى حق أو شيء يشبه بكل ما ينبغي أن يحتفظ به من الشك الذي قد يحمله على أن يغير رأيه ويستأنف بحثه ونظره من جديد .
ذلك أن أخبار الجاهليين وأشعارهم لم تصل إلينا من طريق تاريخية صحيحه ، وإنما وصلت إلينا من هذه الطريق التي تصل منها القصص والأساطير : طريق الرواية والأحاديث ، طريق الفكاهة واللعب ، طريق التكلف والانتحال . فنحن مضطرون أمام هذا كله إلى أن نحتفظ بحريتنا كاملة ، وإلى أن نقاوم ميولنا وأهواءنا وفطرتنا التي هي مستعدة للتصديق والإطمئنان في سهولة ويسر . ونحن لا نعرف نصاً عربياً وصل إلينا من طريق تاريخية صحيحة يمكن أن نطمئن إليها قبل القرآن إلا طائفة من النقوش لا تثبت في الأدب حقا ولا تنفي منه باطلا . وهي إن أفادت في تاريخ الرسم وذك كل ما يمكن أن يؤخذ منها إلى الآن .
القرآن وحده هو النص العربي القديم الذي يستطيع المؤرخ أن يطمئن إلى صحته ويعتبره مشخصا للعصر الذي تلي فيه . فأما شعر هؤلاء الشعراء وخطب هؤلاء الخطباء وسجع هؤلاء الساجعين فلا سبيل إلى الثقة بها ولا إلى الإطمئنان إليها ، ولا سيما بعد ما بسطنا لك في الكتاب الأول من الأسباب التي تدعو إلى الشك في صحتها ، وبعد ما بسطنا لك في الكتاب الثاني من الأسباب التي كانت تحمل الناس على التكلف والانتحال .
وإذا فيجب أن يكون لمؤرخ الآداب العربية موقفان مختلفان : أحدهما أمام الأساطير والأقاصيص والأسمار التي تروى عن العصر الجاهلي . والثاني أمام النصوص التاريخية الصحيحة التي تبتدىء بالقرآن . وقد بينا لك في الكتاب الماضي أن هذا ليس شأن الآداب العربية وحدها ، وإنما هو شأن الآداب القديمة كلها ، وضربنا لك الأمثال بالأدب اليوناني والأدب اللاتيني . لولا أنا نحرص على الإيجاز لضربنا لك أمثالاً أخرى لطائفة من الآداب الحية الحديثة ؛ فلكل أدب قسمه الصحيح وقسمه المتكلف ، ولكل أمة تاريخها الصحيح وتاريخها المنتحل . ولسنا ندري لم يريد أنصار القديم أن يميزوا الأمة العربية والأدب العربي من سائر الأمم والآداب ؟ ومن الذي يستطيع أن يزعم ان الله قد وضع القوانين العامة لتخضع لها الإنسانية كلها إلا هذا الجيل الذي كان ينتسب إلى عدنان وقحطان؟ كلا! الجيل العربي كغيره من الأجيال خاضع لهذه القوانين العامة التي تسيطر على حياة الأفراد والجماعات .
للعرب خيالهم الشعبي . وهذا الخيال قد جدّ وعمل وأثمر ، وكانت نتيجة جدّه وعمله وإثماره هذه الأقاصيص والأساطير التي تروى لا عن العصر الجاهليّ وحده بل عن العصور الإسلامية التاريخية أيضاً .
وقد رأيت في فصولنا التي سميناها "حديث الأربعاء" أنا نشك في طائفة من هذه القصص الغرامية التي تروى عن العذريين وغيرهم من العشاق في العصر الأموي . ويجب حقاً أن نلغي عقولنا - كما يقول بعض الزعماء السياسيين - لنؤمن بأن كل ما يروى لنا عن الشعراء والكتاب والخلفاء والقواد والوزراء صحيح ، لأنه ورد في كتاب الأغاني أو في كتاب الطبري أو في كتاب المبّرد أو في سفر من أسفار الجاحظ . نعم يجب أن نلغي عقولنا وأن نلغي وجودنا الشخصي وأن نستحيل إلى كتب متحركة : هذا يحفظ الكامل لا يعدوه فيصبح نسخة من كتاب الكامل تمشي على رجلين وتنطق بلسان ؛ وهذا يحفظ كتاب البيان والتبين فيصبح نسخه منه ؛ وهذا يحفظ أخلاطا من هذه الكتب فيصبح مزاجاً غريباً يتكلم مرة بلسان الجاحظ وأخرى بلسان المبّرد وثالثة بلسان ثعلب ورابعة بلسان أبن سلاّم .
لأنصار القديم أن يرضوا لأنفسهم بهذا النحو من أنحاء الحياة العلمية . أما نحن فنأبى كل الإباء أن نكون أدوات حاكية أو كتبا متحركة ، ولا نرضى إلا أن تكون لنا عقول نفهم بها ونستعين بها على النقد والتمحيص في غير تحكم ولا طغيان . وهذه العقول تضطرنا ، كما أضطرت غيرنا من قبل ، إلى أن ننظر إلى القدماء كما ننظر إلى المحدثين دون أن ننسى الظروف التي تحيط بأولئك وهؤلاء . فأنا لا أقدس أحدا من الذين يعاصرونني ولا أبرئه من الكذب والانتحال ولا أعصمه من الخطأ والإضطراب . فإذا تحدث إليّ بشيء أو نقل لي عنه شيء ، فأنا لا أقبل حتى أنقد وأتحرّى ، وأحلل وأدقق في التحليل . وما أعرف أن أحدا من أنصار القديم أنفسهم يقدّس المعاصرين ويطمئن إليهم من غير نقد ولا تبصر . وآية ذلك أنهم يحيون حياتهم اليومية كما يحياها أنصار الجديد ؛ فهم يبيعون ويشترون ويدّخرون كما يبيع غيرهم وكما يشتري وكما يدّخر ، وهم يدّبرون أمورهم الخاصة كما يدبرها سائر الناس في مقدار من الذكاء والفطنة والحذر . فما بالهم يصطنعون ملكاتهم الناقدة بالقياس إلى المعاصرين ولا يصطنعونها بالقياس إلى القدماء ؟ وما بالهم إذا كانوا يحبّون التصديق والإطمئنان إلى هذا الحدّ لا يصدقون البائع حين يزعم لهم أن سلعته تساوي عشرين ، بل يعرضون عليه عشرة وأقل من عشرة ويساومون حتى ينتهوا إلى ما يريدون ؟ ولو أنهم صدّقوا المحدثين واطمأنوا إليهم كما يصدّقون القدماء ويطمئنون إليهم لكانوا مضرب الأمثال في الغفلة والبله والحمق ، ولكانت حياتهم كداَّ وضنكا وعناء . ولكنا نحمد لهم الله ، فهم بالقياس إلى معاصريهم أصحاب بصر بالأمور وفطنة بدقائقها وحيلة واسعة للتخلص من المآزق ؛ وهو يشترون اللحم كما نشتريه ويبذلون في الخبز والسمن مثل ما نبذل .
وإذاً فما مصدر هذه التفرقة التي يصطنعونها بين القدماء والمحدثين؟ ما لهم يؤمنون لأولئك ويشكّون في هؤلاء ؟
ليس لهذه التفرقة مصدر إلا هذه الفكرة التي تسيطر على نفوس العامة في جميع الأمم وفي جميع العصور، وهي أن القديم خير من الجديد وأن الزمان صائر إلى الشر لا إلى الخير ، وأن الدهر يسير بالناس القهقرى : يرجع بهم إلى وراء ولا يمضي بهم إلى أمام ... زعموا أن القمحة كانت في العصور الذهبية تعدل التفاحة العظيمة حجما ، ثم غضب الله على الناس فأخذت القمحة تتضاءل حتى وصلت إلى حيث هي الآن .
وزعموا أن الرجل من الأجيال القديمة كان من الطول والضخامة والقوّة بحيث كان يغمس يده في البحر فيأخذ منه السمك ثم يرفع يده في الجوّ فيشويه في جذوة الشمس ثم يهبط بيده إلى فمه فيزدرد شواءه ازدرادا .
وزعموا أن أهل الأجيال القديمة كانوا من الضخامة والجسامة بحيث استطاع بعض الملوك ، أو بعض الأنبياء ، أن يتخذ فخذ أحدهم جسرا يعبر عليه الفرات .
فالقديم خير من الجديد , والقدماء خير من المحدثين . يؤمن العامة بهذا إيمانا لا سبيل إلى زعزعته . وهذا الإيمان يتطوّر ويتغير ؛ ولكن أصله ثابت . فأصحاب الحضارة والمدنية الذين أخذوا من العلم بحظ لا
ابو تراجى
12-21-2009, 12:34 PM
يؤمنون بمثل هذه الأحاديث التي قدمتها لك ؛ ولكنهم يرون أن الأخلاق مثلا كانت أشدّ استيقاظا في العصور الأولى ، وأن الأفئدة كانت أشدّ ذكاء ، وأن الأبدان كانت أعظم حظا من الصحة . وعلى هذا النحو يكون تفضيل القديم ، لأنه قديم لا نراه من جهة ، ولأننا ساخطون بطبعنا على الحاضر من جهة أخرى .
فهل تظن أن الذين يثقون بخلف وحمَاد والأصمعي وأبي عمرو أبن العلاء يثقون بهم لشيء غير ما قدمت لك ؟ كلا ! كان هؤلاء الناس أحسن من المعاصرين أخلاقاً وأقل منهم ميلا إلى الكذب ، كانوا أذكى منهم أفئدة ، كانوا أقوى منهم حافظة ، كانوا أثقب منهم بصائر . لماذا لأنهم قدماء! لأنهم كانوا يعيشون في هذا العصر الذهبي! أليس العصر العباسي عصراً ذهبياً بالقياس إلى هذا العصر الذي نعيش فيه؟
أما نحن فلا نزعم أن القدماء كانوا شرا من المحدثين ، ولكنا لا نزعم أيضا أنهم كانوا خيرا منهم . وإنما أولئك وهؤلاء سواء ، ولا تفرّق بينهم إلا ظروف الحياة التي تصوّر طبائعهم صورا ملائمة لها دون أن تغير هذه الطبائع . كان القدماء يكذبون كما يكذب المحدثون ، وكان القدماء , يخطئون كما يخطىء المحدثون ، وكان حظ القدماء من الخطأ أعظم من حظ المدحثين ، لأن العقل لم يبلغ من الرقي في تلك العصور وما بلغ في هذا العصر ولم يستكشف من مناهج البحث والنقد ما أستكشف في هذا العصر . فإذا أخذنا أنفسنا بأن نقف أمام القدماء موقف الشك والاحتياط فلسنا غلاة ولا مسرفين ، وإنما نحن نؤدّي لعقولنا حقها ونؤدّي للعلم ماله علينا من دين . وإذا كنا نطلب إلى أنصار القديم شيئا فهو أن يكونوا منطقيين ، وأن يلائموا بين حياتهم حين يقرءون ويكتبون وحياتهم حين يبيعون ويشترون .
وإذاً فلنتناول مع الإيجاز الشديد من البحث عن الشعر والشعراء في العصر الجاهلي لنرى إلى أي شيء نستطيع أن نطمئن من هذه الأشعار والأخبار التي امتلأت بها الكتب والأسفار
" 2 "
امرؤ القيس - عبيد - عَلْقَمة
لعل أقدم الشعراء الذين يروى لهم شعر كثير ويتحدث الرواة عنهم بأخبار كثيرة فيها تطويل وتفصيل هو امرؤ القيس .
ونحن نعلم أن الرواة يتحدثون بأسماء طائفة من الشعراء زعموا أنهم عاشوا قبل أمرىء القيس وقالوا شعرا ، ولكنهم لا يروون لهؤلاء الشعراء إلا البيت أوالبيتين أو الأبيات . وهم لا يذكرون من أخبار هؤلاء الشعراء إلا الشيء القليل الذي لا يغني . وهم يعللون قلة الأخبار والأشعار التي يمكن أن تضاف إلى هؤلاء الشعراء ببعد العهد وتقادم الزمن وقلة الحفّاظ . وقد رأيت في الكتاب الماضي أن قليلا من النقد لما يضاف إلى هؤلاء الشعراء ينتهي بك إلى جحود ما يضاف إليهم من خبر أو شعر . فلندع هؤلاء الشعراء ولنقف عند أمرىء القيس وأصحابه الذين يظهر أن الرواة عرفوا عنهم ورووا لهم الشيء الكثير .
من امرؤ القيس؟ أما الرواة فلا يختلفون في أنه رجل من كنْدة . ولكن مَن كنْدة؟ لا يختلف الرواة في أنها قبيلة من قحطان ؛ وهم يختلفون بعض الإختلاف في نسبها وفي تفسير اسمها وفي أخبار سادتها . ولكنهم على كل حال يتفقون على أنها قبيلة يمانية ، وعلى أن امرأ القيس منها .
فأما اسم أمرىء القيس واسم أبيه واسم أمه فأشياء ليس من اليسير الاتفاق عليها بين الرواة ؛ فقد كان إسمه امرأ القيس ، وقد كان اسمه حندجا ، وكان اسمه قيسا . وقد كان اسم أبيه عمرا وقد كان اسم أبيه حجْرا أيضا . وكان اسم أمه فاطمة بنت ربيعة أخت مُهلْهِل وكُلَيْب ، وكان اسم أمه تَمْلك . وكان امرؤ القيس يعرف بأبي وهب ، وكان يعرف بأبي الحارث . ولم يكن له ولد ذكر . وكان يئد بناته جميعا . وكانت له إبنة يقال لها هند ؛ ولم تكن هند هذه إبنته وإنما كانت بنت أبيه . وكان يعرف بالملك الضِّلِّيل ، وكان يعرف بذي القروح .
وعليك أنت أن تستخلص من هذا الخليط المضطرب ما تستطيع أن تسميه حقا أو شيئا يشبه الحق . وأي شيء أيسر من أن تأخذ ما أتفقت عليه كثرة الرواة على أنه حق لا شك فيـه؟ وكثرة الرواة قد اتفقت على أن اسمه حندج بن حجر ، ولقبه امرؤ القيس ، وكنيته أبو وهب ؛ وأمه فاطمة بنت ربيعة . على هذا اتفقت الكثرة . وإذا اتفقت الكثرة على شيء فيجب أن يكون صحيحا أو على أقل تقدير يجب أن يكون راجحا .
أما أنا فقد أطمئن إلى آراء الكثرة ، أو قد أراني مكرها على الاطمئنان لآراء الكثرة ، في المجالس النيابية وما يشبهها . ولكن الكثرة في العلم لا تغني شيئا ؛ فقد كانت كثرة العلماء تنكر كروية الأرض وحركتها ، وظهر بعد ذلك أن الكثرة كانت مخطئة . وكانت كثرة العلماء ترى كل ما أثبت العلم الحديث أنه غير صحيح . فالكثرة في العلم لا تغني شيئا .
وإذاً فليس من سبيل إلى أن نقبل قول الكثرة في امرىء القيس ؛ وإنما السبيل أن نوازن بينه وبين ما تزعم القلة . وليس إلى هذه الموازنة المنتجة من سبيل إذا لا حظت ما قدّمناه في الكتاب الماضي من هذه الأسباب التي كانت تحمل على الانتحال وتكلف القصص .
وإذاً فلسنا نستطيع أن نفصل بين الفريقين المختلفين ، وإنما نحن مضطرون إلى أن نقبل ما يقول أولئك وهؤلاء على أن الناس كانوا يتحدثون به دون أن نعرف وجه الحق فيه . ولعل هذا وأشباهه من الخلط في حياة أمرىء القيس أوضح دليل على ما تذهب إليه من أن امرأ القيس إن يكن قد وجد حقا ـــ ونحن نرجح ذلك ونكاد نوقن به ـــ
فأن الناس لم يعرفوا عنه شيئاً إلا اسمه هذا ، وإلا طائفة من الأساطير والأحاديث تتصل بهذا الاسم .
وهنا يحسن أن نلاحظ أن الكثرة من هذه الأساطير والأحاديث لم تشع بين الناس إلا في عصر متأخر : وفي الرواة المدوّنين والقصاصين . فأكبر الظن إذاً أنها نشات في هذا العصر ولم تورث عن العصر الجاهلي حقا . وأكبر الظن أن الذي أنشأ هذه القصة ونماها إنما هو هذا المكان الذي احتلته قبيلة كندة في الحياة الإسلامية منذ تمت للنبي السيطرة على البلاد العربية إلى أواخر القرن الأول للهجرة .
فنحن نعلم أن وفدا من كندة وفد على النبي وعلى راسه الأشعث ابن قيس . ونحن نعلم أن هذا الوفد طلب - فيما تقول السيرة - إلى النبي أن يرسل معهم مفقِّها يعلمهم الدين . نحن نعلم أن كندة ارتدّت بعد موت النبي ، وأن عامل أبي بكر حاصرها في النُّجيْر وأنزلها على حكمه وقتل منها خلقا كثيرا وأوفد منها طائفة إلى أبي بكر فيها الأشعث ابن قيس الذي تاب وأناب وأصهر إلى أبي بكر فتزوّج أخته أم فروة ؛ وخرج- فيما يزعم الرواة- إلى سوق الإبل في المدينة فاستل سيفه ومضى في إبل السوق عقرا ونحرا حتى ظن الناس به الجنون ، ولكنه دعا أهل المدينة إلى الطعام وأدّى إلى أصحاب الإبل أموالهم ؛ وكانت هذه المجزرة الفاحشة وليمه عرسه . ونحن نعلم أن هذا الرجل قد اشترك في فتح الشام وشهد مواقع المسلمين في حرب الفرس ، وحسن بلاؤه في هذا كله ، وتولّى عملا لعثمان ، وظاهر عليا على معاوية ، وأكره عليا على قبول التحكيم في صِفِّين . ونحن نعلم أن ابنه محمد بن الأشعث كان سيِّدا من سادات الكوفة ، عليه وحده أعتمد زياد حين أعياه أخذ حجر بن عديّ الكندي . ونحن نعلم أن قصة حجر بن عديّ هذا وقتل معاوية إياه في نفر من أصحابه قد تركت في نفوس المسلمين عامة واليمنيين خاصة أثرا قويا عميقا مثّل هذا الرجل في صورة الشهيد . ثم نحن نعلم أن حفيد الأشعث بن قيس وهو عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث قد ثار بالحَجَّاج ، وخلع عبدالملك ، وعرّض دولة آل مروان للزوال ، وكان سبباً في إراقة دماء المسلمين من أهل العراق والشام ، وكان الذين قتلوا في حروبه يحصون فيبلغون عشرات الآلاف ، ثم انهزم فلجأ إلى ملك الترك ، ثم أعاد الكرة فتنقَّل في مدن فارس ، ثم أستياس فعاد إلى ملك الترك ، ثم غدر به هذا الملك فأسلمه إلى عامل الحجاج ، ثم قتل نفسه في طريق إلى العراق ، ثم احتُذّ رأسه وطوّف به في العراق والشام ومصر .
أفتظن أن أسرة كهذه الأسرة الكندية تنزل هذه المنزلة في الحياة الإسلامية وتؤثر هذه الآثار في تاريخ المسلمين لا تصطنع القصص ولا تأجر القصّاص لينشروا لها الدعوة ويذيعوا عنها كل ما من شانه أن يرفع ذكرها ويبعد صوتها؟ بلى ! ويحدّثنا الرواة أنفسهم أن عبدالرحمن بن الأشعث اتخذ القصّاص وأجرهم كما اتخذ الشعراء وأجزل صلتهم : كان له قاص يقال له عمرو بن ذرّ ؛ وكان شاعره أعشى هَمْدان .
فما يروى من أخبار كندة في الجاهلية متأثر من غير شك بعمل هؤلاء القصاص الذين كانوا يعملون لآل الأشعث . وقصة أمرىء القيس بنوع خاص تشبه من وجوه كثيرة حياة عبدالرحمن أبن الأشعث . فهى تمثل لنا امرأ القيس مطالبا بثأر أبيه . وهل ثأر عبدالرحمن عند الذين يفقهون التاريخ إلا منتقما لحجر بن عدىّ؟ وهي تمثل لنا امرأ القيس طامعا في الملك . وقد كان عبدالرحمن بن الأشعث يرى إنه ليس أقل من بني أمية استئهالا للملك ؛ وكان يطالب به . وهي تمثل لنا امرأ القيس متنقلا في قبائل العرب . وقد كان عبدالرحمن أبن الأشعث متنقلا في مدن فارس والعراق . وهي تمثل امرأ القيس لاجئاً إلى قيصر مستعيناً به . وقد كان عبدالرحمن ابن الأشعث لاجئاً إلى ملك الترك مستعيناً به . وهي تمثل لنا أخيراً امرأ القيس وقد غدر به قيصر بعد أن كاد له أسديّ في القصر . وقد غدر ملك الترك بعبدالرحمن بعد أن كاد له رسل الحجاج . وهي تمثل لنا بعد هذا وذاك امرأ القيس وقد مات في طريقه عائداً من بلاد الروم . وقد مات عبدالرحمن في طريقه عائداً من بلاد الترك.
أليس من اليسير أن نقترض بل أن نرجح أن حياة امرئ القيس كما يتحدّث بها الرواة ليست إلا لوناً من التمثيل لحياة عبدالرحمن أستحدثه القصاص إرضاء لهوى الشعوب اليمنية في العراق واستعاروا له اسم الملك الضِّلِّيل أتّقاء لعمال بني أمية من ناحية ، وأستغلالاً لطائفة يسيرة من الأخبار كانت تعرف عن هذا الملك الضليل من ناحية أخرى؟
* * * * *
ستقول : وشعر امرئ القيس ما شأنه؟ وما تأويله؟ وتأويله أيسر . فأقل نظر في هذا الشعر يلزمك أن تقسمه إلى قسمين : أحدهما يتصل بهذه القصة التي قدمنا الإشارة إليها . وإذاً شأنه شأن هذه القصة انتحل لتفسيرها أو تسجيلها ، وانتحل لتمثيل هذا التنافس القوي الذي كان قائماً بين قبائل العرب وأحيائهم في الكوفة والبصرة . وأقل درس لهذا الشعر يقنعك ، وإن كنت من الذين يألفون البحث الحديث ، بأن هذا الشعر الذي يضاف إلى امرئ القيس ويتصل بقصته إنما هو شعر إسلامي لا جاهلي ، قيل وانتحل لهذه الأسباب التي أشرنا إليها ولأسباب أخرى فصلناها في القسم الثاني من هذا الكتاب . فهذا أحد القسمين . وأما القسم الثاني فشعر لا يتصل بهذا القصة ، وإنما يتناول فنوناً من القول مستقلة من الأهواء السياسية والحزبية . ولنا في هذا القسم رأي نسطره بعد حين .
وخلاصـة هذا البحث القصير أن شخصية امرئ القيس- إذا فكرت- أشبه شيء بشخصية الشاعر اليوناني هوميروس . لا يشك مؤرُّخو الآداب اليونانية الآن في أنها قد وجدت حقاً ، وأثرت في الشعر القصصي حقاً ، وكان تأثيرها قوياً باقياً ، ولكنهم لا يعرفون من أمرها شيئاً يمكن الإطمئنان إليه ، وإنما ينظرون إلى هذه الأحاديث التي تروى عنه كما ينظرون إلى القصص والأساطير لا أكثر ولا أقل . فأمرؤ القيس هو الملك الضِّلِّيل حقاً : نريد أنه الملك الذي لا يعرف عنه شيء يمكن الإطمئنان إليه . هو ضُلُّ بن قُل كما يقول أصحاب المعاجم اللغوية . ومن غريب الأمر أن طائفة من الشعر تنسب إلى امرئ القيس على أنه قالها حينما كان متنقلاً في القبائل العربية يمدح بها هذه ويهجو تلك ، وتتصل بهذه الأشعار طائفة من الأخبار تبين نزول امرئ القيس في هذه القبيلة ، وإلتجاءه إلى تلك القبيلة ، وجواره عند فلان ، وإستعانته بفلان ، وأن شيئاً مثل هذا يلاحظ في حياة هوميروس ؛ فهو - فيما يزعم رواة اليونان - قد تنتقل في المدن اليونانية فلقي من بعضها الكرامة والتجلة ، ومن بعضها الإعراض والإنصراف ومؤرّخو الآداب اليونانية يفسرون في هذه الأحاديث على أنها مظهر من مظاهر التنافس بين المدن اليونانية : كلها يزعم لنفسه أنه ضيّف هوميروس أو نشّأة أو أجاره أو عطف عليه .
ونحن نذهب هذا المذهب نفسه في تفسير هذه الأخبار والأشعار التي تمس تنقُّل امرئ القيس في قبائل العرب . فهي محدَثة انتحلت حين تنافست القبائل العربية في الإسلام وحين أرادت كل قبيلة وكل حي أن تزعم لنفسها من الشرف والفضل أعظم حظ ممكن . وقد أحس القدماء بعض هذا ؛ فصاحب الأغاني يحدّثنا أن القصيدة القافية التي تضاف إلى امرئ القيس على أنه قالها يمدح بها السموءل حين لجأ إليه منحولةُ نحلها دارم بن عقال ؛ لم ينحل القصيدة وحدها وإنما نحل القصة كلها وانتحل ما يتصل بها أيضاً : نحل قصة ابن المسوءل الذي قتل بمنظر من أبيه حين أبى تسليم أسلحة امرئ القيس ، نحل قصة الأعشى الذي استجار بشريح بن السموءل وقال فيه هذا الشعر المشهور :
شريحُ لا تتركنّي بعدما عَلِقتْ حبالـك اليـــوم بعــــد القدّ أظفاري
قد جُلت ما بين بانقيـا إلى عَدَنٍ وطال في العجم تَرْدادي وتَسْياري
فكان أكرمهــــــــم عهدا وأوثقهــم مجدا أبوك بعـــــــرف غير إنكــار
كالغيث مـا استمطروه جاد وابلُه وفي الشدائد كالمستأســــد الضاري
كن كالمسوءل إذ طاف الهُمام به في جحفل كهزيــــع الليــــل جــرّار
إذا سامـــــــه خطَّتـَيّ فقــــــال له قل ما تشــــــاء فإنــي سامــــع حار
فقال غدرُ وثُكــــــــل أنت بينهما فاختر وما فيهمــا حـظ لمختــار
فشطّ غير طويــــــلِ ثم قال لـــه أُقتل أسيرك إني مانـــــع جاري
أنا له خلـــف إن كنـــت قاتلَـــــه وإن قتلــت كــــــريما غير غوّار
وسوف يُعقبنيه إن ظفــرتَ بـــه ربٌّ كــــــريم وبِيضُ ذاتُ أطهار
لا سِرُّهـــن لدينـــــــا ذاب هــدرا وحافظات إذا أستودعن أســـراري
فأختارَ أدراعـه كي لا يسبّ بها ولم يكــن وعـــــده فيهـــا بختــّار
ثم كانت هذه القصة المنتحلة سبباً في إنتحال قصة أخرى هي قصة ذهاب امرئ القيس إلى القسطنطينية وما يتصل بها من الأشعار . منتحلة هذه القصيدة الرائية الطوية التي مطلعها :
سما لك شوقُ بعد ما كان أقصرا وحلّتْ سليمى بطن ظبْي فعَرْعرا
منتحل هذا الشعر الذي قاله امرؤ القيس حين دخل الحمام مع قيصر والذي ننزه هذا الكتّاب عن روايته . منتحل هذا الحب الذي يقال إن امرأ القيس أضمره لابنه قيصر . منتحلة هذه الأشعار التي تضاف إلى امرئ القيس حين أحس السم وهو قافل من بلاد الروم . كل هذا منتحل لأنه يفسر هذه الأحاديث التي شاعت ، لتلك الأسباب التي قدّمناها .
وإذا لم يكن بد من إلتماس الأدلة الفنية على إنتحال هذا الشعر ، فقد نحب أن نعرف كيف زار امرؤ القيس بلاد الروم وخالط قيصر حتى دخل معه الحمام وفتن ابنته ورأى مظاهر الحضارة اليونانية في قسطنطينية ولم يظهر لذلك أثر ما في شعره : لم يصف القصر ولم يذكره ، لم يصف كنيسة من كنائس قسطنطينية ، لم يصف هذه الفتاة الأمبراطورية التي فتنها ، لم يصف الروميات ، لم يصف شيئاً ما يمكن أن يكون رومياً حقاً . ثم يكفي أن تقرأ هذا الشعر لتحس فيه الضعف والإضطراب والجهل بالطريق إلى قسطنطينية .
ومهما يكن من شيء فإن السذاجة وحدها هي التي تعيننا على أن نتصوّر أن شاعراً عربياً قديماً قال هذا الشعر الذي يضاف إلى امرئ القيس في رحلته إلى بلاد الروم وقفوله منها .
وإذا رأيت معنا أن كل هذا الشعر الذي يتصل بسيرة امرئ القيس إنما هو من عمل القصّاص فقد يصح أن نقف معك وقفة قصيرة عند هذا القسم الثاني من شعر امرئ القيس وهو الذي لا يفسر سيرته ولا يتصل بها . ولعل أحق هذا الشعر بالعناية قصيدتان إثنتان :
الأولى : * فــقــا نبك من ذكرى حبيب ومنزل *
والثانية : * ألا أنعم صباحاً أيـهـــا الطلل البالي *
فأما ما عدا هاتين القصيدتين فالضعف فيه ظاهر والاضطراب فيه بين والتكلف والإسفاف يكادان يلمسان باليد . وقد يكون لنا أن نلاحظ قبل كل شيء ملاحظة لا أدري كيف يتخلص منها أنصار القديم ، وهي أن امرأ القيس - إن صحت أحاديث الرواة - يمنيّ وشعره قرشي اللغة ، لا فرق بينه وبين القرآن في لفظه وإعرابه وما يتصل بذلك من قواعد الكلام . ونحن نعلم ــ كما قدّمناه ــ أن لغة اليمن مخالفة كل المخالفة للغـة الحجاز ، فكيف نظم الشاعر اليمني شعره في لغة أهل الحجاز ؟ بل في لغة قريش خاصة ؟ سيقولون : نشأ امرؤ القيس في قبائل عدنان وكان أبوه ملكاً على بني أسد وكانت أمه من بني تغلب وكان مهلهل خاله ، فليس غريباً أن يصطنع لغة عدنان ويعدل عن لغة اليمن .
ابو تراجى
12-21-2009, 12:36 PM
ولكننا نجهل هذا كله ولا نستطيع أن نثبته إلا من طريق هذا الشعر الذي ينسب إلى امرئ القيس . ونحن بشك في هذا الشعر ونصفه بأنه منتحل .
وإذاً فنحن ندور : نثبت لغة امرئ القيس التي نشك فيها بشعر امرئ القيس الذي نشك فيه . على أننا أمام مسألة أخرى ليست أقل من هذه المسألة تعقيداً . فنحن لا نعلم ولا نستطيع أن نعلم الآن أكانت لغة قريش هي اللغة السائدة في البلاد العربية أيام امرئ القيس؟ وأكبر الظن أنها لم تكن لغة العرب في ذلك الوقت وأنها إنما أخذت تسود في أواسط القرن السادس للمسيح وتمت لها السيادة بظهور الإسلام كما قدّمناه .
وإذاً فكيف نظم امرؤ القيس اليمني شعره في لغة القرآن مع أن هذه اللغة لم تكن سائدة في العصر الذي عاش فيه امرؤ القيس؟ وأعجب من هذا أنك لا تجد مطلقاً في شعر امرئ القيس لفظاً أو أسلوباً أو نحواً من أنحاء القول يدل على أنه يمنيّ . فمهما يكن امرؤ القيس قد تأثر بلغة عدنان فكيف نستيطع أن نتصوّر أن لغته الأولى قد محيت من نفسه محواً تاماً ولم يظهرها أثر ما في شعره؟ تظن أن أنصار القديم سيجدون كثيراً من المشقة والعناء ليحلّوا هذه المشكلة . ونظن أن إضافة هذا الشعر إلى امرئ القيس مستحيلة قبل أن تحل هذه المشكلة .
على أننا نحب أن نسأل عن شيء آخر ؛ فامرؤ القيس إبن أخت مهلهل وكليب إبني ربيعة - فيما يقولون - ، وأنت تعلم أن قصة طويلة عريضة قد نسجت حول مهلهل وكليب هذين ، هي قصة البسوس وهذه الحرب التي اتصلت أربعين سنة - فيما يقول القصاص - وأفسدت ما بين القبيلتين الأختين بكر وتغلب . فمن العجيب ألا يشير امرؤ القيس بحرف واحد إلى مقتل خاله كليب ، ولا إلى بلاء خاله مهلهل ، ولا إلى هذه المحن التي أصابت أخواله من بني تغلب ، ولا هذه المآثر التي كانت لأخواله على بنى بكر .
وإذاً فأينما وجّهت فلن تجد إلا شكاً : شكا في القصة ، شكا في اللغة ، شكا في النسب ، شكا في الرحلة ، شكا في الشعر . وهم يريدون بعد هذا أن نؤمن ونطمئن إلى كل ما يتحدث به القدماء عن امرئ القيس ! نعم نستطيع أن نؤمن وأن نطمئن لو أن الله رزقنا هذا الكسل العقلي الذي يحبب إلى الناس أن يأخذوا بالقديم تجنبا للبحث عن الجديد . ولكن الله لم يرزقنا هذا النوع من الكسل ، فنحن نؤثر عليه تعب الشك ومشقة البحث .
وهذا البحث ينتهي بنا إلى أن أكثر هذا الشعر الذي يضاف لامرئ القيس ليس من امرئ القيس في شيء وإنما هو محمول عليه حملاً ومختلق عليه اختلاقاً ، حمل بعضه العرب أنفسهم ، وحمل بعضه الآخر الرواة الذين دوّنوا الشعر في القرن الثاني للهجرة .
ولننظر في المعلَّقة نفسها ، فلسنا نعرف قصيدة يظهر فيها التكلف والتعامل أكثر مما يظهران في هذه القصيدة . ولا نحفل بقصة تعليق هذه القصائد السبع أو العشر على الكعبة أو في الدفاتر . فما نظن أن انصار القديم يحفلون بهذه القصة التي نشأت في عصر متأخر جدّاً والتي لا يثبتها شيء في حياة العرب وعنايتهم بالآداب . ولكننا نلاحظ أن القدماء أنفسهم يشكون في بعض هذه القصيدة فهم يشكون في صحة هذين البيتين :
ترى بعر الآرام في عَرَصَاتها وقِيعــــانهــا كأنــــه حـــبُّ فُلفـــل
كأنى غداة البين يوم تحمــــلَّوا لدى سَمُرَات الحىّ ناقف حنظــــل
وهم يشكون في هذه الأبيات :
وقربة أقوام جعلتُ عِصامَهــا على كاهـــــل مني ذَلُول مرحــــّل
ووادٍ كجوف العَير قفرٍ قطعتُه به الذئبُ يعوي كالخليـــــع المعيّل
فقلت له لما عــوى إن شأننـا قليــــلُ إن كنـــت لمّــــــا تمــــــوّل
كلانا إذا ما نال شيئــــاً أفاتــه ومن يحترث حَرْثي وحرثك يهزل
وهم بعد هذا يختلفون إختلافاً كثيراً في رواية القصيدة : في ألفاظها وفي ترتيبها ، ويضعون لفظاً مكان لفظ وبيتاً مكان بيت . وليس هذا الاختلاف مقصوراً على هذه القصيدة ، وإنما يتناول الشعر الجاهليّ كله . وهو اختلاف شنيع يكفي وحده لحملنا على الشك في قيمة هذا الشعر . وهو إختلاف قد أعطى للمستشرقين صورة سيئة كاذبة من الشعر العربي ، فخّيل إليهم أنه غير منّسق ولا مؤتلف ، وأن الوحدة لا وجود لها في القصيدة ، وأن الشخصية الشعرية لا وجود لها في القصيدة أيضاً ، وأنك تستطيع أن تقدّم وتؤخر وأن تضيف إلى الشاعر شعر غيره دون أن تجد في ذلك حرجاً أو جناحاً مادمت لم تخلّ بالوزن ولا بالقافية .
وقد يكون هذا صحيحاً في الشعر الجاهلي ، لأن كثرة هذا الشعر منتحلة مصطنعة . فأما الشعر الإسلامي الذي صحّت نسبته لقائليه فأنا أتحدى أي ناقد أن يبعث به أقل عبث دون أن يفسده . وأنا أزعم أن وحدة القصيدة فيه بينة ، وأن شخصية الشاعر فيه ليست أقل ظهوراً منها في أي شعر أجنبي . وإنما جاء هذا الخطأ من إتخاذ هذا الشعر الجاهلي نموذجاً للشعر العربي ، مع أن هذ الشعر الجاهلي - كما قدّمناه - لا يمثل شيئاً ولايصلح إلا نموذجاً لعبث القصّاص وتكلف الرواة .
ونظن أن أنصار القديم لا يخالفون في أن هذين البيتين قلقان في القصيدة وهما :
وليل كموج البحر أرخى سدوله عليّ بأنواع الهمــــوم ليبتلي
فقلت له لمّـــــــا تمطَّى بُصلبـــه وأردف أعجازاً وناء بكَلْكَل
فقد وضع هذان البيتان للدخول على البيت الذي يليهما وهو :
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي بصبح وما الإصباح منك بأمثل
وهذان البيتان أشبه بتكلف المشطر والمخمّس منهما بأي شيء آخر .
فإذا فرغنا من هذا الشعر الذي لا نكاد نختلف في أنه دخيل في القصيدة ، فقد نستطيع أن نرد القصيدة إلى أجزائها الأولى . وهذه الأجزاء هي : أولاً وقوف الشاعر على الدار وما يتصل بذلك من بكاء وإعوال ، ثم ذكره أيام لهوه مع العذارى ، ثم عتابه لصاحبته وما يتصل بذلك من وصف خليلته ، ثم ذكر الليل والإستطراد منه إلى الصيد وما يتوسّل به إلى الصيد من وصف الفرس ، ثم ذكر البرق وما يتبعه من السيل .
ولنسرع إلى القول بأن وصف اللهو مع العذارى وما فيه من فحش أشبهُ بأن يكون من انتحال الفرزدق منه بأن يكون جاهلياً . فالرواة يحدّثوننا أن الفرزدق خرج في يوم مطير إلى ضاحية البصرة فاتبع آثاراً حتى انتهى إلى غدير وإذا فيه نساء يستحممن فقال : ما أشبه هذا اليوم بيوم دارة جُلْجُل ، وولى منصرفاً ؛ فصاح النساء به : يا صاحب البغلة ؛ فعاد إليهن فسألنه وعزمن عليه ليحدّثنهن بحديث دارة جلجل ؛ فقص عليهّن قصة امرئ القيس وأنشدهنّ قوله :
أَلاَ ربّ يوم لك منهنّ صالح ولا سيما يوم بدارة جلجل
(الأبيات)
والذين يقرءون شعر الفرزدق ويلاحظون فحشه وغلظته وأنه قد ليم على هذا الفحش وعلى هذه الغلظة لا يجدون مشقة في أن يضيفوا إليه هذه الأبيات ، فهي بشعره أشبه . وكثيراً ما كان القدماء يتحدّثون بمثل هذه الأحاديث يضيفونها إلى القدماء وهم ينتحلونها من عند أنفسهم . ومهما يكن من شيء ، فلغة هذه الأبيات كلغة القصيدة كلها عدنانية قرشية يمكن أن تصدر عن شاعر إسلامي اتخذ لغة القرآن لغة أدبية .
أما وصف امرئ القيس لخليلته ، وزيارته إياها ، وتجشّمه ما تجشم للوصول إليها ، وتخوّفها الفضيحة حين رأته ، وخروجها معه وتعفيتها آثارهما بذيل مرطها ، وما كان بينهما من لهو ، فهو أشبه بشعر عمر بن أبي ربيعة منه بأي شيء آخر . فهذا النحو من القصص الغرامي في الشعر فنّ عمر بن أبي ربيعة قد أحتكره إحتكاراً ولم ينازعه فيه أحد . ولقد يكون غريباً حقاً أن يسبق امرؤ القيس إلى هذا الفنّ ويتخذ فيه هذا الأسلوب ويعرف عنه هذا النحو ، ثم يأتي ابن أبي ربيعة فيقلده فيه ولا يشير أحد من النقاد إلى أن ابن أبي ربيعة قد تأثر بأمرئ القيس مع أنهم قد أشاروا إلى تأثير امرئ القيس في طائفة من الشعراء في أنحاء من الوصف . فكيف يمكن أن يكون امرؤ القيس هو منشىء هذا الفن من الغزل الذي عاش عليه ابن أبي ربيعة والذي كوّن شخصية ابن أبي ربيعة الشعرية ولا يعرف له ذلك ؟
وأنت إذا قرأت قصيدة أو قصيدتين من شعر ابن أبي ربيعة لم تكد تشك في أن هذا الفن فنه أبتكره إبتكاراً وأستغله إستغلالاً قوياً ، وعرفت العرب له هذا . وقل مثل هذا في القصص الغرامي الذي تجده في قصيدة امرئ القيس الأخرى : "ألا أنعم صباحاً أيها الطلل البالي" . ففي هذا القصص الفاحش فنّ ابن أبي ربيعة وروح الفرزدق . ونحن نرجح إذاً أن هذا النوع من الغزل إنما أضيف إلى امرئ القيس ، وأضافه رواة متأثرون بهذين الشاعرين الإسلاميين .
بقي الوصف ، ولاسيما وصف الفرس والصيد . ولكننا نقف فيه موقف الترذّد أيضاً . واللغة هي التي تضطرنا إلى هذا الموقف . فالظاهر أن امرأ القيس كان قد نبغ في وصف الخيل والصيد والسيل والمطر . والظاهر أنه قد استحدث في ذلك أشياء كثيرة لم تكن مألوفة من قبل . ولكن أقال هذه الأشياء في هذا الشعر الذي بين أيدينا أم قالها في شعر آخر ضاع وذهب به الزمان ولم يبق منه إلا الذكرى وإلا جملُ مقتضبه أخذها الرواة فنظموها في شعر محدّث نسّقوه ولفّقوه وأضافوه إلى شاعرنا القديم؟ هذا مذهبنا الذي نرجحه . فنحن نقبل أن امرأ القيس هو أول من قيّد الأوابد ، وشبه الخيل بالعصي والعقبان وما إلى ذلك ، ولكننا نشك أعظم الشك في أن يكون قد قال هذه الأبيات التي يرويها الرواة . وأكبر الظن أن هذا الوصف الذي نجده في المعلّقة وفي اللامية الأخرى فيه شيء من ريح امرئ القيس ، ولكن من ريحه ليس غير .
هناك قصيدة ثالثة نجزم نحن بأنها منتحلة إنتحالاً . وهي القصيدة البائية التي يقال إن امرأ القيس أنشأها يخاصم بها عَلْقمة بن عَبَدَة الفحل ، وأن أم جندب زوج امرئ القيس قد غلّبت علقمة على زوجها . وأنت تجد القصيدتين في ديوان امرئ القيس وديوان علقمة . فأما قصيدة امرئ القيس فمطلعها :
خليليّ مُرّا بي على أم جندب نقضِّ لُبانات الفؤاد المعذَّب
وأما قصيدة علقمة فمطلعها :
ذهبت من الهجران في كل مذهبِ ولم يك حقــاًّ هذا التجنُّـــب
ويكفى أن نقرأ هذين البيتين لتحس فيهما رقة إسلامية ظاهرة . على أن النظر في هاتين القصيدتين سيقفك على أن هذين الشاعرين قد تواردا على معان كثيرة بل على ألفاظ كثيرة بل على أبيات كثيرة تجدها بنصها في القصيدتين معاً ، وعلى أن البيت الذي يضاف إلى علقمة وبه ربح القضية يروى لأمرئ القيس ، وهو :
فأدركهن ثانياً من عنانه يمرّ كمرّ الرائح المتحلّب
والبيت الذي خسر به امرؤ القيس القضية يروى لعلقمة وهو :
فللسوطِ أُلهوبٌ وللساق درّة وللزجر منه وقعُ أهوجَ مِتـْعَبِ
وأنت تسطيع أن تقرأ القصيدتين دون أن تجد فيهما فرقاً بين شخصية الشاعرين ، بل أنت لا تجد فيها شخصية ما ، وإنما تحس أنك تقرأ كلاماً غريباً منظوماً في جمع ما يمكن جمعه ، من وصف الفرس جملة وتفصيلاً . وأكبر الظن أن علقمة لم يفاخر امرأ القيس ، وأن أم جندب لم تحكم بينهما ، وأن القصيدتين ليستا من الجاهلية في شيء ، وإنما هما صنع عالم من علماء اللغة لسبب من تلك الأسباب التي أشرنا في الكتاب الماضي إلى أنها كانت تحمل علماء اللغة على الانتحال . وكان أبو عبيدة والأصمعي يتنافسان في العلم بالخيل ووصف العرب إياها : أيهما أقدر عليه وأحذق به . وما نظن إلا أن هاتين القصيدتين وأمثالهما أثر من آثار هذا النحو من التنافس بين العلماء من أهل الأمصار الإسلامية المختلفة .
وهنا وقفة أخرى لابد منها . ذلك أن امرأ القيس لا يذكر وحده وإنما يذكر معه من الشعراء علقمة - كما رأيت - وعَبيد بن الأبرص . فأما علقمة فلا يكاد الرواة يذكرون عنه شيئاً إلا مفاخرته لأمرئ القيس ومدحه ملكاً من ملوك غَسَّان ببائيته التي مطلعها :
طحا بِكَ قلبٌ للحسان طروبُ بعيْد الشباب عصر حان مشيبُ
وإلا أنه كان يتردّد على قريش ويناشدها شره ، وإلا أنه مات بعد ظهور الإسلام أي في عصر متاخر جداً بالقياس إلى امرئ القيس الذي مهما يتأخر فقد مات قبل مولد النبي ، والذي نرى نحن أنه عاش قبل القرن السادس وربما عاش قبل القرن الخامس أيضاً .
وأما عبيد فقد إلتمسنا في سيرته وما يضاف إليه من الشعر ما يعيننا على إثبات شخصية امرئ القيس وشعره فكانت النتيجة محزنة جداً . ذلك أنها انتهت بنا إلى أن نقف من عبيد وشعره نفس الموقف الذي وقفناه من امرئ القيس وشعره . وليس علينا في ذلك ذنب ؛ فالرواة لا يحدّثوننا عن عبيد بشيء يقبل التصديق . إنما عبيد عند الرواة والقصَّاص شخص من أصحاب الخوارق والكرامات ، كان صديقاً للجنّ والسماء معاً ، عُمّر عمرا طويلاً يصلون به إلى ثلاثة قرون ومات مِيتة منكرة : قتله النعمان بن المنذر أو المنذر بن ماء السماء في يوم بؤســه . والرواة يعرفون شيطان عبيد . واسم هذا الشيطان هبيد ، وقد حاول بعضهم أن يرسل هذا المثل "لولا هبيد ما كان عبيد" . وقد رووا لهبيد هذا شعرا وزعموا أنه أراد أن يلهم الشعر ناساً غير عبيد فلم يوفق . ولعبيد مع الجنّ أحاديث لا تخلو من لذة وعجب . ولكن كل ما نقرأ من أخبار عبيد لا يعطينا من شخصيته شيئاً ولا يبعث الإطمئنان إلا في أنفس العامة أو أشباه العامة .
فأما شعر عبيد فليس أشدّ من شخصيته وضوحاً . فالرواة يحدّثوننا بأنه مضطرب ضائع . وابن سلاّم يحدّثنا في موضع من كتابه "طبقات الشعراء" أنه لم يبق من شعر عبيد وطرفه إلا قصائد بقدر عشر ، ولكنه يحدّثنا في موضع آخر أنه لا يعرف له إلا قوله :
أقفر من أهله ملحوبُ فالقُطَبِيات فالذّنـــوب
ثم يقول ابن سلاّم : ولا أدرى ما بعد ذلك . ولكن رواة آخرين يروون هذه القصيدة كاملة ويروون له شعراً آخر في هجاء امرئ القيس ومعارضته ، وفي إستعطاف حُجْر على بني أسد . ويكفي أن نقرأ هذه القصيدة التي قدّمنا مطلعها لتجزم بأنها منتحلة لا أصل لها . وحسبك أنه يثبت فيها وحدانية الله وعلمه على نحو ما يثبتهما القرآن فيقول :
والله ليس له شريكُ عَلاَّمُ ما أخفت القلوبُ
فأما شعره الآخر الذي عارض فيه امرأ القيس وهجا فيه كندة فلا حظَّ له من صحة فيما نعتقد . وذلك أن فيه إسفافاً وضعفاً وسهولة في اللفظ والأسلوب لا يمكن أن تضاف إلى شاعر قديم . ويكفى أن تقرأ هذه القصيدة التي أوّلها :
ياذا المخوّفنا بقتـــــ ـــل أبيــه إذلالا وحينا
أزعمت أنك قد قتلــ ــت سراتنا كذبا ومينا
لتعرف أنها من عمل القصّاص ، وأن الشّعر وأشباهه إنما هو من أثر التنافس بين العصبية اليمنية والمضرية .
ولولا أننا نؤثر الإيجاز ونحرص عليه لروينا لك هذا الشعر ووضعنا لك على مواضيع التوليد فيه ؛ ولكن الرجوع إلى هذا الشعر يسير والحكم عليه أيسر . وإذاً فكل شعر امرئ القيس الذي يتصل بشعر عبيد هذا منحول أيضاً كشعر عبيد .
وقد رأيت من هذه الإلمامة القصيرة بهؤلاء الشعراء الثلاثة :
(امرئ القيس وعبيد وعلقمة) أن الصحيح من شعرهم لا يكاد يذكر وأن الكثرة المطلقة من هذا الشعر مصنوعة لا تثبت شيئاً ولا تنفي شيئاً بالقياس إلى العصر الجاهلي ؛ لا نستثنى من ذلك إلا قصيدتين إثنتين لعلقمة :
الأولى : * طحــا بك قلــــبُ للحسان طـــروبُ *
والثانية : * هل ما علمت وما أستودعت مكتوم *
فقد يمكن أن يكون لهاتين القصيدتين نصيب من الصحة مع شيء من التحفظ في بعض أبيات القصيدة الثانية . ولكن صحة هاتين القصيدتين لا تمس رأينا في الشعر الجاهلي ؛ فقد رأيت أن علقمة متأخر العصر جداً ، وأنه مات بعد ظهور الإسلام ، ورأيت أيضاً أنه كان يأتي قريشا ويعرض عليها شعره . على أننا احتفظنا لأنفسنا بالشك في بعض أبيات القصيدة الثانية يظهر فيها التوليد ؛ وهي هذه الأبيات التي يذهب فيها الشاعر مذهب الحكمة وضرب المثل .
" 3 "
عمرو بن قَمِيئة - مهلهل - جليلة
وشاعران آخران يتصل ذكرهما بذكر امرئ القيس . كان أحدهما فيما يقول الرواة - صديقاً له ، صحبه في رحلته في قسطنطينية ، ولم يعد من هذه الرحلة كما لم يعد امرؤ القيس ، وهو عمرو بن قميئة . وكان الآخر خال امرئ القيس - فيما يقول الرواة - وهو مهلهل بن ربيعة .
ولابد من وقفة قصيرة عند هذين الشاعرين فسترى بعد قليل من التفكير أن حياتهما ليست أوضح ولا أثبت من حياة امرئ القيس وعبيد ، وأن شعرهما ليس أصح ولا أصدق من شعر امرئ القيس وعبيد .
ولنلاحظ قبل كل شيء أن بين امرئ القيس وعمر بن قميئة شبهاً غريباً ؛ فقد كان امرؤ القيس يسمى الملك الضلِّيل . وفسرنا نحن هذا الاسم تفسيراً غير الذي اتفق عليه الرواة وأصحاب اللغة ، فقلنا إنه الملك المجهول الذي لا يعرف عنه شيء ، قلنا ضُلَُ بن قُلّ . وكانت العرب تسمي عمرو بن قميئة عمرا الضائع . فأما المتأخرون من الرواة بعد الإسلام فقد التمسوا لهذه التسمية تفسيراً فوجدوه في سهولة ويسر ، أليس قد رحل مع امرئ القيس في القسطنطينية ؟ أليس قد مات في هذه الرحلة ؟ فهو إذاً عمرو الضائع لأنه ضاع في غير قصد ولا توجه . أما نحن فنفسر هذا الاسم كما فسرناه اسم امرئ القيس ، ونرى أن عمرو بن قميئة ضاع كما ضاع امرؤ القيس من الذكرة ، ولم يعرف من أمره شيء إلا اسمه هذا كما لم يعرف من أمر امرئ القيس ولا من أمر عبيد إلا اسمهما ، ووضعت له قصة كما وضعت لكل من صاحبه قصة ، وحمل عليه شعر كما حمل على صاحبيه الشعر أيضاً .
قال الرواة : إن ابن قميئة عُمَّر طويلاً وعرف امرأ القيس وقد انتهت به السن إلى الهرم ، ولكن امرأ القيس أحبه واستصحبه في رحلته رغم سنه . قال ابن سلاّم : إن بني أقيِّش كانوا يدّعون بعض شعر امرئ القيس لعمرو بن قميئة ، وليس هذا بشيء . وفي الحق أن هذا ليس بشيء ؛ فإن هذا الشعر لا يمكن أن يكون لعمرو بن قميئة كما لا يمكن أن يكون لامرئ القيس فهو شعر محدَث محمول .
وإذا كان عمرو بن قميئة لم يعرف امرأ القيس ، إلا بعد أن تقدّمت به السن وأدركه الهرم فيجب أن يكون قد قال الشعر قبل امرئ القيس الذي لم تتقدم به السن . والرواة يزعمون أن ابن قميئة قال الشعر في شبابه الأول . وإذاً فليس امرؤ القيس هو أول من فتح للناس باب الشعر . ولكن ما لنا نقف عند شيء كهذا والرواة يضطربون فيه اضطرابا شديداً ؟ فهم يزعمون أن أول من قصَّدَ القصائد مهلهل بن ربيعة خال امرئ القيس . وكأن امرأ القيس إنما جاءه الشعر من قِبل أمه . ومعنى ذلك أن الشعر عدناني لا قحطاني . ومن هنا نشأت نظرية أخرى تزعم أن الشعر يماني كله ، ُبدئ بأمرئ القيس في الجاهلية وختم بأبي نُوّاس في الإسلام . فأنت ترى أنا حين نقف عند مسألة كهذه لا نتجاوز العصبية بين عدنان وقحطان . ولكن سترى أكثر من هذا بعد قليل .
قصة عمرو بن قيمئة التي يرويها الرواة ليست شيئاً قيماً ، وإنما هي حديث كغيره من الأحاديث ؛ فهم يزعمون أن أباه تُوفـّي عنه طفلاً فكفله عمه ؛ ونشأ عمرو جميلاً وضيء الطلعة فكلِفت به امرأة عمه وكتمت ذلك حتى إذا غاب زوجها لأمر من أموره أرسلت إلى الفتى ، فلما جاء دعته إلى نفسها ، فامتنع وفاءً لعمه وامتناعاً عن منكر الأمر ، وانصرف . ولكنها حنقت عليه وألقت على أثره جفنة ، حتى إذا عاد زوجها أظهرت الغضب والغيظ وقصّت على زوجها الأمر وكشفت عن الأثر ؛ فغضب الرجل على ابن أخيه . وهنا يختلف الرواة ، فمنهم من يزعم أنه همّ بقتله ، فهرب إلى الحيرة ، ومنهم من يزعم أنه أعرض عنه . ومهما يكن من شيء فقد اعتذر الشاب إلى عمه في شعر نروي لك منه طرفاً لتلمس بيدك ما فيه من سهولة ولين وتوليد :
خليليّ لا تستعجـــلا أن تـــــزوّدا
وأن تجمعا شملي وتنتظرا غــدا
فما لبثي يومـــــاً بسائق مغنــــم
ولا سرعتي يوماً بسائقة الرّدَى
وإن تنظرا في اليوم أفضِ لُبانة
وتستوجبــا مَنـَّا عليّ وتُحمــــــدا
لعمرك ما نفـس بجــــــدٍّ رشيدةُ
تؤامرني ســـــوءاً لأصِرم مرثَدا
وإن ظهرت مني قوارصُ جّمةُ
وأُفرغ مـن لؤمي مراراً وأُصعدا
على غير جُرم أن أكون جنيته
سوى قــــول بـاغ كادني فتجهّدا
لعمري لنعــم المرء تدعـــو بخلة
إذا ما المنــــادي في المقامــــة نددا
عظيـم رمـــــاد القــدر لا متعــــبّس
ولا مؤيــس منهــــا إذا هــو أوقــــدا
وإن صرّحت كَحْلٌ وهبَّتْ عَرِيـَّةُ
من الريح لم تترك من المال مرقــدا
صبرت على وطء الموالي وخطبهم
إذا ضـــنّ ذو القربى عليهم وأخمدا
ولم يحــم حـــــُرْم الحي إلا محافــظُ
كريــــــم المحيّا ماجـــــد غير أجردا
ونظن أن النظر في هذه القصة وفي القصيدة يكفى ليقتنع القارئ بأننا أمام شيء منتحل متكلف لا حظ له من صدق . وليس خيراً من هذه القصيدة هذا الشعر الذي يقال إن عمرو بن قميئة أنشأه لمّا تقدّمت به السنّ يصف به هرمه وضعفه . ولعله قاله قبل أن يرتحل مع امرئ القيس إلى بلاد الروم . ويزعم الشعبي ، أو من روى عن الشعبي أن عبد الملك بن مروان تمثل به في علّته التي مات فيها .
وهو :
كأني وقــد جاوزت ُ تسعيـــن حِجـَّة
خلعـــتُ بهــــا عني عِنـــــانَ لجامي
على الراحتينِ مــــرّة وعلى العصــا
أنــــوء ثـــــــلاثاً بعدهـــــن قيــــامي
رمتني بناتُ الدهر من حيث لا أرى
فما بـــــــال مـــن يُرْمَى وليس بـرام
فلو أنّ مـــا أُرْمَى بنبـــــــل رميتهـــا
ولكنمـــــا أُرْمَـــى بغيــــــر سهــــــام
إذا رآني النـــــــاس قالــــــوا ألم يكن
حديثـــــاً جديد البــــــرى غير كَهـام
وأفنى ومــــــــا أُفْنى من الدهـــر ليلة
وما يُفنـــــى ما أفنيت سلــــك نظامي
وأهلكـــني تأميــــــــل يـــــــــومٍ وليلةٍ
وتأميـــــلُ عـــــامٍ بعد ذاك وعـــــــام
فنحن نستطيع بعد هـــذا أن نضيــف عمــرو بن قميئـــة إلى صاحبيــه الضائعيـن : (عبيد وامرئ القيس) ، وأن ننتقل إلى مهلهل ، لنرى ماذا يمكن أن يثبت لنا من أمره وشعره .
فأما أمره فنظن أنه يسير لا سبيل إلى الإختلاف فيه . فيجب أن نبلغ من السذاجة حظاً غير قليل لنسلم بما كان يتحدّث به الرواة من أمر هذه القصة الطويلة العريضة : قصة البسوس . ونظن أن الاتفاق يسير على أن هذه القصة قد طوّلت ونميت وعظم أمرها في الإسلام حين اشتدّ التنافس بين ربيعة ومضر من ناحية ، وبين بَكْر وتَغْلِب من ناحية أخرى . وليس مهلهل في حقيقة الأمر إلا بطل هذه القصة ؛ فقد عظم أمره وأرتفع شأنه بمقدار ما نميت هذه القصة وطُول فيها . ولسنا ننكر أن خصومة عنيفة كانت بين القبيلتين الشقيقتين بكر وتغلب في العصور الجاهلية القديمة ، وأن هذه الخصومة قد انتهت إلى حروب سفكت فيها الدماء وكثرت فيها القتلى ؛ ولكن أسباب هذه الخصومة ومظاهرها وأعراضها وآثارها الأدبية قد ذهبت كلها ولم يبق منها إلا ذكرى ضئيلة تناولها القصاص فأستغلّوها إستغلالاً قوياً ، ووجدت بكر وتغلب وربيعة كلها حاجتها في هذا الإستغلال . ولم لا ؟ ألم تكن النبوّة والخلافة ومظاهرها الشرف كلها لمضر في الإسلام ؟ وكيف يستطيع العرب من ربيعة أن يؤمنوا لمضر بهذه السيادة وهذا المجد دون أن يثبتوا لأنفسهم في قديم العهد على أقل تقدير مجداً وشرفاً وسيادة ؟ وقد فعلوا : فزعموا أنهم كانوا سادة العرب من عدنان في الجاهلية : كان منهم الملوك والسادة ، وكان منهم الذين قاوموا طغيان اللخميين في العراق والغَسّانيين في الشام ، وكان منهم الذين هزموا جيوش كسرى في يوم ذي قار . لمضر إذاً حديث العرب بعد الإسلام ، ولربيعة قديم العرب قبل الإسلام . فإذا لاحظت إلى هذا ما كان من الخصومة الفعلية بين ربيعة ومضر أيام بني أمية وما كان من الخصومة الأدبية بين جرير شاعر مضر الذي يقول :
إنّ الــذي حــرم المكــارمَ تَغْلِبــًا جعــل النبــوّة والخــلافة فينـا
هذا أبن عمي في دِمَشْــقَ خليفـة لو شئــت ساقكـــُمُ أليّ قطينــا
وبين الأخطل الذي يقول :
أبني كُلَيْــبٍ عَمََََّّّـــى اللـــَّذا قتــلا الملوكَ وفكَّكا الأغلالا
نقول إذا لاحظت كل هذه الخصومات لم يصعب عليك أن تتصوّر كثرة الانتحال في القصص والشعر حول ربيعة عامّة وحول هاتين القبيلتين من ربيعة خاصة ، وهما بكر وتغلب . على أن بعض الرواة كانوا يظهرون كثيراً من الشك فيما كانت تتحدّث به بكر وتغلب من أمر هذه الحروب .
ومهما يكن من شيء فليست شخصية مهلهل بأوضح من شخصية امرئ القيس أو عبيد أو عمرو بن قميئة ؛ وإنما تركت لنا قصة البسوس منه صورة هي إلى الأساطير أقرب منها إلى أي شيء آخر . ومن هنا قال ابن سلاّم إن العرب كانت ترى أن مهلهلاً لم يتكثر ويدّعي في شعره أكثر مما يعمل . والحق أن مهلهلاً لم يتكثر ولم يدَّع شيئاً ، وإنما تكثرت تغلب في الإسلام ونحلته ما لم يقل . ولم تكتف بهذا الانتحال بل زعمت أنه أوّل من قصّد القصيد وأطال الشعر ، ثم أحسّت ما نحس الآن أو أحسه الرواة أنفسهم وهو أن في هذا الشعر اضطراباً وإختلاطاً ، فزعمت ، أو زعم الرواة ، أنه لهذه الإضطراب والإختلاط سمّي مهلهلاً ، لأنه هلهل الشعر . والهلهلة الإضطراب . ويستشهد ابن سلاّم على هذا بقول النابغة :
* أتاك بقول هَلْهَلِ النسجِ كاذبِ *
وليس من شك في أن شعر مهلهل مضطرب ، فيه هلهلة وإختلاط . ولكننا نستطيع أن نجد هذه الهلهلة نفسها في شعر امرئ القيس وعبيد وأبن قميئة وكثير غيرهم من شعراء العصر الجاهلي ؛ فقد كانوا جمعياً مهلهلا إذاً .
غير أننا لانستطيع أن نطمئن إلى أن يهلهل شعراء الجاهلية جميعاً الشعر بحيث يصبح لكل واحد منهم شخصيات شعرية مختلفة تتفاوت في القوّة والضعف وفي الشدّة واللين وفي الإغراب والسهولة . وإذاً فمن الذي هلهل الشعر ؟ هلهله الذين وضعوه من القصّاص والمنتحلين وأصحاب التنافس والخصومة بعد الإسلام .
ويحسن أن نظهرك على شيء من شعر مهلهل لترى كما نرى أنه لا يمكن أن يكون أقدم شعر قالته العرب :
أليلتنـا بـــــذى حُسُــم أنيـري إذا أنت إنقضيــت فلا تحوري
فإن يـك بالذنائب طـــال ليلي فقـــد أبكـــى من الليل القصير
فلو نبش المقابــــرُ عن كُلَيْب لأُخبـر بالذنــائب أيّ زيــــــــر
ويــــوم الشعشمين لقرّ عيناً ، وكيــف لقــاءُ مَنْ تحت القبور
على أني تركــت بــــواردات بُجَيــــْراً في دم مثـــل العبيـــر
هتكت به بيــــوت بنى عُبّــاد وبعض الغشـم أشفى للصــدور
على أن ليس يوفى من كليب إذا بــرزت مخبَّـــأة الخـــــدور
وهّمام بن مـــُرّةَ قد تركنـــــا عليــه القُشْعمــان من النســور
ينــوء بصــدره والرمــح فيه ويخلجـــــه خِدبٌ كالبعيــــــر
فلولا الريـحُ أُسمِعُ منَ بِحُجْرٍ صليل البيــض تُقـرع بالذكور
فدى لبني شقيقــة يوم جاءوا كأسد الغـاب لجــّت في الزئير
كــأنّ رماحهــــم أشطـانُ بئر بعيــد بيــن جالَيْهـــا جــــَرور
غــداة كأننــــا وبني أبينـــــــا بجنــب عُنيزة رَحَيَــــا مُديـــر
تظلُّ الخيل عاكفــةً عليهـــم كـأنّ الخيــل تُرْحض في غدير
أليس يقع من نفسك موقع الدهش أن يستقيم وزن هذا الشعر وتطَّرد قافّيته وأن يلائم قواعد النحو وأساليب النظم لا يشذ في شيء ولا يظهر عليه شيء من أعراض القدم أو مما يدل على أن صاحبه هو أوّل من قصّد القصيد وطوّل الشعر ؟
ابو تراجى
12-21-2009, 12:37 PM
ولكننا نجهل هذا كله ولا نستطيع أن نثبته إلا من طريق هذا الشعر الذي ينسب إلى امرئ القيس . ونحن بشك في هذا الشعر ونصفه بأنه منتحل .
وإذاً فنحن ندور : نثبت لغة امرئ القيس التي نشك فيها بشعر امرئ القيس الذي نشك فيه . على أننا أمام مسألة أخرى ليست أقل من هذه المسألة تعقيداً . فنحن لا نعلم ولا نستطيع أن نعلم الآن أكانت لغة قريش هي اللغة السائدة في البلاد العربية أيام امرئ القيس؟ وأكبر الظن أنها لم تكن لغة العرب في ذلك الوقت وأنها إنما أخذت تسود في أواسط القرن السادس للمسيح وتمت لها السيادة بظهور الإسلام كما قدّمناه .
وإذاً فكيف نظم امرؤ القيس اليمني شعره في لغة القرآن مع أن هذه اللغة لم تكن سائدة في العصر الذي عاش فيه امرؤ القيس؟ وأعجب من هذا أنك لا تجد مطلقاً في شعر امرئ القيس لفظاً أو أسلوباً أو نحواً من أنحاء القول يدل على أنه يمنيّ . فمهما يكن امرؤ القيس قد تأثر بلغة عدنان فكيف نستيطع أن نتصوّر أن لغته الأولى قد محيت من نفسه محواً تاماً ولم يظهرها أثر ما في شعره؟ تظن أن أنصار القديم سيجدون كثيراً من المشقة والعناء ليحلّوا هذه المشكلة . ونظن أن إضافة هذا الشعر إلى امرئ القيس مستحيلة قبل أن تحل هذه المشكلة .
على أننا نحب أن نسأل عن شيء آخر ؛ فامرؤ القيس إبن أخت مهلهل وكليب إبني ربيعة - فيما يقولون - ، وأنت تعلم أن قصة طويلة عريضة قد نسجت حول مهلهل وكليب هذين ، هي قصة البسوس وهذه الحرب التي اتصلت أربعين سنة - فيما يقول القصاص - وأفسدت ما بين القبيلتين الأختين بكر وتغلب . فمن العجيب ألا يشير امرؤ القيس بحرف واحد إلى مقتل خاله كليب ، ولا إلى بلاء خاله مهلهل ، ولا إلى هذه المحن التي أصابت أخواله من بني تغلب ، ولا هذه المآثر التي كانت لأخواله على بنى بكر .
وإذاً فأينما وجّهت فلن تجد إلا شكاً : شكا في القصة ، شكا في اللغة ، شكا في النسب ، شكا في الرحلة ، شكا في الشعر . وهم يريدون بعد هذا أن نؤمن ونطمئن إلى كل ما يتحدث به القدماء عن امرئ القيس ! نعم نستطيع أن نؤمن وأن نطمئن لو أن الله رزقنا هذا الكسل العقلي الذي يحبب إلى الناس أن يأخذوا بالقديم تجنبا للبحث عن الجديد . ولكن الله لم يرزقنا هذا النوع من الكسل ، فنحن نؤثر عليه تعب الشك ومشقة البحث .
وهذا البحث ينتهي بنا إلى أن أكثر هذا الشعر الذي يضاف لامرئ القيس ليس من امرئ القيس في شيء وإنما هو محمول عليه حملاً ومختلق عليه اختلاقاً ، حمل بعضه العرب أنفسهم ، وحمل بعضه الآخر الرواة الذين دوّنوا الشعر في القرن الثاني للهجرة .
ولننظر في المعلَّقة نفسها ، فلسنا نعرف قصيدة يظهر فيها التكلف والتعامل أكثر مما يظهران في هذه القصيدة . ولا نحفل بقصة تعليق هذه القصائد السبع أو العشر على الكعبة أو في الدفاتر . فما نظن أن انصار القديم يحفلون بهذه القصة التي نشأت في عصر متأخر جدّاً والتي لا يثبتها شيء في حياة العرب وعنايتهم بالآداب . ولكننا نلاحظ أن القدماء أنفسهم يشكون في بعض هذه القصيدة فهم يشكون في صحة هذين البيتين :
ترى بعر الآرام في عَرَصَاتها وقِيعــــانهــا كأنــــه حـــبُّ فُلفـــل
كأنى غداة البين يوم تحمــــلَّوا لدى سَمُرَات الحىّ ناقف حنظــــل
وهم يشكون في هذه الأبيات :
وقربة أقوام جعلتُ عِصامَهــا على كاهـــــل مني ذَلُول مرحــــّل
ووادٍ كجوف العَير قفرٍ قطعتُه به الذئبُ يعوي كالخليـــــع المعيّل
فقلت له لما عــوى إن شأننـا قليــــلُ إن كنـــت لمّــــــا تمــــــوّل
كلانا إذا ما نال شيئــــاً أفاتــه ومن يحترث حَرْثي وحرثك يهزل
وهم بعد هذا يختلفون إختلافاً كثيراً في رواية القصيدة : في ألفاظها وفي ترتيبها ، ويضعون لفظاً مكان لفظ وبيتاً مكان بيت . وليس هذا الاختلاف مقصوراً على هذه القصيدة ، وإنما يتناول الشعر الجاهليّ كله . وهو اختلاف شنيع يكفي وحده لحملنا على الشك في قيمة هذا الشعر . وهو إختلاف قد أعطى للمستشرقين صورة سيئة كاذبة من الشعر العربي ، فخّيل إليهم أنه غير منّسق ولا مؤتلف ، وأن الوحدة لا وجود لها في القصيدة ، وأن الشخصية الشعرية لا وجود لها في القصيدة أيضاً ، وأنك تستطيع أن تقدّم وتؤخر وأن تضيف إلى الشاعر شعر غيره دون أن تجد في ذلك حرجاً أو جناحاً مادمت لم تخلّ بالوزن ولا بالقافية .
وقد يكون هذا صحيحاً في الشعر الجاهلي ، لأن كثرة هذا الشعر منتحلة مصطنعة . فأما الشعر الإسلامي الذي صحّت نسبته لقائليه فأنا أتحدى أي ناقد أن يبعث به أقل عبث دون أن يفسده . وأنا أزعم أن وحدة القصيدة فيه بينة ، وأن شخصية الشاعر فيه ليست أقل ظهوراً منها في أي شعر أجنبي . وإنما جاء هذا الخطأ من إتخاذ هذا الشعر الجاهلي نموذجاً للشعر العربي ، مع أن هذ الشعر الجاهلي - كما قدّمناه - لا يمثل شيئاً ولايصلح إلا نموذجاً لعبث القصّاص وتكلف الرواة .
ونظن أن أنصار القديم لا يخالفون في أن هذين البيتين قلقان في القصيدة وهما :
وليل كموج البحر أرخى سدوله عليّ بأنواع الهمــــوم ليبتلي
فقلت له لمّـــــــا تمطَّى بُصلبـــه وأردف أعجازاً وناء بكَلْكَل
فقد وضع هذان البيتان للدخول على البيت الذي يليهما وهو :
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي بصبح وما الإصباح منك بأمثل
وهذان البيتان أشبه بتكلف المشطر والمخمّس منهما بأي شيء آخر .
فإذا فرغنا من هذا الشعر الذي لا نكاد نختلف في أنه دخيل في القصيدة ، فقد نستطيع أن نرد القصيدة إلى أجزائها الأولى . وهذه الأجزاء هي : أولاً وقوف الشاعر على الدار وما يتصل بذلك من بكاء وإعوال ، ثم ذكره أيام لهوه مع العذارى ، ثم عتابه لصاحبته وما يتصل بذلك من وصف خليلته ، ثم ذكر الليل والإستطراد منه إلى الصيد وما يتوسّل به إلى الصيد من وصف الفرس ، ثم ذكر البرق وما يتبعه من السيل .
ولنسرع إلى القول بأن وصف اللهو مع العذارى وما فيه من فحش أشبهُ بأن يكون من انتحال الفرزدق منه بأن يكون جاهلياً . فالرواة يحدّثوننا أن الفرزدق خرج في يوم مطير إلى ضاحية البصرة فاتبع آثاراً حتى انتهى إلى غدير وإذا فيه نساء يستحممن فقال : ما أشبه هذا اليوم بيوم دارة جُلْجُل ، وولى منصرفاً ؛ فصاح النساء به : يا صاحب البغلة ؛ فعاد إليهن فسألنه وعزمن عليه ليحدّثنهن بحديث دارة جلجل ؛ فقص عليهّن قصة امرئ القيس وأنشدهنّ قوله :
أَلاَ ربّ يوم لك منهنّ صالح ولا سيما يوم بدارة جلجل
(الأبيات)
والذين يقرءون شعر الفرزدق ويلاحظون فحشه وغلظته وأنه قد ليم على هذا الفحش وعلى هذه الغلظة لا يجدون مشقة في أن يضيفوا إليه هذه الأبيات ، فهي بشعره أشبه . وكثيراً ما كان القدماء يتحدّثون بمثل هذه الأحاديث يضيفونها إلى القدماء وهم ينتحلونها من عند أنفسهم . ومهما يكن من شيء ، فلغة هذه الأبيات كلغة القصيدة كلها عدنانية قرشية يمكن أن تصدر عن شاعر إسلامي اتخذ لغة القرآن لغة أدبية .
أما وصف امرئ القيس لخليلته ، وزيارته إياها ، وتجشّمه ما تجشم للوصول إليها ، وتخوّفها الفضيحة حين رأته ، وخروجها معه وتعفيتها آثارهما بذيل مرطها ، وما كان بينهما من لهو ، فهو أشبه بشعر عمر بن أبي ربيعة منه بأي شيء آخر . فهذا النحو من القصص الغرامي في الشعر فنّ عمر بن أبي ربيعة قد أحتكره إحتكاراً ولم ينازعه فيه أحد . ولقد يكون غريباً حقاً أن يسبق امرؤ القيس إلى هذا الفنّ ويتخذ فيه هذا الأسلوب ويعرف عنه هذا النحو ، ثم يأتي ابن أبي ربيعة فيقلده فيه ولا يشير أحد من النقاد إلى أن ابن أبي ربيعة قد تأثر بأمرئ القيس مع أنهم قد أشاروا إلى تأثير امرئ القيس في طائفة من الشعراء في أنحاء من الوصف . فكيف يمكن أن يكون امرؤ القيس هو منشىء هذا الفن من الغزل الذي عاش عليه ابن أبي ربيعة والذي كوّن شخصية ابن أبي ربيعة الشعرية ولا يعرف له ذلك ؟
وأنت إذا قرأت قصيدة أو قصيدتين من شعر ابن أبي ربيعة لم تكد تشك في أن هذا الفن فنه أبتكره إبتكاراً وأستغله إستغلالاً قوياً ، وعرفت العرب له هذا . وقل مثل هذا في القصص الغرامي الذي تجده في قصيدة امرئ القيس الأخرى : "ألا أنعم صباحاً أيها الطلل البالي" . ففي هذا القصص الفاحش فنّ ابن أبي ربيعة وروح الفرزدق . ونحن نرجح إذاً أن هذا النوع من الغزل إنما أضيف إلى امرئ القيس ، وأضافه رواة متأثرون بهذين الشاعرين الإسلاميين .
بقي الوصف ، ولاسيما وصف الفرس والصيد . ولكننا نقف فيه موقف الترذّد أيضاً . واللغة هي التي تضطرنا إلى هذا الموقف . فالظاهر أن امرأ القيس كان قد نبغ في وصف الخيل والصيد والسيل والمطر . والظاهر أنه قد استحدث في ذلك أشياء كثيرة لم تكن مألوفة من قبل . ولكن أقال هذه الأشياء في هذا الشعر الذي بين أيدينا أم قالها في شعر آخر ضاع وذهب به الزمان ولم يبق منه إلا الذكرى وإلا جملُ مقتضبه أخذها الرواة فنظموها في شعر محدّث نسّقوه ولفّقوه وأضافوه إلى شاعرنا القديم؟ هذا مذهبنا الذي نرجحه . فنحن نقبل أن امرأ القيس هو أول من قيّد الأوابد ، وشبه الخيل بالعصي والعقبان وما إلى ذلك ، ولكننا نشك أعظم الشك في أن يكون قد قال هذه الأبيات التي يرويها الرواة . وأكبر الظن أن هذا الوصف الذي نجده في المعلّقة وفي اللامية الأخرى فيه شيء من ريح امرئ القيس ، ولكن من ريحه ليس غير .
هناك قصيدة ثالثة نجزم نحن بأنها منتحلة إنتحالاً . وهي القصيدة البائية التي يقال إن امرأ القيس أنشأها يخاصم بها عَلْقمة بن عَبَدَة الفحل ، وأن أم جندب زوج امرئ القيس قد غلّبت علقمة على زوجها . وأنت تجد القصيدتين في ديوان امرئ القيس وديوان علقمة . فأما قصيدة امرئ القيس فمطلعها :
خليليّ مُرّا بي على أم جندب نقضِّ لُبانات الفؤاد المعذَّب
وأما قصيدة علقمة فمطلعها :
ذهبت من الهجران في كل مذهبِ ولم يك حقــاًّ هذا التجنُّـــب
ويكفى أن نقرأ هذين البيتين لتحس فيهما رقة إسلامية ظاهرة . على أن النظر في هاتين القصيدتين سيقفك على أن هذين الشاعرين قد تواردا على معان كثيرة بل على ألفاظ كثيرة بل على أبيات كثيرة تجدها بنصها في القصيدتين معاً ، وعلى أن البيت الذي يضاف إلى علقمة وبه ربح القضية يروى لأمرئ القيس ، وهو :
فأدركهن ثانياً من عنانه يمرّ كمرّ الرائح المتحلّب
والبيت الذي خسر به امرؤ القيس القضية يروى لعلقمة وهو :
فللسوطِ أُلهوبٌ وللساق درّة وللزجر منه وقعُ أهوجَ مِتـْعَبِ
وأنت تسطيع أن تقرأ القصيدتين دون أن تجد فيهما فرقاً بين شخصية الشاعرين ، بل أنت لا تجد فيها شخصية ما ، وإنما تحس أنك تقرأ كلاماً غريباً منظوماً في جمع ما يمكن جمعه ، من وصف الفرس جملة وتفصيلاً . وأكبر الظن أن علقمة لم يفاخر امرأ القيس ، وأن أم جندب لم تحكم بينهما ، وأن القصيدتين ليستا من الجاهلية في شيء ، وإنما هما صنع عالم من علماء اللغة لسبب من تلك الأسباب التي أشرنا في الكتاب الماضي إلى أنها كانت تحمل علماء اللغة على الانتحال . وكان أبو عبيدة والأصمعي يتنافسان في العلم بالخيل ووصف العرب إياها : أيهما أقدر عليه وأحذق به . وما نظن إلا أن هاتين القصيدتين وأمثالهما أثر من آثار هذا النحو من التنافس بين العلماء من أهل الأمصار الإسلامية المختلفة .
وهنا وقفة أخرى لابد منها . ذلك أن امرأ القيس لا يذكر وحده وإنما يذكر معه من الشعراء علقمة - كما رأيت - وعَبيد بن الأبرص . فأما علقمة فلا يكاد الرواة يذكرون عنه شيئاً إلا مفاخرته لأمرئ القيس ومدحه ملكاً من ملوك غَسَّان ببائيته التي مطلعها :
طحا بِكَ قلبٌ للحسان طروبُ بعيْد الشباب عصر حان مشيبُ
وإلا أنه كان يتردّد على قريش ويناشدها شره ، وإلا أنه مات بعد ظهور الإسلام أي في عصر متاخر جداً بالقياس إلى امرئ القيس الذي مهما يتأخر فقد مات قبل مولد النبي ، والذي نرى نحن أنه عاش قبل القرن السادس وربما عاش قبل القرن الخامس أيضاً .
وأما عبيد فقد إلتمسنا في سيرته وما يضاف إليه من الشعر ما يعيننا على إثبات شخصية امرئ القيس وشعره فكانت النتيجة محزنة جداً . ذلك أنها انتهت بنا إلى أن نقف من عبيد وشعره نفس الموقف الذي وقفناه من امرئ القيس وشعره . وليس علينا في ذلك ذنب ؛ فالرواة لا يحدّثوننا عن عبيد بشيء يقبل التصديق . إنما عبيد عند الرواة والقصَّاص شخص من أصحاب الخوارق والكرامات ، كان صديقاً للجنّ والسماء معاً ، عُمّر عمرا طويلاً يصلون به إلى ثلاثة قرون ومات مِيتة منكرة : قتله النعمان بن المنذر أو المنذر بن ماء السماء في يوم بؤســه . والرواة يعرفون شيطان عبيد . واسم هذا الشيطان هبيد ، وقد حاول بعضهم أن يرسل هذا المثل "لولا هبيد ما كان عبيد" . وقد رووا لهبيد هذا شعرا وزعموا أنه أراد أن يلهم الشعر ناساً غير عبيد فلم يوفق . ولعبيد مع الجنّ أحاديث لا تخلو من لذة وعجب . ولكن كل ما نقرأ من أخبار عبيد لا يعطينا من شخصيته شيئاً ولا يبعث الإطمئنان إلا في أنفس العامة أو أشباه العامة .
فأما شعر عبيد فليس أشدّ من شخصيته وضوحاً . فالرواة يحدّثوننا بأنه مضطرب ضائع . وابن سلاّم يحدّثنا في موضع من كتابه "طبقات الشعراء" أنه لم يبق من شعر عبيد وطرفه إلا قصائد بقدر عشر ، ولكنه يحدّثنا في موضع آخر أنه لا يعرف له إلا قوله :
أقفر من أهله ملحوبُ فالقُطَبِيات فالذّنـــوب
ثم يقول ابن سلاّم : ولا أدرى ما بعد ذلك . ولكن رواة آخرين يروون هذه القصيدة كاملة ويروون له شعراً آخر في هجاء امرئ القيس ومعارضته ، وفي إستعطاف حُجْر على بني أسد . ويكفي أن نقرأ هذه القصيدة التي قدّمنا مطلعها لتجزم بأنها منتحلة لا أصل لها . وحسبك أنه يثبت فيها وحدانية الله وعلمه على نحو ما يثبتهما القرآن فيقول :
والله ليس له شريكُ عَلاَّمُ ما أخفت القلوبُ
فأما شعره الآخر الذي عارض فيه امرأ القيس وهجا فيه كندة فلا حظَّ له من صحة فيما نعتقد . وذلك أن فيه إسفافاً وضعفاً وسهولة في اللفظ والأسلوب لا يمكن أن تضاف إلى شاعر قديم . ويكفى أن تقرأ هذه القصيدة التي أوّلها :
ياذا المخوّفنا بقتـــــ ـــل أبيــه إذلالا وحينا
أزعمت أنك قد قتلــ ــت سراتنا كذبا ومينا
لتعرف أنها من عمل القصّاص ، وأن الشّعر وأشباهه إنما هو من أثر التنافس بين العصبية اليمنية والمضرية .
ولولا أننا نؤثر الإيجاز ونحرص عليه لروينا لك هذا الشعر ووضعنا لك على مواضيع التوليد فيه ؛ ولكن الرجوع إلى هذا الشعر يسير والحكم عليه أيسر . وإذاً فكل شعر امرئ القيس الذي يتصل بشعر عبيد هذا منحول أيضاً كشعر عبيد .
وقد رأيت من هذه الإلمامة القصيرة بهؤلاء الشعراء الثلاثة :
(امرئ القيس وعبيد وعلقمة) أن الصحيح من شعرهم لا يكاد يذكر وأن الكثرة المطلقة من هذا الشعر مصنوعة لا تثبت شيئاً ولا تنفي شيئاً بالقياس إلى العصر الجاهلي ؛ لا نستثنى من ذلك إلا قصيدتين إثنتين لعلقمة :
الأولى : * طحــا بك قلــــبُ للحسان طـــروبُ *
والثانية : * هل ما علمت وما أستودعت مكتوم *
فقد يمكن أن يكون لهاتين القصيدتين نصيب من الصحة مع شيء من التحفظ في بعض أبيات القصيدة الثانية . ولكن صحة هاتين القصيدتين لا تمس رأينا في الشعر الجاهلي ؛ فقد رأيت أن علقمة متأخر العصر جداً ، وأنه مات بعد ظهور الإسلام ، ورأيت أيضاً أنه كان يأتي قريشا ويعرض عليها شعره . على أننا احتفظنا لأنفسنا بالشك في بعض أبيات القصيدة الثانية يظهر فيها التوليد ؛ وهي هذه الأبيات التي يذهب فيها الشاعر مذهب الحكمة وضرب المثل .
" 3 "
عمرو بن قَمِيئة - مهلهل - جليلة
وشاعران آخران يتصل ذكرهما بذكر امرئ القيس . كان أحدهما فيما يقول الرواة - صديقاً له ، صحبه في رحلته في قسطنطينية ، ولم يعد من هذه الرحلة كما لم يعد امرؤ القيس ، وهو عمرو بن قميئة . وكان الآخر خال امرئ القيس - فيما يقول الرواة - وهو مهلهل بن ربيعة .
ولابد من وقفة قصيرة عند هذين الشاعرين فسترى بعد قليل من التفكير أن حياتهما ليست أوضح ولا أثبت من حياة امرئ القيس وعبيد ، وأن شعرهما ليس أصح ولا أصدق من شعر امرئ القيس وعبيد .
ولنلاحظ قبل كل شيء أن بين امرئ القيس وعمر بن قميئة شبهاً غريباً ؛ فقد كان امرؤ القيس يسمى الملك الضلِّيل . وفسرنا نحن هذا الاسم تفسيراً غير الذي اتفق عليه الرواة وأصحاب اللغة ، فقلنا إنه الملك المجهول الذي لا يعرف عنه شيء ، قلنا ضُلَُ بن قُلّ . وكانت العرب تسمي عمرو بن قميئة عمرا الضائع . فأما المتأخرون من الرواة بعد الإسلام فقد التمسوا لهذه التسمية تفسيراً فوجدوه في سهولة ويسر ، أليس قد رحل مع امرئ القيس في القسطنطينية ؟ أليس قد مات في هذه الرحلة ؟ فهو إذاً عمرو الضائع لأنه ضاع في غير قصد ولا توجه . أما نحن فنفسر هذا الاسم كما فسرناه اسم امرئ القيس ، ونرى أن عمرو بن قميئة ضاع كما ضاع امرؤ القيس من الذكرة ، ولم يعرف من أمره شيء إلا اسمه هذا كما لم يعرف من أمر امرئ القيس ولا من أمر عبيد إلا اسمهما ، ووضعت له قصة كما وضعت لكل من صاحبه قصة ، وحمل عليه شعر كما حمل على صاحبيه الشعر أيضاً .
قال الرواة : إن ابن قميئة عُمَّر طويلاً وعرف امرأ القيس وقد انتهت به السن إلى الهرم ، ولكن امرأ القيس أحبه واستصحبه في رحلته رغم سنه . قال ابن سلاّم : إن بني أقيِّش كانوا يدّعون بعض شعر امرئ القيس لعمرو بن قميئة ، وليس هذا بشيء . وفي الحق أن هذا ليس بشيء ؛ فإن هذا الشعر لا يمكن أن يكون لعمرو بن قميئة كما لا يمكن أن يكون لامرئ القيس فهو شعر محدَث محمول .
وإذا كان عمرو بن قميئة لم يعرف امرأ القيس ، إلا بعد أن تقدّمت به السن وأدركه الهرم فيجب أن يكون قد قال الشعر قبل امرئ القيس الذي لم تتقدم به السن . والرواة يزعمون أن ابن قميئة قال الشعر في شبابه الأول . وإذاً فليس امرؤ القيس هو أول من فتح للناس باب الشعر . ولكن ما لنا نقف عند شيء كهذا والرواة يضطربون فيه اضطرابا شديداً ؟ فهم يزعمون أن أول من قصَّدَ القصائد مهلهل بن ربيعة خال امرئ القيس . وكأن امرأ القيس إنما جاءه الشعر من قِبل أمه . ومعنى ذلك أن الشعر عدناني لا قحطاني . ومن هنا نشأت نظرية أخرى تزعم أن الشعر يماني كله ، ُبدئ بأمرئ القيس في الجاهلية وختم بأبي نُوّاس في الإسلام . فأنت ترى أنا حين نقف عند مسألة كهذه لا نتجاوز العصبية بين عدنان وقحطان . ولكن سترى أكثر من هذا بعد قليل .
قصة عمرو بن قيمئة التي يرويها الرواة ليست شيئاً قيماً ، وإنما هي حديث كغيره من الأحاديث ؛ فهم يزعمون أن أباه تُوفـّي عنه طفلاً فكفله عمه ؛ ونشأ عمرو جميلاً وضيء الطلعة فكلِفت به امرأة عمه وكتمت ذلك حتى إذا غاب زوجها لأمر من أموره أرسلت إلى الفتى ، فلما جاء دعته إلى نفسها ، فامتنع وفاءً لعمه وامتناعاً عن منكر الأمر ، وانصرف . ولكنها حنقت عليه وألقت على أثره جفنة ، حتى إذا عاد زوجها أظهرت الغضب والغيظ وقصّت على زوجها الأمر وكشفت عن الأثر ؛ فغضب الرجل على ابن أخيه . وهنا يختلف الرواة ، فمنهم من يزعم أنه همّ بقتله ، فهرب إلى الحيرة ، ومنهم من يزعم أنه أعرض عنه . ومهما يكن من شيء فقد اعتذر الشاب إلى عمه في شعر نروي لك منه طرفاً لتلمس بيدك ما فيه من سهولة ولين وتوليد :
خليليّ لا تستعجـــلا أن تـــــزوّدا
وأن تجمعا شملي وتنتظرا غــدا
فما لبثي يومـــــاً بسائق مغنــــم
ولا سرعتي يوماً بسائقة الرّدَى
وإن تنظرا في اليوم أفضِ لُبانة
وتستوجبــا مَنـَّا عليّ وتُحمــــــدا
لعمرك ما نفـس بجــــــدٍّ رشيدةُ
تؤامرني ســـــوءاً لأصِرم مرثَدا
وإن ظهرت مني قوارصُ جّمةُ
وأُفرغ مـن لؤمي مراراً وأُصعدا
على غير جُرم أن أكون جنيته
سوى قــــول بـاغ كادني فتجهّدا
لعمري لنعــم المرء تدعـــو بخلة
إذا ما المنــــادي في المقامــــة نددا
عظيـم رمـــــاد القــدر لا متعــــبّس
ولا مؤيــس منهــــا إذا هــو أوقــــدا
وإن صرّحت كَحْلٌ وهبَّتْ عَرِيـَّةُ
من الريح لم تترك من المال مرقــدا
صبرت على وطء الموالي وخطبهم
إذا ضـــنّ ذو القربى عليهم وأخمدا
ولم يحــم حـــــُرْم الحي إلا محافــظُ
كريــــــم المحيّا ماجـــــد غير أجردا
ونظن أن النظر في هذه القصة وفي القصيدة يكفى ليقتنع القارئ بأننا أمام شيء منتحل متكلف لا حظ له من صدق . وليس خيراً من هذه القصيدة هذا الشعر الذي يقال إن عمرو بن قميئة أنشأه لمّا تقدّمت به السنّ يصف به هرمه وضعفه . ولعله قاله قبل أن يرتحل مع امرئ القيس إلى بلاد الروم . ويزعم الشعبي ، أو من روى عن الشعبي أن عبد الملك بن مروان تمثل به في علّته التي مات فيها .
وهو :
كأني وقــد جاوزت ُ تسعيـــن حِجـَّة
خلعـــتُ بهــــا عني عِنـــــانَ لجامي
على الراحتينِ مــــرّة وعلى العصــا
أنــــوء ثـــــــلاثاً بعدهـــــن قيــــامي
رمتني بناتُ الدهر من حيث لا أرى
فما بـــــــال مـــن يُرْمَى وليس بـرام
فلو أنّ مـــا أُرْمَى بنبـــــــل رميتهـــا
ولكنمـــــا أُرْمَـــى بغيــــــر سهــــــام
إذا رآني النـــــــاس قالــــــوا ألم يكن
حديثـــــاً جديد البــــــرى غير كَهـام
وأفنى ومــــــــا أُفْنى من الدهـــر ليلة
وما يُفنـــــى ما أفنيت سلــــك نظامي
وأهلكـــني تأميــــــــل يـــــــــومٍ وليلةٍ
وتأميـــــلُ عـــــامٍ بعد ذاك وعـــــــام
فنحن نستطيع بعد هـــذا أن نضيــف عمــرو بن قميئـــة إلى صاحبيــه الضائعيـن : (عبيد وامرئ القيس) ، وأن ننتقل إلى مهلهل ، لنرى ماذا يمكن أن يثبت لنا من أمره وشعره .
فأما أمره فنظن أنه يسير لا سبيل إلى الإختلاف فيه . فيجب أن نبلغ من السذاجة حظاً غير قليل لنسلم بما كان يتحدّث به الرواة من أمر هذه القصة الطويلة العريضة : قصة البسوس . ونظن أن الاتفاق يسير على أن هذه القصة قد طوّلت ونميت وعظم أمرها في الإسلام حين اشتدّ التنافس بين ربيعة ومضر من ناحية ، وبين بَكْر وتَغْلِب من ناحية أخرى . وليس مهلهل في حقيقة الأمر إلا بطل هذه القصة ؛ فقد عظم أمره وأرتفع شأنه بمقدار ما نميت هذه القصة وطُول فيها . ولسنا ننكر أن خصومة عنيفة كانت بين القبيلتين الشقيقتين بكر وتغلب في العصور الجاهلية القديمة ، وأن هذه الخصومة قد انتهت إلى حروب سفكت فيها الدماء وكثرت فيها القتلى ؛ ولكن أسباب هذه الخصومة ومظاهرها وأعراضها وآثارها الأدبية قد ذهبت كلها ولم يبق منها إلا ذكرى ضئيلة تناولها القصاص فأستغلّوها إستغلالاً قوياً ، ووجدت بكر وتغلب وربيعة كلها حاجتها في هذا الإستغلال . ولم لا ؟ ألم تكن النبوّة والخلافة ومظاهرها الشرف كلها لمضر في الإسلام ؟ وكيف يستطيع العرب من ربيعة أن يؤمنوا لمضر بهذه السيادة وهذا المجد دون أن يثبتوا لأنفسهم في قديم العهد على أقل تقدير مجداً وشرفاً وسيادة ؟ وقد فعلوا : فزعموا أنهم كانوا سادة العرب من عدنان في الجاهلية : كان منهم الملوك والسادة ، وكان منهم الذين قاوموا طغيان اللخميين في العراق والغَسّانيين في الشام ، وكان منهم الذين هزموا جيوش كسرى في يوم ذي قار . لمضر إذاً حديث العرب بعد الإسلام ، ولربيعة قديم العرب قبل الإسلام . فإذا لاحظت إلى هذا ما كان من الخصومة الفعلية بين ربيعة ومضر أيام بني أمية وما كان من الخصومة الأدبية بين جرير شاعر مضر الذي يقول :
إنّ الــذي حــرم المكــارمَ تَغْلِبــًا جعــل النبــوّة والخــلافة فينـا
هذا أبن عمي في دِمَشْــقَ خليفـة لو شئــت ساقكـــُمُ أليّ قطينــا
وبين الأخطل الذي يقول :
أبني كُلَيْــبٍ عَمََََّّّـــى اللـــَّذا قتــلا الملوكَ وفكَّكا الأغلالا
نقول إذا لاحظت كل هذه الخصومات لم يصعب عليك أن تتصوّر كثرة الانتحال في القصص والشعر حول ربيعة عامّة وحول هاتين القبيلتين من ربيعة خاصة ، وهما بكر وتغلب . على أن بعض الرواة كانوا يظهرون كثيراً من الشك فيما كانت تتحدّث به بكر وتغلب من أمر هذه الحروب .
ومهما يكن من شيء فليست شخصية مهلهل بأوضح من شخصية امرئ القيس أو عبيد أو عمرو بن قميئة ؛ وإنما تركت لنا قصة البسوس منه صورة هي إلى الأساطير أقرب منها إلى أي شيء آخر . ومن هنا قال ابن سلاّم إن العرب كانت ترى أن مهلهلاً لم يتكثر ويدّعي في شعره أكثر مما يعمل . والحق أن مهلهلاً لم يتكثر ولم يدَّع شيئاً ، وإنما تكثرت تغلب في الإسلام ونحلته ما لم يقل . ولم تكتف بهذا الانتحال بل زعمت أنه أوّل من قصّد القصيد وأطال الشعر ، ثم أحسّت ما نحس الآن أو أحسه الرواة أنفسهم وهو أن في هذا الشعر اضطراباً وإختلاطاً ، فزعمت ، أو زعم الرواة ، أنه لهذه الإضطراب والإختلاط سمّي مهلهلاً ، لأنه هلهل الشعر . والهلهلة الإضطراب . ويستشهد ابن سلاّم على هذا بقول النابغة :
* أتاك بقول هَلْهَلِ النسجِ كاذبِ *
وليس من شك في أن شعر مهلهل مضطرب ، فيه هلهلة وإختلاط . ولكننا نستطيع أن نجد هذه الهلهلة نفسها في شعر امرئ القيس وعبيد وأبن قميئة وكثير غيرهم من شعراء العصر الجاهلي ؛ فقد كانوا جمعياً مهلهلا إذاً .
غير أننا لانستطيع أن نطمئن إلى أن يهلهل شعراء الجاهلية جميعاً الشعر بحيث يصبح لكل واحد منهم شخصيات شعرية مختلفة تتفاوت في القوّة والضعف وفي الشدّة واللين وفي الإغراب والسهولة . وإذاً فمن الذي هلهل الشعر ؟ هلهله الذين وضعوه من القصّاص والمنتحلين وأصحاب التنافس والخصومة بعد الإسلام .
ويحسن أن نظهرك على شيء من شعر مهلهل لترى كما نرى أنه لا يمكن أن يكون أقدم شعر قالته العرب :
أليلتنـا بـــــذى حُسُــم أنيـري إذا أنت إنقضيــت فلا تحوري
فإن يـك بالذنائب طـــال ليلي فقـــد أبكـــى من الليل القصير
فلو نبش المقابــــرُ عن كُلَيْب لأُخبـر بالذنــائب أيّ زيــــــــر
ويــــوم الشعشمين لقرّ عيناً ، وكيــف لقــاءُ مَنْ تحت القبور
على أني تركــت بــــواردات بُجَيــــْراً في دم مثـــل العبيـــر
هتكت به بيــــوت بنى عُبّــاد وبعض الغشـم أشفى للصــدور
على أن ليس يوفى من كليب إذا بــرزت مخبَّـــأة الخـــــدور
وهّمام بن مـــُرّةَ قد تركنـــــا عليــه القُشْعمــان من النســور
ينــوء بصــدره والرمــح فيه ويخلجـــــه خِدبٌ كالبعيــــــر
فلولا الريـحُ أُسمِعُ منَ بِحُجْرٍ صليل البيــض تُقـرع بالذكور
فدى لبني شقيقــة يوم جاءوا كأسد الغـاب لجــّت في الزئير
كــأنّ رماحهــــم أشطـانُ بئر بعيــد بيــن جالَيْهـــا جــــَرور
غــداة كأننــــا وبني أبينـــــــا بجنــب عُنيزة رَحَيَــــا مُديـــر
تظلُّ الخيل عاكفــةً عليهـــم كـأنّ الخيــل تُرْحض في غدير
أليس يقع من نفسك موقع الدهش أن يستقيم وزن هذا الشعر وتطَّرد قافّيته وأن يلائم قواعد النحو وأساليب النظم لا يشذ في شيء ولا يظهر عليه شيء من أعراض القدم أو مما يدل على أن صاحبه هو أوّل من قصّد القصيد وطوّل الشعر ؟
ابو تراجى
12-21-2009, 12:38 PM
أليس يقع في نفسك هذا كله موقع الدهش حين تلاحظ معه سهولة اللفظ ولينة وإسفاف الشاعر فيه إلى حيث لا تشك أنه رجل من الذين لا يقدرون إلا على مبتذل اللفظ وسُوقّيه ؟
ولكننا لا نريد أن نترك مهلهلاً هذا دون أن نضيف إليه امرأة أخيه جليلة التي رثت كليبا - فيما يقول الرواة - بشعر لا ندري أيستطيع شاعر أو شاعرة في هذا العصر الحديث أن يأتي بأشدّ منه سهولة ولينا وإبتذالاً ، مع أننا نقرأ للخنساء وليلى الأخيلية شعراً فيه من قوّة المتن الأََسْر ما يعطينا صورة صادقة للمرأة العربية البدوية .
قالت جليلة :
يا إبنة الأقــــــوام إن شئت فلا تعجــــلي باللــوم حتى تسألي
فــــإذا أنــت تبينـــت الـــــــذي يَوجبُ اللومَ فلـــومي وأعذُلي
إن تكن أخت امرئ ليمت على شَفــَقٍ منهــــــا عليــه فأفعلي
جلّ عنــدي فعل جسّــــاسٍ فيا حسرتي عما انجلى أو ينجلي
فعـل جسّـــاس على وجدي به قاصم ظهـــري ومُـدْنٍ أجلي
يا قتيــلا قــــوّض الدهـــر به سقفَ بيتيَّ جميعــاٌ مــن عَلِ
هـــــدم البيتَ الــذي إستحدثتـه وانثنى في هـــــدم بيتي الأوّل
ورمــاني قتلــــه مـــــــن كثبٍ رمية المصمى به المستأصَل
يانســــائي دونكــــنّ اليـــوم قد خصّني الدهــر برزء معضل
خصّني قتــــل كليــب بلظــى مـــن ورائي ولظى مستقبلي
ليس من يبكي ليوميـــه كمــن إنما يبــــــكي ليـــــوم ينجلي
وقد أعرضنا في كل هذه الأحاديث عن أسجاع ما نظن أن أحدا يرتاب في أنها مصنوعة متكلفة . ونعتقد أن قراءة هذا الشعر الذي رويناه تكفي لنضيف في غير مشقة مهلهلاً وامرأة أخيه إلى إبن أخته امرئ القيس .
وقد فرغنا من امرئ القيس ومن يتصل به من الشعراء ولكننا لم نفرغ من الشعراء أنفسهم فلا بدّ من وقفات أخرى قصيرة عند طائفة منهم . وستثبت لك هذه الوقفات أننا لسنا غلاة ولا مسرفين إن خشينا ألا يقتصر الشك على امرئ القيس وشعره .
" 4 "
عمر بن كُلْثوم - الحارث بن حِلّزِة
ونحن حين ندع مهلهلاً وامرأة أخيه إلى هذين الشاعرين من أصحاب المعلقات لا نتجاوز ربيعة بل لا نتجاوز هذين الحيين من ربيعة وهما حيّا بكر وتغلب . فعمرو بن كلثوم تغلبي ، وهو في عرف الرواة لسان تغلب الناطق ، هو الذي سجل مفاخرها وأشاد بذكرها في شعره ، أو بعبارة أدق : في قصيدته التي تروى بين المعلقات . وقد كان - فيما يقول الرواة - بطلا من أبطال تغلب ورث القوّة والأيد وشدّة البأس وإباء الضيم عن جدّه مهلهل ؛ فقد كانت أمه ليلى بنت مهلهل .
وقد أحيط عمرو بن كلثوم في مولده ونشأته بل في مولد أمه بطائفة من أساطير لا يشك أشدّ الناس سذاجة في أنها لون من ألوان العبث والانتحال :
زعموا أن مهلهلا لما ولدت له ليلى أمر بوأدها فأخفتها أمها ، ثم نام فأتاه آت وتنبأ له بأن إبنته هذه ستلد إبناً يكون له شأن ، فلما أصبح سأل عن إبنته وُئدت فكذب وألح فأُظهرت له فأمر بإحسان غذائها . ثم تزوجت كلثوما فما زالت ترى فيما يرى النائم من يأتيها فيخبرها عن إبنها بالأعاجيب حتى ولدته ونشأته . قالوا وقد ساد عمرو بن كلثوم قومه ولما يتجاوز الخامسة عشرة .
فكل هذه الأحاديث التي تشير إليها إشارة ، تدل على أن عمرو بن كلثوم قد أحيط بطائفة من الأساطير جعلته إلى أبطال القصص أقرب منه إلى أشخاص التاريخ . ومع ذلك فقد يظهر أنه وجد حقاً ، وقد يظهر أنه على خلاف من قدّمنا ذكرهم من الشعراء . وقد أعقبَ ؛ فصاحب الأغاني يحدّثنا بأن له عقبا كان باقيا إلى أيامــه .
وسواء أكان عمرو بن كلثوم شخصاً من أشخاص التاريخ . أم بطلاً من أبطال القصص ، فإن القصيدة التي تنسب إليه لا يمكن أن تكون جاهلية أو لا يمكن أن تكون كثرتها جاهلية . وهل نستطيع قبل كل شيء أن نطمئن إلى ما يتحدّث به الرواة من أن عمرو بن كلثوم قتل ملكاً من ملوك الحيرة هو عمرو بن هند المشهور ، وذلك حين بغى عمرو بن هند هذا وانتهى به الطغيان إلى أن طمع في أن تستخدم أمه ليلى بنت مهلهل أن تناولها طبقاً ؛ فأجابتها ليلى : لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها ؛ فألحت هند ؛ فصاحت ليلى : وَا ذُلاَّه يا لَتغلب ! وكان ابنها عمرو في قبة الملك فسمع دعاءها فوثب إلى سيف معلق فضرب به الملك ، ونهضت بنو تغلب فنهبوا قبة الملك وعادوا إلى باديتهم .
غير أن النص التاريخي الذي يثبت هذه القصة لم يصل إلينا بعد . وهل من المعقول أن يقتل ملك الحيرة هذه القتلة ويقف الأمـر عند هذا الحد بين آل المنذر وبني تغلب من ناحية وبين ملوك الفرس وأهل البادية من ناحية أخرى ؟ أليس هذا لوناً من الأحاديث التي كان يتحدّث بها القصاص يستمدّونها من حاجة العرب إلى المفاخرة والتنافس ؟ بلى ! وقصيدة عمرو بن كلثوم نفسها نوع من هذا الشعر الذي ينتحل مع هذه الأحاديث . وأنت إذا قرأت هذه القصيدة رأيت أن مهلهلاً لم يكن يتكثر وحده وإنما أورث التكثر والكذب سبطه عمرو بن كلثوم ؛ فلسنا نعرف كلمة تضاف إلى الجاهليين وفيها من الإسراف والغلوّ ما في كلمة عمرو بن كلثوم هذه . على أن رأى الرواة فيها يشبه رأيهم في معلقة امرئ القيس ؛ فهم يشكون في بعضها وهم يختلفون في الأبيات الأولى منها : أقالها عمرو بن كلثوم أم قالها عمرو بن عديّ أبن أخت جَذيمة الأبرش ؟ فأما الذين يضيفون هذه الأبيات لعمرو بن كلثوم فيرون أن مطلع القصيدة :
* ألا هُبّي بصحنك فأصبحينا *
وأما الآخرون فيرون أن مطلعها :
* قفي قبل التفرّق يا ظعينا *
وأولئك وهؤلاء لا يختلفون في إنطاق عمرو بن عديّ بالبيتين :
صـددت الكأس عنا أمَّ عمرو وكان الكأس مجـــراها اليمينا
وما شَرُّ الثلاثـــــة أم عمــرو بصاحبــك الذي لا تصبحينــا
وأنت حين تمضي في القصيدة ترى فيها أبياتاً مكررة تقع وسط للقصيدة وفي آخرها . ولكن هذا النحو من الإضطراب مشترك في أكثر الشعر الجاهلي ، مصدره إختلاف الروايات . فإذا قرأت القصيدة نفسها فستجد فيها لفظاً سهلا لا يخلو من جزالة ، وستجد فيها معاني حسانا وفخر لا بأس به لولا أن الشاعر يسرف فيه من حين إلى حين إسرافاً ينتهي به إلى السخف كقوله :
إذا بلغ الرضيعُ لنا فطاماً تخِزُّ له الجبابر ساجدينا
وستجد فيها أبياتاً تمثل إباء البدوي للضيم وإعتزازه بقوتـه وبأسـه كقــوله :
ألا لا يجهلَــنْ أحدُ علينـــا فنجهلَ فوق جهل الجاهلينا
قلت إن هذا البيت يمثل إباء البدوي للضيم . ولكني أسرع فأقول إنه لا يمثل سلامـة الطبع البدوي وإعراضه عن تكرار الحروف إلى هذا الحدّ الممل :
ألا لا يجهلــن أحد علينـــا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
فقد كثرت هذه الجيمات والهاءات واللامات وأشتدّ هذا الجهل حتى مُلَّ . وهم يحملون على الأعشى بيتاً فيه مثل هذا النوع من التعسف .
ولكنا نشك في صحة هذا البيت الذي يضاف إلى الأعشى .
ومهما يكن من شيء ، فإن في قصيدة ابن كلثوم هذه من رقة اللفظ وسهولته ما يجعل فهمها يسيراً على أقل الناس حظاً من العلم باللغة العربية في هذا العصر الذي نحن فيه . وما هكذا كانت تتحدّث العرب في منتصف القرن السادس للمسيح وقبل ظهور الإسلام بما يقرب من نصف قرن . وما هكذا كانت تتحدّث ربيعة خاصة في هذا العصر الذي لم تسد فيه لغة مضر ولم تصبح فيه لغة الشعر . بل ما هكذا كان يتحدّث الأخطل التغلبي الذي عاش في العصر الأموي أي بعد ابن كلثوم بنحو قرن . واقرأ هذه الأبيات وحدّثني أتطمئن إلى جاهليتها :
قفي قبــــــل التفـــرّق يا ظعينا نخبــِّرْكِ اليقـيـن وتُخبـــرينا
قفي نسالْك هـل أحدثت صَرْمَّا لَو شْك البين أم خُنتِ الأمينا
بيوم كريهة ضــرباً وطعنــــــاً أقـــرّ بــــــه مواليـــك العيونا
وإن غدا وإن اليـــــــوم رهـــن وبعد غـــد بمـــــا لا تعلمينــا
تُريك إذا دخلتَ على خَــــــلاَءٍ وقد أمِنت عيــونَ الكاشحينا
ذراعيْ ععَيْطل أدمـــــاء بكــرٍ هجان اللــون لم تقــرأ جنينا
وثدياً مثل حُقَّ العاج رَخْصـاً حصــانا من أكف اللامسينا
ومَتـْنيْ لَدْنةٍ سَمَقت وطـــالت روادفهـــا تنـــوء بمــا ولينا
ومأكَمَة يضيق الباب عنهــــا وكشحــا قد جُننت به جنونا
وساريتيْ بَلَنْـــطٍ أو رُخــــام يرنّ خشاش حليهمــا رنينا
وأقرأ هذه الأبيات أيضاً :
أَلاَ لا يعلم الأقـــــوام أماّ تضعضعنـا وأنــــــا قد ونينا
ألا لا يجهلنْ أحـــد علينا فنجهـل فـوق جهل الجاهلينا
بأي مشيئة عمروّ بن هند نكــــون لَقْيلكـم فيهــا قطينا
بأي مشيئة عمرّو بن هند تُطيع بنا الوشــــاةَ وتزدرينا
تَهَدَّدْنا وأوعِدْنـــا رويـــداً متــى كنــــا لأمــــك مقتويتا
فإن قناتَنا يـاعمرو أعيت على الأعِـــداء قبلك أن تلينا
وهذه الأبيات :
ونحن التاركون لما تخطِنا ونحن الآخذون لما رضينا
وكنا الأيمنينَ إذا إلتْقينـــــا وكـــان الأيسرين بنـــو أبينا
فصالوا صولةً فيمن يليهم وصُلْنـــا صولـــة فيمن يلينا
فآبَوْا بالنهاب وبالسبايـــــا وأُبنــا بالملــوك مُصَفَّــدينـا
إليكم يا بني بكــر إليكـــم ألَّمــــا تعرفــــــوا منـا إليقينا
وهذه الأبيات وقارن بينهما وبين الأبيات الأخيرة :
وقــــــــد علم القبائــل من مَعَدَّ إذا قُبــــَبٌ بأبطحهــــا بُنِينا
بأنــــــــا المطعمــون إذا قدَرنا وأنـــاّ المهلكـــون إذا ابتُلينا
وأنـــــــا المانعون لمـا أردنــا وأنـــا النازلـون بحيث شينا
وأنـــــــا التاركون إذا مَخِطـنا وأنـــا الآخذون إذا رضينـا
وأنـــــــا العاصمون إذا أُطعنا وأنــا العارمون إذا عُصِينا
ونشرب إن وردنا الماء صَفْواً ويشرب غيرنا كَدَراً وطينا
وهذه الأبيات:-
إذا المَلْكُ سام الناس خَسفـاً أبينـــــا نقــــرّ الــــذل فينـــا
لنا الدنيا ومن أمسى عليــها ونبطش حين نبطش قادرينا
ملآنا البر حتى ضـاق عنا وماءَ البحـــــر نملــؤه سفينا
إذا بلغ الرضيع لنــا فِطـاماً تخزّلــــه الجبابـــر ساجدينا
أمتن من هذه القصيدة وأرصن قصيدة الحارث بن حلّزة ، وكان لسان بكر ، يقول الرواة ، ومحاميها والذائد عنها بين يدي عمرو بن هند أيضاً . زعموا أن عمرو بن هند أصلح بين القبيلتين المختصمتين بكر وتغلب وإتخذ منهما رهائن ، فتعرّضت رهائن تغلب لبعض الشر وهلكت أو هلك أكثرها ، فتجنت تغلب على بكر وطالبت بدية الهلكى ، وأبن بكر ، وكادت تستأنف الحرب بينهما ، واجتمعت أشرافهما إلى عمرو بن هند ليحكم بينهم ، وأحس الحارث ميل الملك إلى تغلب فنهض فأعتمد على قوسه وأرتجل هذه القصيدة . قالوا وكان به وضح ، وكان الملك قد أمر أن يكون بينه وبينه ستار ، فلما أخذ ينشد قصيدته أخذ الملك يعجب به ويدنيه شيئاً فشيئاً حتى أجلسه إلى جانبه وقضى لبكر .
ويكفي أن تقرأ هذه القصيدة لترى أنها ليست مرتجلة إرتجالاً وإنما هي قصيدة نظمت وفكر فيها الشاعر تفكيراً طويلاً ورتب أجزائها ترتيباً دقيقاً . وليس فيها من مظاهر الارتجال إلا شيء واحد هو هذا الإقواء الذي تجده في قوله :
فملكنا بذلك الناس حتى ملك المنذر بن ماء السماء
فالقافية كلها مرفوعة إلى هذا البيت . ولكن الإقواء كان شيئاً شائعاً حتى عند الشعراء الإسلاميين الذين لم يكونوا يرتجلون في كل وقت . تقول إن قصيدة الحارث أمتن وأرصن من قصيدة ابن كلثوم . وقد نظمتا في عصر واحد ، إن صح ما يقول الرواة ، فهما مسوقتان إلى عمرو بن هند . فاقرأ هذه الأبيات للحارث وقارن بينهما في اللفظ والمعنى وبين ما قدّمنا لك من شعر عمرو :
ملكُ أضرعَ البريــّةَ لا يـــو جد فيهــــــا لما لديــــه كِفاءُ
ما أصابوا من تغلبيَّ فمطلو ل ، عليـه إذا أصيــب العَفاء
كتكاليف قومنا إذ غزا المنـ ـذر هل نحن لابـن هند رِعاء
إذ أحلّ العلياء قبــة مَيْسُـــو ن فأدنى ديارها العـوصـــاء
فتأوّت لـــه قَراَضِبــةُ مـــن كـــل حـي كأنهـــم ألقـــــــــاء
فهداهم بالأسودين وأمر الــ ـله بَلْغ تشقى بــــه الأشقيــاء
إذ تمنونهم غرورا فساقتــــ ـهم إليكـــم أمنيــــــة أَشْــراء
لم يغرّوكُمُ غرورا ولكــــن رفع الآلُ شخصَهم والضَّحاء
وأنظر إلى هذه الأبيات يعير فيها الشاعر تغلْب بإغارات كانت عليهم لم ينتصفوا لأنفسهم من أصحابها :
أعلينا جُناح كِنْــــــدة أن يغـ ـنم غازيهــــمُ ومنّا الجــــزاء
ليس منا المضِّربون ولا قيـ ـس ولا جنـــدل ولا الحـــذّاء
أم جنايـا بني عتيق فمن يغـ در فإنا من حربهــم بــــــرآء
أم علينا جرّى العباد كما نيـ ـط يجـــوز المحمّل الأعبـــاء
وثمانون من تميم بايديــــــــ ـهم رماح صدورهن القضاء
تركوهــــم مُلَحَّبين وآبــــــوا بنهـــاب يُصم منهــا الحــداء
أم علينا جرّّى حنيفة أم مـــا جمعت من مُحارب غبـــراء
أم علينا جَرَّى قُضاعة أم ليـ ـس علينــا فيمــا جنوا أنـداء
ثم جاءوا يسترجعون فلم تر جع لهــم شامــة ولا زهـراء
فأنت ترى أن بين القصيدتين فرقا عظيماً في جودة اللفظ وقوّة المتن وشدّة الأسر . على أن هذا لا يغير رأينا في القصيدتين ، فنحن نرجح أنهما منتحلتان . وكل ما في الأمر أن الذين كانوا ينتحلون كانوا كالشعراء أنفسهم يختلفون قوّة وضعفا وشدّة ولينا . فالذي انتحل قصيدة الحارث بن حِلِّزة كان من هؤلاء الرواة الأقوياء الذين يحسنون تخير اللفظ وتنسيقه ونظم القصيد في متانه وأَيْد . ولسنا نتردّد في أن نعيد ما قلناه من أن هاتين القصيدتين وما يشبههما مما يتصل بالخصومة بين بكر وتغلب إنما هو من آثار التنافس بين القبيلتين في الإسلام لا في الجاهلية .
ابو تراجى
12-21-2009, 12:39 PM
" 5 "
طَرَفة بن العبد - المُتَلَمِّس
وشاعران آخران من ربيعة نقف عندهما وقفة قصيرة هما طرفة ابن العبد والمتلمِّس . وإنما نجمعهما لأن القصص جمعهما من قبل .
فقد زعموا أن المتلمِّس كان خال طرفة . ولم يقف جمع القصص بينهما عند هذا الحدّ بل قد جمعهما في الشيء القليل الذي نعرفه عنهما ؛ ذلك أن لطرفة والمتلمِّس أسطورة لهج بها الناس منذ القرن الأوّل للهجرة . وهم يختلفون في روايتها إختلافاً كثيراً ولكنا نتخير من هذه الروايات أيسرها وأقربها إلى الإنسان :
زعموا أن هذين الشاعرين هجوا عمرو بن هند حتى أحنقاه عليهما ، ثم وفدوا عليه فتلقاهما لقاء حسنا وكتب لهما كتابين إلى عامله بالبحرين وأوهمهما أنه كتب لهما بالجوائز والصِّلات ؛ فخرجا يقصدان إلى هذا العامل . ولكن المتلمِّس شك في كتابه فأقرأه غلاما من أهل الحِيرة فإذا فيه أمر بقتل المتلمِّس ، فألقى كتابه في النهر ، وألحّ على طرفة في أن يفعل فعله فأبى ؛ وأفترق الشاعران : مضى أحدهما إلى الشام فنجا ، ومضى الآخر إلى البحرين فلقى الموت . وكان طرفة حديث السنّ لم يتجاوز العشرين في رأي بعض الرواة ولم يتجاوز السادسة والعشرين في رأي بعضهم الآخر . وقد كثرت الأحاديث حول هذه القصة وأضيفت إليها أشياء أعرضنا عن ذكرها لظهور انتحال فيها وغضب عمرو بن هند على المتلمِّس حين هرب إلى الشام وأفلت من الموت فأقسم لا يطعم حَبَّ العراق . واتصل هجاء المتلمِّس له .
والرواة المحققون يعدون هذين الشاعرين من المقلين . بل لم يرو ابن سلاّم للملتمس شيئاً ولم يسم له قصيدة . فأما طرفة فقد قال ابن سلاّم عنه في موضع إنه هو وعَبيد من أقدم الفحول ولم يبق لهما إلا قصائد بقدر عشر . وأستقلّ ابن سلاّم هذه القصائد على الشاعرين وقال إنه قد حمل عليهما حمل كثير . وقد رأيت أنه حين أراد أن يضع عبيدا في طبقته لم يعرف له إلا بيتا واحدا . فأما طرفة فقد عرف له المطولة وروى مطلعها هكذا :
لَخوْلةَ أطلالُ ببرقة ثهمـــِد وقفتُ بها أبكي وأبكي إلى الغدِ
وعرف له الرائية المشهورة :
* أصحوت اليوم أم شاقتك هر *
وعرف له قصائد لم يدل عليها . وقال إنه أشعر الناس بواحدة . يريد المعلقة . وبين يدينا ديوان لطرفة يشتمل هاتين القصيدتين وقصيدة أخرى مشهورة ، وهي :
سائلوا عنا الذي يعرفنا بِخَزَازَى يوم تَحلاق اللمم
ثم مقطوعات أخرى ليست بذات غَناء . وأنت إذا قرأت شعر طرفة رأيت فيه ما ترى في أكثر هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين ولا سيما المضربين منهم من متانة اللفظ وغرابته أحيانا ، حتى لتقرأ الأبيات المتصلة فلا تفهم منها شيئاً دون أن تستعين بالمعاجم . ولكنك مضطر إلى أن تلاحظ أن هذا الشعر أشبه بشعر المضريين منه بشعر الرّبعيين ؛ فنحن لم نجمع شعراء ربيعة عفوا ، وإنما جمعناهم فيما تحدّثنا به إليك في هذا الكتاب إلى الآن لأن بينهم شيئاً يتفقون فيه جميعاً ، هو هذه السهولة التي تبلغ الإسفاف أحياناً ؛ لا نستثني منهم في ذلك إلا قصيدة الحارث حلّزة . فكيف شذ طرفة عن شعراء ربيعة جميعاً فقوى متنه واشتدّ أسره وآثر من الإغراب ما لم يؤثر أصحابه ودنا شعره من شعر المضريين ؟
وأنظر في هذه الأبيات التي يصف بها الناقة :
وإنى لأُمضي الهمَّ عند إحتضاره بعوجاء مِرْقالٍ تـروح وتغتدي
أمونٍ كألـــــــواح الأران نصْأتُهـا على لاحب كأنـه ظهر بُرْجُد
جَمَاليةٍ وَجْنـــاء ترِدي كــأنهـــــا سَفنّجـــــةُ تَبْرِي لأزعَر أربَد
تُباري عِتاقــاً ناجيــــاتٍ وأتبعت وظيفـــاً وظيفا فوق مَوْرٍ معبَّد
تربعت القُفَّين في الشّوْل ترتـعي حدائـــــــقَ مَوْليّ الأسِرة أغيد
تَرِيع إلى صـــوت المُهيب وتتقي بذي خُصَلٍ روعاتِ أكلفّ مُلْبِد
كأنّ جناحَيّ مَضْرَحيّ تكنّـــَفــــا حفافيــه شكّا في العسيب بِسْرَد
وهو يمضي على هذا النحو في وصف ناقته فيضطرنا إلى أن نفكر فيما قلناه من أن أكثر هذه الأوصاف أقرب إلى أن يكون من صنعة العلماء باللغة منه إلى أي شيء آخر . ولكن دع وصفه للناقة واقـــرأ :
ولست بحــلاّل التَــــِلاع مخافــةً
ولكن متى يسترفِـــدِ القــــومُ أرفـــد
فإن تبغـــني في حَلْقــــــة تلقـــــني
وإن تلتمسني في الحوانيــت تصطد
متى تأتني أصبحك كأســـاً رويّةً
وإن كنت عنها ذا غنى فـاغن وازدد
وإن يلتقِ الحي الجميــــعُ تُلاقني
إلى ذروة البيت الشريـــف المصمَّد
نداماي بيضُ كالنجـــــوم وقَينـــةُ
تروح إلينـــا بيــــــن بـــــُرْدٍ ومجسَدِ
رحيبُ قِطابُ الجيب منها رفيقةُ
بجَـــسّ النـــدامى بضــّةُ المتجـــــرّد
إذا نحـن قلنا أسمعينا أنبرت لنــا
على رِسْلهـــا مطروقــــة لم تشــــدّد
إذا رجّعتْ في صوتها خلتَ صوتها
تجــــــاوُبَ أظــآرَ علـــى رُبَع رَدِي
فسترى في هذه الأبيات لينا ولكن في غير ضعف ، وشدّة ولكن في غير عنف . وسترى كلاماً لا هو بالغريب الذي لا يفهم ، ولا هو بالسُّوقي المبتذل ، ولا هو بالألفاظ قد رصفت رصفا دون أن تدل على شيء . وأمض في قراءة القصيدة قستظهر لك شخصية قوية ومذهب في الحياة واضح جلي : مذهب اللهو واللذة يعمِد إليهما من لا يؤمن بشيء بعد الموت ولا يطمع من الحياة إلا فيما تتيح له من نعيم بريء من الإثم والعار على ما كان يفهمها عليه هؤلاء الناس :
وما زال تَشْرابي الخمـورَ ولذّتي وبيعي وإنفاقي طريفي ومُتْلَــــدِي
إلى أن تحامتني العشيـرةُ كلهـــــا وأُفـــــــردت إفرادَ البعير المعَّبــد
رأيت بني غَبـــــراءَ لايُنكرونـني ولا أهــلُ هذاك الطِّرافِ الممـــدّد
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى وأن أشهد اللذات هل أنت مُخلّدي
فإن كنتَ لا تستطيع دفـــع منيتي فدعني أبادرها بمـا ملكت يــدي
ولولا ثلاثٌ هن من عيشة الفتى وجدّك لم أحفـــِلْ متى قام عُوّدي
فمنهن سبقي العـاذلاتِ بشربـــــة كُمَيْتٍ متى ما تُعــــْلَ بالماء تزبد
وكَرِّى إذا نـادى المضافُ محنَّبـا كِسيِد الغضا نبّهتـــه المتـــــــورَّد
وتقصير يـــــوم الدَّجْن معجــــِبُ ببهكَنةٍ تحت الخِبــــاء المعمّــــــَد
في هذا الشعر شخصية بارزة قوية لا يستطيع من يلمحها أن يزعم أنها متكلفة أو منتحلة أو مستعارة . وهذه الشخصية ظاهرة البداوة واضحة الإلحاد بنية الحزن واليأس والميل إلى الإباحة في قصد واعتدال . هذه الشخصية تمثل رجلاً فكر وألتمس الخير والهدى فلم يصل إلى شيء ، وهو صادق في يأسه ، صادق في حزنه ، صادق في ميله إلى هذه اللذات التي يؤثرها . ولست أدري أهذا الشعر قد قاله طرفة أم قاله رجل آخر ؟ وليس يعنيني أن يكون طرفة قائل هذ الشعر . بل ليس يعنيني أن أعرف اسم صاحب هذا الشعر ؛ وإنما الذي يعنيني هو أن هذا الشعر صحيح لا تكلف فيه ولا إنتحال ، وأن هذا الشعر لا يشبه ما قدّمناه في وصف الناقة ولا يمكن أن يتصل به ، وأن هذا الشعر من الشعر النادر الذي نعثر به من حين إلى حين في تضاعيف هذا الكلام الكثير الذي يضاف إلى الجاهليين ، فنحس حين نقرؤه أنا نقرأ شعرا حقاً فيه قوة وحياة وروح .
وإذاً فأنا أرجح أن في هذه القصيدة شعراً صنعه علماء اللغة هو هذا الوصف الذي قدّمنا بعضه ، وشعرا صدر عن شاعر حقا هو هذه الأبيات وما يشبهها . ولسنا نأمن أن يكون في هذه الأبيات نفسها ما دُسّ على الشاعر دسا وأنتحل عليه إنتحالاً .
فأما صاحب القصيدة فيقول الرواة إنه طرفة . ولست أدري أهو طرفة أم غيره؟ بل لست أدري أجاهليّ هو أم إسلاميّ ؟ وكل ما أعرفه هو أنه شاعر بدوي ملحد شاكّ .
ولست أحب أن أقف عند القصيدتين الأُخريين ؛ فإن شخصية الشاعر تستخفي فيهما إستخفاء وتعود معهما إلى هذا الشعر الذي وقفت عنده غير مرة والذي يمثل مجد القبيلة وفخرها القديم . وأكبر الظن أن هاتين القصيدتين كقصيدة الحارث بن حِلِّزة وضعتا في الإسلام تخليداً لمآثر بكر بن وائل .
فلندع طرفة ولنصل إلى المتلمِّس . وأمر المتلمِّس أيسر من أمر طرفة . فشعره يعود بنا إلى شعر ربيعة الذي قدّمنا الإشارة إليه وإلى ما فيه من رقة وإسفاف وإبتذال . ومن غريب أمره أن التكلف فيه ظاهر ، ولاسيما في القافية ، فيكفى أن تقرأ سينيته التي أوّلها :
يا آل بَكرٍ ألا لله أمّكُمُ طال الثَّواء وثوب العجزِ ملبوس .
لتحس تكلف القافية . على أن هذه القصيدة مضطربة الرواية فقد يوضع آخرها في أوّلها ، وقد يروى مطلعها :
كم دونَ مَيّةَ من مستعمَلٍ قَذّفٍ ومن فلاة بها تستودع العِيُسُ
وللمتلمِّس قصيدة أخرى ليست أجود ولا أمتن من هذه القصيدة ، ولعلها أدنى منها إلى الرداءة ، وهي التي مطلعها :
ألم تر أن المرء رهن منيــة صريعٌ لعَافي الطيرِ أو سوف يُرْمَس
فلا تقبلنْ ضمياً مخافةَ ميتـةٍ ومُوتَنْ بهـــا حــــــراٍّ وجلُدك أملـــس
ويقول فيها :
وما الناس إلا ما رأوا وتحدّثوا وما العجز إلا أن يضاموا فيجلسوا
وربما كانت ميمية المتلمس أجود ما يضاف إليه من الشعر ، وهي التي أوّلها :
يعيِّرنى أمي رجال ولا أرى أخا كـــرمٍ إلا بــــــأن يتكّرمـــا
وأكبر الظن أن كل ما يضاف إلى المتلمِّس من شعر - أو أكثره على أقل تقدير - مصنوع ، الغرض من صنعته تفسير طائفة من الأمثال وطائفة من الأخبار حفظت في نفوس الشعب عن ملوك الحيرة وسيرتهم : في هؤلاء الأخلاط من العرب وغير العرب الذين كانوا يسكنون السواد . ولا أستبعد أن يكون شخص المتلمِّس نفسه قد إخترع إختراعاً تفسيراً لهذا المثل الذي كان يضرب بصحيفة المتلمِّس والذي لم يكن الناس يعرفون من أمره شيئاً ، ففسره القصاص وأستمدوا تفسيره من هذه الأساطير الشعبية التي أشرنا إليها غير مرة .
وهناك شعراء آخرون من ربيعة كنا نستطيع أن نقف عندهم ونلم بشعرهم إلماماً وننتهي فيهم إلى مثل انتهينا إليه في أمر هؤلاء الشعراء الذين درسناهم في هذا البحث القصير . ولكنا نكتفي بما قدّمنا ؛ فقد ضربنا المثل . ويخيل إلينا أنا قد وضحنا وبينا وأزلنا الحجاب عن كل ما نريد أن نقوله في موقفنا بإزاء الشعر الجاهلي .
ونحن لم نقصد في هذا الكتاب إلى أن ندرس الشعراء ولا إلى أن نحلل شعرهم وإنما قصدنا إلى أن نبسط رأينا في طريقة درس هذا الشعر الجاهلي وهؤلاء الشعراء الجاهليين . وقد بلغنا من ذلك ما كنا نريد . فأما تتبع الشعراء شاعرا شاعرا ودرس شعرهم قصيدة قصيدة ومقطوعة مقطوعة فقد نفرغ لبعضه في غير هذا الكتاب . ومهما نفعل فلن نستطيع أن ننهض به وحدنا في عام أو أعوام ، بل لابدّ من أن ينهض به معنا الذين يحبون الحق فيسعون إليه ويطلبونه .
على أنا نريد أن نختم هذا السفر بملاحظتين :
(الأولى) أن هذا الدرس الذي قدّمناه ينتهي بنا إلى نتيجة إلا تكن تاريخية صحيحة فهى فرض يحسن أن يقف عنده الباحثون ويجتهدوا في تحقيقة ، وهي أن أقدم الشعراء فيما كانت تزعم العرب وفيما كان يزعم الرواة إنما هو يمنيون أو ربعيون . وسواء أكانوا من أولئك أو من هؤلاء فما يروى من أخبارهم يدل على أن قبائلهم كانت تعيش في نجد والعراق والجزيرة أي في هذه البلاد التي تتصل بالفرس إتصالاً ظاهرا والتي كان يهاجر إليها العرب . من عدنان وقحطان على السواء .
إذاً فنحن نرجح أن هذه الحركات التي دفعت أهل اليمن من ناحية وأهل الحجاز من ناحية أخرى إلى العراق والجزيرة ونجد ، في عصور مختلفة ولكنها لا تكاد تتجاوز القرن الرابع للمسيح ، قد أحدثت نهضة عقلية وأدبية ، لما كان من اختلاط هذين الجنسين العربيين فيما بينهما ومن اتصالهم بالفرس .
ومن هذه النهضة نشأ الشعر أو قل إذا كنت تريد التحقيق ظهر الشعر وقوي وأصبح فناً أدبياً . وقد ذهب هذا الشعر ولم يبق لنا منه شيء إلا الذكرى ، ولكن لم يكد يأتي القرن السادس للمسيح حتى تجاوزت هذه النهضة أقطار العراق والجزيرة ونجد وتغلغلت في أعماق البلاد العربية نحو الحجاز فمست أهله . ومن هنا ظهر الشعر في مضر ومن إليهم من أهل البلاد العربية الشمالية . فالشعر كما ترى يمني قوي حين إتصلت القحطانية بربيعة. ولكنا لن نعرفه ولم نصل إليه إلا حين تغلغل في البلاد العربية وأخذته مضر عن ربيعة . ومن هنا نستطيع أن نقول إنا تعمدنا الوقوف ببحثنا عند هذا الحدّ الذي انتهينا إليه ؛ فلنا في شعر مضر رأى غير رأينا في شعر اليمن وربيعة ، لأننا نستطيع أن نؤرّخه ونحدّد أوليته تقريباً ، ولأننا نستطيع أن تقبل بعض قديمه دون أن تحول بيننا وبين ذلك عبقة لغوية عنيفة .
وإذاً فنحن نستطيع أن نستأنف هذا البحث في سفر آخر . وسترى أن الشعراء الجاهليين من مضر أدركوا الإسلام كلهم أو أكثرهم فليس غريباً أن يصح من شعرهم شيء كثير .
(الثانية) أن الذين يقرءون هذا الكتاب قد يفرغون من قراءته وفي نفوسهم شيء من الأثر المؤلم لهذا الشك الأدبي الذي نردّده في كل مكان من الكتاب . وقد يشعرون ، مخطئين أو مصيبين ، بأننا نتعمد الهدم تعمدا ونقصد إليه في غير رفق ولا لين . وقد يتخوفون عواقب هذا الهدم على الأدب العربي عامة وعلى القرآن الذي يتصل به هذا الأدب خاصة .
فلهؤلاء نقول أن هذا الشك لا ضرر منه ولا بأس به ، لا لأن الشك مصدر اليقين ليس غير ، بل لأنه قد آن للأدب العربي وعلومه أن تقوم على أساس متين . وخير للأدب العربي أن يزال منه في غير رفق ولا لين ما لا يستطيع الحياة ولا يصلح لها من أن يبقى مثقلا ًبهذه الأثقال التي تضر أكثرها مما تنفع ، وتعوق عن الحركة أكثر مما يمكن منها .
ولسنا نخشى على القرآن من هذا النوع من الشك والهدم بأسا ؛ فنحن نخالف أشدّ الخلاف أولئك الذين يعتقدون أن القرآن في حاجة إلى الشعر الجاهلي لتصح عربيته وتثبت ألفاظه . نخالفهم في ذلك أشدّ الخلاف لأن أحدا لم ينكر عربية النبي فيما نعرف ، ولأن أحدا لم ينكر أن العرب قد فهموا القرآن حين سمعوه تتلى عليهم آياته . وإذا لم ينكر أحد أن النبي عربىّ وإذا لم ينكر أحد أن العرب فهموا القرآن حين سمعوه ، فأي خوف على عربية القرآن من أن يبطل هذا الشعر الجاهلي أو هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين؟ وليس بين أنصار القديم أنفسهم من يستطيع أن ينازع في أن المسلمين قد احتاطوا أشدّ الإحتياط في رواية القرآن وكتابته ودرسه وتفسيره حتى أصبح أصدق نص عربي قديم يمكن الإعتماد عليه في تدوين اللغة العربية وفهمها . وهم لم يحفلوا برواية الشعر ولم يحتاطوا فيها ، بل انصرفوا عنها في بعض الأوقات طائعين أو كارهين ، ولم يراجعوها إلا بعد فترة من الدهر وبعد أن عبث النسيان والزمان بما كان قد حفظ من شعر العرب في غير كتابة ولا تدوين . فأيهما أشد إكبار للقرآن وإجلالاً له وتقديساً لنصوصه وإيماناً بعربيته القاطعة على تلك العربية المشكوك فيها ، أم ذلك الذي يستدل على عربية القرآن بشعر كان يرويه وينتحله في غير احتياط ولا تحفظ قوم منهم الكذاب ومنهم الفاسق ومنهم المأجور ومنهم صاحب اللهو والعبث ؟
أما نحن فمطمئنون إلى مذهبنا مقتنعون بأن الشعر الجاهلي أو كثرة هذا الشعر الجاهلي لا تمثل شيئاً ولا تدل على شيء إلا ما قدّمنا من العبث والكذب والانتحال ، وأن الوجه - إذا لم يكن بد من الاستدلال بنص على نص - إنما هو الاستدلال بنصوص القرآن على عربية هذا الشعر لا بهذا الشعر على عربية القرآن .
ابو تراجى
12-21-2009, 12:42 PM
18 مارس سنـــــة 1926
ملحق قرار النيابة في قضية كتاب (في الشعر الجاهلي)
نص بيان الإتهام
نحن محمد نور رئيس نيابة مصر
من حيث أنه بتاريخ 30 مايو سنة 1926م تقدم بلاغ من الشيخ خليل حسنين الطالب بالقسم العالي بالأزهر لسعادة النائب العمومي يتهم فيه الدكتور طه حسين الأستاذ بالجامعة المصرية بأنه ألف كتابا أسماه "في الشعر الجاهلي" ونشره على الجمهور وفي هذا الكتاب طعن صريح في القرآن العظيم حيث نسب الخرافة والكذب لهذا الكتاب السماوي الكريم إلى آخر ما ذكره في بلاغه .
وتاريخ 5 يونيو سنة 1926م أرسل فضيلة شيخ الجامع الأزهر لسعادة النائب العمومي خطابا يبلغ به تقريرا رفعه علماء الجامع الأزهر عن كتاب ألفه طه حسن المدرس بالجامعة المصرية أسماه "في الشعر الجاهلي" كذب فيه القرآن صراحة ، وطعن فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى نسبه الشريف وأهاج بذلك ثائرة المتدينين وأتى فيه بما يخل بالنظم العامة ويدعو الناس للفوضى ، ويطلب اتخاذ الوسائل القانونية الفعالة الناجحة ضد هذا الطعن على دين الدولة الرسمي وتقديمه للمحاكمة وقد أرفق بهذا البلاغ صورة من تقرير أصحاب الفضيلة العلماء الذي أشار إليه في كتابه . وبتاريخ 14 سبتمبر سنة 1921 تقدم إلينا بلاغ آخر من حضرة "عبد الحميد البنان" أفندي عضو مجلس النواب ذكر فيه أن الأستاذ طه حسين المدرس بالجامعة المصرية نشر ووزع وعرض للبيع في المحافل والمحلات العمومية كتابا أسماه "في الشعر الجاهلي" طعن وتعدى فيه على الدين الإسلامي - وهو دين الدولة - بعبارات صريحة واردة في كتابه سنبينه في التحقيقات .
وحيث أنه نظرا لتغيب الدكتور طه حسين خارج القطر المصري قد أرجأنا التحقيق إلى ما بعد عودته . فلما عاد بدأنا التحقيق بتاريخ 19أكتوبر سنة 1926م فأخذنا أقوال المبلغين جملة بالكيفية المذكورة بمحضر التحقيق ثم استجوبنا المؤلف . وبعد ذلك أخذنا في دراسة الموضوع بقدر ما سمحت لنا الحالة .
وحيث أنه اتضح من أقوال المبلغين أنهم ينسبون للمؤلف أنه طعن على الدين الإسلامي في مواضع أربعة من كتابه :
الأول: أن المؤلف أهان الدين الإسلامي بتكذيب القرآن الكريم في أخباره عن إبراهيم وإسماعيل حيث ذكر في ص 26 من كتابه " للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل ، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا . ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي فضلا عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة فيها ونحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة نوعا من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة وبين الإسلام واليهود والقرآن من جهة أخرى" إلى آخر ما جاء في هذا الصدد .
الثاني : ما تعرض له المؤلف في شأن القراءات السبع المجمع عليها والثابتة لدى المسلمين جميعا وأنه في كلامه عنها يزعم عدم إنزالها من عند الله ، وأن هذه القراءات إنما قرأتها العرب حسب ما استطاعت لا كما أوحى الله بها إلى نبيه مع أن معاشر المسلمين يعتقدون أن كل هذه القراءات مروية عن الله تعالى على لسان النبي صلى الله عليه وسلم .
الثالث : ينسبون للمؤلف أنه طعن في كتابه عن النبي صلى الله عليه وسلم طعنا فاحشا من حيث نسبه فقال في ص 72 من كتابه : "ونوع آخر من تأثير الدين في انتحال الشعر وإضافته إلى الجاهليين وهو ما يتصل بتعظيم شأن النبي من ناحية أسرته ونسبه إلى قريش ، فلأمر ما اقتنع الناس بأن النبي يجب أن يكون صفوة بني هاشم وأن يكون بنو هاشم صفوة بني عبد مناف وأن يكون عبد مناف صفوة بني قصي وأن يكون قصي صفوة قريش وقريش صفوة مضر ومضر صفوة عدنان وعدنان صفوة العرب والعرب صفوة الإنسانية كلها" . وقالوا إن تعدي المؤلف بالتعريض بنسب النبي صلى الله عليه وسلم والتحقير من قدره تعدّ على الدين وجرم عظيم يسيء إلى المسلمين والإسلام فهو قد اجترأ على أمر لم يسبقه إله كافر ولا مشرك .
الرابع : أن الأستاذ المؤلف أنكر أن للإسلام أولية في بلاد العرب وأنه دين إبراهيم إذ يقول في ص80 : "أما المسلمون فقد أرادوا أن للإسلام أولية في بلاد العرب كانت قبل أن يبعث النبي وأن خلاصة الدين الإسلامي وصفوته هي خلاصة الدين الحق الذي أوحاه الله إلى الأنبياء من قبل" .. إلى أن يقول في ص81 : "وشاعت في العرب أثناء ظهور الإسلام وبعده فكرة أن الإسلام يجدد دين إبراهيم ومن هنا أخذوا يعتقدون أن دين إبراهيم هذا قد كان دين العرب في عصر من العصور ثم أعرضت عنه لما أضلها به المضلون وانصرفت عنه إلى عبادة الأوثان" .. إلى آخر ما ذكره في هذا الموضوع .
ومن حيث إن العبارات التي يقول المبلغون إن فيها طعنا على الدين الإسلامي إنما جاءت في كتاب في سياق الكلام على موضوعات كلها متعلقة بالغرض الذي ألف من أجله ، فلأجل الفصل في هذه الشكوى لا يجوز انتزاع تلك العبارات من موضوعها والنظر إليها منفصلة ، وإنما الواجب توصلا إلى تقديرها تقديرا صحيحا بحثها حيث هي في موضوعها من الكتاب ومناقشتها في السياق الذي وردت فيه وبذلك يمكن الوقوف على قصد المؤلف منها وتقدير مسئوليته تقديراً صحيحاً .
ملحق قرار النيابة في قضية كتاب (في الشعر الجاهلي)
عن الأمر الأول
من حيث إنه ما يلفت النظر ويستحق البحث في كتاب "في الشعر الجاهلي" من حيث علاقته بموضوع الشكوى ، إنما هو ما تناوله المؤلف بالبحث في الفصل الرابع تحت عنوان "الشعر الجاهلي واللغة" من ص24 إلى ص30 .
ومن حيث إن المؤلف بعد أن تكلم في الفصل الثالث من كتابه على أن الشعر المقال بأنه جاهلي لا يمثل الحياة الدينية والعقلية للعرب الجاهليين وأراد في الفصل الرابع أن يقدم أبلغ ما لديه من الأدلة على عدم التسليم بصحة الكثرة المطلقة من الشعر فقال إن هذا الشعر بعيد كل البعد عن أن يمثل اللغة العربية في العصر الذي يزعم الرواة أنه قيل فيه .
وحيث إن المؤلف أراد أن يدلل على صحة هذه النظرية فرأى بحق من الواجب عليه أن بدأ بتعرف اللغة الجاهلية فقال : "ولنجتهد في تعرف اللغة الجاهلية هذه ، ما هي أو ماذا كانت في العصر الذي يزعم الرواة أن شعرهم الجاهلي هذا قد قيل فيه" . وقد أخذ في بحث هذا الأمر فقال إن الرأي الذي اتفق عليه الرواة أو كادوا يتفقون عليه ، هو أن العرب ينقسمون إلى قسمين ؛ قحطانية منازلهم الأولى في اليمن ، وعدنانية منازلهم الأولى في الحجاز ، وهم متفقون على أن القحاطنة عرب منذ خلقهم الله فطروا على العربية فهم العاربة ، وعلى أن العدنانية اكتسبوا العربية اكتسابا ، كانوا يتكلمون لغة أخرى هي العبرانية أو الكلدانية ، ثم تعلموا لغة العرب العاربة فمحت لغتهم الأولى من صدورهم وثبتت فيها هذه اللغة الثانية المستعارة وهم متفقون على أن هذه العدنانية المستعربة إنما يتصل نسبها بإسماعيل بن إبراهيم ، وهم يروون حديثا يتخذونه أساسا لكل هذه النظرية خلاصته أو أول من تكلم العربية ونسى لغة أبيه هو إسماعيل بن إبراهيم . وبعد ذلك فرغ من تقرير ما اتفق عليه الرواة في هذه النقطة قال : إن الرواة يتفقون أيضا على شيء آخر ، وهو أن هناك خلافا قويا بين لغة حمير وبين لغة عدنان مستندا إلى ما روي عن أبي عمرو بن العلاء من أنه كان يقول : "ما لسان حمير بلساننا ولا لغتهم بلغتنا" وعلى أن البحث الحديث قد أثبت خلافا جوهريا بين اللغة التي كان يصطنعها الناس في جنوب البلاد العربية واللغة التي كانوا يصطنعونها في شمال هذه البلاد وأشار إلى وجود نقوش ونصوص تثبت هذا الخلاف في اللفظ وفي قواعد النحو والتصريف ، بعد ذلك حاول المؤلف حل هذه المسألة بسؤال إنكاري فقال : إذا كان أبناء إسماعيل قد تعلموا العربية من العرب العاربة فكيف بعد ما بين اللغتين لغة العرب العاربة ولغة العرب المستعربة ، ثم قال إنه واضح جدا لمن له إلمام بالبحث التاريخي عامة ويدرس الأقاصيص والأساطير خاصة أن هذه النظرية متكلفة مصطنعة في عصور متأخرة دعت إليها حاجة دينية أو اقتصادية أو سياسية .
ثم قال بعد ذلك : " للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل ، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا . ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي فضلا عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إيراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة فيها" . وظاهر من إيراد المؤلف هذه العبارة أن يعطي دليله شيئا من القوة بطريقة التشكك في وجود إبراهيم وإسماعيل التاريخي وهو يرمي بهذا القول إنه ما دام إسماعيل وهو الأصل في نظرية العرب العاربة والعرب المستعربة مشكوكا في وجوده التاريخي فمن باب أولى ما ترتب على وجوده مما يرويه الرواة . أراد المؤلف أن يوهم بأن لرأيه أساسا فقال : "ونحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة نوعا من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة وبين الإسلام واليهودية والقرآن والتوراة من جهة أخرى" . ثم أخذ يبسط الأسباب التي يظن أنها تبرر هذه الحيلة إلى أن قال : "أمر هذه القصة إذن واضح فهي حديثة العهد ظهرت قبيل الإسلام واستغلها الإسلام بسبب ديني وسياسي أيضا ، وإذن فيستطيع التاريخي الأدبي واللغوي ألا يحفل بها عندما يريد أن يتعرف أصل اللغة الفصحى ، وإذن فنستطيع أن نقول أن الصلة بين اللغة العربية الفصحى التي كانت تتكلمها العدنانية واللغة التي كانت تتكلمها القحطانية في اليمن إنما هي كالصلة بين اللغة العربية وأي لغة أخرى من اللغات السامية المعروفة ، وأن قصة العاربة والمستعربة وتعلم إسماعيل العربية من جرهم كل ذلك أحاديث أساطير لا خطر له ولا غناء فيه ... وهنا يجب أن نلاحظ على الدكتور المؤلف الكتاب :
(1) أنه خرج من بحثه هذا عاجزا كل العجز عن أن يصل إلى غرضه الذي عقد هذا الفصل من أجله ، وبيان ذلك أنه وضع أول الفصل سؤالا وحاول الإجابة عليه ، وجواب هذا السؤال في الواقع هو الأساس الذي يجب أن يرتكز عليه في التدليل على صحة رأيه ، هو يريد أن يدلل على أن الشعر الجاهلي بعيد كل البعد عن أن يمثل اللغة العربية في العصر الذي يزعم الرواة أنه قيل فيه ، وبديهي أنه للوصول إلى هذا الغرض يتعين على الباحث تحضير ثلاثة أمور :
1- الشعر الذي يريد أن يبرهن على أنه منسوب بغير حق للجاهلية .
2- الوقت الذي يزعم الرواة أنه قيل فيه .
3- اللغة التي كانت موجودة فعلا في الوقت المذكور .
وبعد أن تتهيأ له هذه المواد يجري عملية المقارنة فيوضح الاختلافات الجوهرية بين لغة الشعر وبين لغة الزمن الذي روي أنه قيل فيه . ويستخرج بهذه الطريقة الدليل على صحة ما يدعيه . لذا تتضح أهمية السؤال الذي وضعه بقوله : "لنجتهد في تعرف اللغة الجاهلية هذه ، ما هي أو ماذا كانت في العصر الذي يزعم الرواة أن شعرهم الجاهلي هذا قد قيل فيه" . وتتضح أهمية الإجابة عنه .
ولكن الأستاذ الدكتور وضع السؤال وحاول الإجابة عنه وتطرق في بحثه إلى الكلام على مسائل في غاية الخطورة صدم بها الأمة الإسلامية في أعز ما لديها من الشعور ولوث نفسه بما تناوله من البحث في هذا السبيل بغير فائدة ولم يوفق إلى الإجابة ، بل قد خرج من البحث بغير جواب اللهم إلا قوله : "إن الصلة بين اللغة العدنانية وبين اللغة القحطانية ، إنما هي كالصلة بين اللغة العربية وأي لغة من اللغات السامية المعروفة" . وبديهي أن ما وصل إليه ليس جوابا عن السؤال الذي وضعه ، وقد نوقش في التحقيق في هذه المسألة فلم يستطع رد هذا الاعتراض ولا يمكن الاقتناع بما ذكره في التحقيق من أنه كتب الكتاب للاختصاصيين والمستشرقين بنوع خاص وأن تعريف هاتين اللغتين عند الاختصاصيين واضح لا يحتاج إلى أن يذكر لأن قوله هذا عجز عن الجواب ، كما أن قوله إن اللغة الجاهلية في رأيه ورأي القدماء والمستشرقين لغتان متباينتان لا يمكن أن يكون جوابا عن السؤال الذي وضعه لأن غرضه من السؤال واضح في كتابه إذ قال : "لنجتهد في تعرف اللغة الجاهلية هذه ، ما هي" . وقد كان قرر قبل ذلك : "فنحن إذا ذكرنا اللغة العربية نريد بها معناها الدقيق المحدود الذي نجده في المعاجم حيث نبحث فيها عن لفظ اللغة ما معناه نريد بها الألفاظ من حيث ألفاظ تدل على معانيها تستعمل حقيقة مرة ومجازا مرة أخرى وتتطلب تطورا ملائما لمقتضيات الحياة التي يحياها أصحاب هذه اللغة" ، فبعد أن حدد هو بنفسه معنى اللغة الذي يريده فلا يمكن أن يقبل منه ما أجاب به من أن مراده أن اللغة لغتان بدون أن يتعرف على واحدة منهما .
فالمؤلف إذن في واحدة من اثنتين : إما أن يكون عاجزا وإما أن يكون سيئ النية بحيث قد جعل هذا البحث ستارا ليصل بواسطته إلى الكلام في تلك المسائل الخطيرة التي تكلم عنها في هذا الفصل وسنتكلم فيما بعد عن هذه النقطة عند الكلام عن القصد الجنائي .
(2) أنه استدل على عدم صحة النظرية التي رواها الرواة وهي تقسيم العرب إلى عاربة ومستعربة وتعلم إسماعيل العربية من جرهم ، بافتراض وضعه في صيغة سؤال إنكاري . إذا كان أبناء إسماعيل قد تعلموا العربية من أولئك العرب الذين نسميهم العاربة فكيف بعُد ما بين اللغة التي كان يصطنعها العرب العاربة واللغة التي كان يصطنعها العرب المستعربة . يريد المؤلف بهذا أن يقول ، لو كانت نظرية تعلم إسماعيل وأولاده العربية من جرهم صحيحة لوجب أن تكون لغة المتعلم كلغة المعلم . وهذا الاعتراض وجيه في ذاته ولكنه لا يفيد المؤلف في التدليل على صحة رأيه ، لأنه نسي أمرا مهما لا يجوز غض النظر عنه ، هو يشير إلى الاختلافات التي بين لغة حمير ولغة عدنان ، وهو يقصد لغة عدنان التي كانت موجودة وقت نزول القرآن ، وهو يعلم أن حمير آخر دول العرب القحطانية ، وقد مضى من وقت وجود إسماعيل إلى وقت وجود حمير زمن طويل جدا أي أنه قد انقضى من الوقت الذي يروي أن إسماعيل تعلم فيه اللعة العربية من جرهم إلى الوقت الذي اختاره المؤلف للمقارنة بين اللغتين زمن يتعذر تحديده ، ولكنه على كل حال زمن طويل جدا لا يقل عن عشرين قرنا ، فهل يريد المؤلف مع هذا أن يتخذ الاختلافات التي بين اللغتين دليلا على عدم صحة نظرية الرواة غير حاسب حسابا للتطور الواجب حصوله في اللغة بسبب مضي هذا الزمن الطويل ما يستدعيه توالي العصور من تتابع الحوادث واختلاف الظروف . إن الأستاذ قد أخطأ في استنتاجه بغير شك . ونستطيع إذن أن نقول إن استنتاجه لا يصلح دليلا على فساد نظرية الرواة التي يريد أن يهدمها وإنه إذا ما ثبت وجود خلاف مهما كان مداه بين اللغتين فإن هذا لا ينفي صحة الرواية التي يرويها الرواة من حيث تعلم إسماعيل العربية من جرهم ، ولا يضيرها أن الأستاذ المؤلف ينكرها بغير دليل لأن طريقة الإنكار والتشكيك بغير دليل طريقة سهلة جدا في متناول كل إنسان عالما كان أو جاهلا .
على أننا نلاحظ أيضا على المؤلف أنه لم يكن دقيقا في بحثه ، وهو ذلك الرجل الذي يتشدد كل التشدد في التمسك بطرق البحث عن أمرين ، الأول ما روي عن أبي عمرو بن العلاء من أنه كان يقول : "ما لسان حمير بلساننا ولا لغتهم بلغتنا" . والثاني قوله : "ولدينا الآن نقوش ونصوص تمكننا من إثبات هذا الخلاف في اللفظ وفي قواعد النحو والتصريف أيضا" .
أما عن الدليل الأول فأن ما رواه أبو عبد الله بن سلاّم الجمحي مؤلف (طبقات الشعراء) عن أبي عمرو بن العلاء "ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا ولا عربيتهم عربيتنا" . وقد يكون للمؤلف مأرب من وراء تغيير النص ، على أن الذي نريد أن نلاحظه هو أن ابن سلاّم ذكر قبيل هذه الرواية في الصفحة نفسها ما يأتي :
وأخبرني يونس عن أبي عمرو قال : "لعرب كلها ولد إسماعيل إلا حمير وبقايا جرهم" . - راجع ص8 من كتاب (طبقات الشعراء) طبعة مطبعة السعادة - فواجب على المؤلف إذن وقد اعتمد صحة العبارة الأولى أن يسلم أيضا بصحة العبارة الثانية ، لأن الراوي واحد والمروي عنه واحد . وتكون نتيجة ذلك أنه فسر ما اعتمد عليه من أقوال أبي عمرو بن العلاء بغير ما أراده بل فسره بعكس ما أراده ويتعين إسقاط هذا الدليل .
وأما عن الدليل الثاني فإن المؤلف لم يتكلم عنه بأكثر من قوله : "ولدينا الآن نقوش ونصوص تمكننا من إثبات هذا الخلاف" . فأردنا عند استجوابه أن نستوضحه ما أجمل فعجز ، وليس أدل هذا العجز من أن نذكر هنا ما دار في التحقيق من المناقشة بشأن هذه المسألة :
س - هل يمكن لحضرتكم الآن تعريف اللغة الجاهلية الفصحى وعلى لغة حمير وبيان الفرق بين لغة حمير ولغة عدنان ومدى هذا الفرق وذكر بعض الأمثلة تساعدنا على فهم ذلك ؟
ج - قلت إن اللغة الجاهلية في رأيي ورأي القدماء والمستشرقين لغتان متباينتان على الأقل ، أولهما لغة حمير وهذه اللغة قد درست ووضعت لها قواعد النحو والصرف والمعاجم ، ولم يكن شيء من هذا معروف قبل الاكتشافات الحديثة ، وهي كما قلت مخالفة للغة العربية الفصحى التي سألتم عنها مخالفة جوهرية في اللفظ والنحو وقواعد الصرف ، وهما إلى اللغة الحبشية القديمة أقرب منها إلى اللغة العربية الفصحى ، وليس شك في أن الصلة بينها وبين لغة القرآن والشعر كالصلة بين السريانية وبين هذه اللغة القرآنية . فأما إيراد النصوص والأمثلة فيحتاج إلى ذاكرة لم يهبها الله لي ، ولا بد من الرجوع إلى الكتب المدونة في هذه اللغة .
س - هل يمكن لحضرتكم أن تبينوا لنا هذه المراجع أو تقدموها لنا ؟
ج - أنا لا أقدم شيئا
س - هل يمكن لحضرتكم أن تبينوا إلى أي وقت كانت موجودة اللغة الحميرية ومبدأ وجودها إن أمكن ؟
ج - مبدأ وجودها ليس من السهل تحديده ولكن لا شك في أنها كانت معروفة تكتب قبل القرن الأول للمسيح وظلت تتكلم إلى ما بعد الإسلام ، ولكن ظهور الإسلام وسيادة اللغة القرشية محيا [محوا] غيرها من اللغات المختلفة في البلاد العربية وغير العربية وأقرّا مكانهما لغة القرآن .
س - هل يمكن لحضرتكم أيضا أن تذكروا لنا مبدأ اللغة العدنانية ولو بوجه التقريب ؟
ج - ليس من السهل معرفة مبدأ اللغة العدنانية وكل ما يمكن أن يقال بطريقة عملية هو أن لدينا نقوشا قليلة جدا يرجع عهدها إلى القرن الرابع للميلاد ، وهذه النقوش العربية من اللغة العدنانية ولكن المستشرقين يرون أنها لهجة قبطية وإذن فقد يكون من احتياط العالم أن نرى أقدم نص عربي يمكن الاعتماد عليه من الوجهة العلمية إلى الآن إنما هو القرآن حتى نستكشف نقوشا أظهر وأكثر مما لدينا .
س - هل تعتقدون حضرتكم أن اللغة سواء كانت اللغة الحميرية أو اللغة العدنانية كانت باقية على حالها من وقت نشأتها أو حصل بها تغيير سبب تمادي الزمن والاختلاط ؟
ج - ما أظن أن لغة من اللغات تستطيع أن تبقى قرونا دون أن تتطور ويحصل فيها التغيير الكثير .
ونحن مع هذا لا نريد أن ننفي وجود اختلاف بين اللغتين ولا نقصد أن نعيب على المؤلف جهله بهذه الأمور فإنها في الحقيقة ما زالت من المجاهل ، وما وصل إليه المستشرقون من الاستكشافات لا ينير الطريق ، وإنما الذي نريد أن نسجله عليه هو أنه بنى أحكامه على أساس ما زال مجهولا ، إذ أنه يقرر بجرأة في آخر الفصل الذي نتكلم بشأنه : "والنتيجة لهذا البحث كله تردنا إلى الموضوع الذي ابتدأنا به منذ حين وهو أن هذا الشعر الذي يسمونه الجاهلي لا يمثل اللغة الجاهلية ولا يمكن أن يكون صحيحا ، ذلك لأننا نجد بين هؤلاء الشعراء الذين يضيفون إليهم شيئا كثيرا من الشعر الجاهلي قوما ينتسبون إلى عرب اليمن إلى هذه القحطانية العاربة التي تتكلم لغة غير لغة القرآن الكريم والتي كان يقول عنها عمرو بن العلاء إن لغتها مخالفة للغة العرب والتي أثبت البحث الحديث أنها لغة أخرى غير اللغة العربية" - فمتى قال أبو عمرو بن العلاء إنها لغة مخالفة للغة العرب . لقد أشرنا إلى التغيير الذي أحدثه المؤلف فيما روي عن أبي عمرو بن العلاء حيث حذف روايته . وقلنا قد يكون للمؤلف مآرب من وراء هذا التغيير ، فهذا هو مأربه ، إن الأستاذ حرّف في الرواية عمدا ليصل إلى تقرير هذه النتيجة .
ويقول المؤلف أيضا والتي أثبت البحث الحديث أن لها لغة أخرى غير اللغة العربية - وقد أبنا فيما سلف أنه عجز في إثبات هذه المسألة عن إثبات ما يدعيه - ومن الغريب أنه عندما بدأ البحث اكتفى بأن قال : ولدينا الآن نقوش ونصوص تمكننا من إثبات هذا الخلاف في اللفظ وفي قواعد النحو والتصريف أيضا ، ولكنه انتهى بأن قرر بأن البحث الحديث أثبت أن لها لغة أخرى غير اللغة العربية !!!
قرر الأستاذ في التحقيق أنه لا شك في أن اللغة الحميرية ظلت تتكلم إلى ما بعد الإسلام ، فإن كانت هذه اللغة هي لغة أخرى غير اللغة العربية كما يوهم أنه انتهى به بحثه هل له أن يفهمنا كيف استطاع عرب اليمن فهم القرآن وحفظه وتلاوته ؟؟
نحن نسلم بأنه لا بد من وجود اختلافات بين لغة حمير وبين لغة عدنان ، بل ونقول إنه لا بد من وجود شيء من الاختلافات بين بعض القبائل وبين البعض الآخر ممن يتكلمون لغة واحدة من اللغتين المذكورتين ، ولكنها على كل حال اختلافات لا تخرجها عن العربية وهذه الاختلافات هي التي قصدها أبو عمرو بن العلاء بقوله : "ما لسان حمير بلساننا" ، والمؤلف لا يستطيع أن ينكر الاختلاط الذي لا بد منه بين القبائل المختلفة خصوصا في أمة متنقلة بطبيعتها كالأمة العربية ، ولا بد لها جميعا من لغة عامة تتفاهم بها هي اللغة الأدبية ، وقد أشار هو بنفسه إليها في ص17 من كتابه حيث قال عن القرآن : "ولكنه كان كتابا عربيا لغته هي اللغة العربية الأدبية التي كان يصطنعها الناس في عصره أي في العصر الجاهلي . وهذه اللغة الأدبية هي لغة الكتابة ولغة الشعر" ، والمؤلف نفسه عندما تكلم في الفصل الخامس عشر عن الشعر الجاهلي واللهجات بحث في ص35 و36 و37 بحثا يؤيد هذا المعنى وإن كان يدعي بغير دليل أن الإسلام قد فرض على العرب جميعا لغة عامة واحدة هي لغة قريش مع أنه سبق أن ذكر في ص17 أن لغة القرآن هي اللغة العربية الأدبية التي كان يصطنعها الناس في عصره أي في العصر الجاهلي فلِم لا تكون لهذه اللهجة الأدبية السيادة العامة من قبل نزول القرآن بزمن طويل وكيف يستطيع هو هذا التحديد وعلام يستند ؟ .
يتضح مما تقدم أن عدم ظهور خلاف في اللغة لا يدل في ذاته حتما على عدم ظهور صحة الشعر . ونحن لا نريد بما قدمنا أن نتولى الدفاع عن صحة الشعر الجاهلي إذ أن هذه المسألة ليست حديثة العهد ابتدعها المؤلف وإنما هي مسألة قديمة قررها أهل الفن والشعر كما قال(ابن سلاّم) صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم كسائر أصناف العلم والصناعات وهو يحتاج في تمييزه إلى خبير كاللؤلؤ والياقوت لا يعرف بصنعة ولا وزن دون المعاينة ممن يبصره - ولكن الذي نريد أن نشير إليه إنما هو الخطأ الذي اعتاد أن يرتكبه المؤلف في أبحاثه حيث بدأ بافتراض يتخيله ثم ينتهي بأن يركب عليه قواعد كأنها حقائق ثابتة كما فعل في أمر الاختلافات بين لغة حمير وبين لغة عدنان ثم مسألة إبراهيم وإسماعيل وهجرتهما إلى مكة وبناء الكعبة إذ بدأ فيها بإظهار الشك ثم انتهى باليقين بدأ بقوله : "للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا ولكن ورود هذين الإسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي فضلا عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة فيها" . إلى هنا أظهر الشك لعدم قيام الدليل التاريخي في نظره ، كما تتطلبه الطرق الحديثة ثم انتهى بأن قرر في كثير من الصراحة : إن ضعف هذه القصة إذن واضح فهي حديثة العهد ظهرت قبل الإسلام لسبب ديني .....إلخ .. فما هو الدليل الذي انتقل به من الشك إلى اليقين ؟
هل دليله هو قوله "نحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة نوعا من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود وبين العرب من جهة وبين الإسلام واليهودية والقرآن والتوراة من جهة أخرة ؟ وأن أقدم عصر يمكن أن تكون قد نشأت فيه هذه الفكرة إنما هو ذلك العصر الذي أخذ اليهود يستوطنون فيه شمال البلاد العربية ويبنون فيه المستعمرات ..إلخ وأن ظهور الإسلام وما كان من الخصومة بينه وبين وثنية العرب من غير أهل الكتاب قد اقتضى أن نثبت الصلة بين المدن الجديدة وبين ديانتي النصارى واليهود وأنه مع ثبوت الصلة الدينية يحسن أن تؤيدها صلة مادية ...إلخ . "
إذا كان الأستاذ المؤلف يرى أن ظهور الإسلام قد اقتضى أن تثبت الصلة بينه وبين ديانتي اليهود والنصارى ، وأن القرابة المادية الملفقة بين العرب واليهود لازمة لإثبات الصلة بين الإسلام واليهودية فاستغلها لهذا الغرض ، فهل له أن يبين السبب في عدم اهتمامه أيضا بمثل هذه الحيلة لتوثيق الصلة بين الإسلام والنصرانية ؟ وهل عدم اهتمامه هذا معناه عجزه أو استهانته بأمر النصرانية ؟ وهل من يريد توثيق الصلة مع اليهود بأي ثمن ، حتى باستغلال التلفيق هو الذي يقول عنهم في القرآن : "لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا" . إن الأستاذ ليعجز عن تقديم هذا البيان إذ أن كل ما ذكره في هذه المسألة إما هو خيال في خيال وكل ما استند إليه من أدلة هو :
1- فليس ببعيد أن يكون ...
2- فما الذي يمنع ...
3- ونحن نعتقد ...
4- وإذن فليس ما يمنع قريشا من أن تقبل هذه الأسطورة .
5- وإذن فنستطيع أن نقول !!!
فالأستاذ المؤلف في بحثه إذا رأى إنكار الشيء يقول لا دليل على الأدلة التي تتطلبها الطرق الحديثة للبحث حسب الخطة التي رسمها في منهج البحث وإذا رأى تقرير أمر لا يدلل عليه بغير الأدلة التي أحصيناها له وكفى بقوله حجة .
سئل الأستاذ في التحقيق عن أصل هذه المسألة "أي تلفيق القصة" وهل هي من استنتاجه أو نقلها . فقال: "فرض فرضته أنا دون أن أطلع عليه في كتاب آخر وقد أخبرت بعد أن ظهر الكتاب أن شيئا من هذا الفرض يوجد في بعض كتب المبشرين ، ولكن لم أفكر فيه حتى بعد ظهور كتابي" . على أنه سواء كان الفرض من تخيله كما يقول أو من نقله عن ذلك المبشر الذي يستتر تحت اسم (هاشم العربي) فإنه كلام لا يستند إلى دليل ولا قيمة له ، على أننا نلاحظ أن ذلك المبشر مع ما هو ظاهر من مقاله من غرض الطعن على الإسلام كان في عباراته أظرف من مؤلف كتاب الشعر الجاهلي لأنه لم يتعرض للشك في وجود إبراهيم وإسماعيل بالذات وإنما اكتفى بأن أنكر أن إسماعيل أبو العرب العدنانيين ، وقال إن حقيقة الأمر في قصة إسماعيل أنها دسيسة لفقها قدماء اليهود للعرب تزلفا إليهم ...إلخ . كما نلاحظ أيضا أن ذلك المبشر قد يكون له عذره في سلوك هذا السبيل لأن وظيفته التبشير لدينه وهذا غرضه الذي يتكلم فيه ولكن ما عذر الأستاذ المؤلف في طرق هذا الباب وما هي الضرورة التي ألجأته إلى أن يرى في هذه القصة نوعا من الحيلة...إلخ .
وإن كان المتسامح يرى له بعض العذر في التشكيك الذي أظهره أولا اعتمادا على عدم وجود الدليل التاريخي كما يقول فما الذي دعاه إلى أن يقول في النهاية بعبارة تفيد الجزم : "إن هذه القصة إذن واضحة فهي حديثة العهد ظهرت قبيل الإسلام واستغلها الإسلام لسبب ديني واضح ...إلخ" . مع اعترافه في التحقيق بأن المسألة فرض افترضه .
يقول الأستاذ إنه إن صح افتراضه فإن القصة كما كانت شائعة بين العرب قبل الإسلام فلما جاء الإسلام استغلها وليس ما يمنع أن يتخذها الله في القرآن وسيلة لإقامة الحجة على الخصوم المسلمين كما اتخذ غيرها من القصص التي كانت معروفة وسيلة إلى الاحتجاج أو إلى الهداية - وهاشم العربي يقول في مثل هذا : ولما ظهر محمد رأى المصلحة في إقرارها فأقرها وقال للعرب إنه يدعوهم إلى ملة جدهم هذا الذي يعظمونه من غير أن يعرفوه ، فسبحان من أوجد هذا التوافق بين الخواطر ...
إن الأستاذ المؤلف أخطأ فيما كتب وأخطأ أيضا في تفسير ما كتب وهو في هذه النقطة قد تعرض بغير شك لنصوص القرآن وليس في وسعه الهرب بادعائه البحث العلمي منفصلا عن الدين ، فليفسر لنا إذن قوله تعالى في سورة النساء: "إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان ...إلخ ..." وقوله في سورة مريم : "واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صدّيقا نبيا" و "اذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا" وفي سورة آل عمران "قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون" وغير ذلك من الآيات القرآنية الكثيرة التي ورد فيها ذكر إبراهيم وإسماعيل ، لا على سبيل المثال كما يدعي حضرته ، وهل عقل الأستاذ سليم بأن الله سبحانه وتعالى يذكر أن إبراهيم نبي وأن إسماعيل رسول نبي مع أن القصة ملفقة ، وماذا يقول حضرته في موسى وعيسى وقد ذكرهما الله سبحانه وتعالى في الآية الأخيرة مع إبراهيم وإسماعيل وقال في حقهم جميعا لا نفرق بين أحد منهم ، وهل يرى حضرته أن قصة موسى وعيسى من الأساطير أيضا قد ذكرها الله وسيلة للاحتجاج أو للهداية كما فعل في قصة إبراهيم وإسماعيل ما دامت الآية تقضي بألا نفرق بين أحد منهم ، الحق أن المؤلف في هذه المسألة يتخبط تخبط الطائش ويكاد يعترف بخطئه لأن جوابه يشعر بهذا عندما سألناه في التحقيق عن السبب الذي دعاه أخيرا لأن يقرر بطريقة تفيد الجزم بأن القصة حديثة العهد ظهرت قبيل الإسلام فقال في ص37 من محضر التحقيق : "هذه العبارة إذا كانت تفيد الجزم فهي إنما تفيده إن صح الفرض الذي قامت عليه وربما كان فيها شيء من الغلو ولكني أعتقد أن العلماء جميعا عندما يفترضون فروضا علمية يبيحون لأنفسهم مثل هذا النحو من التعبير فالواقع أنهم مقتنعون فيما بينهم وبين أنفسهم بأن فروضهم راجحة".
والذي نراه أن موقف الأستاذ هنا لا يختلف عن موقف الأستاذ (هوار) حين تكلم عن شعر أمية بن أبي الصلت وقد وصف المؤلف نفسه هذا الموقف ص82 و83 من كتابه بقوله : "مع أني من أشد الناس إعجابا بالأستاذ (هوار) وبطائفة من أصحابه المستشرقين وبما ينتهون إليه في كثير من الأحيان من النتائج العلمية القيمة في تاريخ الأدب العربي التي يتخذونها للبحث فإني لا أستطيع أن أقرأ مثل هذا الفصل دون أن أعجب كيف يتورط العلماء أحيانا في مواقف لا صلة بينها وبين العلم" .
حقا إن الأستاذ قد تورط في هذا الموقف الذي لا صلة بينه وبين العلم بغير ضرورة يقتضيها بحثه ولا فائدة يرجوها لأن النتيجة التي وصل إليها من بحثه وهي قوله "إن الصلة بين اللغة العدنانية وبين اللغة القحطانية كالصلة بين اللغة العربية وأي لغة أخرى من اللغات السامية المعروفة وأن قصة العاربة والمستعربة وتعلم إسماعيل العربية من جرهم كل ذلك حديث أساطير لا خطر له ولا غناء فيه" ما كانت تستدعي التشكيك في صحة إخبار القرآن عن إبراهيم وإسماعيل وبنائهما الكعبة ثم الحكم بعدم صحة القصة وباستغلال الإسلام لها لسبب ديني .
ونحن لا نفهم كيف أباح المؤلف لنفسه أن يخلط بين الدين وبين العلم وهو القائل بأن الدين يجب أن يكون بمعزل عن هذا النوع من البحث الذي هو بطبيعته قابل للتغيير والنقص والشك والإنكار (ص22 من محضر التحقيق) وإننا حيث نفصل بين العلم والدين نضع الكتب السماوية موضع التقديس ونعصمها من إنكار المنكرين وطعن الطاعنين (ص24 من محضر التحقيق) ولا ندري لم يفعل غير ما يقول في هذا الموضوع . لقد سئل في التحقيق فقال : "إن الداعي أني أناقش طائفة من العلماء والأدباء والقدماء والمحدثين وكلهم يقرون بأن العرب المستعربة أخذوا لغتهم عن العرب العاربة بواسطة إسماعيل بعد أن هاجر ، وهم جميعا يستدلون على آرائهم بنصوص من القرآن ومن الحديث فليس لي بد من أن أقول لهم إن هذه النصوص لا تلزمني من الوجهة العلمية".
ابو تراجى
12-21-2009, 12:43 PM
18 مارس سنـــــة 1926
ملحق قرار النيابة في قضية كتاب (في الشعر الجاهلي)
نص بيان الإتهام
نحن محمد نور رئيس نيابة مصر
من حيث أنه بتاريخ 30 مايو سنة 1926م تقدم بلاغ من الشيخ خليل حسنين الطالب بالقسم العالي بالأزهر لسعادة النائب العمومي يتهم فيه الدكتور طه حسين الأستاذ بالجامعة المصرية بأنه ألف كتابا أسماه "في الشعر الجاهلي" ونشره على الجمهور وفي هذا الكتاب طعن صريح في القرآن العظيم حيث نسب الخرافة والكذب لهذا الكتاب السماوي الكريم إلى آخر ما ذكره في بلاغه .
وتاريخ 5 يونيو سنة 1926م أرسل فضيلة شيخ الجامع الأزهر لسعادة النائب العمومي خطابا يبلغ به تقريرا رفعه علماء الجامع الأزهر عن كتاب ألفه طه حسن المدرس بالجامعة المصرية أسماه "في الشعر الجاهلي" كذب فيه القرآن صراحة ، وطعن فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى نسبه الشريف وأهاج بذلك ثائرة المتدينين وأتى فيه بما يخل بالنظم العامة ويدعو الناس للفوضى ، ويطلب اتخاذ الوسائل القانونية الفعالة الناجحة ضد هذا الطعن على دين الدولة الرسمي وتقديمه للمحاكمة وقد أرفق بهذا البلاغ صورة من تقرير أصحاب الفضيلة العلماء الذي أشار إليه في كتابه . وبتاريخ 14 سبتمبر سنة 1921 تقدم إلينا بلاغ آخر من حضرة "عبد الحميد البنان" أفندي عضو مجلس النواب ذكر فيه أن الأستاذ طه حسين المدرس بالجامعة المصرية نشر ووزع وعرض للبيع في المحافل والمحلات العمومية كتابا أسماه "في الشعر الجاهلي" طعن وتعدى فيه على الدين الإسلامي - وهو دين الدولة - بعبارات صريحة واردة في كتابه سنبينه في التحقيقات .
وحيث أنه نظرا لتغيب الدكتور طه حسين خارج القطر المصري قد أرجأنا التحقيق إلى ما بعد عودته . فلما عاد بدأنا التحقيق بتاريخ 19أكتوبر سنة 1926م فأخذنا أقوال المبلغين جملة بالكيفية المذكورة بمحضر التحقيق ثم استجوبنا المؤلف . وبعد ذلك أخذنا في دراسة الموضوع بقدر ما سمحت لنا الحالة .
وحيث أنه اتضح من أقوال المبلغين أنهم ينسبون للمؤلف أنه طعن على الدين الإسلامي في مواضع أربعة من كتابه :
الأول: أن المؤلف أهان الدين الإسلامي بتكذيب القرآن الكريم في أخباره عن إبراهيم وإسماعيل حيث ذكر في ص 26 من كتابه " للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل ، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا . ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي فضلا عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة فيها ونحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة نوعا من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة وبين الإسلام واليهود والقرآن من جهة أخرى" إلى آخر ما جاء في هذا الصدد .
الثاني : ما تعرض له المؤلف في شأن القراءات السبع المجمع عليها والثابتة لدى المسلمين جميعا وأنه في كلامه عنها يزعم عدم إنزالها من عند الله ، وأن هذه القراءات إنما قرأتها العرب حسب ما استطاعت لا كما أوحى الله بها إلى نبيه مع أن معاشر المسلمين يعتقدون أن كل هذه القراءات مروية عن الله تعالى على لسان النبي صلى الله عليه وسلم .
الثالث : ينسبون للمؤلف أنه طعن في كتابه عن النبي صلى الله عليه وسلم طعنا فاحشا من حيث نسبه فقال في ص 72 من كتابه : "ونوع آخر من تأثير الدين في انتحال الشعر وإضافته إلى الجاهليين وهو ما يتصل بتعظيم شأن النبي من ناحية أسرته ونسبه إلى قريش ، فلأمر ما اقتنع الناس بأن النبي يجب أن يكون صفوة بني هاشم وأن يكون بنو هاشم صفوة بني عبد مناف وأن يكون عبد مناف صفوة بني قصي وأن يكون قصي صفوة قريش وقريش صفوة مضر ومضر صفوة عدنان وعدنان صفوة العرب والعرب صفوة الإنسانية كلها" . وقالوا إن تعدي المؤلف بالتعريض بنسب النبي صلى الله عليه وسلم والتحقير من قدره تعدّ على الدين وجرم عظيم يسيء إلى المسلمين والإسلام فهو قد اجترأ على أمر لم يسبقه إله كافر ولا مشرك .
الرابع : أن الأستاذ المؤلف أنكر أن للإسلام أولية في بلاد العرب وأنه دين إبراهيم إذ يقول في ص80 : "أما المسلمون فقد أرادوا أن للإسلام أولية في بلاد العرب كانت قبل أن يبعث النبي وأن خلاصة الدين الإسلامي وصفوته هي خلاصة الدين الحق الذي أوحاه الله إلى الأنبياء من قبل" .. إلى أن يقول في ص81 : "وشاعت في العرب أثناء ظهور الإسلام وبعده فكرة أن الإسلام يجدد دين إبراهيم ومن هنا أخذوا يعتقدون أن دين إبراهيم هذا قد كان دين العرب في عصر من العصور ثم أعرضت عنه لما أضلها به المضلون وانصرفت عنه إلى عبادة الأوثان" .. إلى آخر ما ذكره في هذا الموضوع .
ومن حيث إن العبارات التي يقول المبلغون إن فيها طعنا على الدين الإسلامي إنما جاءت في كتاب في سياق الكلام على موضوعات كلها متعلقة بالغرض الذي ألف من أجله ، فلأجل الفصل في هذه الشكوى لا يجوز انتزاع تلك العبارات من موضوعها والنظر إليها منفصلة ، وإنما الواجب توصلا إلى تقديرها تقديرا صحيحا بحثها حيث هي في موضوعها من الكتاب ومناقشتها في السياق الذي وردت فيه وبذلك يمكن الوقوف على قصد المؤلف منها وتقدير مسئوليته تقديراً صحيحاً .
ملحق قرار النيابة في قضية كتاب (في الشعر الجاهلي)
عن الأمر الأول
من حيث إنه ما يلفت النظر ويستحق البحث في كتاب "في الشعر الجاهلي" من حيث علاقته بموضوع الشكوى ، إنما هو ما تناوله المؤلف بالبحث في الفصل الرابع تحت عنوان "الشعر الجاهلي واللغة" من ص24 إلى ص30 .
ومن حيث إن المؤلف بعد أن تكلم في الفصل الثالث من كتابه على أن الشعر المقال بأنه جاهلي لا يمثل الحياة الدينية والعقلية للعرب الجاهليين وأراد في الفصل الرابع أن يقدم أبلغ ما لديه من الأدلة على عدم التسليم بصحة الكثرة المطلقة من الشعر فقال إن هذا الشعر بعيد كل البعد عن أن يمثل اللغة العربية في العصر الذي يزعم الرواة أنه قيل فيه .
وحيث إن المؤلف أراد أن يدلل على صحة هذه النظرية فرأى بحق من الواجب عليه أن بدأ بتعرف اللغة الجاهلية فقال : "ولنجتهد في تعرف اللغة الجاهلية هذه ، ما هي أو ماذا كانت في العصر الذي يزعم الرواة أن شعرهم الجاهلي هذا قد قيل فيه" . وقد أخذ في بحث هذا الأمر فقال إن الرأي الذي اتفق عليه الرواة أو كادوا يتفقون عليه ، هو أن العرب ينقسمون إلى قسمين ؛ قحطانية منازلهم الأولى في اليمن ، وعدنانية منازلهم الأولى في الحجاز ، وهم متفقون على أن القحاطنة عرب منذ خلقهم الله فطروا على العربية فهم العاربة ، وعلى أن العدنانية اكتسبوا العربية اكتسابا ، كانوا يتكلمون لغة أخرى هي العبرانية أو الكلدانية ، ثم تعلموا لغة العرب العاربة فمحت لغتهم الأولى من صدورهم وثبتت فيها هذه اللغة الثانية المستعارة وهم متفقون على أن هذه العدنانية المستعربة إنما يتصل نسبها بإسماعيل بن إبراهيم ، وهم يروون حديثا يتخذونه أساسا لكل هذه النظرية خلاصته أو أول من تكلم العربية ونسى لغة أبيه هو إسماعيل بن إبراهيم . وبعد ذلك فرغ من تقرير ما اتفق عليه الرواة في هذه النقطة قال : إن الرواة يتفقون أيضا على شيء آخر ، وهو أن هناك خلافا قويا بين لغة حمير وبين لغة عدنان مستندا إلى ما روي عن أبي عمرو بن العلاء من أنه كان يقول : "ما لسان حمير بلساننا ولا لغتهم بلغتنا" وعلى أن البحث الحديث قد أثبت خلافا جوهريا بين اللغة التي كان يصطنعها الناس في جنوب البلاد العربية واللغة التي كانوا يصطنعونها في شمال هذه البلاد وأشار إلى وجود نقوش ونصوص تثبت هذا الخلاف في اللفظ وفي قواعد النحو والتصريف ، بعد ذلك حاول المؤلف حل هذه المسألة بسؤال إنكاري فقال : إذا كان أبناء إسماعيل قد تعلموا العربية من العرب العاربة فكيف بعد ما بين اللغتين لغة العرب العاربة ولغة العرب المستعربة ، ثم قال إنه واضح جدا لمن له إلمام بالبحث التاريخي عامة ويدرس الأقاصيص والأساطير خاصة أن هذه النظرية متكلفة مصطنعة في عصور متأخرة دعت إليها حاجة دينية أو اقتصادية أو سياسية .
ثم قال بعد ذلك : " للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل ، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا . ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي فضلا عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إيراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة فيها" . وظاهر من إيراد المؤلف هذه العبارة أن يعطي دليله شيئا من القوة بطريقة التشكك في وجود إبراهيم وإسماعيل التاريخي وهو يرمي بهذا القول إنه ما دام إسماعيل وهو الأصل في نظرية العرب العاربة والعرب المستعربة مشكوكا في وجوده التاريخي فمن باب أولى ما ترتب على وجوده مما يرويه الرواة . أراد المؤلف أن يوهم بأن لرأيه أساسا فقال : "ونحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة نوعا من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة وبين الإسلام واليهودية والقرآن والتوراة من جهة أخرى" . ثم أخذ يبسط الأسباب التي يظن أنها تبرر هذه الحيلة إلى أن قال : "أمر هذه القصة إذن واضح فهي حديثة العهد ظهرت قبيل الإسلام واستغلها الإسلام بسبب ديني وسياسي أيضا ، وإذن فيستطيع التاريخي الأدبي واللغوي ألا يحفل بها عندما يريد أن يتعرف أصل اللغة الفصحى ، وإذن فنستطيع أن نقول أن الصلة بين اللغة العربية الفصحى التي كانت تتكلمها العدنانية واللغة التي كانت تتكلمها القحطانية في اليمن إنما هي كالصلة بين اللغة العربية وأي لغة أخرى من اللغات السامية المعروفة ، وأن قصة العاربة والمستعربة وتعلم إسماعيل العربية من جرهم كل ذلك أحاديث أساطير لا خطر له ولا غناء فيه ... وهنا يجب أن نلاحظ على الدكتور المؤلف الكتاب :
(1) أنه خرج من بحثه هذا عاجزا كل العجز عن أن يصل إلى غرضه الذي عقد هذا الفصل من أجله ، وبيان ذلك أنه وضع أول الفصل سؤالا وحاول الإجابة عليه ، وجواب هذا السؤال في الواقع هو الأساس الذي يجب أن يرتكز عليه في التدليل على صحة رأيه ، هو يريد أن يدلل على أن الشعر الجاهلي بعيد كل البعد عن أن يمثل اللغة العربية في العصر الذي يزعم الرواة أنه قيل فيه ، وبديهي أنه للوصول إلى هذا الغرض يتعين على الباحث تحضير ثلاثة أمور :
1- الشعر الذي يريد أن يبرهن على أنه منسوب بغير حق للجاهلية .
2- الوقت الذي يزعم الرواة أنه قيل فيه .
3- اللغة التي كانت موجودة فعلا في الوقت المذكور .
وبعد أن تتهيأ له هذه المواد يجري عملية المقارنة فيوضح الاختلافات الجوهرية بين لغة الشعر وبين لغة الزمن الذي روي أنه قيل فيه . ويستخرج بهذه الطريقة الدليل على صحة ما يدعيه . لذا تتضح أهمية السؤال الذي وضعه بقوله : "لنجتهد في تعرف اللغة الجاهلية هذه ، ما هي أو ماذا كانت في العصر الذي يزعم الرواة أن شعرهم الجاهلي هذا قد قيل فيه" . وتتضح أهمية الإجابة عنه .
ولكن الأستاذ الدكتور وضع السؤال وحاول الإجابة عنه وتطرق في بحثه إلى الكلام على مسائل في غاية الخطورة صدم بها الأمة الإسلامية في أعز ما لديها من الشعور ولوث نفسه بما تناوله من البحث في هذا السبيل بغير فائدة ولم يوفق إلى الإجابة ، بل قد خرج من البحث بغير جواب اللهم إلا قوله : "إن الصلة بين اللغة العدنانية وبين اللغة القحطانية ، إنما هي كالصلة بين اللغة العربية وأي لغة من اللغات السامية المعروفة" . وبديهي أن ما وصل إليه ليس جوابا عن السؤال الذي وضعه ، وقد نوقش في التحقيق في هذه المسألة فلم يستطع رد هذا الاعتراض ولا يمكن الاقتناع بما ذكره في التحقيق من أنه كتب الكتاب للاختصاصيين والمستشرقين بنوع خاص وأن تعريف هاتين اللغتين عند الاختصاصيين واضح لا يحتاج إلى أن يذكر لأن قوله هذا عجز عن الجواب ، كما أن قوله إن اللغة الجاهلية في رأيه ورأي القدماء والمستشرقين لغتان متباينتان لا يمكن أن يكون جوابا عن السؤال الذي وضعه لأن غرضه من السؤال واضح في كتابه إذ قال : "لنجتهد في تعرف اللغة الجاهلية هذه ، ما هي" . وقد كان قرر قبل ذلك : "فنحن إذا ذكرنا اللغة العربية نريد بها معناها الدقيق المحدود الذي نجده في المعاجم حيث نبحث فيها عن لفظ اللغة ما معناه نريد بها الألفاظ من حيث ألفاظ تدل على معانيها تستعمل حقيقة مرة ومجازا مرة أخرى وتتطلب تطورا ملائما لمقتضيات الحياة التي يحياها أصحاب هذه اللغة" ، فبعد أن حدد هو بنفسه معنى اللغة الذي يريده فلا يمكن أن يقبل منه ما أجاب به من أن مراده أن اللغة لغتان بدون أن يتعرف على واحدة منهما .
فالمؤلف إذن في واحدة من اثنتين : إما أن يكون عاجزا وإما أن يكون سيئ النية بحيث قد جعل هذا البحث ستارا ليصل بواسطته إلى الكلام في تلك المسائل الخطيرة التي تكلم عنها في هذا الفصل وسنتكلم فيما بعد عن هذه النقطة عند الكلام عن القصد الجنائي .
(2) أنه استدل على عدم صحة النظرية التي رواها الرواة وهي تقسيم العرب إلى عاربة ومستعربة وتعلم إسماعيل العربية من جرهم ، بافتراض وضعه في صيغة سؤال إنكاري . إذا كان أبناء إسماعيل قد تعلموا العربية من أولئك العرب الذين نسميهم العاربة فكيف بعُد ما بين اللغة التي كان يصطنعها العرب العاربة واللغة التي كان يصطنعها العرب المستعربة . يريد المؤلف بهذا أن يقول ، لو كانت نظرية تعلم إسماعيل وأولاده العربية من جرهم صحيحة لوجب أن تكون لغة المتعلم كلغة المعلم . وهذا الاعتراض وجيه في ذاته ولكنه لا يفيد المؤلف في التدليل على صحة رأيه ، لأنه نسي أمرا مهما لا يجوز غض النظر عنه ، هو يشير إلى الاختلافات التي بين لغة حمير ولغة عدنان ، وهو يقصد لغة عدنان التي كانت موجودة وقت نزول القرآن ، وهو يعلم أن حمير آخر دول العرب القحطانية ، وقد مضى من وقت وجود إسماعيل إلى وقت وجود حمير زمن طويل جدا أي أنه قد انقضى من الوقت الذي يروي أن إسماعيل تعلم فيه اللعة العربية من جرهم إلى الوقت الذي اختاره المؤلف للمقارنة بين اللغتين زمن يتعذر تحديده ، ولكنه على كل حال زمن طويل جدا لا يقل عن عشرين قرنا ، فهل يريد المؤلف مع هذا أن يتخذ الاختلافات التي بين اللغتين دليلا على عدم صحة نظرية الرواة غير حاسب حسابا للتطور الواجب حصوله في اللغة بسبب مضي هذا الزمن الطويل ما يستدعيه توالي العصور من تتابع الحوادث واختلاف الظروف . إن الأستاذ قد أخطأ في استنتاجه بغير شك . ونستطيع إذن أن نقول إن استنتاجه لا يصلح دليلا على فساد نظرية الرواة التي يريد أن يهدمها وإنه إذا ما ثبت وجود خلاف مهما كان مداه بين اللغتين فإن هذا لا ينفي صحة الرواية التي يرويها الرواة من حيث تعلم إسماعيل العربية من جرهم ، ولا يضيرها أن الأستاذ المؤلف ينكرها بغير دليل لأن طريقة الإنكار والتشكيك بغير دليل طريقة سهلة جدا في متناول كل إنسان عالما كان أو جاهلا .
على أننا نلاحظ أيضا على المؤلف أنه لم يكن دقيقا في بحثه ، وهو ذلك الرجل الذي يتشدد كل التشدد في التمسك بطرق البحث عن أمرين ، الأول ما روي عن أبي عمرو بن العلاء من أنه كان يقول : "ما لسان حمير بلساننا ولا لغتهم بلغتنا" . والثاني قوله : "ولدينا الآن نقوش ونصوص تمكننا من إثبات هذا الخلاف في اللفظ وفي قواعد النحو والتصريف أيضا" .
أما عن الدليل الأول فأن ما رواه أبو عبد الله بن سلاّم الجمحي مؤلف (طبقات الشعراء) عن أبي عمرو بن العلاء "ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا ولا عربيتهم عربيتنا" . وقد يكون للمؤلف مأرب من وراء تغيير النص ، على أن الذي نريد أن نلاحظه هو أن ابن سلاّم ذكر قبيل هذه الرواية في الصفحة نفسها ما يأتي :
وأخبرني يونس عن أبي عمرو قال : "لعرب كلها ولد إسماعيل إلا حمير وبقايا جرهم" . - راجع ص8 من كتاب (طبقات الشعراء) طبعة مطبعة السعادة - فواجب على المؤلف إذن وقد اعتمد صحة العبارة الأولى أن يسلم أيضا بصحة العبارة الثانية ، لأن الراوي واحد والمروي عنه واحد . وتكون نتيجة ذلك أنه فسر ما اعتمد عليه من أقوال أبي عمرو بن العلاء بغير ما أراده بل فسره بعكس ما أراده ويتعين إسقاط هذا الدليل .
وأما عن الدليل الثاني فإن المؤلف لم يتكلم عنه بأكثر من قوله : "ولدينا الآن نقوش ونصوص تمكننا من إثبات هذا الخلاف" . فأردنا عند استجوابه أن نستوضحه ما أجمل فعجز ، وليس أدل هذا العجز من أن نذكر هنا ما دار في التحقيق من المناقشة بشأن هذه المسألة :
س - هل يمكن لحضرتكم الآن تعريف اللغة الجاهلية الفصحى وعلى لغة حمير وبيان الفرق بين لغة حمير ولغة عدنان ومدى هذا الفرق وذكر بعض الأمثلة تساعدنا على فهم ذلك ؟
ج - قلت إن اللغة الجاهلية في رأيي ورأي القدماء والمستشرقين لغتان متباينتان على الأقل ، أولهما لغة حمير وهذه اللغة قد درست ووضعت لها قواعد النحو والصرف والمعاجم ، ولم يكن شيء من هذا معروف قبل الاكتشافات الحديثة ، وهي كما قلت مخالفة للغة العربية الفصحى التي سألتم عنها مخالفة جوهرية في اللفظ والنحو وقواعد الصرف ، وهما إلى اللغة الحبشية القديمة أقرب منها إلى اللغة العربية الفصحى ، وليس شك في أن الصلة بينها وبين لغة القرآن والشعر كالصلة بين السريانية وبين هذه اللغة القرآنية . فأما إيراد النصوص والأمثلة فيحتاج إلى ذاكرة لم يهبها الله لي ، ولا بد من الرجوع إلى الكتب المدونة في هذه اللغة .
س - هل يمكن لحضرتكم أن تبينوا لنا هذه المراجع أو تقدموها لنا ؟
ج - أنا لا أقدم شيئا
س - هل يمكن لحضرتكم أن تبينوا إلى أي وقت كانت موجودة اللغة الحميرية ومبدأ وجودها إن أمكن ؟
ج - مبدأ وجودها ليس من السهل تحديده ولكن لا شك في أنها كانت معروفة تكتب قبل القرن الأول للمسيح وظلت تتكلم إلى ما بعد الإسلام ، ولكن ظهور الإسلام وسيادة اللغة القرشية محيا [محوا] غيرها من اللغات المختلفة في البلاد العربية وغير العربية وأقرّا مكانهما لغة القرآن .
س - هل يمكن لحضرتكم أيضا أن تذكروا لنا مبدأ اللغة العدنانية ولو بوجه التقريب ؟
ج - ليس من السهل معرفة مبدأ اللغة العدنانية وكل ما يمكن أن يقال بطريقة عملية هو أن لدينا نقوشا قليلة جدا يرجع عهدها إلى القرن الرابع للميلاد ، وهذه النقوش العربية من اللغة العدنانية ولكن المستشرقين يرون أنها لهجة قبطية وإذن فقد يكون من احتياط العالم أن نرى أقدم نص عربي يمكن الاعتماد عليه من الوجهة العلمية إلى الآن إنما هو القرآن حتى نستكشف نقوشا أظهر وأكثر مما لدينا .
س - هل تعتقدون حضرتكم أن اللغة سواء كانت اللغة الحميرية أو اللغة العدنانية كانت باقية على حالها من وقت نشأتها أو حصل بها تغيير سبب تمادي الزمن والاختلاط ؟
ج - ما أظن أن لغة من اللغات تستطيع أن تبقى قرونا دون أن تتطور ويحصل فيها التغيير الكثير .
ونحن مع هذا لا نريد أن ننفي وجود اختلاف بين اللغتين ولا نقصد أن نعيب على المؤلف جهله بهذه الأمور فإنها في الحقيقة ما زالت من المجاهل ، وما وصل إليه المستشرقون من الاستكشافات لا ينير الطريق ، وإنما الذي نريد أن نسجله عليه هو أنه بنى أحكامه على أساس ما زال مجهولا ، إذ أنه يقرر بجرأة في آخر الفصل الذي نتكلم بشأنه : "والنتيجة لهذا البحث كله تردنا إلى الموضوع الذي ابتدأنا به منذ حين وهو أن هذا الشعر الذي يسمونه الجاهلي لا يمثل اللغة الجاهلية ولا يمكن أن يكون صحيحا ، ذلك لأننا نجد بين هؤلاء الشعراء الذين يضيفون إليهم شيئا كثيرا من الشعر الجاهلي قوما ينتسبون إلى عرب اليمن إلى هذه القحطانية العاربة التي تتكلم لغة غير لغة القرآن الكريم والتي كان يقول عنها عمرو بن العلاء إن لغتها مخالفة للغة العرب والتي أثبت البحث الحديث أنها لغة أخرى غير اللغة العربية" - فمتى قال أبو عمرو بن العلاء إنها لغة مخالفة للغة العرب . لقد أشرنا إلى التغيير الذي أحدثه المؤلف فيما روي عن أبي عمرو بن العلاء حيث حذف روايته . وقلنا قد يكون للمؤلف مآرب من وراء هذا التغيير ، فهذا هو مأربه ، إن الأستاذ حرّف في الرواية عمدا ليصل إلى تقرير هذه النتيجة .
ويقول المؤلف أيضا والتي أثبت البحث الحديث أن لها لغة أخرى غير اللغة العربية - وقد أبنا فيما سلف أنه عجز في إثبات هذه المسألة عن إثبات ما يدعيه - ومن الغريب أنه عندما بدأ البحث اكتفى بأن قال : ولدينا الآن نقوش ونصوص تمكننا من إثبات هذا الخلاف في اللفظ وفي قواعد النحو والتصريف أيضا ، ولكنه انتهى بأن قرر بأن البحث الحديث أثبت أن لها لغة أخرى غير اللغة العربية !!!
قرر الأستاذ في التحقيق أنه لا شك في أن اللغة الحميرية ظلت تتكلم إلى ما بعد الإسلام ، فإن كانت هذه اللغة هي لغة أخرى غير اللغة العربية كما يوهم أنه انتهى به بحثه هل له أن يفهمنا كيف استطاع عرب اليمن فهم القرآن وحفظه وتلاوته ؟؟
نحن نسلم بأنه لا بد من وجود اختلافات بين لغة حمير وبين لغة عدنان ، بل ونقول إنه لا بد من وجود شيء من الاختلافات بين بعض القبائل وبين البعض الآخر ممن يتكلمون لغة واحدة من اللغتين المذكورتين ، ولكنها على كل حال اختلافات لا تخرجها عن العربية وهذه الاختلافات هي التي قصدها أبو عمرو بن العلاء بقوله : "ما لسان حمير بلساننا" ، والمؤلف لا يستطيع أن ينكر الاختلاط الذي لا بد منه بين القبائل المختلفة خصوصا في أمة متنقلة بطبيعتها كالأمة العربية ، ولا بد لها جميعا من لغة عامة تتفاهم بها هي اللغة الأدبية ، وقد أشار هو بنفسه إليها في ص17 من كتابه حيث قال عن القرآن : "ولكنه كان كتابا عربيا لغته هي اللغة العربية الأدبية التي كان يصطنعها الناس في عصره أي في العصر الجاهلي . وهذه اللغة الأدبية هي لغة الكتابة ولغة الشعر" ، والمؤلف نفسه عندما تكلم في الفصل الخامس عشر عن الشعر الجاهلي واللهجات بحث في ص35 و36 و37 بحثا يؤيد هذا المعنى وإن كان يدعي بغير دليل أن الإسلام قد فرض على العرب جميعا لغة عامة واحدة هي لغة قريش مع أنه سبق أن ذكر في ص17 أن لغة القرآن هي اللغة العربية الأدبية التي كان يصطنعها الناس في عصره أي في العصر الجاهلي فلِم لا تكون لهذه اللهجة الأدبية السيادة العامة من قبل نزول القرآن بزمن طويل وكيف يستطيع هو هذا التحديد وعلام يستند ؟ .
يتضح مما تقدم أن عدم ظهور خلاف في اللغة لا يدل في ذاته حتما على عدم ظهور صحة الشعر . ونحن لا نريد بما قدمنا أن نتولى الدفاع عن صحة الشعر الجاهلي إذ أن هذه المسألة ليست حديثة العهد ابتدعها المؤلف وإنما هي مسألة قديمة قررها أهل الفن والشعر كما قال(ابن سلاّم) صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم كسائر أصناف العلم والصناعات وهو يحتاج في تمييزه إلى خبير كاللؤلؤ والياقوت لا يعرف بصنعة ولا وزن دون المعاينة ممن يبصره - ولكن الذي نريد أن نشير إليه إنما هو الخطأ الذي اعتاد أن يرتكبه المؤلف في أبحاثه حيث بدأ بافتراض يتخيله ثم ينتهي بأن يركب عليه قواعد كأنها حقائق ثابتة كما فعل في أمر الاختلافات بين لغة حمير وبين لغة عدنان ثم مسألة إبراهيم وإسماعيل وهجرتهما إلى مكة وبناء الكعبة إذ بدأ فيها بإظهار الشك ثم انتهى باليقين بدأ بقوله : "للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا ولكن ورود هذين الإسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي فضلا عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة فيها" . إلى هنا أظهر الشك لعدم قيام الدليل التاريخي في نظره ، كما تتطلبه الطرق الحديثة ثم انتهى بأن قرر في كثير من الصراحة : إن ضعف هذه القصة إذن واضح فهي حديثة العهد ظهرت قبل الإسلام لسبب ديني .....إلخ .. فما هو الدليل الذي انتقل به من الشك إلى اليقين ؟
هل دليله هو قوله "نحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة نوعا من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود وبين العرب من جهة وبين الإسلام واليهودية والقرآن والتوراة من جهة أخرة ؟ وأن أقدم عصر يمكن أن تكون قد نشأت فيه هذه الفكرة إنما هو ذلك العصر الذي أخذ اليهود يستوطنون فيه شمال البلاد العربية ويبنون فيه المستعمرات ..إلخ وأن ظهور الإسلام وما كان من الخصومة بينه وبين وثنية العرب من غير أهل الكتاب قد اقتضى أن نثبت الصلة بين المدن الجديدة وبين ديانتي النصارى واليهود وأنه مع ثبوت الصلة الدينية يحسن أن تؤيدها صلة مادية ...إلخ . "
إذا كان الأستاذ المؤلف يرى أن ظهور الإسلام قد اقتضى أن تثبت الصلة بينه وبين ديانتي اليهود والنصارى ، وأن القرابة المادية الملفقة بين العرب واليهود لازمة لإثبات الصلة بين الإسلام واليهودية فاستغلها لهذا الغرض ، فهل له أن يبين السبب في عدم اهتمامه أيضا بمثل هذه الحيلة لتوثيق الصلة بين الإسلام والنصرانية ؟ وهل عدم اهتمامه هذا معناه عجزه أو استهانته بأمر النصرانية ؟ وهل من يريد توثيق الصلة مع اليهود بأي ثمن ، حتى باستغلال التلفيق هو الذي يقول عنهم في القرآن : "لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا" . إن الأستاذ ليعجز عن تقديم هذا البيان إذ أن كل ما ذكره في هذه المسألة إما هو خيال في خيال وكل ما استند إليه من أدلة هو :
1- فليس ببعيد أن يكون ...
2- فما الذي يمنع ...
3- ونحن نعتقد ...
4- وإذن فليس ما يمنع قريشا من أن تقبل هذه الأسطورة .
5- وإذن فنستطيع أن نقول !!!
فالأستاذ المؤلف في بحثه إذا رأى إنكار الشيء يقول لا دليل على الأدلة التي تتطلبها الطرق الحديثة للبحث حسب الخطة التي رسمها في منهج البحث وإذا رأى تقرير أمر لا يدلل عليه بغير الأدلة التي أحصيناها له وكفى بقوله حجة .
سئل الأستاذ في التحقيق عن أصل هذه المسألة "أي تلفيق القصة" وهل هي من استنتاجه أو نقلها . فقال: "فرض فرضته أنا دون أن أطلع عليه في كتاب آخر وقد أخبرت بعد أن ظهر الكتاب أن شيئا من هذا الفرض يوجد في بعض كتب المبشرين ، ولكن لم أفكر فيه حتى بعد ظهور كتابي" . على أنه سواء كان الفرض من تخيله كما يقول أو من نقله عن ذلك المبشر الذي يستتر تحت اسم (هاشم العربي) فإنه كلام لا يستند إلى دليل ولا قيمة له ، على أننا نلاحظ أن ذلك المبشر مع ما هو ظاهر من مقاله من غرض الطعن على الإسلام كان في عباراته أظرف من مؤلف كتاب الشعر الجاهلي لأنه لم يتعرض للشك في وجود إبراهيم وإسماعيل بالذات وإنما اكتفى بأن أنكر أن إسماعيل أبو العرب العدنانيين ، وقال إن حقيقة الأمر في قصة إسماعيل أنها دسيسة لفقها قدماء اليهود للعرب تزلفا إليهم ...إلخ . كما نلاحظ أيضا أن ذلك المبشر قد يكون له عذره في سلوك هذا السبيل لأن وظيفته التبشير لدينه وهذا غرضه الذي يتكلم فيه ولكن ما عذر الأستاذ المؤلف في طرق هذا الباب وما هي الضرورة التي ألجأته إلى أن يرى في هذه القصة نوعا من الحيلة...إلخ .
وإن كان المتسامح يرى له بعض العذر في التشكيك الذي أظهره أولا اعتمادا على عدم وجود الدليل التاريخي كما يقول فما الذي دعاه إلى أن يقول في النهاية بعبارة تفيد الجزم : "إن هذه القصة إذن واضحة فهي حديثة العهد ظهرت قبيل الإسلام واستغلها الإسلام لسبب ديني واضح ...إلخ" . مع اعترافه في التحقيق بأن المسألة فرض افترضه .
يقول الأستاذ إنه إن صح افتراضه فإن القصة كما كانت شائعة بين العرب قبل الإسلام فلما جاء الإسلام استغلها وليس ما يمنع أن يتخذها الله في القرآن وسيلة لإقامة الحجة على الخصوم المسلمين كما اتخذ غيرها من القصص التي كانت معروفة وسيلة إلى الاحتجاج أو إلى الهداية - وهاشم العربي يقول في مثل هذا : ولما ظهر محمد رأى المصلحة في إقرارها فأقرها وقال للعرب إنه يدعوهم إلى ملة جدهم هذا الذي يعظمونه من غير أن يعرفوه ، فسبحان من أوجد هذا التوافق بين الخواطر ...
إن الأستاذ المؤلف أخطأ فيما كتب وأخطأ أيضا في تفسير ما كتب وهو في هذه النقطة قد تعرض بغير شك لنصوص القرآن وليس في وسعه الهرب بادعائه البحث العلمي منفصلا عن الدين ، فليفسر لنا إذن قوله تعالى في سورة النساء: "إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان ...إلخ ..." وقوله في سورة مريم : "واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صدّيقا نبيا" و "اذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا" وفي سورة آل عمران "قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون" وغير ذلك من الآيات القرآنية الكثيرة التي ورد فيها ذكر إبراهيم وإسماعيل ، لا على سبيل المثال كما يدعي حضرته ، وهل عقل الأستاذ سليم بأن الله سبحانه وتعالى يذكر أن إبراهيم نبي وأن إسماعيل رسول نبي مع أن القصة ملفقة ، وماذا يقول حضرته في موسى وعيسى وقد ذكرهما الله سبحانه وتعالى في الآية الأخيرة مع إبراهيم وإسماعيل وقال في حقهم جميعا لا نفرق بين أحد منهم ، وهل يرى حضرته أن قصة موسى وعيسى من الأساطير أيضا قد ذكرها الله وسيلة للاحتجاج أو للهداية كما فعل في قصة إبراهيم وإسماعيل ما دامت الآية تقضي بألا نفرق بين أحد منهم ، الحق أن المؤلف في هذه المسألة يتخبط تخبط الطائش ويكاد يعترف بخطئه لأن جوابه يشعر بهذا عندما سألناه في التحقيق عن السبب الذي دعاه أخيرا لأن يقرر بطريقة تفيد الجزم بأن القصة حديثة العهد ظهرت قبيل الإسلام فقال في ص37 من محضر التحقيق : "هذه العبارة إذا كانت تفيد الجزم فهي إنما تفيده إن صح الفرض الذي قامت عليه وربما كان فيها شيء من الغلو ولكني أعتقد أن العلماء جميعا عندما يفترضون فروضا علمية يبيحون لأنفسهم مثل هذا النحو من التعبير فالواقع أنهم مقتنعون فيما بينهم وبين أنفسهم بأن فروضهم راجحة".
والذي نراه أن موقف الأستاذ هنا لا يختلف عن موقف الأستاذ (هوار) حين تكلم عن شعر أمية بن أبي الصلت وقد وصف المؤلف نفسه هذا الموقف ص82 و83 من كتابه بقوله : "مع أني من أشد الناس إعجابا بالأستاذ (هوار) وبطائفة من أصحابه المستشرقين وبما ينتهون إليه في كثير من الأحيان من النتائج العلمية القيمة في تاريخ الأدب العربي التي يتخذونها للبحث فإني لا أستطيع أن أقرأ مثل هذا الفصل دون أن أعجب كيف يتورط العلماء أحيانا في مواقف لا صلة بينها وبين العلم" .
حقا إن الأستاذ قد تورط في هذا الموقف الذي لا صلة بينه وبين العلم بغير ضرورة يقتضيها بحثه ولا فائدة يرجوها لأن النتيجة التي وصل إليها من بحثه وهي قوله "إن الصلة بين اللغة العدنانية وبين اللغة القحطانية كالصلة بين اللغة العربية وأي لغة أخرى من اللغات السامية المعروفة وأن قصة العاربة والمستعربة وتعلم إسماعيل العربية من جرهم كل ذلك حديث أساطير لا خطر له ولا غناء فيه" ما كانت تستدعي التشكيك في صحة إخبار القرآن عن إبراهيم وإسماعيل وبنائهما الكعبة ثم الحكم بعدم صحة القصة وباستغلال الإسلام لها لسبب ديني .
ونحن لا نفهم كيف أباح المؤلف لنفسه أن يخلط بين الدين وبين العلم وهو القائل بأن الدين يجب أن يكون بمعزل عن هذا النوع من البحث الذي هو بطبيعته قابل للتغيير والنقص والشك والإنكار (ص22 من محضر التحقيق) وإننا حيث نفصل بين العلم والدين نضع الكتب السماوية موضع التقديس ونعصمها من إنكار المنكرين وطعن الطاعنين (ص24 من محضر التحقيق) ولا ندري لم يفعل غير ما يقول في هذا الموضوع . لقد سئل في التحقيق فقال : "إن الداعي أني أناقش طائفة من العلماء والأدباء والقدماء والمحدثين وكلهم يقرون بأن العرب المستعربة أخذوا لغتهم عن العرب العاربة بواسطة إسماعيل بعد أن هاجر ، وهم جميعا يستدلون على آرائهم بنصوص من القرآن ومن الحديث فليس لي بد من أن أقول لهم إن هذه النصوص لا تلزمني من الوجهة العلمية".
ابو تراجى
12-21-2009, 12:45 PM
أما الثابت من نصوص القرآن فقصة الهجرة وبناء الكعبة وليس في القرآن نصوص يستدل بها عن تقسيم العرب إلى عاربة ومستعربة ، وعلى أن إسماعيل أبو العرب العدنانيين ، ولا على تعلم إسماعيل العربية من جرهم ، ونص الآية التي ثبتت الهجرة "ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون" لا يفيد غير إسكان ذرية إبراهيم في وادي مكة أي أن إسماعيل هو جرم صغير (كنص الحديث) إلى هذا الوادي فنشأ بين أهله وهم العرب وتعلم هو وأبناؤه لغة من نشئوا بينهم وهي العربية لأن اللغة لا تولد مع الإنسان وإنما تكتسب اكتسابا وقد اندمجوا في العرب فصاروا منهم وهذا الاندماج لا يترتب عليه أن يكون جميع العرب العدنانيين من ذريته وهو ما لم يقل به أحد - ويا ليت الأستاذ المؤلف حذا حذو ذلك المبشر (هاشم العربي) في هذه المسالة حيث قال : "ولا إسماعيل نفسه باب العرب المستعربة ولا تملك أحد من بنيه على أمة من الأمم وإنما قصارى أمرهم أنهم دخلوا وهم عدد قليل من قبائل العرب العديدة المجاورة لمنازلهم فاختلطوا بها وما كانوا منها إلا كعصاة في فلاة" - راجع ص356 من كتاب مقالة في الإسلام - ولو أن المؤلف فعل هذا لنجا من التورط في هذا الموضوع . أما مسالة بناء الكعبة فلم يفهم الحكمة في نفيها واعتبرها أسطورة من الأساطير اللهم إلا إذا كان مراده إزالة كل أثر لإبراهيم وإسماعيل ولكن ما مصلحة المؤلف من هذا ؟ الله أعلم بمراده .
ملحق قرار النيابة في قضية كتاب (في الشعر الجاهلي)
عن الأمر الثاني
من حيث إن المبلغين ينسبون إلى المؤلف أنه زعم "عدم إنزال القراءات السبع المجمع عليها والثابتة لدى المسلمين جميعا" ويقول إن هذه القراءات "إنما قرأتها العرب حسب ما استطاعت لا كما أوصى الله بها إلى نبيه ، مع أن معاشر المسلمين يعتقدون أن كل هذه القراءات مروية عن الله تعالى على لسان النبي صلى الله عليه وسلم وأن [ما] تجده فيها من إمالة وفتح وإدغام وفك ونقل كله منزل من عند الله تعالى استدلوا على هذا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم (أقرأني جبريل على حرف فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف) وعلى قوله صلى الله عليه وسلم لما تحاكم إليه سيدنا عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم بسبب ما ظهر من الاختلاف بين قراءة كل منهما (هكذا أنزل ، وإن القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه) وقالوا إن الحديث حديث وإن كان غير متواتر من حيث السند إي أنه متواتر من حيث المعنى وحيث أنه يجب أن يلاحظ قبل الكلام عبارة المؤلف أن حديث (أنزل القرآن على سبعة أحرف) قد ورد من رواية نحو عشرين من الصحابة لا بنصه ولكن بمعناه . وقد حصل اختلاف كثير في المراد بالأحرف السبعة فقال بعضهم إن المراد بالأحرف السبعة الأوجه التي يقع بها الاختلاف في القراءة (راجع كتاب البيان لطاهر بن صالح بن أحمد الجزائري طبعة المنار- ص37-38) وقال بعضهم إنها أوجه من المعاني المتفقة بالألفاظ المختلفة نحو : (أقبل وهلم وتعال وعجل وأسرع وانظر وأخر وأمهل ونحوه) (راجع ص39 وما بعدها من الكتاب المذكور) وقال بعضهم إنها أمر وزجر وترغيب وترهيب وجدل وقصص ومثل (ص47) وقال بعضهم إنها سبع لغات متفرقة في القرآن لسبعة أحياء من قبائل العرب مختلفة الألسن (ص49) وقال بعضهم إن المراد بالسبعة الأحرف سبعة أوجه في أداء التلاوة وكيفية النطق بالكلمات التي فيها من إدغام وإظهار وتفخيم وترقيق وإمالة وإشباع ومد وقصر وتشديد وتخفيف وتليين ، لأن العرب كانت مختلفة اللغات في هذه الوجوه فيسر الله عليهم ليقرأ كل إنسان بما يوافق لغته ويسهل على لسانه (ص59) وقال غيرهم خلاف ذلك .
وقد قال (الحافظ أو حاتم بن حيان البستي) : اختلف أهل العلم في معنى الأحرف السبعة في خمسة وثلاثين قولا (ص59 و 60) وقال الشرف المرسي : (الوجوه أكثرها متداخلة ولا أدري مستندها ولا عمن نقلت) إلى أن قال : (وقد ظن كثير من العوام أن المراد بها القراءات السبع وهو جهل قبيح ، ص61 وقال بعضهم هذا الحديث من المشكل الذي لا يدري معناه وقال آخر والمختار عندي أنه من المتشابه الذي لا يدري تأويله).
ورأى (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري) صاحب التفسير الشهير في معنى هذا الحديث إنه أنزل بسبع لغات وينفي أن يكون المراد بالحديث القراءات لأنه قال فأما ما كان من اختلاف القراءة في رفع حرف وجره ونصبه وتسكين حرف وتحريكه ونقل حرف إلى آخر مع اتفاق الصورة فمن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم (أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف) بمعزل لأنه معلوم أنه لا حرف من حروف القرآن مما اختلفت القراءة في قراءته بهذا المعنى يوجب المراء به كفر المماري به في قول أحد من علماء الأمة .. (راجع الجزء الأول من تفسير القرآن للطبري ص23 طبع المطبعة الأميرية).
والمؤلف قد تعرض لهذه المسألة في الفصل الخامس الذي عنوانه (الشعر الجاهلي واللهجات) حيث تكلم عن عدم ظهور اختلاف في اللهجة (يريد باللهجة هنا الاختلافات المحلية في اللغة الواحدة أو ما يسميه الفرنسيون "Dialcte" أو تباعد في اللغة أو تباين في مذهب الكلام مع أن لكل قبيلة لغتها ومذهبها في الكلام وهو يريد بذلك أن يدلل على أن الشعر الذي لم يظهر فيه أثر لهذه الاختلافات لم يصدر ، عن هذه النقطة قال إن القرآن الذي تلى بلهجة واحدة هي لغة قريش ولهجتها لم يكد يتناوله القراء من القبائل المختلفة حتى كثرت قراءاته وتعددت اللهجات فيه وتباينت تباينا كثيرا ، جد القراء والعلماء المتأخرون في ضبطه وتحقيقه وأقاموا له علما أو علوما خاصة وقد أشار بإيضاح إلى ما يريده من الاختلاف في القراءات فقال "إنما يشير إلى اختلاف آخر يقبله العقل ويسيغه النقل وتقتضيه ضرورة اختلاف اللهجات بين قبائل العرب التي لم تستطع أن تغير حناجرها وألسنتها وشفاهها لتقرأ القرآن كما كان يتلوه النبي وعشريته من قريش فقرأته كما كانت تتكلم فأمالت حيث لم تكن تميل ومدت حيث لم تكن تمد وقصرت حيث لم تكن تقصر وسكنت حيث لم تكن تسكن وأدغمت أو أخفت أو نقلت حيث لم تكن تدغم ولا تخفي ولا تنتقل" .
فالمؤلف لم يتعرض بقضية القراءات من حيث أنها منزلة أو غير منزلة وإنما قال كثرت القراءات وتعددت اللهجات وقال إن الخلاف الذي وقع في القراءات تقتضيه ضرورة اختلاف اللهجات بين قبائل العرب التي لم تستطع أن تغير حناجرها وألسنتها وشفاهها فهو بهذا يصف الواقع ، وإن صح رأي من قال إن المقصور بالأحرف السبعة هو القراءات السبع فإن هذه الاختلافات التي كانت واقعة فعلا كانت طبعا هي السبب الذي دعا إلى الترخيص للنبي صلى الله عليم وسلم بأنه يقرئ كل قوم بلغتهم حيث قال صلى الله عليه وسلم : (أنه قد وسع لي أن أقرئ كل قوم بلغتهم) قال أيضا : (أتاني جبريل فقال اقرأ القرآن على حرف واحد فقلت إن أمتي لا تستطيع ذلك حتى قال سبع مرات فقال لي اقرأ على سبعة أحرف الخ) ، وإن لم يصح هذا الرأي فإن نوع القراءات الذي عناه المؤلف إنما هو من نوع ما أشار إليه (الطبري) بقوله بمعزل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم (أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف) لأنه معلوم أنه لا حرف من حروف القرآن مما اختلفت القراءة في قراءته بهذا المعنى يوجب المراء به كفر المماري به في قول أحد من علماء الأمة .
ونحن نرى أن ما ذكره المؤلف في هذه المسألة هو بحث علمي لا تعارض بينه وبين الدين لا اعتراض لنا عليه .
ملحق قرار النيابة في قضية كتاب (في الشعر الجاهلي)
عن الأمر الثالث
من حيث إن حضرات المبلغين ينسبون للإستاذ المؤلف أنه طعن في كتابه النبي صلى الله عليه وسلم طعنا فاحشا من حيث نسبه قال في ص72 من كتابه : "ونوع آخر من تأثير الدين في انتحال الشعر وإضافته إلى الجاهليين وهو ما يتصل بتعظيم شأن النبي من ناحية أسرته ونسبه إلى قريش ، فلأمر ما اقتنع الناس بأن النبي يجب أن يكون صفوة بني هاشم وأن يكون بنو هاشم صفوة بني عبد مناف وأن يكون عبد مناف صفوة بني قصي وأن يكون قصي صفوة قريش وقريش صفوة مضر ومضر صفوة عدنان وعدنان صفوة العرب والعرب صفوة الإنسانية كلها" . قالوا إن تعدي المؤلف بالتعريض بنسب النبي صلى الله عليه وسلم وتحقير من قدره تعدٍ على الدين وجرم عظيم يسيء إلى المسلمين والإسلام فهو قد اجترأ على أمر لم يسبقه إله كافر ولا مشرك.
المؤلف أورد هذه العبارة في كلامه (على الدين وانتحال الشعر) والأسباب التي يعتقد أنها دعت المسلمين إلى انتحال الشعر وأنه كان يقصد بالانتحال في بعض الأطوار إلى إثبات صحة النبوة وصدق النبي وكان هذا النوع موجها إلى عامة الناس وقال بعد ذلك : والغرض من هذا الانتحال على ما يرجح - إنما هو إرضاء حاجات العامة الذين يريدون المعجزة في كل شيء ولا يكرهون أن يقال لهم إن من دلائل صدق النبي في رسالته أنه كان منتظرا قبل أن يجيء بدهر طويل ثم وصل إلى ما يتعلق بتعظيم شأن النبي من ناحية أسرته ونسبه في قريش .
ونحن لا نرى اعتراضا على بحثه على هذا النحو من حيث هو إنما كل ما نلاحظه عليه أن تكلم فيما يختص بأسرة النبي صلى الله عليه وسلم ونسبه في قريش بعبارة خالية من كل احترام بل وبشكل تهكمي غير لائق ولا يوجد في بحثه ما يدعوه لإيراد العبارة على هذا النحو .
ملحق قرار النيابة في قضية كتاب (في الشعر الجاهلي)
عن الأمر الرابع
يقول حضرات المبلغين إن الأستاذ المؤلف أنكر أن للإسلام أولية في بلاد العرب وأنه دين إبراهيم ، إذ يقول: "أما المسلمون فقد أرادوا أن للإسلام أولية في بلاد العرب كانت قبل أن يبعث النبي وأن خلاصة الدين الإسلامي وصفوته هي خلاصة الدين الحق الذي أوحاه الله إلى الأنبياء من قبل" .. إلى أن قال : "وشاعت في العرب أثناء ظهور الإسلام وبعده فكرة أن الإسلام يجدد دين إبراهيم ومن هنا أخذوا يعتقدون أن دين إبراهيم هذا قد كان دين العرب في عصر من العصور ثم أعرضت عنه لما أضلها به المضلون وانصرفت عنه إلى عبادة الأوثان" .. إلخ .
ومن حيث إن كلام المؤلف هنا هو استمرار في بحث بيان أسباب انتحال الشعر من حيث تأثير الدين على الانتحال ولا اعتراض على البحث من حيث هو . وقد قرر المؤلف في التحقيق أنه لم ينكر أن الإسلام دين إبراهيم ولا أن له أولية في العرب وأن شأن ما ذكره في هذه المسألة كشأن ما ذكره في مسألة النسب : رأي القصاص في اقتناع المسلمين بأن للإسلام أولية وبأنه دين إبراهيم فاستغلوا هذا الاقتناع وأنشؤوا حول مسألة النسب .
ونحن لا نرى اعتراضا على أن يكون مراده بما يكتب في هذه المسألة هو ما ذكر ، ولكننا نرى أنه سيئ التعبير جدا في بعض عباراته كقوله: "ولم يكن أحد قد احتكر ملة إبراهيم ولا زعم لنفسه الانفراد بتأويلها فقد أخذ المسلمون يردون الإسلام في خلاصته إلى دين إبراهيم هذا الذي هو أقدم وأنقى من دين اليهود والنصارى كقوله وشاعت في العرب أثناء ظهور الإسلام وبعده فكرة أن الإسلام يجدد دين إبراهيم . ومن هنا أخذوا يعتقدون أن دين إبراهيم هذا قد كان دين العرب في عصر من العصور .." لأن في إيراد عباراته على هذا النحو ما يشعر بأنه يقصد شيئا آخر بجانب هذا المراد خصوصا إذا قربنا بين هذه العبارات وبين ما سبق له ذكره بشأن تشككه في وجود إبراهيم وما يتعلق به .
ملحق قرار النيابة في قضية كتاب (في الشعر الجاهلي)
القانون ونص الحكم
عن القانون
نصت المادة 12 من الأمر الملكي رقم 42 لسنة 1923م بوضع نظام دستوري للدولة المصرية على أن حرية الاعتقاد مطلقة .
ونصت المادة 14 منه على أن حرية الرأي مكفولة ولكل إنسان الإعراب عن فكره بالقول أو بالكتابة أو بالتصوير أو بغير ذلك في حدود القانون فله أن يعرب عن اعتقاده وفكره بالقول أو بالكتابة بشرط ألا يتجاوز حدود القانون .
وقد نصت المادة 139 من قانون العقوبات الأهلي على عقاب كل تعد يقع بإحدى الطرق العلانية المنصوص عنها في المادتين 148 و 150 ، على أحد الأديان التي تؤدى شعائرها علنا- كما أشرنا في البداية - وهي جريمة .
وجريمة التعدي على الأديان في البداية - وهي جريمة الماقب عليها بمقتضى المادة المذكورة تتكون بتوفر أربعة أركان :
التعدي ، ووقوع التعدي بإحدى طرق العلنية المبينة في المادتين 148 و 150 عقوبات ، ووقوع التعدي على أحد الأديان التي تؤدى شعائرها علنا ، وأخيرا القصد الجنائي .
عن الركن الأول
لم يذكر القانون بشأن هذا الركن في المادة إلا لفظ (تعد) وهذا اللفظ عام يمكن فهم المراد منه بالرجوع إلى نص المادة باللغة الفرنسية وقد عبر فيه عن التعدي بلفظ Outtaga والقانون قد استعمل لفظ Outtaga هذا في المواد 155 و 159 و 160عقوبات أيضا ولما ذكر معناها في النص العربي للمواد المذكورة عبر في المادة 155 بقوله (كل من انتهك حرمة) وفي المادتين 159 و 160 تضاف : بإهانة . فيتضح من هذا - أن مراده بالتعدي في المادة 139 كل مساس بكرامة الدين أو انتهاك حرمته أو الحط من قدره أو الازدراء به لأن الإهانة تشمل كل هذه المعاني بلا شك .
وحيث إنه بالرجوع إلى الوقائع التي ذكرها الدكتور طه حسين والتي تكلمنا عنها تفصيلا وتطبيقا على القانون يتضح أن كلامه الذي بحثناه تحت عنوان (الأمر الأول) فيه تعد على الدين الإسلامي لأنه انتهك حرمة هذا الدين بأن نسب إلى الإسلام أنه استغل قصة ملفقة هي قصة هجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة وبناء إبراهيم وإسماعيل للكعبة واعتبار هذه القصة أسطورة وأنها من تلفيق اليهود وأنها حديثة العهد ظهرت قبيل الإسلام إلى آخر ما ذكرناه تفصيلا عند الكلام عن الوقائع وهو بكلامه هذا يرمي الدين الإسلامي بأنه مضلل في أمور هي عقائد في القرآن باعتبار أنها حقائق لا مرية فيها كما أن كلامه الذي بحثناه تحت عنوان (الأمر الرابع) قد أورده على صورة تشعر بأنه يريد به إتمام فكرته بشأن ما ذكر- أما كلامه بشأن نسب النبي صلى الله عليه وسلم فهو إن لم يكن فيه طعن ظاهر إلا أنه أورده بعبارة تهكمية تشف عن الحط من قدره - وأما ما ذكر بشأن القراءات مما تكلمنا عنه في الأمر الثاني فإنه بحث بريء من الوجهة العلمية والدينية أيضا ولا شيء فيه يستوجب المؤاخذة لا من الوجهة الأدبية ولا من الوجهة القانونية .
عن الركن الثاني
لا كلام في هذا الركن لأن الطعن السابق بيانه قد رفع بطريق العلنية إذ أنه ورد في كتاب (في الشعر الجاهلي) الذي طبع ونشر وبيع في المحلات .
عن الركن الثالث
لا نزاع في هذا الركن أيضا لأن التعدي وقع على الدين الإسلامي الذي تؤدى شعائره علنا وهو الدين الرسمي للدولة .
عن الركن الرابع
هذا الركن هو الركن الأدبي الذي يجب أن يتوفر في كل جريمة . فيجب إذن لمعاقبة المؤلف أن يقوم الدليل على توفر القصد الجنائي لديه . بعبارة أوضح يجب أن يثبت أنه إنما أراد بما كتبه أن يتعدى على الدين الإسلامي فإذا لم يثبت هذا الركن فلا عقاب .
أنكر المؤلف في التحقيقات أنه يريد الطعن على الدين الإسلامي وقال أنه ذكر ما ذكر في سبيل البحث العلمي وخدمة العلم لا غير ، غير مقيد بشيء ، وقد أشار في كتابه تفصيلا إلى الطريق الذي رسمه للبحث ولابد هنا من أن نشير إلى ما قرره المؤلف في التحقيق من أنه كمسلم لا يرتاب في وجود إبراهيم وإسماعيل وما يتصل بهما مما جاء في القرآن ولكنه كعالم مضطر إلى أن يذعن لمناهج البحث فلا يسلم بالوجود العلمي التاريخي لإبراهيم وإسماعيل فهو يجرد من نفسه شخصيتين وقد وجدنا المؤلف قد شرح نظريته هذه شرحا مستفيضا في مقال نشره بجريدة السياسة الأسبوعية بالعدد 19 الصادر في 17 يوليو سنة 1926 ص5 تحت عنوان (العلم والدين) وقد ذكر فيه بالنص : "فكل امرئ منا يستطيع إذا فكر قليلا أن يجد في نفسه شخصيتين متمايزتين إحداهما عاقلة تبحث وتنقد وتحلل وتغير اليوم ما ذهبت إليه أمس وتهدم اليوم ما بنته أمس ، الأخرى شاعرة تلذ وتألم وتفرح وتحزن وترضى وتغضب وترغب وترهب في غير نقد ولا بحث ولا تحليل وكلتا الشخصيتين متصلة بمزاجنا وتكويننا لا نستطيع أن نخلص من إحداهما فما الذي يمنع لأن تكون الشخصية الأولى عالمة باحثة ناقدة وأن تكون الشخصية الثانية مؤمنة مطمئنة طامحة إلى المثل الأعلى" .
ولسنا نعترض على هذه النظرية بأكثر مما اعترض به هو على نفسه في مقاله حيث ذكر بعد ذلك : "سنقول وكيف يمكن أن تجمع المتناقضين ولست أحاول جوابا لهذا السؤال وإنما أحولك على نفسك .." إلخ . ولا شك في أن عدم محاولة الإجابة عن هذا الاعتراض إنما هو عجزه عن الجواب ، والمفهوم أنه قد أورد هذا الاعتراض لأنه يتوقعه حتى لا يوجه إليه .
الحقيقة أنه لا يمكن الجمع بين النقيضين في شخص واحد في وقت واحد بل لا بد من أن تتجلى إحدى الحالتين للأخرى وقد أشار المؤلف نفسه إلى هذا في المقال نفسه في سياق كلامه على الخلاف بين العلم والدين حيث قال بشأنهما : ليسا متفقين ولا سبيل إلى أن يتفقا إلا أن ينزل أحدهما لصاحبه عن شخصيته كلها .
أما توزيع الاختصاص الذي أجراه الدكتور بجعله العلم من اختصاص القوة العاقلة ، والدين من اختصاص القوة الشاعرة فلسنا ندركه والذي نفهمه أن العقل هو الأساس في العلم والدين معا وإذا ما وجدنا العلم والدين يتنازعان فسبب ذلك أنه ليس لدينا القدر الكافي من كل منهما - إننا نقرر هذا بناء على ما نعرفه في أنفسنا ، أما الدكتور فقد تكون لديه القدرة على ما يقول وليس ذلك على الله بعسير .
نحن في موقع البحث عن حقيقة نية المؤلف ، فسواء لدينا إن صحت نظرية تجريد شخصيتين عالمة ومتدينة أو لم تصح فإننا على الفرضين نرى أنه كتب ما كتب على اعتقاد تام . ولما قرأنا ما كتبه بإمعان وجدناه منساقا في كتاباته بعامل قوي متسلط على نفسه وقد بينا حين بحثنا الوقائع كيف قاده بحثه إلى ما كتب وهو إن كان قد أخطأ فيما كتب إلا أن الخطأ المصحوب باعتقاد الصواب شيء وتعمد الخطأ المصحوب بنية التعدي شيء آخر .
وحيث إنه مع ملاحظة أن أغلب ما كتبه المؤلف مما يمس موضوع الشكوى وهو ما قصرنا بحثنا عليه إنما هو تخيلات وافتراضات واستنتاجات لا تستند إلى دليل علمي صحيح فإنه كان يجب عليه أن يكون حريصا في جرأته على ما أقدم عليه مما يمس الدين الإسلامي الذي هو دينه ودين الدولة التي هو من رجالها المسؤولين عن نوع من العمل فيها وأن يلاحظ مركزه الخاص في الوسط الذي يعمل فيه - صحيح أنه كتب ما كتب عن اعتقاد بأنه بحثه العلمي يقتضيه ولكنه مع هذا كان مقدرا لمركزه تماما وهذا الشعور ظاهر من عبارات كثيرة في كتابه منها قوله : وأكاد أثق بأن فريقا منهم سليقونه ساخطين عليه وبأن فريقا سيزورون عنه ازورارا ولكني على سخط أولئك وازورار هؤلاء أريد أن أذيع هذا البحث .
إن للمؤلف فضلا لا ينكر في سلوكه طريقا جديدا للبحث حذا فيه خذو العلماء من الغربيين ولكنه لشدة تأثير نفسه مما أخذ عنهم قد تورط في بحثه حتى تخيل حقا ما ليس بحق أو ما لا يزال بحاجة إلى إثبات أنه حق ، إنه قد سلك طريقا مظلما فكان يجب عليه أن يسير على مهل أو أن يحتاط في سيره حتى لا يضل ولكن أقدم بغير احتياط فكانت النتيجة غير محمودة .
وحيث إنه مما تقدم يتضح أن غرض المؤلف لم يكن مجرد الطعن والتعدي على الدين بل إن العبارات الماسة بالدين التي أوردها في بعض المواضع من كتابه إنما قد أوردها في سبيل البحث العلمي مع اعتقاده أن بحثه يقتضيها .
وحيث إنه من ذلك يكون القصد الجنائي غير متوفر (فلذلك) تحفظ الأوراق إداريا ...
محمد نور
رئيس نيابة مصر
القاهرة في 30 مارس سنة 1927م
نشر هذا النص للمرة الأولى في كتاب (محاكمة طه حسين) لخيري شبلي .
ابو تراجى
12-21-2009, 12:45 PM
أما الثابت من نصوص القرآن فقصة الهجرة وبناء الكعبة وليس في القرآن نصوص يستدل بها عن تقسيم العرب إلى عاربة ومستعربة ، وعلى أن إسماعيل أبو العرب العدنانيين ، ولا على تعلم إسماعيل العربية من جرهم ، ونص الآية التي ثبتت الهجرة "ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون" لا يفيد غير إسكان ذرية إبراهيم في وادي مكة أي أن إسماعيل هو جرم صغير (كنص الحديث) إلى هذا الوادي فنشأ بين أهله وهم العرب وتعلم هو وأبناؤه لغة من نشئوا بينهم وهي العربية لأن اللغة لا تولد مع الإنسان وإنما تكتسب اكتسابا وقد اندمجوا في العرب فصاروا منهم وهذا الاندماج لا يترتب عليه أن يكون جميع العرب العدنانيين من ذريته وهو ما لم يقل به أحد - ويا ليت الأستاذ المؤلف حذا حذو ذلك المبشر (هاشم العربي) في هذه المسالة حيث قال : "ولا إسماعيل نفسه باب العرب المستعربة ولا تملك أحد من بنيه على أمة من الأمم وإنما قصارى أمرهم أنهم دخلوا وهم عدد قليل من قبائل العرب العديدة المجاورة لمنازلهم فاختلطوا بها وما كانوا منها إلا كعصاة في فلاة" - راجع ص356 من كتاب مقالة في الإسلام - ولو أن المؤلف فعل هذا لنجا من التورط في هذا الموضوع . أما مسالة بناء الكعبة فلم يفهم الحكمة في نفيها واعتبرها أسطورة من الأساطير اللهم إلا إذا كان مراده إزالة كل أثر لإبراهيم وإسماعيل ولكن ما مصلحة المؤلف من هذا ؟ الله أعلم بمراده .
ملحق قرار النيابة في قضية كتاب (في الشعر الجاهلي)
عن الأمر الثاني
من حيث إن المبلغين ينسبون إلى المؤلف أنه زعم "عدم إنزال القراءات السبع المجمع عليها والثابتة لدى المسلمين جميعا" ويقول إن هذه القراءات "إنما قرأتها العرب حسب ما استطاعت لا كما أوصى الله بها إلى نبيه ، مع أن معاشر المسلمين يعتقدون أن كل هذه القراءات مروية عن الله تعالى على لسان النبي صلى الله عليه وسلم وأن [ما] تجده فيها من إمالة وفتح وإدغام وفك ونقل كله منزل من عند الله تعالى استدلوا على هذا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم (أقرأني جبريل على حرف فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف) وعلى قوله صلى الله عليه وسلم لما تحاكم إليه سيدنا عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم بسبب ما ظهر من الاختلاف بين قراءة كل منهما (هكذا أنزل ، وإن القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه) وقالوا إن الحديث حديث وإن كان غير متواتر من حيث السند إي أنه متواتر من حيث المعنى وحيث أنه يجب أن يلاحظ قبل الكلام عبارة المؤلف أن حديث (أنزل القرآن على سبعة أحرف) قد ورد من رواية نحو عشرين من الصحابة لا بنصه ولكن بمعناه . وقد حصل اختلاف كثير في المراد بالأحرف السبعة فقال بعضهم إن المراد بالأحرف السبعة الأوجه التي يقع بها الاختلاف في القراءة (راجع كتاب البيان لطاهر بن صالح بن أحمد الجزائري طبعة المنار- ص37-38) وقال بعضهم إنها أوجه من المعاني المتفقة بالألفاظ المختلفة نحو : (أقبل وهلم وتعال وعجل وأسرع وانظر وأخر وأمهل ونحوه) (راجع ص39 وما بعدها من الكتاب المذكور) وقال بعضهم إنها أمر وزجر وترغيب وترهيب وجدل وقصص ومثل (ص47) وقال بعضهم إنها سبع لغات متفرقة في القرآن لسبعة أحياء من قبائل العرب مختلفة الألسن (ص49) وقال بعضهم إن المراد بالسبعة الأحرف سبعة أوجه في أداء التلاوة وكيفية النطق بالكلمات التي فيها من إدغام وإظهار وتفخيم وترقيق وإمالة وإشباع ومد وقصر وتشديد وتخفيف وتليين ، لأن العرب كانت مختلفة اللغات في هذه الوجوه فيسر الله عليهم ليقرأ كل إنسان بما يوافق لغته ويسهل على لسانه (ص59) وقال غيرهم خلاف ذلك .
وقد قال (الحافظ أو حاتم بن حيان البستي) : اختلف أهل العلم في معنى الأحرف السبعة في خمسة وثلاثين قولا (ص59 و 60) وقال الشرف المرسي : (الوجوه أكثرها متداخلة ولا أدري مستندها ولا عمن نقلت) إلى أن قال : (وقد ظن كثير من العوام أن المراد بها القراءات السبع وهو جهل قبيح ، ص61 وقال بعضهم هذا الحديث من المشكل الذي لا يدري معناه وقال آخر والمختار عندي أنه من المتشابه الذي لا يدري تأويله).
ورأى (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري) صاحب التفسير الشهير في معنى هذا الحديث إنه أنزل بسبع لغات وينفي أن يكون المراد بالحديث القراءات لأنه قال فأما ما كان من اختلاف القراءة في رفع حرف وجره ونصبه وتسكين حرف وتحريكه ونقل حرف إلى آخر مع اتفاق الصورة فمن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم (أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف) بمعزل لأنه معلوم أنه لا حرف من حروف القرآن مما اختلفت القراءة في قراءته بهذا المعنى يوجب المراء به كفر المماري به في قول أحد من علماء الأمة .. (راجع الجزء الأول من تفسير القرآن للطبري ص23 طبع المطبعة الأميرية).
والمؤلف قد تعرض لهذه المسألة في الفصل الخامس الذي عنوانه (الشعر الجاهلي واللهجات) حيث تكلم عن عدم ظهور اختلاف في اللهجة (يريد باللهجة هنا الاختلافات المحلية في اللغة الواحدة أو ما يسميه الفرنسيون "Dialcte" أو تباعد في اللغة أو تباين في مذهب الكلام مع أن لكل قبيلة لغتها ومذهبها في الكلام وهو يريد بذلك أن يدلل على أن الشعر الذي لم يظهر فيه أثر لهذه الاختلافات لم يصدر ، عن هذه النقطة قال إن القرآن الذي تلى بلهجة واحدة هي لغة قريش ولهجتها لم يكد يتناوله القراء من القبائل المختلفة حتى كثرت قراءاته وتعددت اللهجات فيه وتباينت تباينا كثيرا ، جد القراء والعلماء المتأخرون في ضبطه وتحقيقه وأقاموا له علما أو علوما خاصة وقد أشار بإيضاح إلى ما يريده من الاختلاف في القراءات فقال "إنما يشير إلى اختلاف آخر يقبله العقل ويسيغه النقل وتقتضيه ضرورة اختلاف اللهجات بين قبائل العرب التي لم تستطع أن تغير حناجرها وألسنتها وشفاهها لتقرأ القرآن كما كان يتلوه النبي وعشريته من قريش فقرأته كما كانت تتكلم فأمالت حيث لم تكن تميل ومدت حيث لم تكن تمد وقصرت حيث لم تكن تقصر وسكنت حيث لم تكن تسكن وأدغمت أو أخفت أو نقلت حيث لم تكن تدغم ولا تخفي ولا تنتقل" .
فالمؤلف لم يتعرض بقضية القراءات من حيث أنها منزلة أو غير منزلة وإنما قال كثرت القراءات وتعددت اللهجات وقال إن الخلاف الذي وقع في القراءات تقتضيه ضرورة اختلاف اللهجات بين قبائل العرب التي لم تستطع أن تغير حناجرها وألسنتها وشفاهها فهو بهذا يصف الواقع ، وإن صح رأي من قال إن المقصور بالأحرف السبعة هو القراءات السبع فإن هذه الاختلافات التي كانت واقعة فعلا كانت طبعا هي السبب الذي دعا إلى الترخيص للنبي صلى الله عليم وسلم بأنه يقرئ كل قوم بلغتهم حيث قال صلى الله عليه وسلم : (أنه قد وسع لي أن أقرئ كل قوم بلغتهم) قال أيضا : (أتاني جبريل فقال اقرأ القرآن على حرف واحد فقلت إن أمتي لا تستطيع ذلك حتى قال سبع مرات فقال لي اقرأ على سبعة أحرف الخ) ، وإن لم يصح هذا الرأي فإن نوع القراءات الذي عناه المؤلف إنما هو من نوع ما أشار إليه (الطبري) بقوله بمعزل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم (أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف) لأنه معلوم أنه لا حرف من حروف القرآن مما اختلفت القراءة في قراءته بهذا المعنى يوجب المراء به كفر المماري به في قول أحد من علماء الأمة .
ونحن نرى أن ما ذكره المؤلف في هذه المسألة هو بحث علمي لا تعارض بينه وبين الدين لا اعتراض لنا عليه .
ملحق قرار النيابة في قضية كتاب (في الشعر الجاهلي)
عن الأمر الثالث
من حيث إن حضرات المبلغين ينسبون للإستاذ المؤلف أنه طعن في كتابه النبي صلى الله عليه وسلم طعنا فاحشا من حيث نسبه قال في ص72 من كتابه : "ونوع آخر من تأثير الدين في انتحال الشعر وإضافته إلى الجاهليين وهو ما يتصل بتعظيم شأن النبي من ناحية أسرته ونسبه إلى قريش ، فلأمر ما اقتنع الناس بأن النبي يجب أن يكون صفوة بني هاشم وأن يكون بنو هاشم صفوة بني عبد مناف وأن يكون عبد مناف صفوة بني قصي وأن يكون قصي صفوة قريش وقريش صفوة مضر ومضر صفوة عدنان وعدنان صفوة العرب والعرب صفوة الإنسانية كلها" . قالوا إن تعدي المؤلف بالتعريض بنسب النبي صلى الله عليه وسلم وتحقير من قدره تعدٍ على الدين وجرم عظيم يسيء إلى المسلمين والإسلام فهو قد اجترأ على أمر لم يسبقه إله كافر ولا مشرك.
المؤلف أورد هذه العبارة في كلامه (على الدين وانتحال الشعر) والأسباب التي يعتقد أنها دعت المسلمين إلى انتحال الشعر وأنه كان يقصد بالانتحال في بعض الأطوار إلى إثبات صحة النبوة وصدق النبي وكان هذا النوع موجها إلى عامة الناس وقال بعد ذلك : والغرض من هذا الانتحال على ما يرجح - إنما هو إرضاء حاجات العامة الذين يريدون المعجزة في كل شيء ولا يكرهون أن يقال لهم إن من دلائل صدق النبي في رسالته أنه كان منتظرا قبل أن يجيء بدهر طويل ثم وصل إلى ما يتعلق بتعظيم شأن النبي من ناحية أسرته ونسبه في قريش .
ونحن لا نرى اعتراضا على بحثه على هذا النحو من حيث هو إنما كل ما نلاحظه عليه أن تكلم فيما يختص بأسرة النبي صلى الله عليه وسلم ونسبه في قريش بعبارة خالية من كل احترام بل وبشكل تهكمي غير لائق ولا يوجد في بحثه ما يدعوه لإيراد العبارة على هذا النحو .
ملحق قرار النيابة في قضية كتاب (في الشعر الجاهلي)
عن الأمر الرابع
يقول حضرات المبلغين إن الأستاذ المؤلف أنكر أن للإسلام أولية في بلاد العرب وأنه دين إبراهيم ، إذ يقول: "أما المسلمون فقد أرادوا أن للإسلام أولية في بلاد العرب كانت قبل أن يبعث النبي وأن خلاصة الدين الإسلامي وصفوته هي خلاصة الدين الحق الذي أوحاه الله إلى الأنبياء من قبل" .. إلى أن قال : "وشاعت في العرب أثناء ظهور الإسلام وبعده فكرة أن الإسلام يجدد دين إبراهيم ومن هنا أخذوا يعتقدون أن دين إبراهيم هذا قد كان دين العرب في عصر من العصور ثم أعرضت عنه لما أضلها به المضلون وانصرفت عنه إلى عبادة الأوثان" .. إلخ .
ومن حيث إن كلام المؤلف هنا هو استمرار في بحث بيان أسباب انتحال الشعر من حيث تأثير الدين على الانتحال ولا اعتراض على البحث من حيث هو . وقد قرر المؤلف في التحقيق أنه لم ينكر أن الإسلام دين إبراهيم ولا أن له أولية في العرب وأن شأن ما ذكره في هذه المسألة كشأن ما ذكره في مسألة النسب : رأي القصاص في اقتناع المسلمين بأن للإسلام أولية وبأنه دين إبراهيم فاستغلوا هذا الاقتناع وأنشؤوا حول مسألة النسب .
ونحن لا نرى اعتراضا على أن يكون مراده بما يكتب في هذه المسألة هو ما ذكر ، ولكننا نرى أنه سيئ التعبير جدا في بعض عباراته كقوله: "ولم يكن أحد قد احتكر ملة إبراهيم ولا زعم لنفسه الانفراد بتأويلها فقد أخذ المسلمون يردون الإسلام في خلاصته إلى دين إبراهيم هذا الذي هو أقدم وأنقى من دين اليهود والنصارى كقوله وشاعت في العرب أثناء ظهور الإسلام وبعده فكرة أن الإسلام يجدد دين إبراهيم . ومن هنا أخذوا يعتقدون أن دين إبراهيم هذا قد كان دين العرب في عصر من العصور .." لأن في إيراد عباراته على هذا النحو ما يشعر بأنه يقصد شيئا آخر بجانب هذا المراد خصوصا إذا قربنا بين هذه العبارات وبين ما سبق له ذكره بشأن تشككه في وجود إبراهيم وما يتعلق به .
ملحق قرار النيابة في قضية كتاب (في الشعر الجاهلي)
القانون ونص الحكم
عن القانون
نصت المادة 12 من الأمر الملكي رقم 42 لسنة 1923م بوضع نظام دستوري للدولة المصرية على أن حرية الاعتقاد مطلقة .
ونصت المادة 14 منه على أن حرية الرأي مكفولة ولكل إنسان الإعراب عن فكره بالقول أو بالكتابة أو بالتصوير أو بغير ذلك في حدود القانون فله أن يعرب عن اعتقاده وفكره بالقول أو بالكتابة بشرط ألا يتجاوز حدود القانون .
وقد نصت المادة 139 من قانون العقوبات الأهلي على عقاب كل تعد يقع بإحدى الطرق العلانية المنصوص عنها في المادتين 148 و 150 ، على أحد الأديان التي تؤدى شعائرها علنا- كما أشرنا في البداية - وهي جريمة .
وجريمة التعدي على الأديان في البداية - وهي جريمة الماقب عليها بمقتضى المادة المذكورة تتكون بتوفر أربعة أركان :
التعدي ، ووقوع التعدي بإحدى طرق العلنية المبينة في المادتين 148 و 150 عقوبات ، ووقوع التعدي على أحد الأديان التي تؤدى شعائرها علنا ، وأخيرا القصد الجنائي .
عن الركن الأول
لم يذكر القانون بشأن هذا الركن في المادة إلا لفظ (تعد) وهذا اللفظ عام يمكن فهم المراد منه بالرجوع إلى نص المادة باللغة الفرنسية وقد عبر فيه عن التعدي بلفظ Outtaga والقانون قد استعمل لفظ Outtaga هذا في المواد 155 و 159 و 160عقوبات أيضا ولما ذكر معناها في النص العربي للمواد المذكورة عبر في المادة 155 بقوله (كل من انتهك حرمة) وفي المادتين 159 و 160 تضاف : بإهانة . فيتضح من هذا - أن مراده بالتعدي في المادة 139 كل مساس بكرامة الدين أو انتهاك حرمته أو الحط من قدره أو الازدراء به لأن الإهانة تشمل كل هذه المعاني بلا شك .
وحيث إنه بالرجوع إلى الوقائع التي ذكرها الدكتور طه حسين والتي تكلمنا عنها تفصيلا وتطبيقا على القانون يتضح أن كلامه الذي بحثناه تحت عنوان (الأمر الأول) فيه تعد على الدين الإسلامي لأنه انتهك حرمة هذا الدين بأن نسب إلى الإسلام أنه استغل قصة ملفقة هي قصة هجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة وبناء إبراهيم وإسماعيل للكعبة واعتبار هذه القصة أسطورة وأنها من تلفيق اليهود وأنها حديثة العهد ظهرت قبيل الإسلام إلى آخر ما ذكرناه تفصيلا عند الكلام عن الوقائع وهو بكلامه هذا يرمي الدين الإسلامي بأنه مضلل في أمور هي عقائد في القرآن باعتبار أنها حقائق لا مرية فيها كما أن كلامه الذي بحثناه تحت عنوان (الأمر الرابع) قد أورده على صورة تشعر بأنه يريد به إتمام فكرته بشأن ما ذكر- أما كلامه بشأن نسب النبي صلى الله عليه وسلم فهو إن لم يكن فيه طعن ظاهر إلا أنه أورده بعبارة تهكمية تشف عن الحط من قدره - وأما ما ذكر بشأن القراءات مما تكلمنا عنه في الأمر الثاني فإنه بحث بريء من الوجهة العلمية والدينية أيضا ولا شيء فيه يستوجب المؤاخذة لا من الوجهة الأدبية ولا من الوجهة القانونية .
عن الركن الثاني
لا كلام في هذا الركن لأن الطعن السابق بيانه قد رفع بطريق العلنية إذ أنه ورد في كتاب (في الشعر الجاهلي) الذي طبع ونشر وبيع في المحلات .
عن الركن الثالث
لا نزاع في هذا الركن أيضا لأن التعدي وقع على الدين الإسلامي الذي تؤدى شعائره علنا وهو الدين الرسمي للدولة .
عن الركن الرابع
هذا الركن هو الركن الأدبي الذي يجب أن يتوفر في كل جريمة . فيجب إذن لمعاقبة المؤلف أن يقوم الدليل على توفر القصد الجنائي لديه . بعبارة أوضح يجب أن يثبت أنه إنما أراد بما كتبه أن يتعدى على الدين الإسلامي فإذا لم يثبت هذا الركن فلا عقاب .
أنكر المؤلف في التحقيقات أنه يريد الطعن على الدين الإسلامي وقال أنه ذكر ما ذكر في سبيل البحث العلمي وخدمة العلم لا غير ، غير مقيد بشيء ، وقد أشار في كتابه تفصيلا إلى الطريق الذي رسمه للبحث ولابد هنا من أن نشير إلى ما قرره المؤلف في التحقيق من أنه كمسلم لا يرتاب في وجود إبراهيم وإسماعيل وما يتصل بهما مما جاء في القرآن ولكنه كعالم مضطر إلى أن يذعن لمناهج البحث فلا يسلم بالوجود العلمي التاريخي لإبراهيم وإسماعيل فهو يجرد من نفسه شخصيتين وقد وجدنا المؤلف قد شرح نظريته هذه شرحا مستفيضا في مقال نشره بجريدة السياسة الأسبوعية بالعدد 19 الصادر في 17 يوليو سنة 1926 ص5 تحت عنوان (العلم والدين) وقد ذكر فيه بالنص : "فكل امرئ منا يستطيع إذا فكر قليلا أن يجد في نفسه شخصيتين متمايزتين إحداهما عاقلة تبحث وتنقد وتحلل وتغير اليوم ما ذهبت إليه أمس وتهدم اليوم ما بنته أمس ، الأخرى شاعرة تلذ وتألم وتفرح وتحزن وترضى وتغضب وترغب وترهب في غير نقد ولا بحث ولا تحليل وكلتا الشخصيتين متصلة بمزاجنا وتكويننا لا نستطيع أن نخلص من إحداهما فما الذي يمنع لأن تكون الشخصية الأولى عالمة باحثة ناقدة وأن تكون الشخصية الثانية مؤمنة مطمئنة طامحة إلى المثل الأعلى" .
ولسنا نعترض على هذه النظرية بأكثر مما اعترض به هو على نفسه في مقاله حيث ذكر بعد ذلك : "سنقول وكيف يمكن أن تجمع المتناقضين ولست أحاول جوابا لهذا السؤال وإنما أحولك على نفسك .." إلخ . ولا شك في أن عدم محاولة الإجابة عن هذا الاعتراض إنما هو عجزه عن الجواب ، والمفهوم أنه قد أورد هذا الاعتراض لأنه يتوقعه حتى لا يوجه إليه .
الحقيقة أنه لا يمكن الجمع بين النقيضين في شخص واحد في وقت واحد بل لا بد من أن تتجلى إحدى الحالتين للأخرى وقد أشار المؤلف نفسه إلى هذا في المقال نفسه في سياق كلامه على الخلاف بين العلم والدين حيث قال بشأنهما : ليسا متفقين ولا سبيل إلى أن يتفقا إلا أن ينزل أحدهما لصاحبه عن شخصيته كلها .
أما توزيع الاختصاص الذي أجراه الدكتور بجعله العلم من اختصاص القوة العاقلة ، والدين من اختصاص القوة الشاعرة فلسنا ندركه والذي نفهمه أن العقل هو الأساس في العلم والدين معا وإذا ما وجدنا العلم والدين يتنازعان فسبب ذلك أنه ليس لدينا القدر الكافي من كل منهما - إننا نقرر هذا بناء على ما نعرفه في أنفسنا ، أما الدكتور فقد تكون لديه القدرة على ما يقول وليس ذلك على الله بعسير .
نحن في موقع البحث عن حقيقة نية المؤلف ، فسواء لدينا إن صحت نظرية تجريد شخصيتين عالمة ومتدينة أو لم تصح فإننا على الفرضين نرى أنه كتب ما كتب على اعتقاد تام . ولما قرأنا ما كتبه بإمعان وجدناه منساقا في كتاباته بعامل قوي متسلط على نفسه وقد بينا حين بحثنا الوقائع كيف قاده بحثه إلى ما كتب وهو إن كان قد أخطأ فيما كتب إلا أن الخطأ المصحوب باعتقاد الصواب شيء وتعمد الخطأ المصحوب بنية التعدي شيء آخر .
وحيث إنه مع ملاحظة أن أغلب ما كتبه المؤلف مما يمس موضوع الشكوى وهو ما قصرنا بحثنا عليه إنما هو تخيلات وافتراضات واستنتاجات لا تستند إلى دليل علمي صحيح فإنه كان يجب عليه أن يكون حريصا في جرأته على ما أقدم عليه مما يمس الدين الإسلامي الذي هو دينه ودين الدولة التي هو من رجالها المسؤولين عن نوع من العمل فيها وأن يلاحظ مركزه الخاص في الوسط الذي يعمل فيه - صحيح أنه كتب ما كتب عن اعتقاد بأنه بحثه العلمي يقتضيه ولكنه مع هذا كان مقدرا لمركزه تماما وهذا الشعور ظاهر من عبارات كثيرة في كتابه منها قوله : وأكاد أثق بأن فريقا منهم سليقونه ساخطين عليه وبأن فريقا سيزورون عنه ازورارا ولكني على سخط أولئك وازورار هؤلاء أريد أن أذيع هذا البحث .
إن للمؤلف فضلا لا ينكر في سلوكه طريقا جديدا للبحث حذا فيه خذو العلماء من الغربيين ولكنه لشدة تأثير نفسه مما أخذ عنهم قد تورط في بحثه حتى تخيل حقا ما ليس بحق أو ما لا يزال بحاجة إلى إثبات أنه حق ، إنه قد سلك طريقا مظلما فكان يجب عليه أن يسير على مهل أو أن يحتاط في سيره حتى لا يضل ولكن أقدم بغير احتياط فكانت النتيجة غير محمودة .
وحيث إنه مما تقدم يتضح أن غرض المؤلف لم يكن مجرد الطعن والتعدي على الدين بل إن العبارات الماسة بالدين التي أوردها في بعض المواضع من كتابه إنما قد أوردها في سبيل البحث العلمي مع اعتقاده أن بحثه يقتضيها .
وحيث إنه من ذلك يكون القصد الجنائي غير متوفر (فلذلك) تحفظ الأوراق إداريا ...
محمد نور
رئيس نيابة مصر
القاهرة في 30 مارس سنة 1927م
نشر هذا النص للمرة الأولى في كتاب (محاكمة طه حسين) لخيري شبلي .
ابو تراجى
01-04-2010, 04:32 PM
الإهداء
إلى أحبائى الذين التزموا الصمت عندما انفجرت براكين الغضب على ( فترة التكوين ) أمنحهم فرصة أخرى ليكرروا الموقف ذاته لأن السكوت ـ حسب منهجهم الجديد ـ من ذهب ولكنه ذهب مع الريح وهيهات أن يعود !!
خليل عبد الكريم
*******************************
توفي الباحث الاسلامي المصري المثير للجدل خليل عبد الكريم قبل يومين عن عمر ناهز 73 عاما في احدى قرى اسوان بعد ان قدم رؤية مجددة للفكر الديني عبر اكثر من 13 مؤلفا اثارت خلافات مع المؤسسات الدينية والمتشددين.
وكان الراحل قد انهى دراسته في الفقه والشريعة الاسلامية في الازهر مطلع الخمسينيات وتحول بعدها الى دراسة القانون حيث عمل محاميا. وكان عبد الكريم من اول المؤسسين لمنبر اليسار عام 1976 قبل ان ينضم الى حزب «التجمع اليساري» حيث اصبح احد قادته. أول كتبه كان «الجذور التاريخية للشريعة الاسلامية» وقد شكل رؤيته التراثية بحثا عن واقع اسلامي يتناسب ومتغيرات الحياة. ووقد وضع 11 مؤلفا بحث فيها جوانب مختلفة من الحياة الاسلامية استنادا الى كتب التراث الديني التي تعترف بها المؤسسات الدينية وخصوصا الازهر من اهمها «النص المؤسس ومجتمعه» في مجلدين و«شدو الربابة في احوال الصحابة» في ثلاثة مجلدات و«فترة التكوين في حياة الصادق الامين» عن حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. واثارت هذه الكتب زوبعة في الحياة الثقافية المصرية في الفترة الاخيرة بسبب جرأته في التطرق الى مواضيع تعتبر من المحرمات في التراث الاسلامي. ورغم كل معاركه الفكرية مع المتشددين والمؤسسة الدينية ومثوله اكثر من مرة امام نيابة امن الدولة، لم تكن ادانته ممكنة نظرا لدقة مواقفه في اعادة قراءة التاريخ الاسلامي.
ولقد تم نسخ هذا الكتاب بأمانة كاملة وسوف تلاحظ عزيزى القارئ استطراد المؤلف فى المترادفات والتعليقات التى قد تطول فى مواضع ليست بالقليلة لكن حتمت علينا الأمتنة نقل المؤلف بنصه.
أمية الرسول وصحبه : -
الحبيب المصطفى ـ عليه السلام وعلى آله ـ لم ير فى حياته مصحفًا ولم نسطر أنه: قرأ مصحفًا لأنه كما ذكر القرآن العظيم وكما شهد هو على نفسه : أمّى.
وكل من أبى بكر ابن أبى قحافة التيمّى وعمر بن الخطاب العدوىّ وعدد من الصحابة على ذات الشاكلة أى لم يشهدوا مصحفًا.
تلك الحقيقة رغم ثبوتها إن ذكرتها لأى مسلم مهما بلغ حظه من التعليم ـ غير الدينى ـ بادر باستنكارها ورماك بالجنون أو أنك تستهزئ به أو ألصق بك تهمة المروق من الإسلام.
هذه المفارقة الصارخة تدعونا أو تضطرنا للتمييز بين القرآن المقروء أو المتلو الذى حفظته صدور الرجال وبين القرآن المكتوب الذى دُون إبان عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان الأموى.
القرآن المقروء أو المتلو أو المحفوظ فى الصدور غض طرى يتفجر نضارة وبكارة, أبوابه مفتوحة ومداخله ميسرة ومنافذه واسعة ومآتيه سهلة, ومفاتيحه طيّعة.
أما القرآن المدون أو المكتوب فتغلفه القداسة وتعلوه المهابة وهو محفود محشود ومحروس مخفور, تحوطه أسيجة وأسوار عالية يقف عليها حُجَّاب و سدنة ومرازبة يحولون بين أى إنسان والإقتراب منه إلا إذا حاز صفات حددوها بدقة وعينوها بصرامة وذكروها بتفصيل وهم وحدهم أصحاب الكَلِم الفصل فى إحاطته بها واستيعابه إياها وتمكنه منها كيما يتعين عليه أن يحصل على تصريح من أولئك الحُرّاس مذيل بتوقيعهم المهيب وممهور بخاتمهم القدسانى.
التفاسير الحديث تفسير لكتب التراث : -
وترتيبًا عليه وكنتيجة حتمية له فإن التفاسير الحديثة ليست للقرآن المجيد إنما هى للتفاسير التراثية السلفية القديمة التى مرت عليها قرون والتى تُنعت بأن أمة لا إله إلا الله تلقتها بالقبول والترحاب والتجّلة. ومن ثم فإن المفسرين المحدثين لايطرحون تفسرًا للنص الأصلى ولا يقدمون تأويلات للقرآن الكريم بل ينفخون قراءهم توضيحات وتعليقات وشروحًا وتلخيصات لما فى تفسير الطبرى والزمخشرى والرازى والكلبى وابن كثير والقرطبى والبيضاوى والتسترى والسيوطى ....... إلخ. بل وحتى الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده مع أن العهد به قريب. ولذا فإن القارئ غدا يعرف وإذا أحسنا الظن به قلنا إنه يعلم آراء أولئك الأكابر وأحكامهم ومذاهبهم وتنظيراتهم فحسب لا التى جاء بها الذكر الحكيم !. وهى معضلة لايستهان بها ويتوجب الإلتفات إليها. لماذا؟.
لأنه مع تقديرنا البالغ لأولئك المفسرين الأعاظم فإن مارقموه فى مؤلفاتهم شئ وما حمله مأدبة الله شئ آخر.
إن المفسر من أولئك الأفذاذ عاش فى قرن معين وبيئة محددة ومجتمع له أبعاده ومناحيه وأعرافه وموجباته وإكراهاته, وهو نفسه تملك ثقافة خاصة به تفترق بدرجة أو بأخرى عن ثقافة أقرانه المعاصرين, وله ذكاؤه وقريحته وذاكرته الحافظة ووعيه وذهنيته ومخيلته ومعتقده ومنحاه الفكرى وإتجاهه الأيديولوجى ومدرسته الفلسفية ونحلته الكلامية ( علم الكلام ) .... إلخ.
ومن خلال كل هذه القنوات العامة والخاصة تسرب تفسيره أو تأويله, ومن طبائع الأمور أن يتاثر بها ويتشكل بقسماتها ويحمل بصماتها ويتروح بريحها ويتزيأ بزيها ويبرز بآياتها ......... إلخ.
وفى نهاية الأمر وغاية الشوط وآخر المدى ينقلب التفسير إلى نص آخر مغاير للنص الأصلى ومفارق ومباين إياه.
ما حدث للفقه المالكى : -
حدث هذا بحذافيره فى الفقه المالكى فالمدونة التى أملاها عبد الرحمن بن القاسم على أسد بن الفرات ونقلها إلى إفريقيا ( تونس ) ولو أنها مروية عن شيخ المذهب نفسه إلا أنها ( = المدونة ) غدت هى المرجعية التى لا تقبل جدلاً أو مناقشة أو معارضة أو مُخاجة, و على جوانبها اُلفت الحواشى والتعليثات والمخترات والتهذيبات ... إلخ.
حتى يمكن أن نقرر أن مالكية محدثية أو مبتدعة ظهرت واستقرت هناك لا صلة بمذهب شيخها, وإذا أحسنا الظن ربطتها به علاقة واهية أشد رقة من خيوط العنكبوت.
وغضب مؤرخون وفقهاء عديدون واتهموا من أقدموا على ذلك بأنهم أفسدوا مذهب الأصبحى صاحب المؤطأ عالم المدينة مالك بن أنس .
ونطرح هذا المثل للتدليل على أن التيمم نحو النصوص الثانوية أو الجانبية أو الهامشية والإحتفاء والعناية بها ووضعها فى بؤبؤ العين ومركز الرعاية ودائرة الضوء, منحى له تاريخ عتيق وجذر غائر وأصل ثابت فى قضاء الفكر الإسلامى وليس أمرًا عارضًا أو شأنًا هزيلاً أو أو رافدًا محدثًا أو بدعة وافدة أو سحابة صيف عن قريب تنقشع.
وهنا مكمن الخطر وبيت الداء وجرثومة العلة وسبب الوهن ومنشأ المرض, إذ لو أنه على خلافه لما أثار الانتباه وشد البصر واستوقف التأمل واستدعى التفكر واستنفر التمعن, وميدان أهميته فسيح ومجال أثره وسيع, ويكفى فى هذه العجالة التمهيدية أن نورد شطرً نحيفًا, وهو أن يجر دارس القرآن العظيم والباحث فى علومه بعيدًا عن ركائزه الأساسية وعُمده الرواسخ وأصوله الثوابت إلى مجرد آراء وأنظار وأفكار فاه بها فلان, ويصرفه عن منابعه الصافية وعيونه النقية وموارده السائغة إلى مشارب لا تقاس ولا تقارن بها, فأين الأرض من السماء وأين الثرى من الثريا.
المفسرون المحدثون والتفسير : -
عندما أقدم المفسرون المحدثون علي الانصراف عن تفسير ( السبع المثانى ) ذاته والنهل من التفاسير التراثية يقتطعون منها فقرات كوامل قد تطول أو تقصر أو يهذبونها أو يختصرونها أو يعلقون عليها أو يُحَـلّون أعناقها بالحواشى والشروح والتوضيحات والتبيينات .... إلخ.
ولا بأس بإيراد بعض المفردات الغوامض من النص الأصلى لرفع الستار عن هذا الغموض.
والإجابة عن هذا التساؤل لا تحتاج إلى زكانة ولا تتطلب فطانة ولا تستدعى لقانة ولا تستحب لوذعية.
لأن الإتكاء على التفاسير القديمة أوالتراثية أو السلفية هو جواز المرور للحظوة برضى المنفذين فى رئاسة شئون التقديس الذين نصبوا أنفسهم حراسًا لأحسن القصص وهو درب الولوج إلى البوابة الملكية التى بدون المروق من عتبتها المهيبة يستحيل عليهم الحصول على الموافقة على نشر تصنيفاتهم وإن تقت إلى الإنضباط فهى تجميعاتهم.
إن من أصعب الأمور أن تُصدق أن المفسر المعاصر الحديث يجهل أن سلفه الصالح قد عاش فى زمان غير زمانه, وفى مجتمع مغاير لمجتمعه, وبيئة تخالف بيئته, وتسلح بثقافة مباينة لثقافته, وتزود بمعارف غير معارفه, وحصل على علوم تفاصل علومه, وواكبته أنساق إجتماعية وإقتصادية ومعرفية وسياسية وإعلامية وتعليمية ... إلخ. لا وجه للمقارنة بينها وبين أندادها من الأنساق التى تحايثه.
ومن أبعد الفروض أن نؤمن أنه ( = المفسر المعاصر ) لا يفقه أن تلك الإكراهات جميعها لابد أن تطبع تفسير سلفه بميسمها, وهذا ما يؤكده ويثبته علم اجتماع المعرفة, بل ما تدركه بداءة العقول إذ تقطع به شواهد الحال, وهذا الدمغ لا يظهر فى الأسلوب فقط: تراكيب الجمل, وصياغة العبارات, واختيار الألفاظ, وانتقاء الكلمات, بل تعداه إلى الأفكار والتنظيرات والحكم على الأمور وتقييم الوقائع, واستنباط القواعد ومن ثم قيل: إن الإنسان ابن عصره.
وللتدليل عليه نضرب مثلاً سريعًا: فعندما تقرأ ( عجائب الآثار فى الترجم والآثار ) المشهور ب ( تاريخ الجبرتى ) لمؤلفه عبد الرحمن بن حسن الجبرتى, وتطالع أى كتاب لسميه المؤرخ عبد الرحمن الرافعى تلقى بونًا شاسعًا فى كل المناحى التى ذكرناها, مع أن الفارق الزمنى بينهما ل ينيف على قرنين وربع قرن.
هنا قد ينبرى لنا قارئ فلحاس ويصيح ناعقًا: هناك بينونة بين التأريخ والتفسير, إذ إن الأخير يتمحور على نص ونص مقدس يتوجب على المفسر تراثيًا أو معاصرًا أن يلتزم به ويدور فى فلكه ولا يخرج عن نطاقه.
أما المؤرخ فهو يرصد الوقائع ويحللها دون مرجعية أمامه يضطر إلى أن يرتبط بها ويتقيد بلزومياتها.
ونعقب عليه فنسطر:
هذا دفعٌ فسيد, لأن وجود الأساس الذى ينبنى عليه التفسير لا يلغى خصوصية المفسر ولا ينفى كينونته ولا يُغرب هويته ولا يعدم شخصيته ..... إلخ.
وإلا غدت مدونات التفسير نسخة واحدة وهو ما لم يحدث, فضلاً عن أنه لايفوه به ذو لب صحيح وتفكير سديد وعقل سوى بل لا يدعيه من له ذرة من وعى أو مسكة من قريحة.
وكيما نوقف المراء الشكس وننهى الجدل العقيم ونضع حدًا للنقاش الفارغ, نهدى القارئ ما دبجه واحد من شوامخ مفسرى القرآن المجيد ومن أقدمهم, له فى فضاء الفكر الإسلامى مقام محمود ورتبة سامية, ولد فى قرية القداسة ـ بكة ـ فى منتصف القرن الهجرى الثانى وتلقى العلم عل يديه وحدث عن خلق لا يُحصى من الأثبات المحققين.
ويكفى أن تعرف أن ابن جرير الطبرى, شيخ المفسرين وعمدتهم وذروة سنامهم, نقل عنه الكثير فى تفسيره الذى لا ينتطح عنزان فى قيمته وأنه من أجلّ التفاسير, ويمكنك أن تصرح بأنه مقدمها دون معارضة وبلا مجادلة وبغير حجاج.
الخرافات فى كتب التراث والتفسير : -
فعندما فسر ابن جريج الآية الكريمة:
{ الله الذى خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شئ قدير } [ سورة الطلاق : 12 ]. أورد ما يأتى: أخرج ابن المنذر, عن ابن جرير فى قوله : { سبع سموات ومن الأرض مثلهن } قال: بلغنى أن عرض كل أرض مسيرة خمسمائة سنة وأن بين كل أرضين مسيرة الثرى واسمها تخون, وأن أرواح الكفار فيها ولها منها اليوم حنين, فإذا كان يوم القيامة ألقتهم إلى بهوت فإجتمع أنفس المسلمين بالجابية والثرى فوق الصخرة التى قال الله فى صخرة, والصخرة خضراء مكللة والصخرة على الثور له قرنان وله ثلاث قوائم يبتلع ماء الأرض كلها يوم القيامة والثور على الحوت زذنب الحوت عند رأسه مستدير تحت الأرض السفلى وطرفاه منعقدان تحت العرش ويقال الأرض السفلى على عمد من قرنى الثور ويقال بل على ظهره واسمه بهموت ياثرون إنهما نزل أهل الجنة فيشبعون من زائد كبد الحوت ورأس الثور, وأخبرت أن عبد الله بن سلام سأل النبى ـ ص ـ علام الحوت قال على ماء أسود وما أخذ منه الحوت إلا كما أخذ حوت من حيتانكم من بحر من هذه البحار, وحدثت أن إبليس تغلغل إلى الحوت نفسه فعظم له نفسه وقال: ليس خلق بأعظم منك غنى ولا أقوى, فوجد الحوت نفسه فتحرك فمنه تكون الزلزلة إذا تحرك فبعث الله حوتًا صغيرًا فأسكنه فى أذنه فإذا ذهب يتحرك تحرك الذى فى أذنه فسكن. [ تفسير ابن جريج: جمع وتحقيق على حسن عبد الغنى ـ ص 333 ـ الطبعة الأولى 1413 هـ / 1992 م ـ مكتبة التراث الإسلامى ـ القاهرة ].
فهنا تجلى بوضوح شديد الأفق المعرفى ( الابستمولوجى ) للمفسّر ونضحت ثقافته عل ما خطه قلمه وتبدت معطيات بيئته وما حفل به مجتمعه من أساطير.
ونذكر أنه فى ذياك الوقت وجد قصاصون فى المساجد والتجمعات الشعبية درجوا على الخوض فى كافة المجالات الدينية وأخصها التى تصلح مجالاً للتهويلات والخوارق والمدهشات مثل ما حفل به هذا النص المعجب. ومن أغزر الأخبار دلالة أن الخليفة الثانى عمر بن الخطاب العدوىّ شجّع اولئك القصاصين ـ خاصة فى البلاد التى داسوها بسنابك خيولهم المباركة واستعمروها ونهبوا خيراتها بهدف التمكين للدين واللغة اللذين حملوهما للأراضى المغزوة التعيسة.
ومن الطريف أن محقق الكتاب, وهو كما سطر فى المقدمة عضو فى هيئة التدريس فى كلية جامعية, لم يعقب على هذا النص المدهش ولو بجملة واحدة أو شبه جملة.
وحراس ( العروة الوثقى ) من مؤسسة شئون التقديس يجيزون هذا النص وأمثاله, فى حين أنهم ينادون بمصادرة الآراء أوالأفكار أو المعطيات التى تهدى تجديداً للفكر الدينى الإسلامى وتنويرًا وتثويرًا.
ولكى لا نطيل على القارئ نكتفى بهذا النص, فهناك العشرات المشابهة التى تطفح بالأسطورة واللاعقلانية والخرافة فى التفاسير التراثية خاصة ما يسمى الإسرائيليات عند تفسير الآيات الكريمة التى تتناول القصص الواردة فى العهد القديم الذى يُقال عن مجازًا التوراة وكثير منها نقلها مصنفوها أو أوردوها عن عدد من مشاهير الصحابة وفى مقدمتهم عبدالله بن العباس وعبدالله بن عمرو ين العاص وأبو هريرة وغيرهم.
حقيقة أن المفسرين المحدثين أو المعاصرين تجنبوا ما استطاعوا الإسرائيليات والنوص المدهشة كالذى أتحفنا به ابن جريج ولكن فى نظرنا هذا المسلك لايغير من الأمر: إذ ثبوت " الإسرائيليات" و " المعجبات" فى أى تفسير من التفسيرات التراثية يكشف بدون لبس وبغير غموض عن المستوى الثقافى للمفسر الذى رقمها فى مؤلفه, ويوضح الرتبة الحضارية للمجتمع الذى شب فيه والبعد المعرفى للبيئة التى نشأ فيها. وبالتالى من الميسور عليه ( على المفسر الحديث / المعاصر ) أن يفطن إلى أن التعويل على ذياك المفسر والإتكاء على أطروحاته خطأ منهجى تمامًا كالطبيب المعاصر الذى يداوى مرضاه بالسنا والسنوت وحبة البركة والفصد والحجامة والرقى .... إلخ.
هذه واحدة.
تأثير كتب التراث على القارئ : -
أما الأخرى الأوعر والأدهى والأنكى فهى:-
إيهام القارئ أن هذه الخزعبلات والشعبذات هى عين ما جاء به القرآن الكريم وما هدف إليه وما تغياه.
ولعل من نافلة القول أن نسطر أنه لاتوجد إساءة له أشد, إذ هو منها برئ براءة الذئب من دم الفتى الحليوة يوسف بن بعقوب, لأنها تقيم بين القارئ وبين المعطيات الصحيحة للذكر الحكيم سدًا منيعًا, وتحول دون فهمه إياها على الوجه السديد وتمنح الطروحات الزيوف سندًا مقدسًا مما يشبع الخرافات والجهل لديه وينفحه مناعة ضد قبول العلم وحصانة ضد أعمال العقل وملكة ـ إن صح هذا اللفظ ـ العيش فى خضم رمال البداوة وهضاب الجهالة وكثبان التخلف.
ونضع فى حجر القارئ علة أخرى لِخَنَس المفسر المعاصر عن النص الأصلى وهرولته إلى التفاسير التراثية يشرب منها عَلَلا بعد نهل بل يَعُبّ منها حتى يتضلع:
الكسل العقلى والإسترخاء الفكرى والبلادة الذهنية وجِماهعا متوافقة تمامًا مع حالة التردى الراهنة التى تضرب الشعوب الإسلامية عربية أو أعجمية, فباستقراء تاريخ الفكر الإسلامى نافى أنه فى عصور الإنحطاط يختفى الإبداع والإختراع والإبتكار ويشيع فيه التكرار والإجترار والإتباع.
وهو بالفعل ما حدث منذ أن بدأ إنكسار الحضارة الإسلامية وهبوط خطها البيانى با وانحداره بشدة, ونستطيع أن نذكر, مع قدر غير قليل من التجاوز, أنه طفق يتحقق منذ القرن السابع الهجرى, إذ تحول التأليف إلى تصنيف وتجميع وتوليف .... إلخ. وأطلت الرؤوس الشوهاء للحواشى والتعليقات والملخصات والشروح.... إلخ.
ومن ثم فإنه من المؤتلف لهذه السُنَّة الإجتماعية أنه لم يظهر فيلسوف بعد ابن رشد وتوارى فى الظل المجتهد المطلق بعد أئمة المذاهب الأربعة ومن لحق بهم إبان قرنين من الفقهاء ولم يبزغ فى سماء علم الكلام نجم ساطع وقمة شامخة كواصل بن عطاء والجبائيين والجاحظ والنظام, ولم نر شاعرًا مفلقًا مثل أبى تمام والبحترى وجرير والأخطل وبشار بن برد وأبى علاء المعرى.
أما فى نطاق المادة المبحوثة فقد إنتهى زمن المفسرين الأكابر: مقاتل بن سليمان والطبرى والقرطبى والرازى والزمخشرى والبيضاوى وابن كثير .... إلخ.
ثم نرجع لسياقة الدراسة: إذن إتخاذ المفسر المعاصر التفاسير التراثية أو السلفية عكازًا له مسألة طبيعية تناسب ولا تبايِن و تأتلف ولا تغاير وتوائم ولا تتنافر مع التخلف الحالى الذى تعانيه المجتمعات الإسلامية, إذ تصل نسبة الأمية فى العديد من دولها إلى أكثر من سبعين فى المائة, هذا عن الأمية الأبجدية, أما عن الأمية الثقافية فحدث ولا حرج, ويعيش شطر كبير من شعوبها تحت خط الفقر, ويكفى أن كل أربعة من عشة أشخاص فى مصر على ذات الشاكلة, وأن سكان العشوائيات فيها يجاوزون الإثنى عشر مليونًا.
ومصر تعد من الذؤابة العليا فى الدول العربية فما بالك بالتى تعدن فى مؤخرتها أو مقعدها أو عجيزتها !!.
إذن من الناحية العملية يستحيل أن تبرز التفسيرات الحديثة المعاصرة بهيئة منافرة لما تبدو بها الآن.
فالذين دبجوها هم قطعة من نسيج مجتمعاتهم المتهرئة المتردية فى وهاد التأخر والتبدى والتوحش.
ومن جانب آخر إذا إفترضنا جدلاً أن المفسر الحديث المعاصر أبدع تفسيرًا يمتاز بالإستنارة ويتسم بالعقلانية وتفوح فى جنباته روائح التقدمية, فلمن يقدمه؟, ومن يقبل على مطالعته؟.
إن البعد عن التفاسير التقليدية أو التراثية للقرآن العظيم المدون أو المخطوط أو المكتوب والمعروف بـ " مصحف عثمان" والتوجه نحو القرآن المجيد المتلو والمقروء والذى حفظه الصحابة فى صدورهم وهم الذين عرفوا بـ " القراء" والذين استشهد منهم فى اليمامة فى معركة حديقة الموت ضد بنى حنيفة المئات, وهو الأمر الذى أفزع العدوىّ عمر بن الخطاب فأشار على التيمىّ ابن أبى قحافة بجمع القرآن وتدوينه ـ عبء ثقيل على المفسر المعاصر ولا طاقة له به لأنه يحتاج لإى البدء إلى:
أفق وسيع, وقريحة متوقدة, وبصيرة نافذة, وعقلية متفتحة, وفكر جسور. كما يتطلب صبر أيوب على البحث والدراسة والنقيب والتنقير فى المصادر الأصلية فى شتى فروع العلوم الدينينة, وهذه التزامات شاقة مجهدة لاطاقة له بها, هذا إن أحسنا الظن به وسلمنا أنه تمتع بالملكات العقلية الى ألمحنا إليها فى ناصية هذه الفقرة, بقيت فقرتان رشيقتان نختم بهما هذه الفرشة: بيد أن الإضطلاع بهذه المهمة الخطيرة يكافئ ما يبذل فى سبيل تحقيقها.
الأولى: إن المفسر المعاصر / الحديث عندما إختار النقل أو الإقتباس من موسوعات ومؤلفات وكتب التفسير التراثية السلفية, علاوة على أنه آثر السلامة وفضل العافية وإنحاز لناحية الدعة فإن احتمالاً قائمًا لا نستبعده نحن, وهو أنه غير مؤهل لأن يدرك هو أن الكتب التى جاء بها البطاركة الكمل ـ لا القرآن وحده ـ ليست محتوى لغويًا فحسب, بل هى مجموعة من المحتويات منها القصصى, والإجتماعى, والسياسى, والعسكرى والحربى, والتعليمى, والفقهى ... إلخ.
وأنه مكتوب بلغة عالية وهو, وهذا خاص بالقرآن, إذ دخل فى علاقة جدلية فى شطر وسيع منه ـ مع الواقع المعاش والحياة اليومية لمن تلقوه أو استمعوا إليه ـ فإن هذه اللغة العالية هى التى أتاحت وما زالت تتيح وسوف تستمر فى نفح الفرصة أو الفرص لإعادة إنتاج خطاب آخر على هامشه وهو خطاب تفسيره وتأويله, ورقمنا كلمة " على هامشه" لأنه جزمًا وحنمًا وضرورة انتصاب فارق واضح بين النص الأصلى وهو الذكر الحكيم وبين التفسير.
ومن هنا فإن النص المقدس أو الأصلى ثابت مطلق لايتغير فيه حرف واحد, أما الخطاب الثانى , وهو التفسير, فهو نسبى متغير متحرك, لأنه يتأثر لا بالظروف الذاتية لمبدعه مثل ثقافته ومنحاه الفكرى وأيديولوجيته .... إلخ, بل وبالأحوال العامة لمجتمعه وبيئته من كافة أقطارها: السياسية, والإجتماعية, والإقتصادية, فجميعها بغير إستثناء تترك بصمات أصابعها على المنتج الثقافى البشرى وهو التفسير, وهذا علة إختلاف التفاسير على مر العصور, وهنا مكمن الخطأ المنهجى الذى يرتكبه المفسر المعاصر عندما يهجم على التفاسير القديمة وينقل منها إما بفصها ونصها وإما بمعناها.
الأخرى: هى تحليل سريع لخبر ثابت فى كتب تأريخ القرآن خاصة ومؤلفات التاريخ الإسلامى العام والسيرة والتفسير ...إلخ, وهو أن العدوىّ عمر بن الخطاب أصابه الجزع وأحس بالإضطراب عندما بلغه نبأ قتل مئات من القراء أى حفظة القرآن فى حديقة الموت على يد جنود مسيلمة الكذاب زعيم وقائد بنى حنيفة.
ما وجه هَلَع العدوىّ بن الخطاب لموت أولئك الحَفَظة وهو يعلم أن القرآن مكتوب على العظام وسعف النخيل والأقتاب والأكتاف؟ .... ولماذا إقترح جمع القرآن وكتابته وهو يعرف أنه, فضلاً عن ذلك, محفوظ فى صدور المئات فى قرية يثرب وغيرها وأنه إن استشهد من الحفاظ مئات فقد بقى منهم أضعاف هذا العدد, إذ إن حفظ القرآن شكل لديهم منقبة يفخر المسلم بها, حتى النسوة فعلنه؟.
وما هو السبب فى أن أبا بكر تردد فى قبول الإقتراح, وأن زيد بن ثابت اليثربى قاومه باستماتة ولم يرضخ إلا بعد أن ضغط عليه التيمىّ والعدوىّ؟.
لعل الإجابة على جماع هذه التساؤلات هى إعتقاد أبى بكر وزيد بن ثابت أنه من الأصلح بقاء القرآن العظيم محفوظاً فى الصدور, حتى يستمر على نضارته وبكارته وطزاجته وانفتاحه.
ويؤيد هذه الفكرة أن " سيد بنى آدم" لم يأمر بتدوينه ونقلت إلينا كتب سيرته الزكية أنه دأب على سماعه من عدد من الصحابة مشافهة ومباشرة, ولا يوجد خبر فرد أنه كلف واحدًا منهم بأن يتلوه عليه من تلك الأدوات العجيبة التى كتب عليها!.
إذن المصحف المقروء أو المتلو الذى استودعه الصحاب صدورهم واختزنوه فى ذاكرتهم ووعوه فى قلوبهم وحده هو الذي تسيد وهيمن طوال الثلاثة والعشرين عامًا, منذ واقعة مغارة حراء الخارقة حتى انتقاله إلى الرفيق الأعلى راضيًا مرضيًا, ثم شطرًا من خلافة ابن أبى قحافة التيمىّ ثم دون فى صحائف وسلم إلى حفصة بنت عمر إحدى الزوجات التسع لـ " أول من تنشق عنه الأرض", ومع ذلك ظلت الهيمنة والسيادة للحفظ والتلاوة والقراءة الشفوية باقى أيام أبى بكر التيمىّ ثم طوال عهد العدوىّ عمر بن الخطاب وشطرًأ من حكم الأموىّ عثمان, فإذا حسبت هذه المدد وضممتها إلى بعض بلغت أربعين عامًا, وبداهة لاينال من سيطرة القرآن الكريم المحفوظ فى الصدور, وجود مصاحف خاصة لدى بعض كبار الصحابة على رأسهم: أبو الحسنين على بن أبى طالب كرم الله وجهه وعبد الله بن مسعود وأُبَىّ وأبو موسى الأشعرى, ومن النسون التيمية عائشة, لأن هذه حالات استثنائية والإستثناء لايقاس عليه.
وبعد هذه الجملة الإعتراضية نؤوب إلى السياق:
علام يدل تسيد المصحف المتلو أو المقروء أو المحفوظ فى صدورهم رجالاً ونسوة لمدة نيفت على الأربعين عامًا إن فى قرية القداسة بكة أو فى قرية بنى قيلة, ويمكن أن نضيف إليهما قرية بنى ثقيف" الطائف" , مع الوضع فى الإعتبار أنها " مدة الأربعين عامًا" ليست عادية, لأنها هى التى شهدت الميلاد وعاينت التدشين وحظيت بالإنبثاق وسعدت بالظهور, وتمتعت بالشروق, والذين عاشوها شكلوا طليعة التلقى, وجماعة ميزها بالبكارة ووسمها بالنضارة وحلى صدرها بالطزاجة وزين جيدها بالانفتاح وهى بكل المقاييس حقبة مدهشة معجبة؟.
وتبعًا لذلك فإن القرآن الكريم الذى هيمن عليها ـ ونكرر أنه لايباين القرآن المجيد الذى تم تدوينه إبان حكم الأموى عثمان بن عفان فى مصحف واحد ـ هو الذى يمنح دفعة قوية للتعرف عليه والريض فى جنباته المورقة وتنسم روائحه العطرة وتذوق طروحاته الشهية.
ورأينا أن الطريق إلى ذلك هو التنقير عن أسباب النزول وعن الملابسات التى واكبت ظهور الآيات والوقائع التى حايثت شروق النصوص, لأنها من جانب هى ذاتها التى دفعت الصحاب إلى حفظها ووعيها ودسّها فى الذاكرة, لأن البدوى الأمى يعتمد عليها بالكلية بخلاف المتحضر والمتمدين, ومن ناحية أخرى لها أهمية بالغة وخطر شديد فى الكشف عن تأريخ القرآن العظيم, والإبانة عن مساره وإلقاء أضواء كواشف على خطواته.
أما الناحية الثالثة وهى مسك الختام : -
رفع الستار عن ذلك المجتمع وتلك البيئة فى جميع أقطارها وهو شأن يفوق فى نفاسته ويبز فى ثمانته كل ما سبقه, لأن التعرف على أحوال المجتمع والبيئة هو الرافعة اليتيمة التى لا ضروب لها لاستخلاص القيم واستقطار المعانى واستخراج الدلالات التى هى ـ دون غيرها ـ المعوّل عليها فى النهوض من الكبوة والإنفلات من الوهدة والإنعتاق من القيود التى تكبِّل مجتمعنا وتمنعه من المضىّ قدمًا كيما يلحق بالذين سبقوه فى مضمار الحضارة.
القرآن المقروء والمتلو : -
هل القرآن المقروء والمتلو الذى حفظه الصحابة فى صدورهم غير القرآن المدون فى المصحف الذى كتب فى عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان الأموىّ؟.
بداهة: الإجابة لا, بصورة جازمة لاتدع مجالاً لذرة من لبس ونعوذ بالله تعالى أن يفهم القارئ مما سطرناه فى الفرشة أننا عنينا أنهما قرآنان ونبرأ من مَن يدعيه, إذ هو محض زور وبهتان بل وأكثر. كل ما فى الأمر أن القرآن المقروء والمتلو والمحفوظ فى صدور أول من تلقاه من " سيد بنى آدم " وهم صحابته اتسم بالحركة والديناميكية, لأنه ارتبط بحيواتهم ومشاغل معاشهم وشئون دنياهم, وقدم حلولاً نواجع لمشكلاتهم, وإجابات مستفيضة على تساؤلاتهم وردودًأ بواهر لإستفساراتهم, وهداهم إلى الصواب فى ما قطع عليهم مسيرتهم من عقبات كأداء أو عوارض غوامض فى كل منحى, بل إن الدائرة إتسعت بصورة لم تخطر لهم على بال, إذ شملت الخصوصيات الدقيقة مثل النكاح, والطلاق, والظهار, واللعان, ووقت معافسة النِسون فى الشهر الفضيل, وهجرهن, وضربهن ضربًا غير مبرّح, ومعملة الضرائر والمساواة والعدل, وحدد بدقة مكان حرثهن, وكيفية الإنفاق عليهن, ومن يدخل من الخدم والأتباع بيوت أسيادهم ووقته, إلى ما يماثلها أو ما هو دونها من الدقائق والتفصيلات الرفائع.
أما فى العموميات فقد غطت مجالات الحرب والسلام والهدنة والغنائم والأنفال والأسارى والقتال والزحف والمعاهدات والعفو عمن فرّ من العدو من الصحابة فى غزوة أو أكثر وولاهم دبره ومعاملة أهل الكتاب وأهل النفاق والشقاق وأعراب الأشد كفرًا ونفاقًا .. إلخ. حتى أن المرء ليعتريه الدهش ويعلوه التعجب ويتملكه الإنبهار من تلك العلاقة الجدلية الحميمة التى نشأت واستمرت أقل قليلاً من ربعقرن بين القرآن المتلو وبين أحوال المجتمعين المكى واليثربى والأفراد الفاعلين فى كليهما, فقد تنولهما بشمولية فاذة ونسطر ونحن مطمئنون أنه لم يغادر صغيرة ولا كبيرة, وفى نطاق الأفراد لم يقتصر على تبع " أول من تنشق عنه الأرض" بل تعرض للمشركين ورموزهم وللمنافقين وصناديدهم وللأعراب وزعماءهم ولأهل الكتاب اليهود وأحبارهم والنصارى وقسسهم وللأصنام وسدنتها وعابديها..
تقصير القرآن في العقيدة والعبادة : -
بداهة لم نعرّج على ما طرحه النبأ العظيم فى ناحيتى العقيدة والعبادة, لأن هذين الجانبين هما ميدانه الأصيل الرئيسى, فإذا لم يأت بهما فبأى شئ يجئ؟.
بيد أن الذى يلفت الأنظار بشدة ويثير الإنتباه بقوة ثم يدعو للتفكير ويتطلب التأمل ويستدعى مراجعة النظر, هو أن القرآن المجيد فى دائرة العبادة حصراً وحديدًا أجمل ولم يُفصل وأوجز ولم يُطل وإختصر ولم يُطنب, إذ يستحيل عليك أن تعرف منه كيف تؤدى الصلاة, وعلام تُزكى, وما مقدار الزكاة فى كلٍ؟, وما هى مناسك الحج؟.
ومن حق المسلم أن يسأل ـ وهذا على سبيل المثال ـ أيهما أشد خطرًا وأكثر أهمية, الصلاة أم اللعان؟. ففى الذكر الحكيم ليس ثمة بيان عن أوقاتها أو عدد ركعاتها أو كيفية إقامتها, فى حين أن الملاعنة سيقت فى شأنها تفصيلات دقيقة.
والتقليديون أو التراثيون يجيبون على هذا التساؤل الجوهرى أن القرآن أوكل مهمة التبيين فى الصلاة والزكاة والحج .. إلى " أول شافع وأول مشفع", بيد أنه رد غير مقنع, إذ من الميسور التعقيب عليه بالآتى:
إذن لماذا لم يوكله فى مسألة اللعان وهى أهون شأنًا وادنى وأخفض درجة وأدنى مكانة بما لايقاس من الصلاة التى هى عمود الدين ومن تركها فقد هدم الدين؟!!.
إن القرآن العظيم باتفاق السلف والخلف منزه عن المطاعن إذن فلأى علة اختط هذا المنهج الذى يبدو للنظرة العجلى والتفكير الفطير والتدبر الناقص أنه محير أو مربك أو مشكل؟.
وقفت عند هذه النقطة من البحث مليًا وتمعنت فى قوامها طويلاً وتفرست فى خوافيها زمنًا , وأخيراً وفقنى الله وله المنة إلى الحل الصحيح:
نصوص الذكر الحكيم أى سوره وآياته انبثقت فى حنايا المجتمعين المكى واليثربى ومن ثم حملت همومهما وناءت بمعاناتهما فى كل ضروب الحياة كما أوضحنا, ومن هنا جاءت مُنجمة أو نجومًا
ابو تراجى
01-04-2010, 04:33 PM
أو متفرقة كلما قبت ( = من القبة) نازلة ( = واقعة أو حادثة ) قابلتها آية أو عدد من الآيات التى تفك عقدتها, وقد حدث أن المخاطب أو المخاطبين بالآية أو بضع الآيات إذا شعروا بأنها لم تفك من العقدة إلا شطرًا منها توجهوا إلى ( قطب الأقطاب ) وشرحوا له الموقف فأحيانًا فورًا وأخرى على التراخى تنبثق آية أو آيات تداوى ما بقى من المعضلة وتزيل ما اعترى نفس الذى تشكى له وفى أوقات أخرى يلمس هو بذاته الشريفة القلق الذى ضرب تبعه أو أصحابه دون تفوه منهم وهنا تبرز آية أو آيات شافية لكل هم, مزيلة لكل غم.
هذا هو التبيين السليم لعبارة إن القرآن المجيد جاء منجمًا وهو بدوره ما يكشف لنا الغطاء ويرفع لنا الستار ويزيح عنا العتمة فى معرفة السر وراء استمرار إنبعاث سور وآيات القرآن الحكيم لمدة ثلاثة وعشرين عامًا.
في حين أن موسى صعد إلى احد جبال سيناء فأعطاه ربه ( لوحى الشريعة , لوحى حجر مكتوبين بإصبع الله ). [ الأصحاح الحادى والثلاثون من سفر الخروج ].
أى أن موسى أخذ من معبوده كتابه " عبارة عن لوحين" تفضل بنقشهما بإصبعه فى لحظة, أى لاتنجيم ولا تفريق, ومن هنا فقد صَفُر هذان اللوحان من المشاغل الحياتية والهموم المعاشية واقتصرا على ركنى العقيدة: " لاتسجد لإله آخر لأن الرب غيور إله غيور هو", والعبادة وطقوسها المتشابكة وقد حفلت بتفصيلات فى غاية التعقد ولولا ضيق المجال وأننا سنبتعد عن جوهر الدراسة لسطرنا للقارئ طرفًا ليطلع على تلك الأمشاج المعجبة.
غاية ما يعنينا فى هذه الخصوصية أن توراة موسى, إن صح أن ذينك اللوحين هما هى أو هى هما, انحصرت فى الركيزتين الرئيسيتين لأى ديانة ونعنى: العقيدة والعبادة, ولأنها هبطت من أعلى فقد خلت من شئون الدنيا ومشاكل الحياة ومغالبات العيش, ونذكر القارئ بأننا نتحدث عن اللوحين اللذين تفضل رب موسى بنفحهما إياه بعد أن تكرم برقمهما بإصبعه.
أما القرآن العظيم فلم يظهر مرة واحدة كاللوحين / التوراة, بل ظل يتنزل لما يقرب من ربع قرن من الزمان, والحق أنها حقبة مبهرة مضيئة لم تنل حظها من البحث والتنقير ومن ثم تشيأ فيه عنصر العناية المكثفة بالأفراد والجماعات بآيات بارزة ملموسة لا تخفى على ذى لب ولا تستبهم على صاحب بصيرة ولا تستشكل على من لديه ذرة من حجة, بل لا نغدو مغالين أنه ( = عنصر الاهتمام بالممارسات الحياتية ) يكاد يلمس باليد.
وبمفهوم المخالفة فإن حيز العقيدة والعبادة فى ( الشفاء الكريم ) برز محدودًا مع روعته وعظمته وأصالته.
هذا هو الفرقان بين التوراة والقرآن, فالأولى منهما ذكر صاحبها أو متلقيها انها انحدرت إليه من أعلى ونقرها بإصبعه ربه ومعبوده وتسلمها هو منه فى برهة يسيرة أو ربما امحة خاطفة, لأن هذه اللحظات الباهرة لاتقاس بالزمان المعروف لدى الناس بالزمن الوجودى.
أما الآخر, أى الذكر الحكيم, " فى الترتيب الزمنى والتحقيب التاريخى أما فى المرتبة فهو الأول والمهيمن", فقد صاحب بنى آدم فى حلهم وترحالهم, فى سفرهم وعدنهم, فى ظنعهم وإقامتهم, فى فرحهم وترحهم, فى حربهم وسلمهم, فى عداواتهم وصداقتهم, فى بيعهم وشرائهم, ورهنهم, فى فقرهم وغناهم, داخل بيوتهم وخارجها, فى علاقاتهم العائلية وأحوالهم الشخصية, فى أفعالهم الحميدة وممارساتهم الذميمة, فى أنسابهم وقراباتهم, ومع عبدائهم وإمائهم وحرائرهم, فى ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم مع ىبائهم وأولادهم وجيرانهم وأصدقائهم وحولهم, مع السلطة التى تعلوهم والمستوى الخفيض عنهم, فى أسواقهم ومتاجرهم ... إلخ.
في كل هذه المناحى الكثيرة التى تحصى بالعشرات لم تغفل عيناه عنهم:
أهدى لكل معضلة حلاً ولكل سؤال جوابًا, ولكل نازلة مخرجًا, ولكل حدث حديثًا, بل أحسن حديث, ولكل همّ فرجًا, ولكل ضائقة توسعة, ولكل عقدة فكًا, ولكل مغلاق مفتاحًا ولكل مسكوك منفذًا, ولكل جدب غيثًا ولكل إمحال خصبًا .... إلخ.
وترتيبًا على جماعة تفرشحت فيه مساحة النصوص التى غطت مغالبات الدنيا ومعالجات العيش ومراوضات الحياة.
وهى ميزة رائعة بخاصية فريدة, ومنقبة حميدة, وصفة شامخة تفرد بها القرآن العظيم عن سائر الكتب المقدسة المعزوة إلى الديانتين الإبراهيميتين اللتين تقدمتاه تاريجيًا لا منزلة فهو وحده ـ وهذه كلمة حق تقال ـ من بينها صاحب المقام المحمود والدرجة الرفيعة والمرتبة المنفية.
تأثير المجتمع فى القرآن : -
وجه تميز الذكر الحكيم هو عنايته الفائقة واهتمامه الشامل بالناس ورعايته المضاعفة إياهم, ولقد أدرك الصحابة ذلك وفقهوه, ومن هنا تنبع الحقيقة التى تؤكد أنهم أكثر المسلمين فهما له, وأعمقهم علمًا بدخائله ومخارجه, وأغزرهم معرفة بدقائقه, وأوسعهم إحاطة بأسرار تراكيبه, وأحسنهم دراية بمنهجه, وأنفذهم بصيرة بأسلوبه, وأعمقهم فطانة بطرائقه فى الخطاب, وأصدقهم قريحة فى الخبرة بمسالكه, وأحَدّهم بصرًا فى الإهتداء إلى دروبه .. إلخ.
ويُرجع التراثيون والأتباعيون ذلك إلى سليقتهم العربية الفطرية, ويردد الخلف عن السلف هذه العلة دون تفكير وبغير إعمال عقل, فى حين أنها ( العلة ) وإن صحت فإنها مجزوءة منقوصة, فهناك من بين الصحابة من لا ينطبق عليه هذا النعت, إذ عرف عن بعضهم لُكنة فى الكلام وحُسبة فى اللسان و عُجمه فى التعبير, منهم على سبيل المثال صهيب الرومى, وسلمان الفارسى.
كما وجد فى صفوفهم من نشأ فى قبائل بدوية فى لهجاتها حوشية وخشونة وبداوة وجفاوة, وأخبرنا القرآن الحميد أن الأعراب أكثرهم لايعقلون إبان قَصّه عن أعراب بنى تميم الذين نادوا ( سيد العرب والعجم ) من وراء الحجرات, وبلغت بهم السفاهة والحماقة أنهم طلبوا منافرته, والذى لايعقل لايبين إنما يصدر عنه صخب وضجيج وجلبة تصم الآذان.
إذن ليس الشأن منحصرًا فى تذوق فصاحة القرآن وبلاغته ونصاعة أسلوبه هذه الصفات التى لايمارى فيها أحد وأنها التى حدت بالصحابة إلى استيعابه والإلمام به لأن القضية لاتخص اللغة وحدها.
وإذا صدق بالنسبة لمعلقة أو قصيدة لإمرئ القيس أو النابغة أو زهير بن أبى سلمى أو حتى لحسان بن ثابت أو الخنساء, فإنه من الركاكة والفهاهة والعى سحب هذا الحكم على القرآن العظيم.
إن الصحابة عندما ينسب إلى جانبهم أعمق المسلمين قاطبة فهمًا واستيعابًا وفقهًا وإدراكًا وعلمًا بالذكر الحكيم, خاصة الكوكبة اللامعة التى أحاطت بـ " أول من يفيق من الصعقة " والذين درج المسلمون سلفهم وخلفهم على وصفهم بعلماء الصحابة, إنما مرده ومرجعه فى نظرنا أنهم وقد رافقوا " الأمين المأمون" فى غالبية أوقاته فطنوا إلى المرونة التى حايثت ظهور الآيات الكريمة والأسباب والمناسبات التى واكبتها, حتى إن بعضهم وأشهرهم فى هذا المجال العدوىّ عمر بن الخطاب, الذى أصبح فيما بعد خليفة, دأب على نطق بعض عبارات, فإذا بعد قليل يتلو " الحبيب المصطفى" آية أو آيات تتضمنها أو يشير برأى فى موقف معين فيقرأ " مقدم ولد عدنان" آية أو آيات تقننه.
وشارك بعض الصحابة عمر فى هذا المنحى ـ كما سوف يتموضع فى الفصول القوادم ـ إنما لَحِق " هذا البعض" به وجاء مصليًا " تاليًا أو لاحقًا" للعدوىّ.
إذن فقه الصحابة, أو إذا شئنا التعيين علماؤهم, وصلة القرآن العظيم بالمجتمع ووجود علاقة تبادلية مع ظروفه تستنفر حلولاً أو فتاوى أو استشارات أو علمًا أو معرفة أو آراء ـ يقبل الذكر الحكيم إما سريعًا كما فى مسألة الظهار وإما بعد برهة بما يقر العيون ويثلج الصدور ويسر القلوب .........إلخ.
وبداهة تكرر عشرات المرات أمام عيون الصحبة اللوذعية الفطنة فترسب فى أعماق يقينهم تحقق وشيجة ملتبكة بين نوازل المجتمع وبين الآيات الكريمة وأنه يمكن أن يدعى بغير تجاوز أن الأولى مقتضيات حتمية لإعلان الأخرى أو أنهما أشبه بالإيجاب والقبول إذا إستعرنا لغة الفقه فى نطاق العقود.
وهذا التفطن يفسر لنا ما فاه به إثبات علماء الصحابة وعلى الذؤابة رأسهم وسيدهم أبو الحسنين على بن أبى طالب كرم الله وجهه , أنه يعلم سبب أو مناسبة كل سورة وآية ومتى وأين نزلت ..؟.
أما عائشة بنت أبى بكر بن أبى قحافة, وهى معدودة منهم, فقد صرحت بوجود الوثاق الحوارى بين القرآن الكريم وبين موقف حساس, وهو إقدام إمرأة أو نسوة على هبة نفسها أو أنفسهن لـ " المنصور بالرعب قرابة شهر" ولعل الذى وزّ التيمية على المشافهة به علتان:
الأولى: حداثة سنها إذ إنها عندما انتقل " سيد الخلق" إلى الرفيق الأعلى راضيًا مرضيًا لم تجاوز الثامنة عشرة من عمرها.
الأخرى: أن الموقفحزبها وضيق صدرها وأثار حفيظتها, لأنه سوف يضيف إلى ضرائرها الثمانى ضرة أو ضرائر وهى ليست فى حاجة إلى مزيد, ومن ثم أفلتت منها تلك العبارات التى رقمنا فى كتابات لنا سوابق أنه لايجرؤ مسلم غيرها صحابى أو غير صحابى على التلفظ بها.
وأياً هو الأمر فالذى لامشاحة فيه أن تصريح ابنة أبى بكر غنى بالدلالات ملئ بالمعطيات حافل بالمعانى وفى ذروة سنامها تأكيد الحبل المتين الذى يربط بين القرآن الحكيم وبين ما تتابع فى حنايا أبطن تجمعاتهم من حوادث وأحداث.
لا يفهم من هذا الطرح أن كل ما انتصب فى سور القرآن العظيم استجابة لموجبات فعاليات المجتمعين المكى واليثربى وما اضطرب فى أحشائهما, فهذا بالقطع غير دقيق بالمرة إنما الذى نرقمه أن شطرًا وسيعًا منه هيمن على تلك المجالى المركبة.
ولا نلقى أصدق من " أسباب النزول" دليلاً على ما نذهب إليه, فهى محيط عميق يموج بأشتات من الأخبار تلمس فيها باليد قبل العين استقرار الصلة بين نصوص ( الأمر / البشرى = القرآن ) ومن توجه إليهم.
وفى ذات الوقت فإنه عين ما قصدناه بالقرآن المقروء والمتلو الذى خفظته صدور الصحاب المتصف بالجدة والإبداع والطرافة لأنه داوى أسقامًا عملية ورفع حواجز واقعية وأزال عقبات معاشية ويسر صعوبات حياتية وقدم لها الحلول النواجع.
وليس مدلوله أن التى لاءمت أو ناسبت مفتتح القرن الأول الهجرى تصلح للمستجدات المدهشة لفواتح القرن الخامس عشر الهجرى أو أواسطه أو خواتمه إنما الذى نتغياه معُطيين:
الأول: أن القرآن العظيم نص مفتوح ومحاولة تسييجه ضررها أضعاف نفعها ويكفى أنه تفضل بدور فى غاية الروعة وهو الإرتباط العضوى بالمجتمع الذى انبثق بين جنباته سواء فى بكة أو يثرب.
فعلى من يود تفسيره مجتهدًا أو غير متوانٍ أن يؤمه مباشرة خاصة ما وصفناه بالقرآن المقروء والمتلو الذى حفظ فى صدور الصحابة الذى أبرزت قسماته " أسباب النزول" أما الإتكاء على التفاسير العتيقة, مع بالغ التقدير لها, فإنه يجافى المنهج الموضوعى العلمى فى التفسير.
الآخر: أن " أسباب النزول " وما كشفت عنه بجسارة من حلول وآراء وفتاوى واستشارات ومعارف وعلوم واكبت الآيات التى تُليت زمنها فلا يتطلب إنزالها بحرفياتها على مستجدات هذا القرن الحالى إنما الهدف هو الإستهداء فحسب بالمبادئ أو القيم التى نستطيع استقطارها منها, لأن العبرة بالمعانى لا بالمبانى. وإذ إنها كما ذكرنا مقطع كبير من القرآن المقروء أو المتلو فإنها أولى بالدراسة للحصول على مفاتيح التفسير المستنير للقرآن العظيم.
ابو تراجى
01-04-2010, 04:34 PM
لم يقتصر القرآن الكريم على الإهتمام بالمجتمعين المكى واليثربى وأفراد كل منها سواء من الذكور أو الإناث بل إنه أولى " سيد الناس ومقدم العرب" رعاية تميزت بالكثافة والتركيز البالغين فقد تناول كافة شئونه الخاصة منها بل شديدة الخصوصية:
فعلى سبيل المثال عندما تتفق عليه زوجتان من زوجاته التسع أو يتعاقدن جميعهن على طلب زيادة النفقة عليهن وشيئًا من التوسعة أو تكتشف إحداهن أنه مسّ جاريته على فرشها وفى حجرتها فهنا تظهر آية أو آيات كريمة تزيل عنه الغمة.وكذا حُلت معضلة زواجه من السيدة الفئقة الحسن والبهاء التى تزوجها قبله عبده ثم ابنه عن طريق التبنى ثم مولاه, ودرج تقليد راسخ بينهم على تحريم هذا النكاح بورود آية فكّت العقدة وأبطلت ذاك العرف المستقر وسخفته واستهجنته وأحلت زواج الرجل بزوجة ابنه المتبنى حتى ولو دخل بها وعاشرها وبذا حُق لتلك الزوجة الوسيمة القسيمة الفاتنة أن تفخر على سائر نسونه, لأن كلاً منهن زوجها وليها فى حين أنها الوحيدة التى جاء أمر نكاحها فى الذكر الحكيم وبسببه أيضًا تم تحطيم قاعدة صلبة مضت عليها مئات الأعوام وهى تحريم حليلة الإبن بالتبنى.
وفى ليلة عرسها أطال المدعوون إلى الوليمة المكث لديه وهو أمر يقطع بقلة الذوق ويشى بسوء الأدب وينبئ عن الخشونة وينضح بالبداوة, إذ من حق " سيد ولد عدنان" أن يدخل سريعًا على عروسه الوضيئة الجميلة, فانبرى القرآن العظيم وظهرت من آية كريمة عابت على الضيوف الثقلاء لُبثهم غير اللائق وأمرتهم بسرعة الإنصراف.
وتجرأ نفر من المنافقين وبعض رقيقى الإيمانوعدد من المسلمين لاشك فى إسلامهم بيد أن عقولهم خفيفة وأخلاقهم طفسة ونفوسهم معقدة , رموا احب زوجات " المعصوم من الناس" وهى إبان ذاك فى الثالثة عشرة من عمرها بتهمة حقيرة هى منها بريئة كل البراءة وأشاعوا عنها إفكًا وبهتانًا, فتصدى لهم الذكر الحكيم وأعلن براءة الزوجة الحدثة الصغيرة السن وزيف وبطلان أكاذيب السفلة أصحاب الإفك وفرج عن " أبى القاسم" أزمة نفسية قاسية ألمت به.
وفى غزوة أخرى فقدت ذات الزوجة الحبيبة الحديثة العمر عقدها فحبس الأصحاب على إلتماسه مما دعا أباها التيمىّ إلى أن يصيح فى وجهها أنها فى كل سفرة بلاء وعناء على الناس. ونتيجة له تعذر على المسلمين أداء الصلاة لإنعدام الماء فى الموضع القفر وفجأة أقبلت آية قرآنية حلّت العقدة وفكّت الأزمة فأباحت التيمم.
فى سورة غضب أعلن صحابى أنه سوف ينكح ذات الزوجة الشابة بعد وفاة محمد, لأنها فضلاً عن صغر سنها حلوة مُلاحة وتمُت إليه " الصحابى" بقرابة حميمة ورغم أن " الشفيع المشفع" بشره بدخول الجنة إلا أنه أثبت أنه يتمتع بغلظ فى الحس وسماجة فى الشعور وانحطاط فى الأدب إذ لا يُتصور فى رجل متحضر أن يُخبر آخر أنه ما إن يموت حتى يهرول إلى نكاح إمرأته.
ولندع الصحابى الجلف كيما نعود إلى سياقة الدراسة: إن كلماته الفلوت آذت أحاسيس "رافع لواء الحمد" وآلمت نفسه بيد أن القرآن لم يتركه يعانى المواجع فهلت إحدى آياته الحكيمة تُحرم نكاح زوجاته التسع بعد إنتقاله إلى الرفيق الأعلى راضيًا مرضيًا, وتوافقت ( = الآية ) بالكلية مع اللقب الذى تحمله كل منهن وهو " أم المؤمنين" وعلى طول التاريخ لم نقرأ عن شريعة أباحت زواج الأم فضلاً عن أن الطبيعة البشرية السوية تنفر منه وتستقبحه!!!.
أقدمت بعض النسون على هبة أنفسهن لـ" صاحب السيف" لكى تنال شرفًا منيفًا ما بعده رفعة ولتحمل اللقب الباذخ " أم المؤمنين" أنه أصاب زوجاته بقدر من القلق وشئ من الغضب كرد فعل طبيعى, كما أنه سوف ينعكس على تصرفاتهن معه خاصة الوضيئات منهن مثل عائشة وأم سلمة وزينب بنت جحش مما سيصيبه بعنت ومشقة, فأشرقت آيات كريمات وتناولت الأزمة العارضة بما فيه رضاه وإياهن.
قبيل فتح الفتوح" فتح مكة" أرسل" الحبيب المحتبى" عمرو بن أمية الضمرى إلى الحبشة ليخطب له أم حبيبة بنت أبى سفيان, وقد دلت هذه البادرة على حنكة محمد السياسية التى لاضروب لها لأن ابن حرب ابن أمية غدا زعيم مكة وسيدها فبارك الذكر الحكيم هذه الخطوة الذكية واللفتة التى تنم عن فطنة فاذة فى الآية السابعة من سورة الممتحنة:{ عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة }, نكتفى بهذه الأمثلة الثرّة الدلالة التى سقناها للكشف عن جانب هام من جوانب معطيات الذكر الحكيم فى العناية بالأحوال الشخصية لـ" من سيفه على عاتقه".
كتب الكثيرون, من المستحيل إحصاؤهم, عن إعجاز القرآن سواء من السلف أو الخلف ومن العرب والأعاجم وبغالبية اللغات وتطرقت بحوثهم القيمة لشتى وجوهه ولكن على حد علمنا لم يرقم أحدهم سطرًا فردًا عن هذا المقطع ونعنى به الإهتمام الشديد بالقائد والمجتمع وأفراده الفاعلين فيه وطوائفه المختلفة من كافة الزوايا التى ذكرنا حفنة منها ـ إذ أننا لم نستوفها عن بكرة أبيها ـ ولم يمد باحث منهم قلمه إلى العلاقة الجدلية التى ربطت بآصرة محكمة ألسر اولئك بالآيات الكريمة والتى بنظرنا نفحت القرآن الحميد الحيوية الفائقة والنضارة الدائمة والبكاة الخالدة وجعلت من مَعِينًا دفاقًا لا ينضب ماؤه ولا يغيض تدفقه ولا ينقص عطاؤه.
بهذه الميزة الرائعة والخاصية الفذة والصفة الفريدة هيمن على كتابىّ الديانتين الإبراهيميتين اللتين تقدمتا عليه فى تاريخ الظهور لا فى المكانة أو المنزلة أو المقام؟؟؟.
إن الإلتفات إلى المخاطبين فى جميع أوقاتهم وضروب معائشهم ومختلف مواقفهم, والأخذ بأيديهم إلى الأمثل, وهدايتهم إلى الأصوب, وإرشادهم إلى الأقوم دليل لا يقبل المحاجة وحجة لاترقى لمستواها المجادلة وبرهان لايناله الوهن على أنه الكتاب العرّى عن الشبيه, والعديم عن المثيل, والبعيد عن القرين.
بذات المستوى وفى نفس الدرجة بزغت حياطته بالقائد وشموله بالسهر والحدب عليه وإشعاره بأنه محط الموالاة وتحت مظلة الحفظ وداخل جناح الحراسة وفى بؤبؤ عين الصيانة.
إن كتابىّ الديانتين السابقتين تحدثا عن معجزات البطاركة الأكابر منهم إبراهيم, وموسى, وعيسى بيد أنهما صفرًا صفورًا تامًا " جاءا خليين" من التعريج على أحوالهما وفى مقدمها الخاصة والشخصية, فى حين أن ذلك شكّل معلمًا بارزًا فى الذكر الحكيم بالنسبة إلى من" جعلت له الأرض مسجدًا" وإلى المجتمعين المكى واليثربى.
إن تناول الخوارق يتعلق بالغيبيات والماورائيات والميتافيزيقا أو ما خلف الطبيعة, أما الكلام عن الشئون الحياتية والممارسات المعاشية والأنشطة اليومية, فهو يتصل بوثاقة محكمة بالناس فى مختلف تقلباتهم, وشتان من يقلق من أجل الهُشُوشة والهامشية والطرفية ومن يحصر همته فى القلب والمركز والجوف والمقارنة تغدو مجحفة بين من يصوب نظره إلى العرَض وبين من ينفذ ببصيرته إلى الجوهر.
إن العجائب والمدهشات والمذهلات موقوتة سرعان ما يخبو ضوؤها وتذهب لمعتها ويذبل نورها, فى حين أن المعايشات والحياتات والفعاليات ثابتة أصلية أساسية, بمعنى أن الأولى تحيّر من خوطبوا بها وتدلّه الذين عاينوها وتربك معاصريها, وعند هذا الحد يتبخر مفعولها ويغيض أثرها وتنتهى النتيجة المرجوة منها, أما الأخرى فهى تمس واقع المخاطبين بها ثم يمتد مسيلها إلى الأجيال والقرون المتطاولة التى تُخلق بعدهم. ولايفهم منه أن تطبيق النصوص التى حملتها يتم حرفيًا إنما نعنى الإستهداء بمعانيها والإسترشاد بقيمها والتفطن إلى أهدافها ومعرفة دوالها وإدراك مراميها وفقه غاياتها, فسنرى فيما يأتى من فصول أن بعضها قصد التخفيف فننقه أن ( = التخفيف ) منهج ( الحبل / القيم ). وآخر نهى عن اللعب أو الهزؤ بالألفاظ التى تتعلق بالروابط الأسرية فيترسخ لدينا اليقين بعظم شأنها, وثالث عاب تقديم الشئ الردئ عند إخراج الصدقة فنتأكد أنها ركن ركين يتوجب علينا أداؤه على الوجه المرضى, ورابع يحكى عن تآمر الضرائر فنخلص إلى أن نكاح مرتين أو ثلاث أو أربع خيبة قوية, وخامس يخبرنا عن صحابى نال من إمرأة ما دون فرجها وآخر ضرب حسناء جميلة على عجيزتها المكتنزة ثم استغفر كل منهما وصلى وورد أن الحسنات يذهبن السيئات, فندرك أن الضعف البشرى أمر وارد لأن كل بنى آدم خطاء وأن دواءه التوبة والإنابة .... وسادس ينقل إلينا صبر " متمم مكارم الأخلاق" على بذاءات اليهود والجدال العنيف الذى أثاره النصارى فنتعلم درسًا نحن فى أمس الحاجة إليه فى ضرورة التعايش مع أهل الكتاب والتحاور معهم بالتى هى أحسن. وسابع ينهى عن النكول عن أداء الشهادة فلا نتردد فى القيام بها ... ونكتفى بهذه الأمثلة السبعة لأن فيها غناء, وقد تعمدنا أن نبلغ بها العدد لأن له قداسة فى الديانات الإبراهيمية الثلاث وقيل إنهم نقشوا تقديسه من الديانات السامية التى سبقتها والتى ظلت مهيمنة على ذات المنطقة قرونًا متطاولة. والقرآن العظيم ينص على تداول الأيام بين الناس ولعل أبرز ما يؤكد صدقه هو أن عبادة آمون رع استمرت, على ما ذكر علماء المصريات " الإيجيبتولوجى" دهرًا مديدًا حتى قيل لن يتقطع" وهو شطر بيت لشاعر عربى".
ثم نؤوب إلى سياق البحث:
لعل من لديه أدنى مُسكة من عقل سليم قد اقتنع أن منهج القرآن الحميد فى هذه الخصوصية وهو الحِياطة بـ " صفوة البشر" والعناية بالمجتمع وأعضائه وانتصاب وشيجة متينة وتشابك متداخل وإلتفات ملتحم بين آياته وهؤلاء فى سائر ظروفهم وأوقاتهم, هو المنهج الأمثل وبه بزّ الكتابين المقدسين السابقين وفَلج عليهما وغدا بحق" كتاب الحياة".
بزوغ ظاهرة النسخ فى القرآن : -
بيد أن سلوكه هذا المنهاج أدى بطريق الحتم واللزوم إلى إنفجار ما عُرف بظاهرة النسخ فيه. ففى المائة والأربع عشرة سورة توجد إحدى وسبعون منها بها نسخ " أى ما يقرب من ثلثيها" منها خمس وعشرون سورة فيها ناسخ ومنسوخ وست منها على ناسخ والأربعون الباقية تضم المنسوخ فقط.
وقديمًا أثار اليهود لغطًا حول النسخ بحجة أن البِداء لايجوز فى الكتب المقدسة. " والبداء هو الإفضاء بقول ثم يعرض لصاحبه ما هو أحسن منه فيفوه به وينبذ الأول", بدليل أن التوراة خلت تمامًا من النسخ وكثيرًا ما سألوا " أعظم الكائنات" يا أبا القاسم لولا أنزل هذا القرآن جملة واحدة كما أنزلت التوراة على موسى , فرد عليهم القرآن العظيم:" وقال الذين كفروا لولا أنزل عليه القرآن جملة واحدة" [ رواه ابن أبى حاتم فى تفسيره وأورده السيوطى فى الإتقان ].
لقد أثبت اليهود طيش أحلامهم وقلة عقولهم وقصر نظرهم وعتامة بصيرتهم وضيق أفقهم, إذ يعتبرون أن مجئ الكتاب مرة واحدة منقبة ويعدونه محمدة ويرون أنه ميزة ويذهبون إلى أن تنجيمه نقيصة ويحسبونه عيبًا ويُطبقون على أنه ثلمة ويجمعون على أنه مذَمَّة. فى حين أن العكس هو الصحيح والنقيض هو السليم والمخالف هو السديد, لأنه ( = التنجيم ) هو الذى يوائم الناس أو المخاطبين ويسد خلاتهم وبفى بحاجاتهم ويحقق أغراضهم ويشد ظهورهم ويقوى ضعفهم ويهدى خطواتهم.
فى حين أن كتاب الدفعة الواحدة لايحقق شيئًا!!!.
ومن هنا برزت التوراة التى فى أيدى اليهود مليئة بالأساطير حافلة بالخرافات طافحة بالشعبذات ونرجح أن مرده: محاولة ملء الفراغ وإلهاء المخاطبين عن الإخلال الذى اعتورها نتيجة لازمة لإنحدارها من عَلِ دفعة واحدة ومن ثم فهذا هو سبب اقتصارها على المعجزات والمدهشات والمخاريق.
إن التمييز بين القرآن المقروء / المتلو ـ المحفوظ فى صدور الصحبة وبين القرآن المدون فى عهد عثمان الأموى ليس بدعة حسنة بل أمر مقرر التفت إليه البُحاث القدامى وسطروه فى مؤلفاتهم وبداهة ليس من الضرورى ذكر التفرقة بفصها ونصها بل يكفى إدراكها من جماع ما رقموه.
أورد الإمام شهاب الدين القسطلانى فى كتابه " لطائف الإشارات لفنون القراءات": " فتلقاه" يعنى " القرآن المجيد" أصحابه " أى الأمين المأمون" منه غضًا وأدوه إلى من تلقاه عنهم خالصًا محضًا". [ لطائف الإشارات لفنون القراءات : للإمام شهاب الدين القسطلانى 851 /923هـ ـ الجزء الأول ـ ص21 ـ تحقيق وتعليق الشيخ عامر السيد عثمان و دكتور عبد الصبور شاهين ، من إصدارات المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ـ لجنة إحياء التراث الإسلامى ـ الطبعة الأولى 1392هـ/ 1972م ].
والقسطلانى من علماء القرن العاشر الهجرى أى انصرمت على تدوين مصحف عثمان الأموى تسعة قرون وقرابة ربع قرن عند وفاته, بيد أنه يحدد بمنتهى الدقة القرآن النص الخالص المحض الذى كَنَّه الصحاب فى صدورهم ثم تلوه على التابعين كما تلقوه من ( الإنسان الكامل / لابس الصوف).
وهى عبارات صريحة النص والدلالة معًا على ذيّاك التمييز الذى نسخناه فى بدىّ هذه الفقرة وليس ضربة لازب أن يسطره القسطلانى بحروفه.
لم يقتصر القرآن الكريم على الإهتمام بالمجتمعين المكى واليثربى وأفراد كل منها سواء من الذكور أو الإناث بل إنه أولى " سيد الناس ومقدم العرب" رعاية تميزت بالكثافة والتركيز البالغين فقد تناول كافة شئونه الخاصة منها بل شديدة الخصوصية:
فعلى سبيل المثال عندما تتفق عليه زوجتان من زوجاته التسع أو يتعاقدن جميعهن على طلب زيادة النفقة عليهن وشيئًا من التوسعة أو تكتشف إحداهن أنه مسّ جاريته على فرشها وفى حجرتها فهنا تظهر آية أو آيات كريمة تزيل عنه الغمة.وكذا حُلت معضلة زواجه من السيدة الفئقة الحسن والبهاء التى تزوجها قبله عبده ثم ابنه عن طريق التبنى ثم مولاه, ودرج تقليد راسخ بينهم على تحريم هذا النكاح بورود آية فكّت العقدة وأبطلت ذاك العرف المستقر وسخفته واستهجنته وأحلت زواج الرجل بزوجة ابنه المتبنى حتى ولو دخل بها وعاشرها وبذا حُق لتلك الزوجة الوسيمة القسيمة الفاتنة أن تفخر على سائر نسونه, لأن كلاً منهن زوجها وليها فى حين أنها الوحيدة التى جاء أمر نكاحها فى الذكر الحكيم وبسببه أيضًا تم تحطيم قاعدة صلبة مضت عليها مئات الأعوام وهى تحريم حليلة الإبن بالتبنى.
وفى ليلة عرسها أطال المدعوون إلى الوليمة المكث لديه وهو أمر يقطع بقلة الذوق ويشى بسوء الأدب وينبئ عن الخشونة وينضح بالبداوة, إذ من حق " سيد ولد عدنان" أن يدخل سريعًا على عروسه الوضيئة الجميلة, فانبرى القرآن العظيم وظهرت من آية كريمة عابت على الضيوف الثقلاء لُبثهم غير اللائق وأمرتهم بسرعة الإنصراف.
وتجرأ نفر من المنافقين وبعض رقيقى الإيمانوعدد من المسلمين لاشك فى إسلامهم بيد أن عقولهم خفيفة وأخلاقهم طفسة ونفوسهم معقدة , رموا احب زوجات " المعصوم من الناس" وهى إبان ذاك فى الثالثة عشرة من عمرها بتهمة حقيرة هى منها بريئة كل البراءة وأشاعوا عنها إفكًا وبهتانًا, فتصدى لهم الذكر الحكيم وأعلن براءة الزوجة الحدثة الصغيرة السن وزيف وبطلان أكاذيب السفلة أصحاب الإفك وفرج عن " أبى القاسم" أزمة نفسية قاسية ألمت به.
وفى غزوة أخرى فقدت ذات الزوجة الحبيبة الحديثة العمر عقدها فحبس الأصحاب على إلتماسه مما دعا أباها التيمىّ إلى أن يصيح فى وجهها أنها فى كل سفرة بلاء وعناء على الناس. ونتيجة له تعذر على المسلمين أداء الصلاة لإنعدام الماء فى الموضع القفر وفجأة أقبلت آية قرآنية حلّت العقدة وفكّت الأزمة فأباحت التيمم.
فى سورة غضب أعلن صحابى أنه سوف ينكح ذات الزوجة الشابة بعد وفاة محمد, لأنها فضلاً عن صغر سنها حلوة مُلاحة وتمُت إليه " الصحابى" بقرابة حميمة ورغم أن " الشفيع المشفع" بشره بدخول الجنة إلا أنه أثبت أنه يتمتع بغلظ فى الحس وسماجة فى الشعور وانحطاط فى الأدب إذ لا يُتصور فى رجل متحضر أن يُخبر آخر أنه ما إن يموت حتى يهرول إلى نكاح إمرأته.
ولندع الصحابى الجلف كيما نعود إلى سياقة الدراسة: إن كلماته الفلوت آذت أحاسيس "رافع لواء الحمد" وآلمت نفسه بيد أن القرآن لم يتركه يعانى المواجع فهلت إحدى آياته الحكيمة تُحرم نكاح زوجاته التسع بعد إنتقاله إلى الرفيق الأعلى راضيًا مرضيًا, وتوافقت ( = الآية ) بالكلية مع اللقب الذى تحمله كل منهن وهو " أم المؤمنين" وعلى طول التاريخ لم نقرأ عن شريعة أباحت زواج الأم فضلاً عن أن الطبيعة البشرية السوية تنفر منه وتستقبحه!!!.
أقدمت بعض النسون على هبة أنفسهن لـ" صاحب السيف" لكى تنال شرفًا منيفًا ما بعده رفعة ولتحمل اللقب الباذخ " أم المؤمنين" أنه أصاب زوجاته بقدر من القلق وشئ من الغضب كرد فعل طبيعى, كما أنه سوف ينعكس على تصرفاتهن معه خاصة الوضيئات منهن مثل عائشة وأم سلمة وزينب بنت جحش مما سيصيبه بعنت ومشقة, فأشرقت آيات كريمات وتناولت الأزمة العارضة بما فيه رضاه وإياهن.
قبيل فتح الفتوح" فتح مكة" أرسل" الحبيب المحتبى" عمرو بن أمية الضمرى إلى الحبشة ليخطب له أم حبيبة بنت أبى سفيان, وقد دلت هذه البادرة على حنكة محمد السياسية التى لاضروب لها لأن ابن حرب ابن أمية غدا زعيم مكة وسيدها فبارك الذكر الحكيم هذه الخطوة الذكية واللفتة التى تنم عن فطنة فاذة فى الآية السابعة من سورة الممتحنة:{ عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة }, نكتفى بهذه الأمثلة الثرّة الدلالة التى سقناها للكشف عن جانب هام من جوانب معطيات الذكر الحكيم فى العناية بالأحوال الشخصية لـ" من سيفه على عاتقه".
كتب الكثيرون, من المستحيل إحصاؤهم, عن إعجاز القرآن سواء من السلف أو الخلف ومن العرب والأعاجم وبغالبية اللغات وتطرقت بحوثهم القيمة لشتى وجوهه ولكن على حد علمنا لم يرقم أحدهم سطرًا فردًا عن هذا المقطع ونعنى به الإهتمام الشديد بالقائد والمجتمع وأفراده الفاعلين فيه وطوائفه المختلفة من كافة الزوايا التى ذكرنا حفنة منها ـ إذ أننا لم نستوفها عن بكرة أبيها ـ ولم يمد باحث منهم قلمه إلى العلاقة الجدلية التى ربطت بآصرة محكمة ألسر اولئك بالآيات الكريمة والتى بنظرنا نفحت القرآن الحميد الحيوية الفائقة والنضارة الدائمة والبكاة الخالدة وجعلت من مَعِينًا دفاقًا لا ينضب ماؤه ولا يغيض تدفقه ولا ينقص عطاؤه.
بهذه الميزة الرائعة والخاصية الفذة والصفة الفريدة هيمن على كتابىّ الديانتين الإبراهيميتين اللتين تقدمتا عليه فى تاريخ الظهور لا فى المكانة أو المنزلة أو المقام؟؟؟.
إن الإلتفات إلى المخاطبين فى جميع أوقاتهم وضروب معائشهم ومختلف مواقفهم, والأخذ بأيديهم إلى الأمثل, وهدايتهم إلى الأصوب, وإرشادهم إلى الأقوم دليل لا يقبل المحاجة وحجة لاترقى لمستواها المجادلة وبرهان لايناله الوهن على أنه الكتاب العرّى عن الشبيه, والعديم عن المثيل, والبعيد عن القرين.
بذات المستوى وفى نفس الدرجة بزغت حياطته بالقائد وشموله بالسهر والحدب عليه وإشعاره بأنه محط الموالاة وتحت مظلة الحفظ وداخل جناح الحراسة وفى بؤبؤ عين الصيانة.
إن كتابىّ الديانتين السابقتين تحدثا عن معجزات البطاركة الأكابر منهم إبراهيم, وموسى, وعيسى بيد أنهما صفرًا صفورًا تامًا " جاءا خليين" من التعريج على أحوالهما وفى مقدمها الخاصة والشخصية, فى حين أن ذلك شكّل معلمًا بارزًا فى الذكر الحكيم بالنسبة إلى من" جعلت له الأرض مسجدًا" وإلى المجتمعين المكى واليثربى.
إن تناول الخوارق يتعلق بالغيبيات والماورائيات والميتافيزيقا أو ما خلف الطبيعة, أما الكلام عن الشئون الحياتية والممارسات المعاشية والأنشطة اليومية, فهو يتصل بوثاقة محكمة بالناس فى مختلف تقلباتهم, وشتان من يقلق من أجل الهُشُوشة والهامشية والطرفية ومن يحصر همته فى القلب والمركز والجوف والمقارنة تغدو مجحفة بين من يصوب نظره إلى العرَض وبين من ينفذ ببصيرته إلى الجوهر.
إن العجائب والمدهشات والمذهلات موقوتة سرعان ما يخبو ضوؤها وتذهب لمعتها ويذبل نورها, فى حين أن المعايشات والحياتات والفعاليات ثابتة أصلية أساسية, بمعنى أن الأولى تحيّر من خوطبوا بها وتدلّه الذين عاينوها وتربك معاصريها, وعند هذا الحد يتبخر مفعولها ويغيض أثرها وتنتهى النتيجة المرجوة منها, أما الأخرى فهى تمس واقع المخاطبين بها ثم يمتد مسيلها إلى الأجيال والقرون المتطاولة التى تُخلق بعدهم. ولايفهم منه أن تطبيق النصوص التى حملتها يتم حرفيًا إنما نعنى الإستهداء بمعانيها والإسترشاد بقيمها والتفطن إلى أهدافها ومعرفة دوالها وإدراك مراميها وفقه غاياتها, فسنرى فيما يأتى من فصول أن بعضها قصد التخفيف فننقه أن ( = التخفيف ) منهج ( الحبل / القيم ). وآخر نهى عن اللعب أو الهزؤ بالألفاظ التى تتعلق بالروابط الأسرية فيترسخ لدينا اليقين بعظم شأنها, وثالث عاب تقديم الشئ الردئ عند إخراج الصدقة فنتأكد أنها ركن ركين يتوجب علينا أداؤه على الوجه المرضى, ورابع يحكى عن تآمر الضرائر فنخلص إلى أن نكاح مرتين أو ثلاث أو أربع خيبة قوية, وخامس يخبرنا عن صحابى نال من إمرأة ما دون فرجها وآخر ضرب حسناء جميلة على عجيزتها المكتنزة ثم استغفر كل منهما وصلى وورد أن الحسنات يذهبن السيئات, فندرك أن الضعف البشرى أمر وارد لأن كل بنى آدم خطاء وأن دواءه التوبة والإنابة .... وسادس ينقل إلينا صبر " متمم مكارم الأخلاق" على بذاءات اليهود والجدال العنيف الذى أثاره النصارى فنتعلم درسًا نحن فى أمس الحاجة إليه فى ضرورة التعايش مع أهل الكتاب والتحاور معهم بالتى هى أحسن. وسابع ينهى عن النكول عن أداء الشهادة فلا نتردد فى القيام بها ... ونكتفى بهذه الأمثلة السبعة لأن فيها غناء, وقد تعمدنا أن نبلغ بها العدد لأن له قداسة فى الديانات الإبراهيمية الثلاث وقيل إنهم نقشوا تقديسه من الديانات السامية التى سبقتها والتى ظلت مهيمنة على ذات المنطقة قرونًا متطاولة. والقرآن العظيم ينص على تداول الأيام بين الناس ولعل أبرز ما يؤكد صدقه هو أن عبادة آمون رع استمرت, على ما ذكر علماء المصريات " الإيجيبتولوجى" دهرًا مديدًا حتى قيل لن يتقطع" وهو شطر بيت لشاعر عربى".
ثم نؤوب إلى سياق البحث:
لعل من لديه أدنى مُسكة من عقل سليم قد اقتنع أن منهج القرآن الحميد فى هذه الخصوصية وهو الحِياطة بـ " صفوة البشر" والعناية بالمجتمع وأعضائه وانتصاب وشيجة متينة وتشابك متداخل وإلتفات ملتحم بين آياته وهؤلاء فى سائر ظروفهم وأوقاتهم, هو المنهج الأمثل وبه بزّ الكتابين المقدسين السابقين وفَلج عليهما وغدا بحق" كتاب الحياة".
بزوغ ظاهرة النسخ فى القرآن : -
بيد أن سلوكه هذا المنهاج أدى بطريق الحتم واللزوم إلى إنفجار ما عُرف بظاهرة النسخ فيه. ففى المائة والأربع عشرة سورة توجد إحدى وسبعون منها بها نسخ " أى ما يقرب من ثلثيها" منها خمس وعشرون سورة فيها ناسخ ومنسوخ وست منها على ناسخ والأربعون الباقية تضم المنسوخ فقط.
وقديمًا أثار اليهود لغطًا حول النسخ بحجة أن البِداء لايجوز فى الكتب المقدسة. " والبداء هو الإفضاء بقول ثم يعرض لصاحبه ما هو أحسن منه فيفوه به وينبذ الأول", بدليل أن التوراة خلت تمامًا من النسخ وكثيرًا ما سألوا " أعظم الكائنات" يا أبا القاسم لولا أنزل هذا القرآن جملة واحدة كما أنزلت التوراة على موسى , فرد عليهم القرآن العظيم:" وقال الذين كفروا لولا أنزل عليه القرآن جملة واحدة" [ رواه ابن أبى حاتم فى تفسيره وأورده السيوطى فى الإتقان ].
لقد أثبت اليهود طيش أحلامهم وقلة عقولهم وقصر نظرهم وعتامة بصيرتهم وضيق أفقهم, إذ يعتبرون أن مجئ الكتاب مرة واحدة منقبة ويعدونه محمدة ويرون أنه ميزة ويذهبون إلى أن تنجيمه نقيصة ويحسبونه عيبًا ويُطبقون على أنه ثلمة ويجمعون على أنه مذَمَّة. فى حين أن العكس هو الصحيح والنقيض هو السليم والمخالف هو السديد, لأنه ( = التنجيم ) هو الذى يوائم الناس أو المخاطبين ويسد خلاتهم وبفى بحاجاتهم ويحقق أغراضهم ويشد ظهورهم ويقوى ضعفهم ويهدى خطواتهم.
فى حين أن كتاب الدفعة الواحدة لايحقق شيئًا!!!.
ومن هنا برزت التوراة التى فى أيدى اليهود مليئة بالأساطير حافلة بالخرافات طافحة بالشعبذات ونرجح أن مرده: محاولة ملء الفراغ وإلهاء المخاطبين عن الإخلال الذى اعتورها نتيجة لازمة لإنحدارها من عَلِ دفعة واحدة ومن ثم فهذا هو سبب اقتصارها على المعجزات والمدهشات والمخاريق.
إن التمييز بين القرآن المقروء / المتلو ـ المحفوظ فى صدور الصحبة وبين القرآن المدون فى عهد عثمان الأموى ليس بدعة حسنة بل أمر مقرر التفت إليه البُحاث القدامى وسطروه فى مؤلفاتهم وبداهة ليس من الضرورى ذكر التفرقة بفصها ونصها بل يكفى إدراكها من جماع ما رقموه.
أورد الإمام شهاب الدين القسطلانى فى كتابه " لطائف الإشارات لفنون القراءات": " فتلقاه" يعنى " القرآن المجيد" أصحابه " أى الأمين المأمون" منه غضًا وأدوه إلى من تلقاه عنهم خالصًا محضًا". [ لطائف الإشارات لفنون القراءات : للإمام شهاب الدين القسطلانى 851 /923هـ ـ الجزء الأول ـ ص21 ـ تحقيق وتعليق الشيخ عامر السيد عثمان و دكتور عبد الصبور شاهين ، من إصدارات المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ـ لجنة إحياء التراث الإسلامى ـ الطبعة الأولى 1392هـ/ 1972م ].
والقسطلانى من علماء القرن العاشر الهجرى أى انصرمت على تدوين مصحف عثمان الأموى تسعة قرون وقرابة ربع قرن عند وفاته, بيد أنه يحدد بمنتهى الدقة القرآن النص الخالص المحض الذى كَنَّه الصحاب فى صدورهم ثم تلوه على التابعين كما تلقوه من ( الإنسان الكامل / لابس الصوف).
وهى عبارات صريحة النص والدلالة معًا على ذيّاك التمييز الذى نسخناه فى بدىّ هذه الفقرة وليس ضربة لازب أن يسطره القسطلانى بحروفه.
ابو تراجى
01-04-2010, 04:35 PM
لم يقتصر القرآن الكريم على الإهتمام بالمجتمعين المكى واليثربى وأفراد كل منها سواء من الذكور أو الإناث بل إنه أولى " سيد الناس ومقدم العرب" رعاية تميزت بالكثافة والتركيز البالغين فقد تناول كافة شئونه الخاصة منها بل شديدة الخصوصية:
فعلى سبيل المثال عندما تتفق عليه زوجتان من زوجاته التسع أو يتعاقدن جميعهن على طلب زيادة النفقة عليهن وشيئًا من التوسعة أو تكتشف إحداهن أنه مسّ جاريته على فرشها وفى حجرتها فهنا تظهر آية أو آيات كريمة تزيل عنه الغمة.وكذا حُلت معضلة زواجه من السيدة الفئقة الحسن والبهاء التى تزوجها قبله عبده ثم ابنه عن طريق التبنى ثم مولاه, ودرج تقليد راسخ بينهم على تحريم هذا النكاح بورود آية فكّت العقدة وأبطلت ذاك العرف المستقر وسخفته واستهجنته وأحلت زواج الرجل بزوجة ابنه المتبنى حتى ولو دخل بها وعاشرها وبذا حُق لتلك الزوجة الوسيمة القسيمة الفاتنة أن تفخر على سائر نسونه, لأن كلاً منهن زوجها وليها فى حين أنها الوحيدة التى جاء أمر نكاحها فى الذكر الحكيم وبسببه أيضًا تم تحطيم قاعدة صلبة مضت عليها مئات الأعوام وهى تحريم حليلة الإبن بالتبنى.
وفى ليلة عرسها أطال المدعوون إلى الوليمة المكث لديه وهو أمر يقطع بقلة الذوق ويشى بسوء الأدب وينبئ عن الخشونة وينضح بالبداوة, إذ من حق " سيد ولد عدنان" أن يدخل سريعًا على عروسه الوضيئة الجميلة, فانبرى القرآن العظيم وظهرت من آية كريمة عابت على الضيوف الثقلاء لُبثهم غير اللائق وأمرتهم بسرعة الإنصراف.
وتجرأ نفر من المنافقين وبعض رقيقى الإيمانوعدد من المسلمين لاشك فى إسلامهم بيد أن عقولهم خفيفة وأخلاقهم طفسة ونفوسهم معقدة , رموا احب زوجات " المعصوم من الناس" وهى إبان ذاك فى الثالثة عشرة من عمرها بتهمة حقيرة هى منها بريئة كل البراءة وأشاعوا عنها إفكًا وبهتانًا, فتصدى لهم الذكر الحكيم وأعلن براءة الزوجة الحدثة الصغيرة السن وزيف وبطلان أكاذيب السفلة أصحاب الإفك وفرج عن " أبى القاسم" أزمة نفسية قاسية ألمت به.
وفى غزوة أخرى فقدت ذات الزوجة الحبيبة الحديثة العمر عقدها فحبس الأصحاب على إلتماسه مما دعا أباها التيمىّ إلى أن يصيح فى وجهها أنها فى كل سفرة بلاء وعناء على الناس. ونتيجة له تعذر على المسلمين أداء الصلاة لإنعدام الماء فى الموضع القفر وفجأة أقبلت آية قرآنية حلّت العقدة وفكّت الأزمة فأباحت التيمم.
فى سورة غضب أعلن صحابى أنه سوف ينكح ذات الزوجة الشابة بعد وفاة محمد, لأنها فضلاً عن صغر سنها حلوة مُلاحة وتمُت إليه " الصحابى" بقرابة حميمة ورغم أن " الشفيع المشفع" بشره بدخول الجنة إلا أنه أثبت أنه يتمتع بغلظ فى الحس وسماجة فى الشعور وانحطاط فى الأدب إذ لا يُتصور فى رجل متحضر أن يُخبر آخر أنه ما إن يموت حتى يهرول إلى نكاح إمرأته.
ولندع الصحابى الجلف كيما نعود إلى سياقة الدراسة: إن كلماته الفلوت آذت أحاسيس "رافع لواء الحمد" وآلمت نفسه بيد أن القرآن لم يتركه يعانى المواجع فهلت إحدى آياته الحكيمة تُحرم نكاح زوجاته التسع بعد إنتقاله إلى الرفيق الأعلى راضيًا مرضيًا, وتوافقت ( = الآية ) بالكلية مع اللقب الذى تحمله كل منهن وهو " أم المؤمنين" وعلى طول التاريخ لم نقرأ عن شريعة أباحت زواج الأم فضلاً عن أن الطبيعة البشرية السوية تنفر منه وتستقبحه!!!.
أقدمت بعض النسون على هبة أنفسهن لـ" صاحب السيف" لكى تنال شرفًا منيفًا ما بعده رفعة ولتحمل اللقب الباذخ " أم المؤمنين" أنه أصاب زوجاته بقدر من القلق وشئ من الغضب كرد فعل طبيعى, كما أنه سوف ينعكس على تصرفاتهن معه خاصة الوضيئات منهن مثل عائشة وأم سلمة وزينب بنت جحش مما سيصيبه بعنت ومشقة, فأشرقت آيات كريمات وتناولت الأزمة العارضة بما فيه رضاه وإياهن.
قبيل فتح الفتوح" فتح مكة" أرسل" الحبيب المحتبى" عمرو بن أمية الضمرى إلى الحبشة ليخطب له أم حبيبة بنت أبى سفيان, وقد دلت هذه البادرة على حنكة محمد السياسية التى لاضروب لها لأن ابن حرب ابن أمية غدا زعيم مكة وسيدها فبارك الذكر الحكيم هذه الخطوة الذكية واللفتة التى تنم عن فطنة فاذة فى الآية السابعة من سورة الممتحنة:{ عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة }, نكتفى بهذه الأمثلة الثرّة الدلالة التى سقناها للكشف عن جانب هام من جوانب معطيات الذكر الحكيم فى العناية بالأحوال الشخصية لـ" من سيفه على عاتقه".
كتب الكثيرون, من المستحيل إحصاؤهم, عن إعجاز القرآن سواء من السلف أو الخلف ومن العرب والأعاجم وبغالبية اللغات وتطرقت بحوثهم القيمة لشتى وجوهه ولكن على حد علمنا لم يرقم أحدهم سطرًا فردًا عن هذا المقطع ونعنى به الإهتمام الشديد بالقائد والمجتمع وأفراده الفاعلين فيه وطوائفه المختلفة من كافة الزوايا التى ذكرنا حفنة منها ـ إذ أننا لم نستوفها عن بكرة أبيها ـ ولم يمد باحث منهم قلمه إلى العلاقة الجدلية التى ربطت بآصرة محكمة ألسر اولئك بالآيات الكريمة والتى بنظرنا نفحت القرآن الحميد الحيوية الفائقة والنضارة الدائمة والبكاة الخالدة وجعلت من مَعِينًا دفاقًا لا ينضب ماؤه ولا يغيض تدفقه ولا ينقص عطاؤه.
بهذه الميزة الرائعة والخاصية الفذة والصفة الفريدة هيمن على كتابىّ الديانتين الإبراهيميتين اللتين تقدمتا عليه فى تاريخ الظهور لا فى المكانة أو المنزلة أو المقام؟؟؟.
إن الإلتفات إلى المخاطبين فى جميع أوقاتهم وضروب معائشهم ومختلف مواقفهم, والأخذ بأيديهم إلى الأمثل, وهدايتهم إلى الأصوب, وإرشادهم إلى الأقوم دليل لا يقبل المحاجة وحجة لاترقى لمستواها المجادلة وبرهان لايناله الوهن على أنه الكتاب العرّى عن الشبيه, والعديم عن المثيل, والبعيد عن القرين.
بذات المستوى وفى نفس الدرجة بزغت حياطته بالقائد وشموله بالسهر والحدب عليه وإشعاره بأنه محط الموالاة وتحت مظلة الحفظ وداخل جناح الحراسة وفى بؤبؤ عين الصيانة.
إن كتابىّ الديانتين السابقتين تحدثا عن معجزات البطاركة الأكابر منهم إبراهيم, وموسى, وعيسى بيد أنهما صفرًا صفورًا تامًا " جاءا خليين" من التعريج على أحوالهما وفى مقدمها الخاصة والشخصية, فى حين أن ذلك شكّل معلمًا بارزًا فى الذكر الحكيم بالنسبة إلى من" جعلت له الأرض مسجدًا" وإلى المجتمعين المكى واليثربى.
إن تناول الخوارق يتعلق بالغيبيات والماورائيات والميتافيزيقا أو ما خلف الطبيعة, أما الكلام عن الشئون الحياتية والممارسات المعاشية والأنشطة اليومية, فهو يتصل بوثاقة محكمة بالناس فى مختلف تقلباتهم, وشتان من يقلق من أجل الهُشُوشة والهامشية والطرفية ومن يحصر همته فى القلب والمركز والجوف والمقارنة تغدو مجحفة بين من يصوب نظره إلى العرَض وبين من ينفذ ببصيرته إلى الجوهر.
إن العجائب والمدهشات والمذهلات موقوتة سرعان ما يخبو ضوؤها وتذهب لمعتها ويذبل نورها, فى حين أن المعايشات والحياتات والفعاليات ثابتة أصلية أساسية, بمعنى أن الأولى تحيّر من خوطبوا بها وتدلّه الذين عاينوها وتربك معاصريها, وعند هذا الحد يتبخر مفعولها ويغيض أثرها وتنتهى النتيجة المرجوة منها, أما الأخرى فهى تمس واقع المخاطبين بها ثم يمتد مسيلها إلى الأجيال والقرون المتطاولة التى تُخلق بعدهم. ولايفهم منه أن تطبيق النصوص التى حملتها يتم حرفيًا إنما نعنى الإستهداء بمعانيها والإسترشاد بقيمها والتفطن إلى أهدافها ومعرفة دوالها وإدراك مراميها وفقه غاياتها, فسنرى فيما يأتى من فصول أن بعضها قصد التخفيف فننقه أن ( = التخفيف ) منهج ( الحبل / القيم ). وآخر نهى عن اللعب أو الهزؤ بالألفاظ التى تتعلق بالروابط الأسرية فيترسخ لدينا اليقين بعظم شأنها, وثالث عاب تقديم الشئ الردئ عند إخراج الصدقة فنتأكد أنها ركن ركين يتوجب علينا أداؤه على الوجه المرضى, ورابع يحكى عن تآمر الضرائر فنخلص إلى أن نكاح مرتين أو ثلاث أو أربع خيبة قوية, وخامس يخبرنا عن صحابى نال من إمرأة ما دون فرجها وآخر ضرب حسناء جميلة على عجيزتها المكتنزة ثم استغفر كل منهما وصلى وورد أن الحسنات يذهبن السيئات, فندرك أن الضعف البشرى أمر وارد لأن كل بنى آدم خطاء وأن دواءه التوبة والإنابة .... وسادس ينقل إلينا صبر " متمم مكارم الأخلاق" على بذاءات اليهود والجدال العنيف الذى أثاره النصارى فنتعلم درسًا نحن فى أمس الحاجة إليه فى ضرورة التعايش مع أهل الكتاب والتحاور معهم بالتى هى أحسن. وسابع ينهى عن النكول عن أداء الشهادة فلا نتردد فى القيام بها ... ونكتفى بهذه الأمثلة السبعة لأن فيها غناء, وقد تعمدنا أن نبلغ بها العدد لأن له قداسة فى الديانات الإبراهيمية الثلاث وقيل إنهم نقشوا تقديسه من الديانات السامية التى سبقتها والتى ظلت مهيمنة على ذات المنطقة قرونًا متطاولة. والقرآن العظيم ينص على تداول الأيام بين الناس ولعل أبرز ما يؤكد صدقه هو أن عبادة آمون رع استمرت, على ما ذكر علماء المصريات " الإيجيبتولوجى" دهرًا مديدًا حتى قيل لن يتقطع" وهو شطر بيت لشاعر عربى".
ثم نؤوب إلى سياق البحث:
لعل من لديه أدنى مُسكة من عقل سليم قد اقتنع أن منهج القرآن الحميد فى هذه الخصوصية وهو الحِياطة بـ " صفوة البشر" والعناية بالمجتمع وأعضائه وانتصاب وشيجة متينة وتشابك متداخل وإلتفات ملتحم بين آياته وهؤلاء فى سائر ظروفهم وأوقاتهم, هو المنهج الأمثل وبه بزّ الكتابين المقدسين السابقين وفَلج عليهما وغدا بحق" كتاب الحياة".
بزوغ ظاهرة النسخ فى القرآن : -
بيد أن سلوكه هذا المنهاج أدى بطريق الحتم واللزوم إلى إنفجار ما عُرف بظاهرة النسخ فيه. ففى المائة والأربع عشرة سورة توجد إحدى وسبعون منها بها نسخ " أى ما يقرب من ثلثيها" منها خمس وعشرون سورة فيها ناسخ ومنسوخ وست منها على ناسخ والأربعون الباقية تضم المنسوخ فقط.
وقديمًا أثار اليهود لغطًا حول النسخ بحجة أن البِداء لايجوز فى الكتب المقدسة. " والبداء هو الإفضاء بقول ثم يعرض لصاحبه ما هو أحسن منه فيفوه به وينبذ الأول", بدليل أن التوراة خلت تمامًا من النسخ وكثيرًا ما سألوا " أعظم الكائنات" يا أبا القاسم لولا أنزل هذا القرآن جملة واحدة كما أنزلت التوراة على موسى , فرد عليهم القرآن العظيم:" وقال الذين كفروا لولا أنزل عليه القرآن جملة واحدة" [ رواه ابن أبى حاتم فى تفسيره وأورده السيوطى فى الإتقان ].
لقد أثبت اليهود طيش أحلامهم وقلة عقولهم وقصر نظرهم وعتامة بصيرتهم وضيق أفقهم, إذ يعتبرون أن مجئ الكتاب مرة واحدة منقبة ويعدونه محمدة ويرون أنه ميزة ويذهبون إلى أن تنجيمه نقيصة ويحسبونه عيبًا ويُطبقون على أنه ثلمة ويجمعون على أنه مذَمَّة. فى حين أن العكس هو الصحيح والنقيض هو السليم والمخالف هو السديد, لأنه ( = التنجيم ) هو الذى يوائم الناس أو المخاطبين ويسد خلاتهم وبفى بحاجاتهم ويحقق أغراضهم ويشد ظهورهم ويقوى ضعفهم ويهدى خطواتهم.
فى حين أن كتاب الدفعة الواحدة لايحقق شيئًا!!!.
ومن هنا برزت التوراة التى فى أيدى اليهود مليئة بالأساطير حافلة بالخرافات طافحة بالشعبذات ونرجح أن مرده: محاولة ملء الفراغ وإلهاء المخاطبين عن الإخلال الذى اعتورها نتيجة لازمة لإنحدارها من عَلِ دفعة واحدة ومن ثم فهذا هو سبب اقتصارها على المعجزات والمدهشات والمخاريق.
إن التمييز بين القرآن المقروء / المتلو ـ المحفوظ فى صدور الصحبة وبين القرآن المدون فى عهد عثمان الأموى ليس بدعة حسنة بل أمر مقرر التفت إليه البُحاث القدامى وسطروه فى مؤلفاتهم وبداهة ليس من الضرورى ذكر التفرقة بفصها ونصها بل يكفى إدراكها من جماع ما رقموه.
أورد الإمام شهاب الدين القسطلانى فى كتابه " لطائف الإشارات لفنون القراءات": " فتلقاه" يعنى " القرآن المجيد" أصحابه " أى الأمين المأمون" منه غضًا وأدوه إلى من تلقاه عنهم خالصًا محضًا". [ لطائف الإشارات لفنون القراءات : للإمام شهاب الدين القسطلانى 851 /923هـ ـ الجزء الأول ـ ص21 ـ تحقيق وتعليق الشيخ عامر السيد عثمان و دكتور عبد الصبور شاهين ، من إصدارات المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ـ لجنة إحياء التراث الإسلامى ـ الطبعة الأولى 1392هـ/ 1972م ].
والقسطلانى من علماء القرن العاشر الهجرى أى انصرمت على تدوين مصحف عثمان الأموى تسعة قرون وقرابة ربع قرن عند وفاته, بيد أنه يحدد بمنتهى الدقة القرآن النص الخالص المحض الذى كَنَّه الصحاب فى صدورهم ثم تلوه على التابعين كما تلقوه من ( الإنسان الكامل / لابس الصوف).
وهى عبارات صريحة النص والدلالة معًا على ذيّاك التمييز الذى نسخناه فى بدىّ هذه الفقرة وليس ضربة لازب أن يسطره القسطلانى بحروفه.
لم يقتصر القرآن الكريم على الإهتمام بالمجتمعين المكى واليثربى وأفراد كل منها سواء من الذكور أو الإناث بل إنه أولى " سيد الناس ومقدم العرب" رعاية تميزت بالكثافة والتركيز البالغين فقد تناول كافة شئونه الخاصة منها بل شديدة الخصوصية:
فعلى سبيل المثال عندما تتفق عليه زوجتان من زوجاته التسع أو يتعاقدن جميعهن على طلب زيادة النفقة عليهن وشيئًا من التوسعة أو تكتشف إحداهن أنه مسّ جاريته على فرشها وفى حجرتها فهنا تظهر آية أو آيات كريمة تزيل عنه الغمة.وكذا حُلت معضلة زواجه من السيدة الفئقة الحسن والبهاء التى تزوجها قبله عبده ثم ابنه عن طريق التبنى ثم مولاه, ودرج تقليد راسخ بينهم على تحريم هذا النكاح بورود آية فكّت العقدة وأبطلت ذاك العرف المستقر وسخفته واستهجنته وأحلت زواج الرجل بزوجة ابنه المتبنى حتى ولو دخل بها وعاشرها وبذا حُق لتلك الزوجة الوسيمة القسيمة الفاتنة أن تفخر على سائر نسونه, لأن كلاً منهن زوجها وليها فى حين أنها الوحيدة التى جاء أمر نكاحها فى الذكر الحكيم وبسببه أيضًا تم تحطيم قاعدة صلبة مضت عليها مئات الأعوام وهى تحريم حليلة الإبن بالتبنى.
وفى ليلة عرسها أطال المدعوون إلى الوليمة المكث لديه وهو أمر يقطع بقلة الذوق ويشى بسوء الأدب وينبئ عن الخشونة وينضح بالبداوة, إذ من حق " سيد ولد عدنان" أن يدخل سريعًا على عروسه الوضيئة الجميلة, فانبرى القرآن العظيم وظهرت من آية كريمة عابت على الضيوف الثقلاء لُبثهم غير اللائق وأمرتهم بسرعة الإنصراف.
وتجرأ نفر من المنافقين وبعض رقيقى الإيمانوعدد من المسلمين لاشك فى إسلامهم بيد أن عقولهم خفيفة وأخلاقهم طفسة ونفوسهم معقدة , رموا احب زوجات " المعصوم من الناس" وهى إبان ذاك فى الثالثة عشرة من عمرها بتهمة حقيرة هى منها بريئة كل البراءة وأشاعوا عنها إفكًا وبهتانًا, فتصدى لهم الذكر الحكيم وأعلن براءة الزوجة الحدثة الصغيرة السن وزيف وبطلان أكاذيب السفلة أصحاب الإفك وفرج عن " أبى القاسم" أزمة نفسية قاسية ألمت به.
وفى غزوة أخرى فقدت ذات الزوجة الحبيبة الحديثة العمر عقدها فحبس الأصحاب على إلتماسه مما دعا أباها التيمىّ إلى أن يصيح فى وجهها أنها فى كل سفرة بلاء وعناء على الناس. ونتيجة له تعذر على المسلمين أداء الصلاة لإنعدام الماء فى الموضع القفر وفجأة أقبلت آية قرآنية حلّت العقدة وفكّت الأزمة فأباحت التيمم.
فى سورة غضب أعلن صحابى أنه سوف ينكح ذات الزوجة الشابة بعد وفاة محمد, لأنها فضلاً عن صغر سنها حلوة مُلاحة وتمُت إليه " الصحابى" بقرابة حميمة ورغم أن " الشفيع المشفع" بشره بدخول الجنة إلا أنه أثبت أنه يتمتع بغلظ فى الحس وسماجة فى الشعور وانحطاط فى الأدب إذ لا يُتصور فى رجل متحضر أن يُخبر آخر أنه ما إن يموت حتى يهرول إلى نكاح إمرأته.
ولندع الصحابى الجلف كيما نعود إلى سياقة الدراسة: إن كلماته الفلوت آذت أحاسيس "رافع لواء الحمد" وآلمت نفسه بيد أن القرآن لم يتركه يعانى المواجع فهلت إحدى آياته الحكيمة تُحرم نكاح زوجاته التسع بعد إنتقاله إلى الرفيق الأعلى راضيًا مرضيًا, وتوافقت ( = الآية ) بالكلية مع اللقب الذى تحمله كل منهن وهو " أم المؤمنين" وعلى طول التاريخ لم نقرأ عن شريعة أباحت زواج الأم فضلاً عن أن الطبيعة البشرية السوية تنفر منه وتستقبحه!!!.
أقدمت بعض النسون على هبة أنفسهن لـ" صاحب السيف" لكى تنال شرفًا منيفًا ما بعده رفعة ولتحمل اللقب الباذخ " أم المؤمنين" أنه أصاب زوجاته بقدر من القلق وشئ من الغضب كرد فعل طبيعى, كما أنه سوف ينعكس على تصرفاتهن معه خاصة الوضيئات منهن مثل عائشة وأم سلمة وزينب بنت جحش مما سيصيبه بعنت ومشقة, فأشرقت آيات كريمات وتناولت الأزمة العارضة بما فيه رضاه وإياهن.
قبيل فتح الفتوح" فتح مكة" أرسل" الحبيب المحتبى" عمرو بن أمية الضمرى إلى الحبشة ليخطب له أم حبيبة بنت أبى سفيان, وقد دلت هذه البادرة على حنكة محمد السياسية التى لاضروب لها لأن ابن حرب ابن أمية غدا زعيم مكة وسيدها فبارك الذكر الحكيم هذه الخطوة الذكية واللفتة التى تنم عن فطنة فاذة فى الآية السابعة من سورة الممتحنة:{ عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة }, نكتفى بهذه الأمثلة الثرّة الدلالة التى سقناها للكشف عن جانب هام من جوانب معطيات الذكر الحكيم فى العناية بالأحوال الشخصية لـ" من سيفه على عاتقه".
كتب الكثيرون, من المستحيل إحصاؤهم, عن إعجاز القرآن سواء من السلف أو الخلف ومن العرب والأعاجم وبغالبية اللغات وتطرقت بحوثهم القيمة لشتى وجوهه ولكن على حد علمنا لم يرقم أحدهم سطرًا فردًا عن هذا المقطع ونعنى به الإهتمام الشديد بالقائد والمجتمع وأفراده الفاعلين فيه وطوائفه المختلفة من كافة الزوايا التى ذكرنا حفنة منها ـ إذ أننا لم نستوفها عن بكرة أبيها ـ ولم يمد باحث منهم قلمه إلى العلاقة الجدلية التى ربطت بآصرة محكمة ألسر اولئك بالآيات الكريمة والتى بنظرنا نفحت القرآن الحميد الحيوية الفائقة والنضارة الدائمة والبكاة الخالدة وجعلت من مَعِينًا دفاقًا لا ينضب ماؤه ولا يغيض تدفقه ولا ينقص عطاؤه.
بهذه الميزة الرائعة والخاصية الفذة والصفة الفريدة هيمن على كتابىّ الديانتين الإبراهيميتين اللتين تقدمتا عليه فى تاريخ الظهور لا فى المكانة أو المنزلة أو المقام؟؟؟.
إن الإلتفات إلى المخاطبين فى جميع أوقاتهم وضروب معائشهم ومختلف مواقفهم, والأخذ بأيديهم إلى الأمثل, وهدايتهم إلى الأصوب, وإرشادهم إلى الأقوم دليل لا يقبل المحاجة وحجة لاترقى لمستواها المجادلة وبرهان لايناله الوهن على أنه الكتاب العرّى عن الشبيه, والعديم عن المثيل, والبعيد عن القرين.
بذات المستوى وفى نفس الدرجة بزغت حياطته بالقائد وشموله بالسهر والحدب عليه وإشعاره بأنه محط الموالاة وتحت مظلة الحفظ وداخل جناح الحراسة وفى بؤبؤ عين الصيانة.
إن كتابىّ الديانتين السابقتين تحدثا عن معجزات البطاركة الأكابر منهم إبراهيم, وموسى, وعيسى بيد أنهما صفرًا صفورًا تامًا " جاءا خليين" من التعريج على أحوالهما وفى مقدمها الخاصة والشخصية, فى حين أن ذلك شكّل معلمًا بارزًا فى الذكر الحكيم بالنسبة إلى من" جعلت له الأرض مسجدًا" وإلى المجتمعين المكى واليثربى.
إن تناول الخوارق يتعلق بالغيبيات والماورائيات والميتافيزيقا أو ما خلف الطبيعة, أما الكلام عن الشئون الحياتية والممارسات المعاشية والأنشطة اليومية, فهو يتصل بوثاقة محكمة بالناس فى مختلف تقلباتهم, وشتان من يقلق من أجل الهُشُوشة والهامشية والطرفية ومن يحصر همته فى القلب والمركز والجوف والمقارنة تغدو مجحفة بين من يصوب نظره إلى العرَض وبين من ينفذ ببصيرته إلى الجوهر.
إن العجائب والمدهشات والمذهلات موقوتة سرعان ما يخبو ضوؤها وتذهب لمعتها ويذبل نورها, فى حين أن المعايشات والحياتات والفعاليات ثابتة أصلية أساسية, بمعنى أن الأولى تحيّر من خوطبوا بها وتدلّه الذين عاينوها وتربك معاصريها, وعند هذا الحد يتبخر مفعولها ويغيض أثرها وتنتهى النتيجة المرجوة منها, أما الأخرى فهى تمس واقع المخاطبين بها ثم يمتد مسيلها إلى الأجيال والقرون المتطاولة التى تُخلق بعدهم. ولايفهم منه أن تطبيق النصوص التى حملتها يتم حرفيًا إنما نعنى الإستهداء بمعانيها والإسترشاد بقيمها والتفطن إلى أهدافها ومعرفة دوالها وإدراك مراميها وفقه غاياتها, فسنرى فيما يأتى من فصول أن بعضها قصد التخفيف فننقه أن ( = التخفيف ) منهج ( الحبل / القيم ). وآخر نهى عن اللعب أو الهزؤ بالألفاظ التى تتعلق بالروابط الأسرية فيترسخ لدينا اليقين بعظم شأنها, وثالث عاب تقديم الشئ الردئ عند إخراج الصدقة فنتأكد أنها ركن ركين يتوجب علينا أداؤه على الوجه المرضى, ورابع يحكى عن تآمر الضرائر فنخلص إلى أن نكاح مرتين أو ثلاث أو أربع خيبة قوية, وخامس يخبرنا عن صحابى نال من إمرأة ما دون فرجها وآخر ضرب حسناء جميلة على عجيزتها المكتنزة ثم استغفر كل منهما وصلى وورد أن الحسنات يذهبن السيئات, فندرك أن الضعف البشرى أمر وارد لأن كل بنى آدم خطاء وأن دواءه التوبة والإنابة .... وسادس ينقل إلينا صبر " متمم مكارم الأخلاق" على بذاءات اليهود والجدال العنيف الذى أثاره النصارى فنتعلم درسًا نحن فى أمس الحاجة إليه فى ضرورة التعايش مع أهل الكتاب والتحاور معهم بالتى هى أحسن. وسابع ينهى عن النكول عن أداء الشهادة فلا نتردد فى القيام بها ... ونكتفى بهذه الأمثلة السبعة لأن فيها غناء, وقد تعمدنا أن نبلغ بها العدد لأن له قداسة فى الديانات الإبراهيمية الثلاث وقيل إنهم نقشوا تقديسه من الديانات السامية التى سبقتها والتى ظلت مهيمنة على ذات المنطقة قرونًا متطاولة. والقرآن العظيم ينص على تداول الأيام بين الناس ولعل أبرز ما يؤكد صدقه هو أن عبادة آمون رع استمرت, على ما ذكر علماء المصريات " الإيجيبتولوجى" دهرًا مديدًا حتى قيل لن يتقطع" وهو شطر بيت لشاعر عربى".
ثم نؤوب إلى سياق البحث:
لعل من لديه أدنى مُسكة من عقل سليم قد اقتنع أن منهج القرآن الحميد فى هذه الخصوصية وهو الحِياطة بـ " صفوة البشر" والعناية بالمجتمع وأعضائه وانتصاب وشيجة متينة وتشابك متداخل وإلتفات ملتحم بين آياته وهؤلاء فى سائر ظروفهم وأوقاتهم, هو المنهج الأمثل وبه بزّ الكتابين المقدسين السابقين وفَلج عليهما وغدا بحق" كتاب الحياة".
بزوغ ظاهرة النسخ فى القرآن : -
بيد أن سلوكه هذا المنهاج أدى بطريق الحتم واللزوم إلى إنفجار ما عُرف بظاهرة النسخ فيه. ففى المائة والأربع عشرة سورة توجد إحدى وسبعون منها بها نسخ " أى ما يقرب من ثلثيها" منها خمس وعشرون سورة فيها ناسخ ومنسوخ وست منها على ناسخ والأربعون الباقية تضم المنسوخ فقط.
وقديمًا أثار اليهود لغطًا حول النسخ بحجة أن البِداء لايجوز فى الكتب المقدسة. " والبداء هو الإفضاء بقول ثم يعرض لصاحبه ما هو أحسن منه فيفوه به وينبذ الأول", بدليل أن التوراة خلت تمامًا من النسخ وكثيرًا ما سألوا " أعظم الكائنات" يا أبا القاسم لولا أنزل هذا القرآن جملة واحدة كما أنزلت التوراة على موسى , فرد عليهم القرآن العظيم:" وقال الذين كفروا لولا أنزل عليه القرآن جملة واحدة" [ رواه ابن أبى حاتم فى تفسيره وأورده السيوطى فى الإتقان ].
لقد أثبت اليهود طيش أحلامهم وقلة عقولهم وقصر نظرهم وعتامة بصيرتهم وضيق أفقهم, إذ يعتبرون أن مجئ الكتاب مرة واحدة منقبة ويعدونه محمدة ويرون أنه ميزة ويذهبون إلى أن تنجيمه نقيصة ويحسبونه عيبًا ويُطبقون على أنه ثلمة ويجمعون على أنه مذَمَّة. فى حين أن العكس هو الصحيح والنقيض هو السليم والمخالف هو السديد, لأنه ( = التنجيم ) هو الذى يوائم الناس أو المخاطبين ويسد خلاتهم وبفى بحاجاتهم ويحقق أغراضهم ويشد ظهورهم ويقوى ضعفهم ويهدى خطواتهم.
فى حين أن كتاب الدفعة الواحدة لايحقق شيئًا!!!.
ومن هنا برزت التوراة التى فى أيدى اليهود مليئة بالأساطير حافلة بالخرافات طافحة بالشعبذات ونرجح أن مرده: محاولة ملء الفراغ وإلهاء المخاطبين عن الإخلال الذى اعتورها نتيجة لازمة لإنحدارها من عَلِ دفعة واحدة ومن ثم فهذا هو سبب اقتصارها على المعجزات والمدهشات والمخاريق.
إن التمييز بين القرآن المقروء / المتلو ـ المحفوظ فى صدور الصحبة وبين القرآن المدون فى عهد عثمان الأموى ليس بدعة حسنة بل أمر مقرر التفت إليه البُحاث القدامى وسطروه فى مؤلفاتهم وبداهة ليس من الضرورى ذكر التفرقة بفصها ونصها بل يكفى إدراكها من جماع ما رقموه.
أورد الإمام شهاب الدين القسطلانى فى كتابه " لطائف الإشارات لفنون القراءات": " فتلقاه" يعنى " القرآن المجيد" أصحابه " أى الأمين المأمون" منه غضًا وأدوه إلى من تلقاه عنهم خالصًا محضًا". [ لطائف الإشارات لفنون القراءات : للإمام شهاب الدين القسطلانى 851 /923هـ ـ الجزء الأول ـ ص21 ـ تحقيق وتعليق الشيخ عامر السيد عثمان و دكتور عبد الصبور شاهين ، من إصدارات المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ـ لجنة إحياء التراث الإسلامى ـ الطبعة الأولى 1392هـ/ 1972م ].
والقسطلانى من علماء القرن العاشر الهجرى أى انصرمت على تدوين مصحف عثمان الأموى تسعة قرون وقرابة ربع قرن عند وفاته, بيد أنه يحدد بمنتهى الدقة القرآن النص الخالص المحض الذى كَنَّه الصحاب فى صدورهم ثم تلوه على التابعين كما تلقوه من ( الإنسان الكامل / لابس الصوف).
وهى عبارات صريحة النص والدلالة معًا على ذيّاك التمييز الذى نسخناه فى بدىّ هذه الفقرة وليس ضربة لازب أن يسطره القسطلانى بحروفه.
ابو تراجى
01-04-2010, 04:36 PM
السيوطى وبحثه فى أسباب النزول : -
أما الإمام السيوطى فله ثلاثة مصنفات تناول فيها " أسباب النزول" خصّص أحدها لها والثانى عنوانه:" الحبير فى علم التفسير" تناولها فيه فى النوع الحادى عشر والثالث أشهرها:" الإتقان فى علوم الدين" وقد أفرد فيه لها النوع التاسع سماه" معرفة النزول" ودرسها بتوسع.
وهو أيضًا من علماء القرن العاشر الهجرى مثل القسطلانى وفى كتابه الأخير سلط حزمة من الضوء الباهر على الصحابة الذين شاهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب التى لا تصح إلا بالرواية عنهم والسماع من شفاههم ثم حمل إلينا خبرًا غنيًا بالدلالات والمعطيات وهو أن محمد بن سيرين سأل عبيدة عن آية من القرآن فقال له:" اتق الله وقل سدادًا, ذهب الذين يعلمون فيما أنزل القرآن". [ " الإتقان فى علوم القرآن" للسيوطى ص 41 ـ الطبعة الرابعة 1398هـ /1978م. نشرته مكتبة مصطفى البابى الحلبى بمصر].
السيوطى يخلص إلى أن الصحابة هم الذين حظوا برؤية السور والآيات وهى تشرق, ومن ثم وقفوا على معرفة أسباب بزوغها وأن عبيدة لما سأل محمد بن سيرين عن آية كريمة" يعنى سبب ظهورها" رد عليه بأن الصحابة الذين عاصروها وتحققوا منها انتقلوا إلى رحمة الله.
إشارة واضحة لا تخفى على الفطن اللبيب إلى القرآن الذى حفظته صدورهم ووعته قلوبهم وقد سبقت تلك المحاورة الموحية التى جرت بين عبيدة وابن سيرين تأليف الكتب فى فرع " أسباب النزول" أحد فروع" علوم القرآن". وإلا لرجع ابن سيرين إلى أحدها إنما الذى يهمنا أن ما طلع به علينا السيوطى ترميز جلى للقرآن المتلو المحفوظ فى حنايا صدور الأصحاب.
والسيوطى, كما أسلفنا, من علماء القرن العاشر ولدى وفاته مضت تسعة قرون وعقد على كتابة مصحف الأموى عثمان بن عفان ومع ذلك سيطر على وجدانه القرآن المجيد الذى وصفه نديده ومعاصره القسطلانى بأنه غض ومحض وخالص.
ونكتفى بشهادة هذين الإمامين العالمين العلمين لإزالة ما قد يحيك فى قلب أى قارئ أو يسوط فى صدره أو يشوش عقله القول بضرورة التمييز بين القرآن المتلو المقروء / لمحفظ وبين المدون بمعرفة الأموى عثمان بن عفان وتحت رقابته وإبان خلافته التى أثبتنا بالأدلة فى كتاب لنا سابق أنها بدأت التحول إلى ملك عضوض ثم تم على الأيادى المباركة لأبناء عمومته من الفرعين الأموى والسفيانى.
وعسى أن تولدت عند القارئ قناعة كاملة بهذه الحقيقة البالغة الخطر نكرر ما سلف ورقمناه أنهما قرآن واحد مجيد بيد أن النظرة لأحدهما تفاصل النظرة للآخر, إنما هذا لايعنى بحال أنهما اثنان ونعوذ بالله تعالى منه ونبرأ ممن يذهب إليه.
ولسنا بصدد تأليف كتاب فى " أسباب النزول" فهذا الفرع الهام من فروع علوم القرآن أخذ حظًا لابأس به من العنايى وإن لم يصل إلى مستوى علم التفسير, إذ كتب فيه قدامى ومحدثون أو سلف وخلف بيد من أبرزها كتاب " أسباب النزول" لأبى حسن على بن أحمد النيسابورى المتوفى سنة 468هـ وقد طبع فى مصر وغيرها عدة طبعات, وفى الصفحات الأولى يذهب إلى أن " أسباب النزول هى أوفى ما يجب الوقوف عليها وأولى ما تصرف العناية إليها لإمتناع معرفة تفسير الآية وقصد سبيلها دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها" [ أسباب النزول للواحدى ـ ص4 ـ طبعة 1388 هـ / 1968م ـ مؤسسة الحلبى مصر ].
إنما سوف نتكئ عليها بدرجة ملحوظة لما لها من دلالات متعددة فى مقدمها زون حدوث النص ومكانه " إن تيسر" والفاعلون, أو بمعنى أشد وضوحًا أبطال الخبر أو القصة أو الواقعة ونوعية الموضوع الذى بزغ النص بشأنه أهو أمر أم نهى أم تشريع أم فتوى فى نازلة أم تفريج لضائقة أم فك لعقدة أم توضيح لغامضة أم حل لمشكلة ... أم تبيين لمبهمة .... إلخ.
جِماع هذا بهدف جوهرى وغرض رئيسى وقصد أصيل هو تأكيد أن " البصائر / القرآن" أسس نصوصه وينى آياته وأقام عُمُد مَتْنَه ضمن التاريخ وفى داخل مسيله وفى قلب تياره وفى باطن مجراه, فهو إذن ليس مجردًا أو مفارقًا أو مغايرًا أو مباينًا أو ما شئت من هذه الكلمات التى تدل على القطيعة وتجزم بالتباعد وترمز إلى البينونة........... نقول ليس مفاصلاً للتاريخ الذى واكبه وللزمن الذى تولد فبه كحال الكتابين المقدسين اللذين سبقاه فى البزوغ أو الظهور لا فى القيمة أو المحتوى أو المضمون أو اللب.
وإلتحام القرآن الكريم بتاريخ شروقه وامتزاجه بزمن طلوعه هو فى نظرنا من بين أبرز أسباب شدة نفاسته وارتفاع قدره وشموخ مكانته وسمو رتبته وعلو جاهه. لماذا؟.
لأنه التحم بالواقع ومس الحياة وخالط المعاش وجميعه نفحه المصداقية ووهبه الحيوية وأعطاه النضارة ومنحه الشباب وتولدت عنه الإستمرارية ونتجت عنه الديمومة وانبثق عنه الخلود.
وهذا الكتاب محاولة غير مسبوقة لرفع الستار وكشف الغطاء عن هذه الجوانب المبهرة فى الذكر الحكيم وخاصة فى القرآن المتلو الذى حفظته صدور الصحابة ووعته قلوبهم وجمعته ذاكرتهم.
فى مذهبنا لا يكفى أن ندعى أنه أشرق ضمن التاريخ وطلع فى حنايا الزمن فهذه دعوى بغير دليل, وقول بلا حجة , ومعطى بدون برهان , وكل منها إذا قدم بصورته هذه لا يلتفت إليه.
ومن ثم انتصبت الحوجة وقم الإفتقار وبرزت الضرورة إلى مؤلف يسد هذه الثلمة ويغطى هذه الثغرة, ويملأ هذه الفجوة بأن يضع فى حجر القارئ الأدلة القواطع والبراهين السواطع والحجج الدوامغ على صحة هذه الدعوى وابتنائها على أسس ثوابت وعمد رواسخ وقواعد صلبة, ويبتدى هذا فى أيأة "هيئة" التوثيق المبلغ فيه إذ هو أى مراء سقيم أو لجاج عنيد أو محاجة شكسة.
وبداهة هو ليس كتابًا فى التفسير لأنه من ناحية نحن فى نظر حلاس الإسطار المقدس لانملك أدوات المفسر ومن أخرى فإن منهج البحث والدراسة فيه يغاير منهج التفسير.
وكما سطرنا فى عدد من مؤلفات لنا سوابق أن المحاولات الرائدة ـ رضى أصحابها أم سخطوا ـ فمن الحتم اللازم أن تبوء بقصور وأغلاط وهنات ربما غير هنات إنما الذى لا مشاجة فيه أنها الثمن الذى لابد أن يدفعه الرواد كيما ينالوا شرف الريادة.
هذا والله وحده وراء القصد وهو سبحانه ولى التوفيق,,,,
27 جمادى الآخر 1421هـ / 17 أغسطس 2000م.
خليل عبد الكريم
ابو تراجى
01-04-2010, 04:37 PM
الباب الأول
موادعة اليهود
ظل " سيد الناس وذؤابة العرب" ثلاثة عشرة عامًا يدعو ويبشر بالديانة الجديدة " الإسلام" بيد أن المرازبة الجحاجح صناديد قريش أعرضوا عنها ومنهم نفر من بنى هاشم الفرع الذى ينتمى إليه أو رهطه وحذا حذوهم طواغيت ثقيف بالطائف وصدوه صدًا جافيًا غليظًا نم عن الجلافة وكشف عن الغلظة وأثبت البداوة.
ولأسباب تند عن هذه الدراسة رحب بنو قيلة " الأوس والخزرج" وفيما بعد سماهم " الأنصار" بدعوته وطلبوا منه أن ينتقل إلى قريتهم وفيها سيجد المنعة وتعهدوا له بحمايته وحراسته وفعلاً نزح إلى يثرب وسبقه إليها العدد المحدود الذى صدقه.
امتازت تلك القرية بكثافة يهودية سيطرت على المقدرات الإقتصادية حصرً وتحديدًا بالإضافة إلى أن بأيديهم إسطيرًا مقدسًا وهو أقدم الإسطيرات المقدسة ويزعم أصحابه أنه أصل الأصول ومن معينه استقى من جاء بعده ومتح من بيره ونهل من منيعه ولعل هذا شكّل أحد أسباب غطرسة اليهود وغرور أولاد يعقوب وعنجهية بنى إسرائيل.
و" النذير البشير" عبقرى لايشق له غبار ولا يُلحق به فى مضمار, فرأى بثاقب نظره ووسيع أفقه ونافذ بصيرته أن يوادع يهودًا , فحاول استمالتهم وخطا خطوات حثيثة منها: أنه أقر بنى قيلة " الأوس والخزرج والأنصار" على عرف مستقر لديهم وغيرهم من القبائل القريبة من أثرب وهو الزواج من بنات يعقوب, وكالعادة نطرح دليلاً هو: كعب بن الأشرف الذى ناوأ " المنصور بالرعب مسيرة شهر" وحرض عليه بالقول " الشعر" والفعل حتى إنه لم يجد طريقة لإسكاته إلى الأبد سوى انتداب نفر من قيلة فإغتالوه وأراحواه من شره. هذا الكعب أمه يهودية, وفى شريعتهم لايعد منهم إلا من ولدته يهودية.
وأباح " من جُعلت له الأرض طهورًا" لأتباعه طعام ذرية يعقوب وهو إعتراف بأمر واقع لأن الخلطة بين بنى قيلة وبينهم متينة الأسر وتتخذ صورًا متباينة: الحلف والولاؤ والجوار والمصاهرة والشراكة فى التجارة والمعاملات الآخرى: الزراعة والصناعة ـ صناعة السلاح .. بل إن بعض بنى قيلة تركوا أولادهم ينشأون وسط بنى إسرائيل ومنهم من من اعتنق دينهم ورفض التخلى عنه والدخول فى الإسلام رغم الضغط عليه من خاصته وذويه ونفر منهم نزح مع يهود عندما أجلاهم " صاحب السيف".
فتحريم طعامهم لابد أن يجر على الأوس والخزرج بلوى عمومية تصيب حياتهم بالربك ومصالحهم بالمرج ومعيشهم بالإضطراب.
بيد أنه عندما أدرك " الأمين المأمون" ذاك أباح مطامعهم وقصد فى ذات الوقت التقرب إلى أبناء يعقوب, خاصة إذا وضعنا فى الحسبان أنه حرم على تبعه بنصوص باترة كحد السيف نكاح المشركات ومآكل المشركين.
صيام عاشوراء
عَلِمَ " الإنسان الكامل" إثر نزوحه إلى يثرب أن بنى إسرائيل يصومون العاشر من محرم يُسمى لدى العامة وغيرهم يوم " عاشوراء". بمقولة أن ربهم نجّى نبيهم موسى عند هروبه وتبعه من مصر بتلك الخارقة المُعجِبه والمعجزة المدهشة وهى شق البحر الأحمر لهم. فأمر " سيد الخلق" من تابعوه على دينه من النازحين واليثاربة بصومه لأنهم أحق به , إذ إنهم مثل اليهود يؤمنون بنيوة موسى الذى حظى بتكليم ربه إياه, والقصد الخبئ والغرض الخفى والهدف المستتر من ورائه هو المشى خطوة أو عدة خطوات نحو استئلاف أولاد يعقوب.
" وقال القرطبى: لعل قريشًا كانوا يستندون فى صومه " يوم عاشوراء" إلى شرع من مضى كإبراهيم, وصوم رسول الله يحتمل أن يكون بحكم الموافقة لهم كما فى الحج
وأذن الله له فى صيامه على أنه فعل خير, فلما هاجر ووجد اليهود يصومون وسألهم وصامه وأمر بصيامه احتمل أن يكون استئلافًا لليهود كما استألفهم باستقبال قبلتهم ويحتمل غير ذلك.
وعلى كل حال فلم يصمه اقتداء بهم فإنه كان يصومه قبل ذلك, وكان ذلك فى الوقت الذى يحب فيه موافقة أهل الكتاب فيما لم يُنه عنه .." [ المواهب اللدنية بالمنح المحمدية: لشيخ الإسلام القسطلانى ـ المجلد الثانى ـ ص 453, 454 ـ 1421هـ / 2001م ـ دار الغد العربى بمصر].
فى هذا النص نجد أن القسطلانى نقل عن القرطبى وهما إمامان كبيران ونجمان ساطعان فى فلك العلوم الإسلامية أن " سيد ولد عدنان" عندما وصل إلى يثرب وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فصامه وكلف تبعه بصيامه, وأن فعله الشريف هذا من الجائز قصد به استئلاف بنى إسرائيل مثلما استألفهم باستقبال قبلتهم أى بيت المقدس ـ فى الصلاة ـ وأنه فى ذياك الإبان دأب على موافقة أهل الكتاب فى مالا يخالف الديانة الشريفة التى يبشر بها.
إن هذا الأثر بالغ الثمانة, عالى القيمة, موفور القدر. فضلاً عن أنه ثر بالدلالات عنى بالمعانى ملئ بالإيحاءات.
إنه يؤكد ما سبق أن زبرناه أن السلف من المؤلفين والمصنفين بعكس المحدثين المفاصرين على درجة رفيعة من المسئولية الفكرية, ورتبة عالية من الأمانة العلمية, ومستوى منيف من الإلتزام بالموضوعية.
لماذا يوم الجمعة
فى الإسطير المقدس عند إسرائيل أن ربهم أنجز الخلق وفرغ منه فى ستة أيام واستراح فى اليوم السابع.
سبق أن رقمنا أن العدد سبعة له قداسة لدى الديانات الإبراهيمية الثلاث نقلاً عن الديانات السامية القديمة التى خيمت على شعوب المنطقة قرونًا متطاولة.
ومن ثم فإنه يعتبرون السبت ( اليوم السابع ) يوم بطالة وعطالة وراحة وفيما بعد أطلق عليهم القرآن المجيد أصحاب السبت.
وكبادرة وداد قرر " سيد ولد عدنان" اعتبار يوم الجمعة يوم اجتماع عام فغدت له نكهة خاصة ومذاق متميز وطعم منفرد عن سائر أيام الأسبوع, وحتى الآن وبعد مرور أربعة عشر قرنًا وقرابة ربع قرن يتخذ المسلمون منه يوم عطلة تغلق فيه المصالح الحكومية والمتاجر ...إلخ.
ويوم الجمعة هم اليوم السابق مباشرة ليوم السبت ومن يحاج فى أن هذه خطوة موادعة لبنى يعقوب من قبل " المعصوم من الناس" لنا لأن نسأله: لماذا لم يتخذ يومًا آخر مثل الإثنين أو الثلاثاء أو الأربعاء أو الخميس يوم اجتماع عام, خاصة يوم الإثنين, فقد حُفظ عنه أنه فيه ولد وفى ليله التقى ملاك الرب جبرائيل لأول مرة فى مغارة حَرَى ؟!.
هذه واحدة.
أما الأخرى فهى أن " سيد الخلق" ظل بعد أن أعلن ديانة الإسلام فى قرية القداسة بكة ثلاث عشرة سنة فلماذا لم يأمر باتخاذ يوم الجمعة يوم اجتماع عام؟.
ذكرت مؤلفات سيرته المعطرة أن أول جمعة أقيمت فى قرية يثرب فى محلة بنى سالم بن عوف بعد أن نزل بقباء على شيخ بنى عمرو بن كلثوم بن الهدم, وطفق يجلس مع اليثاربة ويحادثهم فى بيت سعد بن خيثمة لأنه عزب " غير متزوج" وقضى بها ( = قباء ) عدة أيام بنى فيها مسجدًا أسس على التقوى, ولاشك أنه إبانها خبر أحوال أثرب ونقه ثِقل وخطر يهود فيها, فسنة موادعتهم والتقرب إليهم واتحاذ خطوات فى هذه السكة ومنها " التجميع".
الصحيفة
عندما استقر" سيد الكائنات" فى يثرب كتب ما يُسمى بالصحيفة, وقد وصفها البُحَاث بأوصاف لا تنطبق عليها فعل سبيل المثال أطلق عليها الشيخ محمد سيد طنطاوى [ حاليًا يتربع على دست رئاسة شئون التقديس فى مصر المحروسة ] " معاهدة", وهذا توصيف خاطئ, لأن شروط المعاهدة لا تنطبق عليها, فاليهود لم يوقعوا عليها, وقد أورد ذلك فى الرسالة التى تقدم بها لنوال إجازة العالمية [ يسميها الأزهريون الآن الدكتوراه متابعين فى ذلك الفرنجة ]. وعنوانها " بنو إسرائيل فى القرآن والسنة" , وقد مشى الشيخ طنطاوى وراء عبد الرحمن عزام الذى وصفها بأنها من أنفس العقود الدولية وأمتعها وأحقها بالنظر. [ الرسالة الخالدة : لعبد الرحمن عزام ـ ص 65 نقلاً عن ( بنو إسرائيل فى القرآن والسنة ) لمحمد سيد طنطاوى ـ ص 144ـ طبعة نوفمبر 1997م ـ دار الشروق بمدينة نصر القاهرة ].
لاحظ وصف للصحيفة التى أطلق عليها معاهدة بأنها متعة وهو وصف لايليق بها, وهذا يؤكد ما سنذكره بعد قليل أن عزامًا هذا ليس له فى الفكر نصيب, وفى صعيد مصر ينعتون المرأة التى ترضى الرجل عند المفاخذة أنها " مَرَة مِتْعَة" بكسر الميم.
وعبد الرحمن عزام, الذى تابعه طنطاوى, رجل سياسة " تولى منصب أمين عام جامعة الدول العربية" وليس له فى العلم عير ولا نفير وبعض الكتبة نفح " الصحيفة" لقب دستور وزايد عليه غيره فقال إنها أول دستور فى العالم.
ثم نرجع بعد هذه التفريعة إلى سياقة التنقير: { ذكر ابن كثير: قال محمد بن إسحق وكتب رسول الله كتابًا بين المهاجرين والأنصار وادع فيه اليهود} [ البداية والنهاية لابن كثير ـ جء 3 ـ ص 224 نقلاً عن ( بنو إسرائيل فى القرآن والسنة ) لمحمد سيد طنطاوى ـ ص 138 ].
والذى يهمنا فى هذه الفقرة المنقولة عن ابن كثير أنه سماها ( كتابًا ) لامعاهدة ولا دستورًا كما تصنع جوقة التعظيميين والتفخيميين من الكتبة المحدثين, ولا شك أن " أول من تنشق عنه الأرض" استهدف من الكتاب أو الصحيفة موادعة أولاد يعقوب.
بيت المقدس قبلة الصلاة
توالت مبادرات التواد والموادعة من ناحية " أول من يفيق من الصعقة" إلى بنى إسرائيل, وهنا نصل إلى المحطة الأخيرة وهى استقبال بيت المقدس فى الصلاة وهى قبلة اليهود:
{ أخرج الطبرى والنحاس والواحدى وغيهم عن على بن أبى طلحة عن ابن عباس قال: كان أول ما نُسِخ من القرآن القبلة, وذلك أن رسول الله ـ ص ـ لما هاجر إلى المدينة وكان أكثر أهلها اليهود, أمره الله عز وجل أن يستقبل بيت المقدس, ففرح اليهود, فاستقبلها رسول الله ـ ص ـ بضعة عشر شهرًا, فكان رسول الله ـ ص ـ يحب قبلة إبراهيم ـ عليه السلام ـ فكان يدعو وينظر إلى السماء.
فأنزل الله تبارك وتعالى : { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } [ البقرة 144].
فإرتاب من ذلك اليهود وقالوا: " ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها؟!".
فأنزل الله عز وجل:" قل لله المشرق والمغرب" وقال:" فأينما تولوا فثم وجه الله" }. [ المقبول من أسباب النزول: تأليف الدكتور / أبو عمر نادى بن محمود حسن الأزهرى ].
وهناك مصدر آخر يؤكده:
(عن ابن عباس, كان أول ما نُسخ من القرآن القبلة, وذلك أن رسول الله ـ ص ـ لما هاجر إلى المدينة وكان اكثر أهلها اليهود فأمره الله أن يستقبل بيت المقدس ففرحت اليهود فاستقبلها رسول الله ـ ص ـ بضعة عشر شهرًا وكان يُحب قبلة إبراهيم فكان يدعو الله وينظر إلى السماء فأنزل الله " قد نرى تقلب وجهك فى السما" ) [ التيسير ـ خلاصة تفسير ابن كثير : تأليف 774 هـ بقلم الشيخ محمود محمد سالم ـ الجزء الأول ـ ص 67ـ الناشر: دار الشعب مصر ].
هذا الخبر الذى حملته إلينا مصادر من الوزن الثقيل صريح فى أن " الصادق المصدوق" ما إن وطئت قدماه الشريفتان أرض يثرب وأحيط علمًا بمكانة اليهود فيها أخذ يوادع يهودًا وطرح المبادرات التى ذكرناها وياتى فى مقدمها أنه استقبل قبلتهم فى الصلاة وتحول صوب بيت المقدس وظل عليها ثمانية عشر شهرًا.
إبانها لم يبادل أولاد يعقوب " البشير النذير" موادعة بموادعة أو ودادًا مقابل وداد, ولم يدخلوا الديانة التى بشرهم بها بل ادعوا فى صلف أنهم الأصل والجرثومة والأس, وجادلوه فأكثروا, وحاوروه فأطالوا, وناقشوه فأبعدوا, ولم يكتفوا بل لجأوا إلى الدسائس وما هو أوعر, والمؤامرات وما هو أشنع, والمكائد وما هو أفظع, وأثبتوا أنهم يستحقون اللقب الذى وسمهم أو وصمهم به آخر البطاركة عبدالله وابن أمته عيسى ابن مريم " أولاد الأفاعى".
تيقن " سيد ولد قُصىّ" أنه لافائدة من بنى إسرائيل فلا هم سيتركون عقيدتهم ويسلمون ولا سيكفون عن مسلكهم الأثيم وأفعالهم وممارساتهم الدنيئة, وغدت متابعتهم على قبلتهم أو الإقتداء بهم فى التولية نحو بيت المقدس والتأسى بهم فى التوجه صوب إيلياء غير مجدية, خاصة أن الذرية المباركة لبنى يعرب بن يشجب لم تسترح نفسياتها ولم تطمئن صدورها ولم تهدأ قلوبها من جرائه, فغدا من الضرورى ترك قبلة أولاد الأفاعى واستقبال الكعبة إرث إبراهيم كبير البطاركة وحامل لوائهم وإسماعيل أبى العرب المستعربة ... وهنا أصبح شروق آية تقضى على طقس الإتجاه نحو بيت المقدس وتأمر باستقبال القبلة الحبيبة حتمًا لازمًا وحاجة ملحة.
وهذا ما نقلته إلينا كتب " أسباب التنزيل".
ابو تراجى
01-04-2010, 04:38 PM
{ عن ابن إسحق عن البراء قال: كان رسول الله ـ ص ـ يصلى نحو بيت المقدس ويُكثِر النظر إلى السماء ينتظر أمر الله فأنزل الله " قد نرى تقلب وجهك فى السماء..."} [ لباب النقول فى أسباب النزول: للسيوطى ـ ص 19ـ طبعة 1382هـ كتاب التحرير 2 دار الشعب بمصر ].
وهنا نرى واجبًا علينا أن نلفت نظر القارئ إلى مسألة على درجة خطيرة من الأهمية وبدون فهمها يظل استيعابه لمضمون كتابنا هذا غائمًا ويغدو إدراكه لطروحاته مشوشًا وتصبح معرفته بمراميه مُضببة وهى الإنتباه إلى كلمة أو عبارة " فأنزل الله" إذ أنها تُصبغ النص " الآية" بصبغة تعاقبية للنازلة أو الواقعة أو المسرودة التى هلَّت بسببها, وبمعنى أوضح التى شكلت علة بزوغها أو ظهورها, لأن الفاء فى " فأنزل الله" إما هى فاء السببية فتمسى هى إلى ما صدق لما طرحناه, وإما هى للتعاقب مثل توضأت فصليت وهنا نوثق ما رقمناه من قبل أن النص أو الآية ترسخت على التاريخ " تاريخ الحدث" وانسابت مف مسيله الزمنى وعامت فى نهره وسبحت فى تياره.
ولك أن تختار أى الوجهين: السببية أو التعاقب, فكلاهما سقبت أن النص أو الآية لاينفكان عن سلسال التاريخ وحركة الزمن, ونأمل وضوح هذه النقطة الجوهرية, لأن حكمها يجرى على سائر الآيات أو النصوص التى سوف نسوقها فى الفصول القوادم.
*******
وساهمت كتب التفسير سنية أو معزلية " نسبة إلى المعتزلة" تراثية أو حدثية فى تأسيس ما سلف : { كان رسول الله ـ ص ـ يتوقع من ربه أن يحول القبلة إلى الكعبة لأنها قبلة أبيه إبراهيم وادعى للعرب إلى الإيمان لأنها مفخرتهم ومزارهم ولمخالفة اليهود فكان يراعى جبريل ـ س ـ والوحى بالتحويل }. [ الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل فى وجوه التأويل: لأبى القاسم جارالله الزمخشرى 467 ـ 538 هـ ـ طبعة دار المعرفة بيروت ].
وإذ إن صاحب الكشاف " الزمخشرى" من المعتزلة الذين بنعتون بأنهم ( فرسان العقل ) لذا نجده يذكر أن ( سيد الحاضر ـ البادى ) توقع من ربه أن يحول القبلة إلى الكعبة لأن لفظه ( يتوقع ) أبلغ فى الدلالة من الكلمة التى خطها زميله السنى ابن جزّى الكلبى " رجاء" ففى فقه اللغة الرجاء أضعف من التوقع بما لايُقاس, لأن من يتوقع لديه قدر من اليقين على تشيؤ أو تموضع ما يتوقعه بخلاف من يترجى : { كان النبى ـ ص ـ يرفع رأسه إلى السماء رجاء أن يؤمر بالصلاة إلى الكعبة }. [ التسهيل لعلوم التنزيل : لمحمد بن جزّى الكلبى ـ نشر دار الكتاب العربى بيروت ].
ومن أحدث التفاسير التى ظهرت " تفسير القرآن الكريم" لعبد الله محمد شحاته , ومثل ضروبه من كتب التفسير الحديثة توكأ على القدامى أو السلف, بيداننا نورد ما نقشه فى شأن تفسير آية تحويل القبلة لأنه جاء بعبارات تؤكد ما وضعناه عنوانًا لهذا الفصل وهو إشراق آيات تحقيقًا لرغبة القائد, بل إن شحاته إستخدم لفظًا أكثر جرأة, فهو يؤكد أن آية التحويل هلّت علينا بطلعتها المضيئة إجابة لما طلب ( صاحب الخاتم ) وتلبية لما سأل: { قد رأيناك تتجه بوجهك إلى السماء دائمًا تصرفه فى أرجائها مرددًا بصرك فى ضراعة ورجاء تطلعًا للوحى بتحويل القبلة إلى الكعبة وها نحن قد أجبناك إلى ما طلبت وأعطيناك ما سألت ووجهناك إلى قبلة تحبها وتميل إليها .. } [ تفسير القرآن الكريم: لعبد الله محمد شحاته ـ الطبعة الأولى 2000 ـ الناشر دار غريب ت الفجالة ـ القاهرة ].
هذا هو المثل الأول الذى وضعناه فى يد القارئ للآيات التى تهادت بناء على تطلع أو رغبة أو تشوق " المخصوص بالمجد" وقد رأينا وسنرى فيما يتلوه أن الإستجابة لاتتأخر والتلبية لاتتوانى وتحقيق الطلب أو الرجاء لا يغيب.
محمد وزيد وزينب بنت جحش
زيد بن حارثة بن شراحبيل الكلبى ـ صحبته أمه سعدى لزيارة قمها فأغارت عليهم خيل لبنى القين بن جسر فاحتملوه وهو غلام يفعة فأتوا به سوق عكاظ فعرضوه للبيع فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بأربعمائة درهم فلما نكحت " مقدم بنى هاشم" وهبته له فبحث عنه أبوه حارثة حتى اخبره حاج بنى كلب أنه بمكة فخرج هو وأخوه كعب لفدائه وطلبوا من " أبى القاسم" أن يمن عليهم ويحسن فى فدائه فعرض عليهم أن يخيّروا زيدًا فإن اختارهم دفعه لهم بغير فداء فاختار " الحبيب المصطفى" عليهما, فردًا على ذلك أعلن أن زيدًا ابنه يرث أحدهما الآخر ومن ذياك الوقت دعى ( زيد بن محمد ) وبعدها قال له: يا زيد أنت مولاى ومنى وأحب الناس إلىّ, وقال ابن عمر: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد.
ومن حبه له زوجه ثلاث قرشيات هن: أم كلثوم بنت عقبة, ودرة بنت أبى لهب, وهند بنت العوام أخت الزبير.
ثم أنكحه زينب بنت جحش وهى نصف قرشية, لأن أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة" أول شافع ومشفع". [ باختصار وتصرف من كتاب " الإصابة فى تمييز الصحابة" للحافظ شيخ الإسلام وقاضى القضاة أبى فضل شهاب الدين ـ المشهور بابن حجر العسقلانى ـ 772هـ /852 هـ ـ تحقيق طه عبد الرؤوف سعد ـ ص22 ـ وما بعدها ـ المجلد الثالث ـ بدون تاريخ ـ الناشر: دار الغد العربى بمصر ].
ونضيف أن قبيلة " كلب" من بين القبائل التى انتشرت فيها النصرانية قبل الإسلام.
عن الشعبى قال:
مرض زيد بن حارثة فدخل عليه رسول الله ـ ص ـ وزينب ابنة حجش إمرأته عند رأسه فقامت لبعض شأنها فنظر إليها رسول الله ـ ص ـ " كذا" ثم طأطأ رأسه فقال: سبحان الله مقلب القلوب و الأبصار, فقال ذيد أطلقها لك يا رسول الله؟, فقال: لأ, فأنزل الله عز وجلّ: " وإذ تقول للذى أنعم الله عليه وأنعمت عليه" إلى قوله: " وكان أمر الله مفعولاً ". [ السيرة النبوية: لابن إسحق تحقيق طه عبد الرؤوف سعد وبدوى طه بدوى ـ المجلد الأول ـ ص 339 ـ الطبعة الأولى 1419هـ / 1998م الناشر: القطاع الثقافى بدار أخبار اليوم ـ القاهرة ].
يصف المحققان " سيرة ابن إسحق" بالآتى:
أعظم الكتب التى عنيت بسيرة أعظم العظماء ـ ص ـ ومن أقد كتب السيرة الجامعة وأهمها .. ومن أوائل أمهات المراجع وأهمها فى السيرة النبوية العطرة . [ المصدر ذاته ـ ص 4 ].
ولقد عول عليه أبو محمد عبد الملك بن هشام فى مصنفه المشهور بـ " سيرة ابن هشام" والذى يعتبر ذروة سنام السير.
وأبرز المحققان المكانة العلمية السامقة لابن إسحق, فهو ثبت فى الحديث عند أكثر العلماء ولا تجهل إمامته فى المغازى والسير ثم أوردا ثناء كبار العلماء عليه منهم الزهرى والبخارى والشافعى وشعبة بن الحجاج, وأضافا أن كلاً من يحيى بن معين والإمام احمد بن حنبل ويحيى بن سعد القطان وثّقوه واحتجوا بحديثه. [ المصدر ذاته ـ ص1].
وذكرنا لمكان محمد بن إسحق العلمية ولمقام سيرته مآبه قطع الطريق على أى طعن على ما أورده فى شأن خبر زينب بنت جحش.
لم ينفرد ابن إسحق بل ساقه موثقًا عدد من أصحاب الأسماء اللوامع فى سماء العلوم الإسلامية: إخباريين, ومؤرخين, ومفسرين.
رقم الإمام الإخبارى النسابة أبو جعفر محمد بن حبيب الهاشمى المتوفى سنة 245 هـ فى مصنفه الذائع الصيت " المجبر" ما يلى:
{ ثم تزوج ـ ص ـ زينب بنت جحش ... وكانت قبله عند زيد بن حارثة الكلبى مولى رسول الله ـ ص ـ وكان سبب تزويجها أن النبى ـ ص ـ أتى زيدًا ذات يوم فوقف على بابه ثم نادى زيدًا. فنظر إلى زينب وعليها قميص لها مردع بالزعفران فوقعت فى نفسه فقال سبحان مقلب القلوب ـ ثلاثًا, فسمعه زيد وهو يتوضأ فعرف أنها وقعت فى نفسه فخرج زيد إلى النبى ـ ص ـ فمكث أيامًا ثم قال: يا رسول الله أنا أطلق زينب, قال: ولم؟, قال: قد ساء خلقها وآذيتنى بلسانها, فقال: اتق الله وأمسك عليك زوجك, فطلقها فتزوجها النبى ـ ص ـ وفيها أنزل الله تبارك وتعالى " وإذ تقول .. إلى آخر الآية" [ المحبّر: لأبى جعفر بن حبيب ـ تحقيق سيد كسروى ـ ص 108 ـ طبعة 1421هـ / 2000م ـ الناشر: دار الغد العربى ـ مصر ].
وقد قال محقق الكتاب عنه " أما عن كلام علماء الجرح والتعديل عن ابن حبيب وحكمهم على تلقى العلوم عنه من ناحية القبول أو الرد أو التوقف فيها فقد قال جماعة إنه ثقة حافظ, وقال آخرون إنه صدوق وهى درجة تجعلنا نطمئن لما يروى لنا من أخبار عن الثقات من طرقه هو" [ المصدر ذاته ـ ص 16].
وأضاف أنه ألف اثنين وأربعين كتابًا منها ما هو فى القرآن والحديث.
أجمعت أمة لا إله إلا الله أن صحيح البخارى هو أصح كتاب بعد القرآن العظيم وقد جاء فيه: عن أنس بن مالك ـ رضى الله عنه ـ أن هذه الآية:" وتخفى فى نفسك ما الله مبديه" ... نزلت فى زينب بنت جحش وزيد بن حارثة }. [ صحيح البخارى ـ كتاب التفسير ].
أبو جعفر بن محمد بن جرير الطبرى فقيه صاحب مذهب ولكن لم يجد من ينشره فاندثر وغدا من المذاهب الدارسة التى تقرب من العشرين, كما أنه مفسر عظيم وكتابه فى التفسير يُعد عمدة فى هذا العلم ومؤرخ ثبت ومؤلفه " تاريخ الرسل والملوك" المعروف ب ( تاريخ الطبرى ) لايشق له غبار ويعتبر مقدم كتب التاريخ الإسلامى ومثله من المستحيل أن تحمل مصنفاته أخبارًا غير صحيحة أو مشكوكًا فيها وقد نقل إلينا بشأن زينب وزيد الخبر الآتى:
عن محمد بن يحيى بن حسان قال: جاء رسول الله ـ ص ـ بيت زيد بن حارثة وكان زيد إنما يقال له زيد بن محمد, ربما فقده رسول الله ـ ص ـ الساعة, فيقول: أين زيد؟, فجاء منزله يطلبه فلم يجده, فقامت إليه زينب بنت جحش فُضُلاً " بضم الفاء والضاد " فأعرض عنها رسول الله ـ ص ـ فقالت: ليس هو ها هنا يا رسول الله فادخل بأبى أنت وأمى, فأبى رسول الله ـ ص ـ أن يدخل وإنما عجلت زينب أن تلبس إذ قيل لها رسول الله ـ ص ـ على الباب, , فأعجبت رسول الله ـ ص ـ فولى وهو يهمهم بشئ لايكاد يُفهم إلا أنه أعلن: سبحان الله العظيم, سبحان الله مصرف القلوب!!.
قال: فجاء زيد إلى منزله فأخبرته إمرأته أن رسول الله ـ ص ـ أتى إلى منزله, فقال زيد: ألا قلت له: ادخل؟!, فقالت: قد عرضت عليه ذلك فأبى, قال: فسمعته يقول شيئًا؟, قالت: سمعته يقول حين ولى: سبحان الله العظيم, سبحان الله مصرف القلوب, فخرج زيد حتى أتى رسول الله ـ ص ـ فقال: يا رسول الله بلغنى أنك جئت منزلى فهلا دخلت بأبى وأمى.
يا رسول الله, لعل زينب أعجبتك فأفارقها!, فقال رسول الله ـ أمسك عليك زوجك ـ فما استطاع زيد إليها سبيلاً فكان يأتى رسول الله ـ ص ـ فيخبره, فيقول له رسول الله ـ ص ـ أمسك عليك زوجك ـ ففارقها زيد واعتزلها وحُلَّت.
فبينما رسول الله ـ ص ـ يتحدث مع عائشة إذ أخذت رسول الله ـ ص ـ غشية فسرى عنه وهو يبتسم ويقول: من يذهب إلى زينب يبشرها, يقول إن الله زوجنيها ؟ وتلا رسول الله ـ ص ـ : " وإذ تقول للذى أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك .....} القصة كلها.
قالت عائشة: فأخذنى ما قرب وما بعد لما بلغنا من جمالها وأخرى هى أعظم الأمور وأشرفها ما صنع الله با زوجها فقلت تفخر علينا بها.
قالت عائشة: فخرجت سلمى خادم رسول الله ـ ص ـ تخبرها بذلك فأعطتها أوضاحًا عليها } [ تاريخ الطبرى: تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ـ الجزء الثانى ـ ص 562, 563 ـ الطبعة السادسة 1990م ـ دار المعارف بمصر].
وفى الهامش إمرأة فُضل: أى تلبس ثوبًا واحدًا.
والأوضاح: جمع وضح وهو حلى من الفضة.
ثم سرد الطبرى رواية لايند مضمونها عن هذه.
ومما هو جدير بالذكر أن عائشة فى ذلك الوقت لم تجاوز الثالثة عشرة.
ثلاثة من المفسرين القمم الشوامخ
آن الأوان للمفسرين كيما يطلعونا على ما سطروه فى هذه الخصوصية ومنعًا للإطالة ودرءًا للإملال فإننا نكتفى بثلاثة منهم وقطعًا لطريق المشاكسة فقد اخترناهم من القمم الشوامخ والذرى السوامق والقُلل العوالى.
1 ـ الإمام ناصر الدين البيضاوى
أمسك عليك زوجك زذلك أنه ـ ً ـ أبصرها بعدما أنكحها إياه فوقعت فى نفسه فقال سبحان الله مقلب القلوب وسمعت زينب بالتسبيحة فذكرت لزيد ففطن ذلك ووقع فى نفسه كراهة صحبتها فأتى النبى ـ ص ـ وقال: أريد أن أفارق صاحبتى, فقال: مالك أرابك منها شئ؟ قال لا و الله ما رأيت منها إلا خيرًا ولكن لشرفها تتعظم علىّ, فقال له : أمسك عليك زوجك واتق الله فى أمرها فلا تطلقها ضررًا لها وتعللاً بتكبرها وتخفى فى نفسك ما الله مبديه ونكاحها إن طلقها وإرادة طلاقها } [ أنوار التنزيل وأسرار التـأويل المسمى تفسير البيضاوى: للإمام ناصر الدين أبو الخير عبدالله بن عمر الشيرازى البيضاوى ـ دون تاريخ ـ دار الفكر ].
نرى المفسر البيضاوى يذهب إلى أن ما أخفى فى النفس هو إرادة طلاق زينب من زيد لنكاحها بيد أنه سيظهر أو يبدو أو سيعلن وهو ما جاء فى الآية بعد " زوجناكها" وهو تحقيق للرغبة الكامنة والمدسوسة فى حنايا الصدر وفى داخل النفس.
ابو تراجى
01-04-2010, 04:39 PM
2 ـ الإمام فخر الدين الرازى:
وتخفى فى نفسك ما الله مبديه" من أنك تريد التزوج بزينب } [ مفاتيح الغيب أو التفسير: للإمام فخر الدين محمد بن عمر الرازى 544/606هـ ـ المجلد الثانى عشر الطبعة الأولى 1412هـ/1992م ـ الناشر: دار الغد العربى: مصر ].
والفخر الرازى من أعلام المفسرين وكتابه ( مفاتيح الغيب ) موسوعة فى التفسير حتى اشتهر بـ " التفسير الكبير".
وهو يؤكد أن إرادة نكاح زينب دون غيرها هى مقصود ما نص عليه " وتخفى فى نفسك ما الله مبديه " وهو عين ما خلص إليه البيضاوى فى أنواره.
وهذا أفحم رد على جوق الطبالين الذى يلوون أعناق الآية ويزعمون على خلاف السياق وما تقضى به ضرورات اللغة العربية هو أن المقصود به الخوف من مخالفة العرف الراسخ آن ذاك وهو تحريم نكاح الأب لمنكوحة ابنه بالتبنى تمامًا مثل تحريم زواجه بحليلة ابنه الصلبى التى دخل بها وعاشرها.
3 ـ أبو عبدالله محمد بن أحمد الأنصارى القرطبى:
إختلف الناس فى تأويل هذه الآية فذهب قتادة وابن زيد وجماعة من المفسرين منهم الطبرى وغيره إلى أن النبى ـ ص ـ وقع منه إستحسان لزينب بنت حجش وهى فى عصمة زيد وكان حريصًا على أن يطلقها فيتزوجها هو, ثم إن زيدًا لما أخبره بأنه يريد فراقها ويشكو منها غلظة قول وعصيان أمر وأذى باللسان وتعظيمًا بالشرف قال له: اتق الله ـ أى فيما تقول ـ وأمسك عليك زوجك وهو يُخفى الحرص على طلاق زيد إياها وهذا الذى كان يُخفى فى نفسه ولكنه لزم ما يجب من الأمر بالمعروف؟.
وقال مقاتل: زوج النبى ـ ص ـ زينب بنت جحش من زيد فمكثت عنده حينًا ثم إنه عليه السلام أتى زيدًا يومًا يطلبه فأبصر زينب قائمة وكانت بيضاء جميلة جسيمة من أتم نساء قريش فهويها, وقال: سبحان مقلب القلوب, فسمعت زينب بالتسبيحة فذكرتها لزيد ففطن زيد فقال: يا رسول الله إئذن لى فى طلاقها فإن فيها كبرًا تتعظم على وتؤذينى بلسانها, فقال عليه السلام: أمسك عليك زوجك واتق الله.
وقيل: إن الله بعث ريحًا فرفعت الستر ( ؟؟؟!!! ) وزينب متفضلة فى منزلها فرأى زينب فوقعت فى نفسه ووقع فى نفس زينب أنها وقعت فى نفس النبى ـ ص ـ وذلك لما جاء يطلب زيدًا فجاء زيد فأخبرته فوقع فى نفس زيد أن يطلقها.
وقال ابن عباس " وتخفى فى نفسك" الحب لها, و" تخشى الناس" , أى تستحييهم وقيل تخاف وتكره لائمة المسلمين لو قلت طلقها ويقولون أمر رجلاً بطلاق امرأته ثم نكحها حين طلقها }. [ الجامع لأحكام القرآن: المشهور بتفسير القرطبى ـ لأبى عبدالله محمد بن أحمد الأنصارى القرطبى, المجلد الثامن ـ كتاب الشعب بمصر ].
هذه الفقرة على طولها ثَرّة بالدلالات حتى إنها فى غُنية عن أى تعليق وليست فى حوجة لتحليل , فعبارات مثل: ... وكان حريصًا على أن يطلقها زيد فيتزوجها ... وهو يخفى الحرص على طلاق زيد إياها وهذا الذى كان يخفى فى نفسه .... وكانت بيضاء جميلة جسيمة من أتم نساء قريش فهويها فوقعت فى نفسه... ووقع فى نفس زينب أنها وقعت فى نفسه ..... وتخفى فى نفسك .... الحب لها .... لائمة المسلمين لو قلت طلقها ( أى لزيد ) ويقولون أمر رجلاً بطلاق امرأته ثم نكحها حين طلقها .. إلخ. صريحة النص والدلالة معًا على أن " زوجنكها" تحقيق لإرادته نكاحها.
أما الذى جاء فى السياق ( ..... ووقع فى نفس زينب أنها وقعت فى نفس النبى ـ ص ـ فيؤكده وغيره مما قرأناه فى سائر الأخبار من أقوال بنت جحش لزيد بن محمد " حتى ذياك الحين" عن واقعة زيارة " أعظم الكائنات" لمنزلهما وإحاطة زوجها ( الذى ) امتعضت هى ورهطها من زواجه إياها ثم أذعنت وإياهم بعد أن تلا " أبو القاسم" عليهم آية حاسمة تأمرهم بالإمتثال بالعبارات التى سمعتها من " الزائر العظيم" عند انصرافه خاصة " سبحان مقلب القلوب" ودلالتها لا تستبهم على زيد ... نقول يؤكده أن بنت جحش تشوقت منذ بدىّ الوقائع إلى نكاح " ذوؤابة ولد إسماعيل".
وأخرج الطبرانى بسند صحيح عن قتادة قال: خطب النبى ـ ص ـ زينب وهويريدها لزيد فظنت أنه يريدها لنفسه قلما علمت أنه يريدها لزيد أبت فأنزل الله { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِينًا } [ سورة الأحزاب: 36 ]. [ لباب النقول فى أسباب النزول: للسيوطى ـ ص 139 ـ طبعة 1382هـ ـ كتاب التحرير ـ مصر ].
إن ما نهدف إلى توضيحه هو أن موقف زينب بعيد عن السلبية بل إنها ساهمت بقدر ملحوظ فى إيقاع الطلاق من قبل زيد لتحل لنكاح " أول من يفيق من الصعقة" وتحقق حلمها وتحظى بهذا الشرف الباذخ وتحمل اللقب المنيف " أم المؤمنين" الذى يحلى جيد من هن أقل منها جمالاً وحسنًا وبهاءً وأخفض منها حسبًا ونسبًا.
وسواء لقى هذا التحليل القبول أم أبدى القارئ عليه تحفظًا أو اكثر, فالثابت أنه بعد تمام ما حدث هلت آية كريمة" ........ زوجناكها" حققت رغبة " المزمل" ووفت بمنيته وموضعت طِلبته على أرض الواقع.
وهذا الملحظ الدقيق أدركته التيمية ابنة أبو بكر وصرحت به علانية ولا يتاح لغيرها لا من الزوجات ولا حتى من أكابر الصحابة أن يفعله معتمدة على قسامتها وحلاوتها وصغر سنها وحبه الشديد إياها: { .... حدثنا أبو أسامة قال هشام حدثنا أبيه عن عائشة ـ رضى ـ قالت: كنت أغار على اللآتى وهبن أنفسهن لرسول الله ـ ص ـ وأقول أتهب المرأة نفسها؟ فلما أنزل الله تعالى :" ترجى من تشاء منهن وتؤوى إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك" قلت ما أرى ربك إلا يسارع فى هواك } [ صحيح البخارى : كتاب التفسير ].
على هامش هذا الخبر برواياته المعتمدة وبمصادره الغزيرة تسيل الحواشى أو التعليقات الشديدة الآصرة به:
أولاً:
مقام المفسرين الثلاثة ومكانة مؤلفاتهم كما رقمها الشهيد محمد حسن الذهبى ـ عطر الله مرقده:
1 ـ الرازى ومفاتيح الغيب:
كان رحمه الله فريد عصره ومتكلم زمانه، جمع كثيرًا من العلوم ونبغ فيها، فكان إمامًا فى التفسير والكلام والعلوم العقلية وعلوم اللغة، ولقد أكسبه نبوغه العلمى شهرة عظيمة فكان العلماء يقصدونه من البلاد ويشدون إليه الرحال من مختلف الأقطار... وإن تفسير الرازى ليحظى بشهرة واسعة بين العلماء وذلك لأنه يمتاز عن غيره من كتب التفسير بالأبحاث الفياضة الواسعة فى نواح شتى من العلم . [ التفسير والمفسرون: لمحمد حسن الذهبى ـ الجزء الأول ـ ص 278 ـ 279، الطبعة الثالثة 1405هـ/1985م ـ مكتبة وهبه بمصر ].
2 ـ قاضى القضاة البيضاوى وأنوار التنزيل:
صاحب المصنفات وعالم أذربيجان وشيخ تلك الناحية.
وقال السبكى: كان إمامًا نظارًا خيرًا صالحًا متعبدًا.
تفسير العلامة البيضاوى، تفسير متوسط الحجم جمع فيه صاحبه بين التفسير والتأويل على مقتضى قواعد الغة العربية وقرر فيه الأدلة على أصول أهل السنة . [ المصدر ذاته والجزء نفسه ص 282،283].
3 ـ الإمام القرطبى والجامع لأحكام القرآن
كان رحمه الله من عباد الله الصالحين والعلماء العارفين الزاهدين فى الدنيا، المشغولين بما يعنيهم من أمور الآخرة ....
وصف العلامة ابن فرجون هذا التفسير فقال: هو من أجل التفاسير وأعظمها نفعًا أسقط من القصص والتواريخ وأثبت عوضها أحكام القرآن واستنباط الأدلة وذكر القراءات والإعراب والناسخ والمنسوخ . [ المصدر ذاته والجزء نفسه ص 438،437].
مؤلف كتاب ( التفسير والمفسرون ) هو الشيخ محمد خسين الذهبى أستاذ علوم القرآن والحديث بكلية الشريعة ـ جامعة الأزهر وتولى فيما بعد منصب وزير الأوقاف فى عهد الرئيس السادات وقامت بتصفيته جسديًا بطريقة دموية إحدى الجماعات المتطرفة [ جماعة التكفير والهجرة بقيادة مصطفى شكرى ] لتصديه للإرهاب ـ رحمه الله وأنزله منازل الشهداء.
وكتابه المذكور من أميز المؤلفات الحديثة فى بابه شمولاً وعمقًا وغزارة مادة وإحاطة بالموضوع منذ عصر الصحابة حتى الأستاذ محمد عبده وتبعه الشيخ محمد رشيد رضا.
ولعل القارئ بعد جماع ما قدمه الذهبى فى حق المفسرين الثلاثة ومؤافاتهم اطمأن قلبه وهدأ فؤاده وثلج صدره للأخبار التى نفحنا بها اولئك العلماء الأماثل والأئمة الأفذاذ والشيوخ الكُمَّل، إذ يستحيل دينًا ويستبعد عقلاً ويتعذر منطقًا أن أمثالهم يتورطون فى سرد وقائع مكذوبة أو طرح أحداث منحولة أو ذكر نوازل زيوف.
وإذا نسب واحد من المتشنجين لأى منهم ضعفًا فى النقل أو وهنًا فى الإستقراء أو هُزالاً فى الإستنباط أو تخليطًا فى التخريج أو رَبكًا فى الإستنتاج فهذا ليس طعنًا فيهم فحسب ولكنه بمثابة هدم للتراث الفكرى الإسلامى برمته.
ثانيًا: اختلاف روايات الخبر هل هو علة قادحة؟
يمتاز التاريخ الإسلامى خاصة فى الفترة الباكرة بالإختلاف البين سواء فى أسماء الأشخاص أو رواية الأحداث ومرده إلى الأمية التى هيمنت على الأفراد وجهلهم بالتدوين كما درجت عليه الأمم المتحضرة مثل مصر القديمة ولا يعنى ذلك كذبًا أو اختلافًا أو تزويرًا.
ضرب هذا التباين كافى المناحى وإذ أن السيرة المحمدية العظيمة هى البدء الحقيقى لمسيرة التاريخ الإسلامى فنلفى أنه رافقها منذ فاتحتها، فمثلاً أولاده الذكور من خديجة هل هم القاسم وعبد الله والطيب والطاهر أم هما اثنان القاسم ( وبه كنى ) وعبد الله الذى لقب بالطيب والطاهر؟.
وبعد وفاة خديجة هل تزوج فى مكة قبل نزوحه إلى يثرب اثنتين هما سودة بنت زمعة والتيمية عائشة بنت أبى أبى قحافة أم ثلاثًا أضاف إليهما غزية بنت دودان ابن عوف؟.
أما عندما عَدَن فى أثرب فعدد وأسماء من تزوجهن وخطبهن وفارقهن بخلاف التسع المشهورات لايعلمه إلا الله وحده لابسبب الكثرة فقط وإنما مآبه لاختلاف كتاب السيرة المعطاءة والمؤرخين والإخباريين بشأنهن.
وذات الأمر مع غزواته وسراياه وتواريخها وترتيبها وعددها وأسامى من استخلفهم على قرية أثرب عند خروجه وأعداد من رافقه فى كل منها سواء من النازحين ( المهاجرين ) أو من قيلة " اليثاربة أو الأنصار" وأمراء السرايا وعدد القتلى إن من تبعه أو من عدوه والغنائم التى ظفروا بها والمدة التى استغرقتها كل واحدة منها بداهة باستثناء الغزوات ذات الصيت المدوى مثل بدر وأحد والخندق وتبوك علمًا بأنها لم تفلت من الإختلاف فى اجوانب الفرعية وإن اتسمت بقدر من الأهمية مثل عدد المقاتلين والفارين. [ نفر من كبار الصحابة أطلقوا لأرجلهم عنان الفرار فى بعض الغزوات فى مقدمها أحد وحنين واعترف العدوىّ عمر بن الخطاب بأنه ارتكبه يوم أحد " ا.هـ
كذا وقع عدم إتفاق على الأسماء حتى لبعض كبار الصحابة وأشهرهم فى هذا المجال أبو ذر الغفارى فقد أغدقت عليه " تب الصحابة" مثل " أسد الغابة والإستيعاب والإصابة" عدة أسماء، وما توافقت عليه فحسب هو كنيته: " أبو ذر الغفارى" الزاهد المشهور الصادق اللهجة ـ مختلف فى اسمه واسم أبيه والمشهور أنه جندب بن جنادة بن سكن وقيل ابن عبدالله وقيل ايمه بربر وقيل بالتصغير، والإختلاف فى أبيه كذلك إلا فى السكن قيل: يزيد وعرفه وقيل اسمه هو السكن بن جنادة بن بياض .. إلخ . [ الإصابة: المجلد السابع ص 155 ].
إن الإختلاف وصل إلى بعض سور القرآن الحكيم من ناحية تواريخ وامكنة شروقها ووصل إلى سورة الفاتحة ذاتها وهى أم الكتاب، فقال بعضهم إنها مكية والآخر مدنية، وحتى يحل الإشكال ذكر ثالث أنها نزلت مرتين أى بقرية القداسة أولاً ثم بيثرب، ورابع طلع علينا برأى فى غاية الطرافة إذ قسمها شطرين أولهما ببكة والآخر بأثرب { ... وذهب قوم إلى أن الفاتحة مدنية وقال آخرون نزلت مرتين وقال بعضهم نزل نصفها بمكة ونصفها بالمدينة، وقال أبو الحسن الحصار فى كتابه " الناسخ والمنسوخ" المدنى عشرون سورة ونظمها مع السور المختلف عليها }. [ التحبير: للسيوطى ص 43 ].
ونشد بصر وبصيرة القارئ إلى ما تضمنه عجز الفقرة " ونظمها فى السور المختلف عليها" وهو شأن معروف لمن لديه أدنى ذرة أو مُسكه فى علوم القرآن وأقرب كتابين متاحين للقارئ هما " الإتقان" للسيوطى، و " البرهان" للزركشى.
نخلص من جماع ما وضعناه تحت أعين القراء أن اختلاف روايات الخبر، بخاصة، حوادث الفجر ووقائع المبتدأ ونوازل المفتتح لا يشكّل علة تقدح فى الخبر، ولا عيبًا يفسده، ولا منقصة تشينه، ولو اتخذنا الإتفاق مقياسًا للصحة ومعيارًا للصدق وميزانًا للإطمئنان إليه لإنهارت مئات بل ألوف الأخبار والآثار التى هى بمثابة ركيزة التراث الإسلامى.
ثالثًا: التدرج فى تحريم الربا والخمر والفورية فى تحريم التبنى:
اتخذ القرآن المجيد منهجًا سديدًا فى تحريم عادتين متأصلتين فى المجتمع آنذاك هما الربا و معاقرة الخندريس " شرب الخمر" على الوجه الآتى:
ابو تراجى
01-04-2010, 04:40 PM
1 ـ تحريم الربا:
فى البدء { وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ } [ الروم: 39].
فهنا لم يأت حكم فى الربا بل توجيه إلى الفرق بينه وبين الزكاة فهى تتضاعف وتزيد إذا أريد بها وجه الله تعالى فى حين هو ( = الربا ) على النقيض.
ثم تشرق آية كريمة أخرى فى ذات المحجة { فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيراً وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } [ النساء 160، 161].
هاتان الآيتان الكريمتان لم تحظرا الربا إنما سارتا شوطًا ملحوظًا فى درب تحريمه فقامتا بتبشيعه فهو صد عن سبيل الله وظلم وأكل أموال الناس بالباطل ومن يستحله فجزاؤه عذابب أليم.
ثم تضئ آية النهى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [ آل عمران 130].
ثم طلعت آيتان حاسمتان لاتدعان مجلاً لأى شك فى التحريم: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ } [ البقرة 278، 279].
وبعدها غدا الربا حرامًا على من تبع " الأمين المأمون".
2 ـ تحريم الخمر:
عمومًا شربًا وبيعًا وشراءً، بيد أننا ذكرنا المعاقرة لأنها الأصل الذى يتفرع عنه سائر الأفعال فلولا الإقبال على المزّة لما دارت حولها تجارة أو خدمة.
فى أول الأمر نهى القرآن الكريم الصحابة عن الصلاة فى حالة السكر لأن واحدًا من المتقدمين أمّ نفرًا منهم خربق فى تلاوة سورة " الكافرون" فظهرت الآية لكريمة : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا ... } [ النساء 43].
والتى جاءت بتحريم جزئى أو وقتى وهو عدم الإقتراب منها عند العزم على الصلاة.
يبدو أن البعض سأل " المزمل" عن الخمر والميسر معًا فأجابت آية: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ َإِثْمُهُمَاأَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا .... } [ البقرة 219].
فذكرت أن إثم احتساء القهوة ( الخمر ) كبير وكأنما هى وطّأت الطريق أمام آية التحريم كيما تُقبل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ الأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ } [ المائدة : 90، 91].
وما إن سمعها أحد متنفذى الصحاب حتى صاح: انتهينا يارب، ومنذ تلك الساعة جُرِمت الخمر على المسلمين.
لماذا عدل القرآن المجيد عن منهجه التدرجى فى تحريمه للربا وللخمر واتخذ المنهج الفورى فى تحريم التبنى وما استتبع ذلك من رحلّية منكوحة الإبن المتبنى ( سورة الأحزاب ) الذى حطم نسقًا اجتماعيًا راسخًا فى مجتمع شبه جزيرة العرب؟.
من الجائز وجود بصيص من النور يساعدنا على الإجابة الصحيحة على هذا السؤال لو فى مقدورنا معرفة الفارق أو المسافة الزمنية بين تبغيض الربا والميسر والتحريم القاطع، بيد أنه يحول بيننا وبينه تعذر معرفة الترتيب التاريخى لظهور السور والايات. والعمل الذى أنجزه نولدكه فى هذه الدائرة لم يترجم إلى العبية حتى لالآن.
والأرجح فى مجال الرد على السؤال أن الربا ضفيرة من نسيج النظام الإقتصادى السائد آنذاك والذى يتمحور حول التجارة النشاط اليتيم فى أم القرى والمشارك فى قرية اليثاربة وأبناء يعقوب، فتحريمه دفعة واحدة سوف يصيب المعاملات المالية بتصدعات غوائر ومن ثم فإن الحكمة استلزمت التدرج ؟؟.
أما من رجا ( = ناحية وجمعها أرجاء ) السلسبيل فى كتب التراث بما حملته من آثار بشانها تؤكد أنها تمكنت من كثير من الصحابة بل من بعض الأماثل إن من بنى قيلة اليثاربة أو من النازحين من قريش أم دونها من القبائل ومن ثم فإن تحريمها فجأة سوف يصيب نفوسهم بالحبوط ومزاجهم بالعكر ووجدانهم بالإنقباض و" المنتصر" حرص على إرضائهم ودأب على مداراتهم وتوخى تأليف قلوبهم، وهذا أمر طبيعى بل بديهى لأنهم أعوانه المخلصون وشيعته المؤازرون وجنده المقاتلون ومن فجاج هذه الأرضية انفجرت علة التدرج فى تحريمها وغدا من الحتم اللازم تهيئة ذواتهم للحظر المقبل والنهى القريب والمنع الوشيك.
على نقيض ذياك جماعه فتحريم التبنى وإباحة الدخول بمنكوحة الابن الدعى فهو خفيض الشأن هزيل المنزلة نحيف الخطر فلا يُحدث زلزلة فى سوق المال ودوائر التجارة ولا هو تمكن من النفوس أو تغلغل فى الوجدان أو تعمق فى الشعور الجمعى. ورغم الحوجة إلى إحصائية بعدد الأبناء الأدعياء ليغدو الحكم صحيحًا فإن ما تناثر من آثار بخصوصهم ينبئ بضمور العدد.
ولعلنا: بذلك أفلحنا فى أن نلقم حجرًا من يغمزون ويلمزون مباينة ( الموعظة = القرآن ) المنهاج الذى استقر عليه فى موضوع التبنى وزواج منكوحة الدعىّ ونذكرهم بأن الذكر الحكيم حرم فورًا وأد البنات لأنه أيضًا أمره هامشى فحالاته عوارض وحوادثه طوارئ ووقائعه خمائص.
رابعًا: شُرِّف الكلبى بذكر اسمه فى ( البلاغ/ المبين ) فى حين أنه خوى من ذكر اسم أو كنية أو لقب التيمىّ عتيق:
فى رحلة النزوح من مكة إلى يثرب رافق " خير من مشى على الأرض" التيمىّ ابن أبى قحافى واسمه عتيق وكنيته أبو بكر ولقبه الصديق ومكث معه فى غار ثور وسجلته آيات كريمة من القرآن المجيد، ولهذا يذهب الفقهاء إلى أن من ينكر صحبة أى واحد من الصحابة فلا تثريب عليه إلا هو لأن عدم الإعتراف بصحبته تكذيب لما ورد فى الذكر الحكيم ـ نعوذ بالله تعالى من ذلك.
بيد أن الآيات خلت من اسمه أو لقبه أو كنيته فى الوقت الذى نصت على اسم الدعىّ الكلبىّ وهى مفارقة معجبة لعدة أمور منها:
1 ـ أن أبا بكر ولو أنه من فرع هزيل من قريش إلا أنه قرشى فى حين أن زيدًا كلبى ولا وجه للمقارنة بين قريش وكلب.
2 ـ أن الخدمات التى قدمها التيمى لـ ( المحمود فى السماء والأرض ) وللديانة التى بشر بها لا يقاس بها كل ما قدمه الكبىّ، بل إن ( الجامع لأنواع الخير ) نفح الأخير ( = الكلبى ) أفضالاً لا تُقدر.
3 ـ أن رحلة النزوح علامة فارقة بل هى ذروة سنام العلاقات الفوارق فى مسيرة الدين الذى دعا إليه " أحمد" ولا تعد منا مغلاة إذا رقمنا أنه لولاها لتغير تاريخ جزيرة العرب.
وليس من الإنصاف فى شئ أن توضع فى رتبتها واقعة طلاق الكلبىّ لابنة جحش، بعد أن حدّس أن ط سيد الأولين والآخرين" يريده وغِبّ إن اوحت إليه ( =إلى الكلبى زيد ) زينب يه، ما زال الاستفسار يحك قذاله ( = مؤخرة رأسه ) لأنه لم يتلق إجابة شافية أو حتى قطرة ماء يبل بها ريقه النشف.
من وجهة نظرنا أن الحرص من جانب ( البُشرى = القرآن ) على تعيين الاسم وتحديده هو قطغ الطريق على أى لبس أو شك فى أن الزوجة التى بشره بنكاحها هى زينب بنت جحش دون غيرها ليحقق رغبته كما توصل إليه المفسرون الكُمَّل والإخباريون الأثبات وكتاب السيرة المحمدية المعطار الذين ألمعنا إليهم.
فلو قال الذكر الحكيم " فلما قضى منها وطرًا" أو " فلما قضى منها زوجها وطرًأ" لتساءل أحدهم من الذى قضى منها وطرًا؟، أو من هو ذلك الزوج؟، ولو تزوج " سيد ولد قصىّ" ابنة جحش دون هذا التحديد الدقيق لأحدث ذياك النكاح ربكًا وأوقع بلبلة وأثار إضطرابًا فى مسألة على قدر وفير من الدقة ونصيب كبير من الحساسية وحظ غزير من الحروجة.
ونأمل أن يصح هذا التحليل فهو نتاج مكث طويل على باب الموضوع ولبث مديد أمام الواقعة متأن عند الخبر.
وبداهة فإن للقارئ الحق فى قبول هذا التحليل أو ملاقاته بنظرة زوراء، إنما الذى لامجاحة فيه أن الكلبىّ نال شرفًا تقطعت دونه أعناق أكابر الصحاب وتشوف إليه أعاظمهم وتمنته ذؤايهم وأنه جاء من ( القصص / القرآن ) مكافأة له جزاء وفاقًا على إقدامه على فراق الزوجة الحسناء الفاتنة ليحقق رغبة أبيه بالتبنى ومولاه فيما بعد.
خامسًا: رد بنت الشاطئ المفحم على جوق الطبالين ومايسترهم هيكل:
خرجت من قراءتى لعشرات كتب السلف التراثية فى السيرة أن القدامى اتصفوا بالأمانة العلمية وامتازوا بالضمير الفكرى ومن ثم اتسموا بالموضوعية والنزاهة، فى حين أن المحديثين نفضوا أيديهم من ذلك كله وآثروا النفاق واختاروا الانتهازية وانحازوا إلى الذبذبة، ومن ثم حفلت كتاباتهم بالتلفيق وطفحت بالإنتقائية واكتظت بالترقيع وامتلأت بالتبرير وتضلعت من التعمية وارتوت بالتضبيب ونهلت من الغطرشة ( التعالى عن الحق )، ولهذا فهى توسم بالنفاق الفكرى ومجافاة الأمانة العلمية ومخاصمة الضمير الثقافى، ولسنا فى حوجة إلى تبيين العلة الكامنة وراء سلوك المحدثين لهذا المنهج الفسيد والسير فى هذا الطريق المعوج والمشى فى هذه الجادة الملتوية.
ولو أنك رسمت خطًا بيانيًا للأمانة الفكرية لهذا الفرع من العلوم لجاء منحدرًا وهابطًا لأن القدامى أوردوا الوقائع كما سمعوها والأحداث كما تلقوها والآثار كما زويت لهم مهما حملت من صدمة للقارئ أو دهشة للمتلقى أو إستنكارًا لدى السمع، وكان منطقهم وهم يصنفون: { ليستحسن من يستحسن وليستهجن من يستهجن وليستغرب من يستغرب فهذا ليس من شأننا ولسنا مسئولين عنه. ثم خلف من بعدهم خلف أمعنوا فى الغواية وأسرفوا فى الضلالة وبلغوا فى النكراء فأخفوا وغطوا وسوغوا على حساب الضمير والمسئولية والأمانة التى حملها الإنسان الظلوم الجهول
والذى حيرنى فى موقفهم هذا أمران:
الأول: أنهم ليسوا بحال من الأحوال بأنقى من سلفهم الصالح ولا أشد خوفًا من الله تعالى هذا من جانب، ومن جانب آخر أن علمهم ـ الحق أننى أقولها تجاوزًا ـ بجانب علم السلف مثل قطرة فى محيط فمن منهم يصل إلى مستوى ركبة ابن إسحق أو الطبرى أو الرازى أو البيضاوى أو القرطبى .... إلخ؟.
الآخر: من المفروض أننا مرقنا من العصور الوسطى وخرجنا من عهود الظلام وغادرنا زمن القيود والسدود ونعيش الآن فى أيام حقوق الإنسانن وحرية الفكر والإبداع والكتابة وغدا العالم قرية كبيرة هذا من رجا، ومن ىخر لم تعد المؤلفات السوابق أسرارًا مكتومة ولا أحاجى ولا ألغازًا مستورة مخبوءة، وبأى صورة تغدو كذلك ونحن ننعم بثورة الإتصالات. لكن فيما يبدو وبأيأة هيئة جلية أنهم عندما يغمضون عيونهم يتوهمون أن غيرهم لا يراهم.
بعد هذه الفرشة التى نأمل عدم تململ القارئ من طولها النسبى ندخل فى صميم الموضوع:
محمد حسنين هيكل بدأ كاتبًا ليبراليًا مستنيرًا وأصدر مؤلفات محترمة، أما عندما خاض فى خضم بحر الإسلاميات فقد فَكّ صمولة [ كلمة عربية أصيلة أقرها مجمع اللغة العربية فى مصر وأدرجها
ابو تراجى
01-04-2010, 04:40 PM
فى الوسيط والوجيز ] ضميره العلمى لأسباب لا تخفى على الفطن ولا تغيب عن اللبيب ولا تتوارى عن الذكى . [ عباس محمود العقاد قام بذات الصنيع ].
ومن أشهر ما طلع به على القراء فى ذات المضمار كتابه " حياة محمد" ويند عن جوهر دراستنا تقييمه أو غيره من الإسلاميات الهيكلية، إنما الذى يهمنا ما خطه بشأن خبر الكلبى وطلاقه لابنة جحش:
{ أفيبقى بعد ذلك أثر لهذه الأقاصيص التى يكررها المستشرقون والمبشرون ولكنها شهوة التبشير المكشوف تارة والتبشير باسم العلم أخرى والخصومة القديمة للإسلام هى التى تملى على هؤلاء جميعًا ما يكتبون وتجعلهم فى أمر زواج النبى وفى أمر زواجه من زيبن بنت جحش يتجنون على التاريخ ويلتمسون أضعف الروايات فيه مما دُسّ عليه ونُسِب إليه }. [ حياة محمد: لمحمد حسنين هيكل ـ ص336 ـ الطبعة الحادية عشرة ـ دار المعارف بمصر ].
هذا كلام يصيح به بأعلى طبقات صوته المهيب فى خطبة منبرية فى يوم جمعة واعظ فى مسجد إحدى القرى أو الأحياء الشعبية ولا يستقيم بحال صدوره من باحث جاد.
ونحن هنا إزاء احتمالين لاثالث لهما:
أولهما: أن هيكلاً لم يطلع على أمهات كتب السيرة والتاريخ وأسباب النزول والتفسير والأحاديث والأخبار .... إلخ. وهذا عيب قادح وقصور فادح ونقص واضح.
آخرهما: أو أنه قرأها وسمح له ضميره العلمى أن يرقم هذه العبارات الفلوت وهنا يثبت أنه تخلى عن أمانة القلم.
هذا المسلك من جانب هيكل أثار ثائرة الدكتورة عائشة عبد الرحمن " بنت الشاطئ " ويعرف الجميع عنها أنها باحثة رصينة فضلاً عن أنها سلفية تقليدية لأقصى درجة ـ فهلهلته [ فندت جميع حججه حتى أعيته واضطرته للصمت ] وبهدلته ( = كلمة عربية فصيحة ) ولم تترك له جنبًا يرقد عليه.
وردت فى كتابها " نساء النبى " دار الهلال بمصر قائلة:
{ إن قصة إعجاب الرسول بزينب وحكاية الستر من الشعر الذى رفعته الريح وانصراف الرسول عن بيت زيد وهو يقول: سبحان الله مقلب القلوب، قد كُتِبت قبل أن تسمع الدنيا بالحروب الصليبية بأقلام نفر من مؤرخى السيرة ورواة السيرة لايرقى إليهم اتهام بعداء النبى والدس للإسلام.
فمن الحق أن ندع المستشرقين والمبشرين وأمثال موير ومرجليوث وإرفنج وسبرنجر لنقرأ القصة على مهل فى تاريخ الطبرى وفى الإصابة وفى كتب التفسير وفى السمط الثمين [ ص 140].
وفى الهامش: راجعها بالتفصيل فى تاريخ الطبرى 3 /42 ،43 وفى النهاية لابن الأثير/ حوادث السنة الخامسة للهجرة / وفى السمط الثمين 107 / وفى الإصابة ج8 .
وأضافت بنت الشاطئ:
..... فيكفى للرد عليه أن ننقل هنا تفسير الزمخشرى للآية منذ أكثر من ثمانية قرون بأن رسول الله أبصر زينب بعد ما أن أنكحها زيدًا فوقعت فى نفسه فقال سبحان الله مقلب القلوب " [ ص 141، 142].
ثم انتهت إلى نتيجة حاسمة وهى:
...... أن الدكتور هيكل أخطأ من حيث أراد الدفاع عن الرسول ذلك أنه بإنكاره ميل الرسول إلى زينب ورفضه أن يكون ـ ص ـ تعلق بها ألقى على المسألة ظلالاً من الريبة توهم أن هذا التعلق خطأ لايجوز على الرسول ومنقصة يجب أن ننزهه عنها .... } [ ص142 ]
وختامًا فهذه الفاصلة التى انضوت على قصة الكلبىّ وبنت جحش وإن طالت بعض الشئ فإنها تضع فى حجر القارئ دليلاً على صحة ما جاء بالشطر الأول من العنوان وهو أن الفرقان خصص نصوصًا لتحقيق رغائب محمد وكيف لا أليس هو " سيد الخلائق" على بكرة أبيها ؟.
نكاح عائشة التيمية : -
أطبقت كتب السيرة المحمدية الشريفة أن " صاحب النسب الموصول " نكح عائشة بنت أبى بكر التيمىّ وهى بنت ست أو سبع سنين ، وأنه بنى بها " دخل عليها " وهى إما فى الثامنة وإما فى التاسعة، وهوفى ذياك الوقت جاوز الخمسين بثلاثة أعوام من عمره الشريف، وأنها ( = التيمية عائشة ) أخذتها والدتها أم رومان من على أرجوحة تلعب هى ولداتها عليها كيما ئهيئها لما هى مقبلة عليه فى حين أنها لم تستوعب جلية الأمر.
ولصغر سنها وجمالها ولأنها البكر الوحيدة بين نسائه العديدات، فقد حظيت عنده وبلغت فى نفسه درجة لم تصل إليها إحدى زوجاته بإستثناء سيدة نسوان قريش خديجة بنت خويلد، وفى لإحدى المرات حاولت أن تنال من مكانة خديجة لديه فزجرها زجرًا شديدًا حتى قررت فيما بينها وبين نفسها ألا تعود لمثلها وأيقنت أن المقام المحمود الذى بلغته قريش عنده لم يلحقه رجل أو إمراة. [ فضلاً ارجع فى هذه الخصوصية إلى كتابنا ( فترة التكوين فى حياة الصادق الأمين ) نشرته دار ميريت سنة 2001، وظهرت له طبعتان فى أقل من ستة أشهر ].
وطفق " من تنام عيناه ولاينام قلبه " يدلل الزوجة الصغيرة ويحملها على عاتقه [ نساء النبى: لبنت الشاطئ ص 74 السطر قبل الأخير ]، وكثيرًا ما ردد على مسامعها " حبك يا عائشة فى قلبى كالعروة الوثقى، وعندما سأله عمرو بن الاص ، ذلك الذى فعل الأفاعيل فى مصرعندما غزاها استيطانًا، عن أحب الناس إليه أجاب على الفور: عائشة ". [ صحيح البخارى نقلاً عن " نساء النبى" لبنت الشاطئ ص 92].
أدركت التيمية مكانتها فى قلب " صاحب الخلق العظيم " فأخذت هى من جانبها تتدلل عليه مما دفعها إلى أن تأتى بتصرفات فيها جراة لم تقدم عليها واحدة من نسونه حتى الحسناوات منهن مثل أم سلمة وزينب بنت جحش.
ففى مرة وهو يجلس مع نفر من صحبه فى حجرتها بعثت إليه صفية بنت حيي بن أخطب طبقًا به طعام، وإذ إنها يهودية ومن بيت رفيع فقد عُرف عنها أنها تجيد الطهو فما إن رأت التيمية الصفحة حتى ألقتها على الأرض فاندلق ما بها وانكسرت، كل ذلك أمام الحاضرين، كل ذلك أمام الحاضرين من تبعه، فتبسم ولم يزد على قوله " لقد غارت أمكم " بيد أنه ألزمها أن تبعث لضرتها صفية بصفحة عوضًا عن تلك التى حولتها إلى فتات أو فتيت. وباستقراء سيرته الباذخة المنيفة نؤكد أنه ما من رجل مهما بلغ خلاطه به أو مَرَة زوجة أو غيرها يبلغ به أو بها الجُسُور ( بضم الجيم والسين ) أن يفكر مجرد تفكير فى الإقدام على مثل ذاك العمل.
وسبق أن رقمنا قولها له: " ما أرى ربك إلا يسارع فى هواك أو مرضاتك" وتعقيبنا عليه ولقد ذكرت الدكتورة عائشة عبد الرحمن أن التيمية فاهت بهذه الصيحة عندما هلت الآية الكريمة بنكاحه بنت جحش " الهاشمية الحسناء ". [ نساء النبى ص 79].
وإذ إن لكل جواد كبوة ولكل عالم هفوة فإن بنت الشاطئ فى هذا الموضع غلطت مرتين:
الأولى: أن ابنة جحش ليست هاشمية ولا حتى قرشية فأبوها جحش بن رئاب من بنى أسد بن خزيمة وأمها هى التى من بنى هاشم فهى أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم والعرب لاينتسبون إلى الأم بل إلى الأب لأن مجتمعهم ذكورى بطريركى.
الأخرى: أن العبارة الفلوت التى جابهت بها التيمية بنت أبى قحافة " سيد الأولين والآخرين" ليست بسبب إشراقه آية من الذكر الحكيم بنكاحه زينب وإنما قالتها ابنة أبى بكر عندما أقدم بعض النسون على هبة أنفسهن له فإنبثقت آية :{ تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء } [ الأحزاب 51 ].
ويبدو أن الدكتورة عائشة عبد الرحمن اعتمدت على الذاكرة وهى خؤون، وقد نصحنا البُحَّاث ألا يفعلوا وأن يرجعوا فى الصغير والكبير إلى المصادر.
عامر بن الطفيل وقتل حفظة القرآن :-
بعد إنكسار المسلمين فى غزوة أحد ظن الأعراب الجفاة أن نجمهم دخل فى فلك الأفول ـ وقد خاب فألهم ولجهلهم وبداوتهم ولم يقدروا " أبا القاسم" حق قدره وضاق أفقهم عن إدراك عبقريته وقصر فهمهم عن معرفة ملكاته، فطفقوا يتحرشون به ويناوئونه، وأول من بدأ ذلك جلف يقال له عامر بن الطفيل وتعاقد معه بطنان من سلم هما عصية ورعل فعدوا على سبعين رجلاً شببة " شبان" من القراء أى حفظة القرآن الكريم وكلهم من اليثاربة بنى قيلة لايوجد بينهم من النازحين " المهاجين" أحد فقتلوهم عن آخرهم عند ماء يُقال له " بئر معونة" وأحزن ذلك المصطفى لأنه من ناحية تم غدرًا وخيانة، ومن آخر الخسارة فى أولئك الشببة القراء الحفاظ ثقيلة، فأخذ يدعو عليهم ومن عاضدهم من الأفخاذ وأفناء القبائل فى صلاة الصبح.
وبحيلة دنيئة مشابهة تمكن بنو لحيان من عضل والقارة من استدرج سبعة من القراء الحفاظ أيضًا فما إن فارقوا قرية بنى قيلة / أثرب وعند ماء لهذيل قريب من الهدة يقال له الرجيع قتلوا بعضهم وأسروا من إستطاعوا أسره وأحدهم يسمى عاصم بن ثابت حدثت معجزة بشأنه إذ بعد قتله لم يستطيعوا أن يصلوا إلى جسده إذا انتصبت حوله كتيبة من الدبر فكلما اقترب من أحد الأعاريب الخونة لدغته فأطلقت عليه كتب السيرة المحمدية المعطرة " حمى الدبر".
وبالمثل حز هذا الغدر الذى راح ضحيته سبعة من خيرة القراء فى نفس " الأمين المأمون ".
بيد أن إنتصاره الساحق على بنى النضير وهم من أبناء يعقوب والقبيلة القوية الغنية والتى تتنافس القبيلة الأخرى بنى قريظة فى المنعة والثروة وتمكنه من إجلائهم من أثرب واحتياز دورهم وأموالهم ارتفعت أسهمه إلى عنان السماء ، فمن ناحية ما انفكت القبائل البدوية الجافية، سواء حول بنى قيلة أو فى سائر أنحاء شبه جزيرة العرب، تعيد حساباتها وتعمل لـ " صاحب العلو والدرجة" ألف، كما أن الغنائم التى غنمها من اولاد الأفاعى بنى النضير ساهمت فى مضاعفة قوته لأن المال كما هو عصب التجارة فهو مدماك الحرب.
كذا فإن تبعه من المنازيح واليثاربة معًا بدأت الثقة تعود إلى نفوسهم سواء من الناحية القتالية أو العقائدية.
كيف؟.
بعد انتصارهم الساحق فى غزاة بدر الكبرى قويت روحهم المعنوية بدرجة مذهلة إن فى الشق الحربى أو فى الجانب الإيمانى، أما عن الأول فقد هزموا صناديد قريش الذين بلغوا ثلاثة أضعافهم هزيمة نكراء، وعن الآخر فقد ترسخ فى عين يقينهم أن دينهم هو الحق ومن ثم فإن الله أعلى رايتهم ورفع لواءهم وجعل كلمتهم هى العليا وكلمة عدوهم فى أسفل سافلين كما عزز مكانتهم فى يثرب، وقمع مشاكسيهم من اليهود والمنافقين والذين اتخذوا موقف التربص وسلكوا درب التردد واخذوا يقدمون رجلاً ويخنسون الأخرى ، وأقنع الأعاريب الغلاظ حولها أنهم بخلاف ما حدسوه قوة لا يستهان بها ومن العبط تجاهلها.
بيد أنه بعد الوجيعة التى نالتهم فى أحد طفق الخط البيانى للثقة فى النفس يتدحرج إن من الناحية العسكرية أو من الجانب الإيمانى. أما الأولى فهى ليست فى حوجة إلى كشف الغطاء عنها أما الآخر فيتمثل فيما راودهم من تساؤلات كيف يهزم جند الله مع أن البلاغ أكد أن جند الله هم الغالبون، وهم كذلك!!.
إنما بعد سحق بنى النضير واستصفاء أموالهم وما فتئ الشعور الذى هيمن عليهم بعد غزاة بدر الكبرى يحتل مكانه الذى غادره ويعدن فى الموطن الذى فارقه ويتربع على الكرسى الذى هجره.
ويمكن أن نرقم أن جلاء بنى النضير شكّل علامة فارقة ورسم طريقًا جديدًا وفتح مغايرة.
فأرسل " المنصور بالرعب " قرابة شهر نفرًا من تبعه إلى أبى رافع اليهودى الذى دأب على إيذائه والتطاول عليه فقتلوه فى عقر داره وفى خيبر المعقل اليهودى الحصين والتى تخبرنا مصنفات السيرة المحمدية البالغة ذروة المجد والسؤدد أن بها أربعة آلاف مقاتل فهل توجد ثقة بالنفس أعمق؟.
سمع " الإنسان الكامل " من عيونه الذين دأب على بثهم فى كافة الأرجاء أن ثعلبة وأنمارًا من القبائل البدوية التى تحتل قطاع نجد تحدثها نفسها بالاحتكاك به وبالمسلمين فخرج فى جيش كثيف عدته ثمانمائة، وفى روايات أخرى أقل، يريدهم بيد أنه ركبهم الهلع وشملهم الخوف وسيطر عليهم الرعب. ومعروف عن هؤلاء البدو أنهم لا يستأسدون إلا على من يوقنون أنه أضعف منهم ناصرًا وأهزل منهم عددًا وأنحف عُدّة شان الجبناء وهم على رأسهم فأرقلوا إلى رؤوس الأجبل وتركوا نساءهم فى محالهم فسباهم المسلمون وسميت هذه الواقعة " ذات الرقاع" ولم تحقق كسبًا ماديًا بل ظفروا معنويًا إذ أيقنت القبائل المتبدية أن المسلمين أمسوا قوة غلابة لا قدرة لهم على الوقوف فى وجهها.
ثم غزا " سيد الناس" دومة الجندل وهى طرف من أفواه الشام قاصدًا أن يفزع قيصر الروم من تبعه ألف مقاتل ولما تناهى الخبر إلى مسامع الجنادلة أخلوها فلما وطئها لم يلق بها أحدًا فشنوا الغارة على الماشية ورعائها فاحتازوها زأسروهم وكرة أخرى حقق الجيش المسلم نصرًا معنويًا فحسب.
بيد أنه بخلاف من سبقه ولأول مرة فى تاريخ جزيرة العرب المبروكة يرى أو يسمع أعرابها الجفاة أن عربيًا واتته الجرأة على إرهاب قيصر الروم والاقتراب من تخوم إمبراطوريته ومن منظورهم أنه ضرب من المغامرة غير المحسوبة.
غزوة بنى المصطلق ثم نصل إلى المحطة النهائية لهذه الرحلة التى تفوح من جنباتها رائحة الإطالة وهى " غزوة المصطلق أو المريسيع" التى وقعت فى مختتمها حادثة الإفك وموجز مفاصل الوقعة أن الحارث بن أبى ضرار سيد بنى المصطلق من خزاعة ومنازلهم جمع من قومه وممن قدر عليه من أوباش الأعراب جيشًا لمهاجمة " المدثر" والمسلمين فى يثرب، ويبدو أنه من هذه النوعية من البشر
ابو تراجى
01-04-2010, 04:41 PM
التى ينعت الفرد منها بـ " الأحمق المطاع" إذ سرعان ما طارت الأخبار إلى قرية اليثاربة بنى قيلة، فندب " الحبيب المصطفى" الناس للقائه فما إن سمعوا الهيعة حتى سارعوا طائعين ملبين، ومما له دلالة عميقة أن شطرًا وسيعًا من عصبة المنافقين الذين أدمنوا التخلف سارعوا هذه المرة إلى الخروج معه، ومرجعه فى نظرنا طابور من الدوافع نقتصر منها على ثلاثة نذهب إلى أنها جوهرية.
الأول: الرهبة من سلطان "من جُعِلت له الأرض طهورًا" الذى غدا قويًا، ويأسهم من معرضته أو مناوأته.
الثانى: الرغبة فى الحصول على نصيب من الغنائم، لأن السلب والنهب والغارة على العدو وهم نيام، يقولون " صبحناهم" وهذا من سمات الجبن والخسة والنذالة التى امتاز بها أولئك الأعاريب، والحصول على الأسلاب والغنائم وسبى النسون.. جماعها مكون رئيسى فى بنيتهم النفسية، فى حين أنه على النقيض يُشكل الزرع والحصد والرى وجمع المحصول والبناء والتشييد والإعمار عناصر ومقومات شخصية المصرى القديم، ومن ثم ترك حضارة بازخة لا ضروب لها حتى الآن، فى حين خَلّف أولئك الأعاريب الأجلاف قصصًا أليمة عن التصبيح وشن الغارات فى غفلة المهاجَمين" بفتح الجيم" ونوازل فواجع عن القتل والاغتيال وروايات دامية عن أسر الرجال وسبى النسوة والفتيات إما لبيعهن فى أسواق الرقيق إماء وجوارى وإما لاتخاذهن محظيات وسرارى.
الثالث: إذا ظهرت بوادر هزيمة أو تراجع أو تقهقر لدى المقاتلين اهتبل " المنافقون وقود الدرك الأسفل من النار" وبدأوا بفتح بوابة الفرار من العدو ليلجها الباقون وأشاعو البلبلة والتخذيل وأذاعوا أخبارًا كواذب لتثبيط عزم من يقاتل من المسلمين، وجِماعة تنفيس عن الحقد الكامن فى نفوسهم والبغضاء المشتعلة فى صدورهم والشنآن الخبئ فى قلوبهم نحو " حامل لواء الحمد"، ومن رأينا أن النفاق ما هو إلا المعارضة السياسية، بدليل أنه لم يفرخ بيضه الفسيد إلا بين بعض بنى قيلة، أما فى قرية القداسة قلم يوجد لأنها إنضوت فحسب على معارضة عقائدية أُساسها الخوف على المكانة الإجتماعية، وجرثومتها الحفاظ على المكاسب المالية وسندها العض بالنواجذ على المصالح الإقتصادية ودليل الثبوت على أنها ( المعارضة المكية ) عقائدبة قبلية تتمثل فى التمسك بدين الآباء لاشبهة فيها للرجا السياسى هو أن الصناديد المكاكوة أو ملأ قرية القداسة عرضوا على الأمين الرئاسة بشرط أن يهجر الدين الجديد الذى جاءهم به وبداهة رفضه بشدة.
نكاح جويرة بنت الحارث : -
كما أن البهان على أن المنافقين اليثاربة معارضون سياسيون فقط ، هو أنهم لم يعلنوا تمسكهم بعقائدهم السابقة فضلاً عن أن يدعوا إليها احدًا، ولم تخبرنا مدونات السيرة المحمدية انهم فى اجتماعاتهم الخاصة بشروا بديانة مغايرة للإسلام أو حاولوا إقناع مسلم بمفارقة ديانته والولوج فى دينهم، إذ ليس لهم دين خلاف الإسلام " عن طريق التظاهر" ولم يطعنوا فى العقيدة الإسلامية ولا فى العبادات، بل بالعكس عرف عنهم القيام بها وم ثم حُقنت دماؤهم وأعراضهم وأبشارهم وذراريهم ونسوانهم، فقط عِيب عليهم أنه كله صدر عنهم من قبيل المداهنة دون إخلاص، وهذه مسألة متروكة للوحده ، ومن هذا المنطلق عاملهم " الرحمة المهداة " معاملة تبعه المسلمين وأوكل حسابهم إلى ربه، وما حملته مصنفات السيرة المحمدية هو غمزهم ولمزهم لذاته مثل قول بعضهم فى غزاة الخندق: يعدنا بكنوز قيصر وكسرى، فى حين أن أحدنا لالايأمن على نفسه وهو ذاهب لقضاء حاجته، فهذا نقد خسيس لكنه معارضة سياسية م تمس عقيدة أو عبادة وقبلها رغب غزاة أحد وما حدث فيها، صرح رأس النفاق عبداله بن أبى سلول: خالفنى " رأيه عدم الخروج من يثرب لقتال المكاكوة " وأطاع الصبيان " الشببة الذين اقترحوا العكس " فهذا أيضًا تقييم لخطة عسكرية وليس طعنًا فى الديانة ، الخلاصة أن النفاق معارضة سياسية. ثم بعد نستأنف السياق :
سمع الأعراب الجبناء بجيش المسلمين فغدروا بالأحمق المطاع الحارث بن أبى ضرار وخانوا عهدهم وميثاقهم معه وتخلوا عنه وتركوه هو وبنى المصطلق ينالون هزيمة ساحقة وذلك فى العام السادس الهجرى، وغنم " السيد المنتصر" والمسلمون مغانم كثيرة وسبيًا كثيفًا ، وبين السبايا وقفت بنت السادة الرافلة فى النعيم ، زوجة مسافع بن صفوان المصطلقى ( جويرة بنت الحارث ) سيد المصطلق ، تنتظر دورها [ الروض الأنف فى تفسير السيرة النبوية لابن هشام : السهيلى دار المعرفة، بيروت 1978 المجلد الرابع ص 9 ] . فتقع فى سهم جندى مسلم اعتيادى هو ثابت بن قيس بن الشماس ، ومن ثم تحكى لنا جويرة وهى ترى ما آلت إليه ، باحثة عن مخرج يلائم مكانتها: { رأيت قبل قدوم النبى ـ ص ـ بثلاث ليال، كأن القمر يسير من يثرب، حتى وقع فى حجرى، فكرهت أن أخبر بها أحدًا من الناس ( لاحظ لا يوجد شهود يؤكدون كلامها وهى الراوية الوحيدة لهذه الرؤية المزعومة ) ، حتى قدم رسول الله ـ ص ـ فلما سبينا ، رجوت الرؤيا !!! [ البيهقى : دلائل النبوة ـ تحقيق عبد المعطى قلعجى ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت 1988ـ جزء 5 ص 50].
ولتحقيق الرؤيا ، ساومت آسرها ثابت بن قيس ، على أن تدفع له فداءها عن نفسها ويطلقها حرة ، بموجب مكاتبة على العتق بذلك ، وهى تعلم يقينًا أنها أسيرة لا تملك شيئًا تشترى به نفسها ، فذهبت إلى النبى لتطلب من إعانتها فى مكاتبتها !!
وهنا تقول لنا التيمية عائشة الغيور: " فوالله ما أن رأيتها على باب حجرتى، فكرهتها وعرفت أنه ـ ص ـ سيرى منها ما رأيت. أما ماذا رأت التيمية ؟ فهو ما توضحه فى قولها: كانت امرأة حلوة ملاحة ، لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه .
ويشرح لنا السهيلى شارح السيرة المعنى لقوا عائشة التيمية الغيور:
الملاح أبلغ من المليح...
والملحة هى البياض...
وملاحة: فى العينين ...
وقال الأصمعى: الملاحة فى الفم..
وقول عائشة .. من الغيرة عليه والعلم بموقع الجمال منه ـ ص ـ
ونتابع الحدث وهو يتحرك ، فنرى جويرة الأسيرة تدخل على النبى لتقول: يا رسول الله أنا جويرة بنت الحارث بن أبى ضرار ، سيد قومه ، قد أصابنى من البلاء ما لم يخف عليك ، فوقعت فى السهم لثابت بن الشماس ، فكاتبته على نفسى ، فجئت استعينك فى كتابى.
وهنا يتطلع " سيد الخلق " ، العارف بمواطن الجمال والملاحة ، ويملأ عينيه منها ، ليعقب السهيلى على ذلك التطلع الطويل بقوله: أما نظره عليه السلام لجويرية، حتى عرف من حسنها ما عرف ، فإنما ذلك لأنها إمرأة مملوكة ، ولو كانت حرة ، ما ملأ عينه منها ، لأنه لايكه النظر إلى الإماء ، ويجوز أن يكون نظر إليها ، لأنه نوى نكاحها، كما نظر إلى المرأة التى قالت له: وهبت نفسى لك .. وقد ثبت عنه عليه السلام الرخصة فى النظر إلى المرأة ، عند إرادة نكاحها.
وكان ما توقعته جويرية الحسناء.... حين قال لها النبى بعد تأمله الطويل: فهل لك فى خير من ذلك؟
قالت: وما هو يا رسول الله؟ ،
قال: أقضى عنك كتابك وأتزوجك.
قالت: نعم يا رسول الله قد فعلت.
فوافقت وتم العتق والنكاح.
وهنا تعقب التيمية الغيور: " وخرج الخبر إلى الناس، أن رسول الله ـ ص ـ قد تزوج جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار، فقال الناس: أصهار رسول الله ـ ص ـ وأرسلوا ما بأيديهم، قالت: فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بنى المصطلق، فما أعلم إمرأة كانت أعظم على قومها بركة منها" [ الروض الأنف فى تفسير السيرة النبوية لابن هشام : السهيلى دار المعرفة، بيروت 1978 المجلد الرابع ص8، 9 ، 18، 19].
حادثة الإفك : -
دأب " المعصوم" على إصطحاب زوجة أو أكثر بطريق الإقتراع عند الخروج إلى أى غزاة ، وفيها اصطحب أم سلمة وعائشة وهما من أجمل زوجاته وتلحق بهما فى البهاء والحسن زينب بنت جحش.
فى طريق الرجوع وقرب أثر بات " أبو القاسم " ومن معه ثم أدلج وأذن بالرحيل ، بيد أن التيمية بنت أبى بكر بن أبى قحافة شعرت بضرورة قضاء الحاجة فمشت مسافة حتى جاوزت المعسكر وعند عودتها تحسست عقدًا من جزع ظفار فلم تجده فعادت تبحث عنه ، إنما عندما وصلت إلى المعسكر فوجئت بأن الموكلين بجملها الذى عليها هودجها قد ظنوا أنها به فقادوه وارتحلوا مع الآخرين ومن ثم لم تجد أحدًأ، والحل الذى توصلت إليه بقاؤها فى مطرحها حتى يتبينوا خطأهم وعندئذ سوف يعودون لأخذها. فبينما هى جالسَةٌ في منزلها غلبتها عيينها فَنامت . وكان صفوان بن المعطِلِ السلميُّ ثم الذَكْوَانِيُّ من وراء الجيشِ ، فادلج ، فأصبح عند منزلها ؛ فلما رآها استجع" قال : إنا لله وإنا إليه راجعون " إذ عرفها وهو أحد الصحب لـ" سيد ولد قصىّ " ، فأناخ لها بعيره وأركبها عليه وسار حتى لحقا بالباقين شدّ الضحا.
رأى المنافقون وعلى رأسهم كبيرهم عبد الله بن اُبى هذا المنظر أطلقوا ألسنتهم بحديث فى حق عائشة وصفوان سمى فيما بعد " حديث الإفك "
مستغلين حالة الغيرة القاتلة التى تعانيها التيمية إثر زواج " صاحب مكارم الأخلاق " من جويرية بنت الحارث.
وساهم نفر من المسلمين فى لوك هذه الحكاية ، منهم حسان بن ثابت الذى طالما نافح عن " سيد الخلق " وهجا أعداءه وخصومه ودعى فيما بعد بشاعر النبى، ومسطح بن أثاثة، ومن العجيب أنه يمت بصلة لأبى بكر التيمىّ ، وحمنة أخت زينب بنت جحش ربما إعتقادًا منها بأن ذلك يخدم أختها ، فى حين أن هذه ـ وهى الضرة ـ جاء موقفها على النقيض وشهدت فى حق التيمية شهادة رائعة رغم أنها كانت تنافسها فى الجمال والزوج.
ومما عقد المشكلة أن عائشة فى ذياك الوقت لم تبلغ الرابعة عشرة من عمرها فقد ذكرت جاريتها بريرة أنها لصغر سنها ترقد عن العجين حتى تأتى الشاه فتأكله. وهى نفسها وصفت ذاتها أنها جارية حديثة السن لاتقرأ كثيرًا من القرآن وغاب عن ذاكرتها اسم يعقوب ، فقالت والله ما أجد لى مثلاً إلا أبا يوسف.. وصغر سن الفتاة مدعاة إلى الظن بها الطيش وعدم التعقل والإندفاع والبعد والتروى ومخاصمة قراءة العواقب.. إلخ، أى أن هذا العنصر فى جانبها أعطى المنافقين فرصة لمزيد من الإتهامات والشك والمزاعم.
صفوان بن المعطل
وفى نفس الوقت كان معروفًا عن صفوان بن المعطل أنه رجل شاب لا يصبر ، وجاء ذلك فى سنن ابو داود، باب الصوم [ حديث 2103] : { ...... عن أبِي صالح عن أبي سعيد قَال : جاءت امرأة إِلى النبِي ـ ص ـ ونحن عنده فقالت يا رسول اللَّه إِن زوجي صفوان بن المعطلِ يضربني إِذا صليت ويفطرنى إِذا صمت ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس قَال وصفوان عنده قَال فسأَله عما قالت، فقال يا رسول اللَّه أما قولها يضربنى إذا صليت فإنها تقرأ بِسورتين وقد نهيتها قَال، فقال لو كانت سورة واحدة لكفت الناس وأما قَولها يفطرني فإنها تنطَلق فتصوم وأنا رجل شاب فلا أصبر فقال رسول اللَّه ـ ص ـ يومئذ لا تصوم إمرأة إِلا بإذن زوجها وأما قولها إنى لا أصلى حتى تطلع الشمس فإنا أهل بيت قَد عرف لنا ذاك لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس قال فإِذا استيقظت فصلِ. قَال أبو داود رواه حماد يعنى ابن سلمة عن حميد أو ثَابِت عن أَبِي المتوَكلِ }
عبد الله بن أبى بن سلول رأس النفاق : -
تولى كبر حديث الإفك والبطلان عبد الله بن أبى بن سلول رأس النفاق وزعيم المنافقين وخبّ فيه ما شاء له خياله المريض ونفسيته الخبيثة.
والنفاق حسبما ألمحنا : معارضة سياسية ، أمسك بزمامها ابن سلول لأنه قبيل أن ينزح " المعطى جوامع الكلم " إلى يثرب أطبق بنو قيلة أوسهم وخزرجهم على تنصيبه ملكًا عليهم ، بيد أن وصول " المعروض عليه مفاتيح خزائن الأرض " خربق التدبير وأفسد الخطة وبعزق الرصيص ، فخاب أمله وطاشت طلبته وتبددت منيته ، فكيف لا يترسب الحقد فى فؤاده وتتغلغل الضغينة فى أضلاعه وتتعمق البغضاء فى حناياه نحو " أحمد ". وإلتفت حوله نفر من الذين أصابهم الجزع على مصالحهم لعدون النازحين معهم بين الحرتين وكذا من لهم علائق مع أولاد الأفاعى اليهود وأسسوا مانستطيع أن نطلق عليه حزبًا معارضًا. أخذ ابن سلول ومن سار معه فى دربه يضايقون " إمام الأولين والآخرين " وتبعه بالأقوال والأفعال ، وما انفك بعض صالحى المسلمين من رهط عبد الله بن أبى يعتذرون عن أفعاله ويقولن لـ " صفوة البشر" ارفق به إذ عند تشريفك قريتنا طفقنا ننظم الخرز له توطئة لتتويجه . وكلما ارتفع نجم " أحمد " وعلت مكانته وقوته وصعد فى الخافقين مقامه تميز رأس النفاق غيظًا وامتلأ كراهية وتأجج بغضًا.
وفى وقعة المريسيع أو بنى المصطلق أصيب ابن سلول بالكمد وعلاء الغم وأحاط به الهم من أخمص قدمه حتى ذؤابة رأسه العفن لفلج المسلمين الساحق على عدوهم. لأن كبير المنافقين اعتقد أن الأحمق المطاع الحارث زعيم بنى المصطلق، وقد جمع الألوف ؟؟؟ من الأعاريب ـ كما وصلت إليه الأخبار ـ سوف يكتب له الظفر فلما حدث العكس تضاعفت مرارته فانتهز فرصة نزاع بين سقاء النازحين ونديده الذى يعمل لحساب بعض اليثاربة فأراد أن يوقع فتنة هوجاء بين الطائفتين وصدرت منه عبارات طائشة كشفت عن مكنون ذاته مثل" والله ما صرنا وجلابيب قريش هذه إلا كما قال القائل = سمن كلبك يأكلك ... ولئن رجعنا إلى المدينة = يثرب ليخرجن الأعز منها الأذل .... إلخ.
وتركت هذه العبارات الفلوت أثرًا غائرًا فى نفوس المنازيح حتى العدوىّ عمر بن الخطاب اقترح على " رحمة الأمة" أن يأمر واحدًا من رهط عبدالله بن أُبى بقتله لكنه رفض هذا العرض النزق الذى لو اخذ به لاشتعلت حرب أهلية بين النازحين وبنى قيلة.
وبحكمته الرائعة وأفقه الوسيع وحلمه اللامحدود ؟؟؟؟ وخلقه الكريم ؟؟؟ استطاع " صاحب العلو " أن يخمد نيران ويطفئ أوارها ويكتم لهبها ... غبها ازداد رئيس المنافقين تحفزًا زغدا أكثر تربصًا وأشد توقانًا لأى نهزة وأعمق تشوقًا لأقا فرص للانتقام من " صفوة البشر" الذى قطع تشريفه أثرب عليه طريق الملكية ولا أمل ولا رجاء فى ظعنه عنها كما أن سهمه فى ارتفاع مستمر ومن أتت إليه حادثة الإفك من حيث لا يحتسب وظلت تتدحرج حتى قرت قُرورًا مكينًا فى حِجره فكيف لا يوسع فوهة فتنتها ولا يعرّض جوانب بلبالها ولا يعمق غور مرجها ولا يكشف طباق هرجها؟. [ كتاب المغازى: لمحمد بن عمر بن واقد المعروف بالواقدى المتوفى سنة 207 هـ ـ تحقيق د/ ارسدن جونس د.ت.ن. من منشورات مؤسسة الأعلمى / بيروت لبنان ـ وهو فى ثلاثة أجزاء ويقال: الناس عيال فى المغازى على الواقدى وهو شيخ محمد بن سعد صاحب " كتاب الطبقات الكبرى" وقد اشتهر ب " كاتب الواقدى"
معاناة محمد : -
رغم ثقة من " أعطى الشفاعة" الكاملة فى طهارة وإخلاص زوجته الصبية الجارية " آنذاك" عائشة وشكه فيما قال " الإفكيون" عنها ظلمًا وخسة ونذالة فإن النازلة قد أصاببته بقدر غير قليل من الضيق والمعاناة والمكابدة حتى إنه أبدى جفاء لها فاضطرت إلى أن تطلب منه أن تنتقل إلى بيت أبيها لتتولى أمها تمريضها لأنها عليلة فأذن لها. [ السيرة النبوية : لابن إسحق ـ المجلد الثانى ـ ص 116 سابق ].
ويبدو أن المنافقين قد اوغلوا فى الوقاحة وضاعفوا من إطلاق ألسنتهم فى حق التيمية وصفوان فاضطر إلى صعود المنبر وخطب " أيها الناس ما بال رجال يؤذوننى فى أهلى ... ويقولون ذلك لرجل ( = صفوان بن المعطل ) ما علمت منه إلا خيرًا وما يدخل بيتًا من بيوتى إلا معى" [ المصدر السابق ص 117 ].
ابو تراجى
01-04-2010, 04:42 PM
ولكن عقب هذه الخطبة أوشك الأوس والخزرج أن يتقالا، لأن أحد زعماء الأوس ألحن إلى قتل ابن سلول " الخزرجى " فتعصب له رهطه ولولا دبلوماسية الرسول وحنكته لدخل بنو قيلة فى عركة دامية وتمكن بعد لأى من فض الاشتباك بينهما.
إنما هذا الشروع من جانب اليثاربة فى العودة إلى حالتهم قبل نزوحه إليهم منذ ما يقرب من خمسة أعوام وكأنما ما بذله من جهود لتأليف قلوبهم غدا على جرف سرعان ما ينهار وسببه حديث الإفك، جِماعه ضاعف ألمه، خاصة أن هذه الأحداث توالت الواحدة إثر الأخرى وهو فى قمة انتصاراته الحربية.
ويضاف إليه أن هذا الإتهام لم يُلصق إلا بابنة أخلص أعوانه وصاحبه فى الغار إبان رحلة النزوح ومن قدم له من الأيادى والخدمات دون منٍ وكثيرًا ما صرح هو به .. فاستنفر ذلك مزيدًا من الاضطراب والتمزق، وبيت التيمىّ أبى بكر ذاته دخل عليه ما لم يدخل على بيت من العرب كما أكدته عائشة وتصف لنا أنه قبيل أن يقرأ عليهم " من تنام عيناه ولا ينام قلبه" آيات براءتها أوشكت روحا أبويها أن تخرجا مما يشف عن سوء الأحوال النفسية الذى ضرب أبطال القصة.
من أجله أصبح من ألزم اللازم تنزيل أو استنزال آية أو آيات تحقق رغبة " خيرة خلق الله" فى إظهار براءة عائشة التى داخله بشأنها بعض الشك وليسترد وزيره الأول ـ ونعنى به التيميّ ـ كرامته ومكانته ولينقمع الخبيث الدنئ عبد الله بن ابى بن سلول ومشايعوه وليغلق هذا الملف المرعب كيما يتفرغ لمهامه الجسيمة وليواصل تثبيت دولة قريش فى أثرب والتى بها حقق حلم جدوده قصىّ / هاشم / عبد المطلب، وهذا ما حث.
عائشة تحكى عن آيات الفرج
{ قالت عائشة ... ثم تحولت واضطجعت على فراشي والله يعلم أني حينئذ بريئة وأن الله مبرئي ببراءتي ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيا يتلى لشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ـ ص ـ في النوم رؤيا يبرئني الله بها فوالله ما رام رسول الله ـ ص ـ مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى إنه ليتحدر منه من العرق مثل الجمان وهو في يوم شات من ثقل القول الذي أنزل عليه قالت فسري عن رسول الله ـ ص ـ وهو يضحك فكانت أول كلمة تكلم بها أن قال: يا عائشة أما الله فقد برأك، قالت فقالت لي أمي قومي إليه فقلت والله لا أقوم إليه فإني لا أحمد إلا الله عز وجل قالت وأنزل الله تعالى " إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم " العشر الآيات ثم أنزل الله من سورة النور ـ رواه البخارى ومسلم } [ أسباب النزول: للواحدى ـ ص 217ـ مصدر سابق./ لباب النقول فى أسباب النزول: للسيوطى ـ ص 123 وما بعدها ـ مصدر سابق./ وأثبت أنه أخرجه الشيخان أى البخارى ومسلم./ وأضاف : فى الباب عن ابن عباس وابن عمر عند الطبرانى ـ وأبى هريرة عند الطبرانى وأبى اليسر عند ابن مردويه./ والمقبول فى أسباب النزول : لأبى عمر نادى بن محمود حسن الأزهرى ص 482 وما بعدها مرجع سابق ـ وقال أخرجه البخارى ومسلم وأحمد فى السند وابن جرير فى التفسير والبيهقى فى الدلائل والواحدى فى اسباب النزول ].
توثيق الحديث
ندر أن يجتمع لحديث شريف مثل هذا التوثيق، ومن ثم فإنه قُلة درجات الصحة وهو ثَرب المعطيات، غنى بالمعانى، ملئ بادلالات متضلع بالمضامين. التيمية عائشة على لسانها جاء كرتين: " وحى يتلى" و " أمر يتلى" لا " يدون أو يكتب أو يرقم أو ينسخ" أى أن الأصل فى القرآن الكريم التلاوة والقراءة والحفظ فى الصدور.
وفى الحديث أن " الحبيب المصطفى" بعد أن هلّت آيات البراءة طفق يضحك ونقل إليها البُشرى وحق له أن يفعل وأن يقول فقد حققت الأيات البينات أمنيته لا فى براءة زوجته الحبيبة فهو لم يساوره فى ذلك ريب وإنما لأنها آيات لإعلام الكافة بها ومن ثم فإن ما فاهت به التيمية عائشة من تطلعها أن يرى الأمين رؤيا تبرئها فى غير محله لأن البراءة لو سيقت عن هذا الطريق لما كفت ولعقب المنافقون الحاقدون: إن الرؤى تخضع لتعبيرات مختلفة وتفسيرات شتى وتأويلات متباينة بعكس الآيات الحاسمة التى قطعت دابر أى شك وقضت على كل التباس وأنهت سائر ضروب الريب، هذا من أهم دوافع سرور " حامل لواء محمد" وضحكه.
فقد قمعت هذه النصوص ابن سلول وتبعه ودحرتهم، وأكدت أن مقامه السامى لا تنال منه هذه المزاعم العفنة والإقتراءات الحقيرة والإدعاءات الباطلة، ومن جا آخر وثقت طهارة بيت صاحبه ووزيره الأول التيمى ورُدَّت إيه كرامته الت حاول المبطلون خدشها ورفعت رأسه وأعادت إليه مكانته، ولم تكتف الآيات به بل كنتيجة حتمية لها أهدى للمسلمين الذين خاضوا فى موحل الإفك عقابهم: حسان ومسطح وحمنة بنت جحش إذ أقيم عليهم حد القذف ... وهكذا حققت الآيات التى ظهرت كل ما امله " المدثر" وزوجته وأبواها وهطاهما بل وكافة المسلمين.
تمرد نسوان النبى
تعاقدت نسون " أبى القاسم" على طلب زيادة فى النفقة وسألنه شيئًا من عرض الدنيا أو آذيته بغيرة بعضهن على بعض أو أنه تأذى ببعضهن، فأقبلت الآيتان الثامنة والعشرون والتاسعة والعشرون من سورة الأحزاب { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً. وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا } ، بالحل الناجع وبما أزاح عن كاهل " سيد ولد عدنان" هذه الأزمة العائلية التى أوشكت أن تعصف بالبيت المحمدى الرفيع العماد والمثل الأعلى والقدوة الطيبة والأسوة الحسنة لكل المسلمين لا فى ذياك الزمان المدهش بل فى ما تلاه من أعصر. [ تفسير القرطبى: المجلد الثامن ص 5244/ أسباب النزول للواحدى ص240/ المقبول من أسباب النزول : لأبى عمر نادى الأزهرى أورده مسلم فى صحيحه والنسائى فى سننه الكبرى، وأحمد فى المسند، ومحمد بن سعد فى طبقاته الكبرى. ومن هذا نثبت صحة الحديث ].
من أدلة الثبوت على شدة وقعها على " خيرة أهل الأرض" أن التيمىّ أبا بكر قام إلى عائشة ابنته يجأ عنقها ومثله فعل العدوىّ ابن الخطاب مع ابنته حفصة.
إنما الحجة الدامغة هى أن " صاحب الخير" اعتزل نسونه تسعة وعشرين يومًا وهو لم يقدم عليه إلا لفداحة موقفهن لأنه صرح أكثر من مرة أن الذى حبب إليه من الدنيا أمران:
الطيب والنسوان كما قرأنا فى سيرته العطرة، إن من عاداته المستقرة أن يمر على بيوتهن جميعًا كل ليلة، { أخرج ابن سعد عن سلمى مولاة رسول الله ـ ص ـ قالت طاف رسول الله ـ ص ـ على نسائه التسع } [ الخصائص الكبرى: للسيوطى ـ الأول ـ باب الآية فى جماعة ص 167
وسلمى خادمته هى التى أرسلها لتبشر زينب بنت جحش بانيثاق آيات من الذكر الحكيم بنكاحه إياها وإذ تحققت الخطة التى أحكمت تدبيرها الأسدية " بنت جحش" سيطر عليها الفرح وشملها السرور وعلتها الغبطة فنفحت سلمى الخادمة أوضاحها التى عليها وقت ذاك وسلمى هذه بحكم وجودها معه بين نسونه هى أعرف الناس بأحواله الشريفة مما يعلى من مكانة هذا الحديث الذى يقويه غيره من الأحاديث والأخبار فى هذه الخصوصية.
{ وقال ابن سعد عن الواقدى عن موسى بن محمد بن إبراهيم عن أبيه قال: قال رسول الله ـ ص ـ كنت من أقل الناس فى الجماع حتى أنزل الله على الكفيت فما أريده من ساعة إلا وجدته وهو قدر فيها لحم } [ ذات المصدر والصفحة ـ وفى هامشها: حبب إلى النساء ورزقت الكفيت أى ما أكفت به معيشتى يعنى أضمها وأصحها وقيل أراد بالكيفت قوة الجماع ا.هـ ].
وبرهان آخر يضاف هو أن الاعتزال شمل جميعهن غير الجميلات مثل سودة وحفصة، والوضيئات الحسناوات مثل عائشة وأم سلمة وزينب بنت جحش اللائى حملت إلينا مؤلفات سيرته السامية المنيفة أنه يديم التردد على حجراتهن.
فى هذه الأزمة النفسية التى ألمت بـ " صاحب الحُجَّة " والتى تمنى زوالها جاء " أحسن الحديث " الذى يعايش ولا ينفصل عن الواقع الحياتى وتربطه وإياه آصرة قوية الأسر بالفرج فأشرفت آيتا التخيير اللتين أوردنا نصيبهما فيما سبق. فخيرهن وجميعهن رفض التسريح وهذا هو المتوقع إذ لايعقل ألا تريد واحدة منهن الله والأجر الأعظم والعشرة المثالية مع " متمم مكارم الأخلاق" وتفضل عرضًا من الدنيا قليلاً.
ومن الديهى أن يسر خاطره وبفرح: { قالت عائشة ـ رضى ـ ففرح بذلك النبى ـ ص ـ وضحك } [ التيسير خلاصة تفسير ابن كثير: المتوفى سنة 744هـ ـ بقلم محمود محمد مسالم ـ خريج الأزهر ص 912 ].
وحق له أن يفعل فقد انفكت معضلة كادت تتسبب فى صدع حياته العائلية، وبذا هلت إشراقات من الذكر الحكيم آزرت " المصطفى" ووقفت بجانبه فى شدته وأخذت بناصره وأزاحت عن ما غمه وأقلقه، تمامًا مثل ما حدث فى المرات السوابق.
عندما نزح إلى قرية الحرتين " صاحب البيان " وتبعته القلة التى آمنت بدعوته واعتنقت الديانة التى بشر بها فى أم القرى لمدة ثلاثة عشر عامًا ثم عَدَن بأثرب برهة درس فيها بعناية مكثفة الأحوال إن فى داخلها أو فى ما حولها بعدها بدأ يرسل السرايا وحرص على ألا يؤمر عليها أحدًا من غير المنازيح وخاصة القرشيين لأسباب يدركها اللذعى وينقهها ويلمحها الذكى. وهناك نفر من المؤرخين الأثبات على رأسهم الواقدى يؤكد أنه لم يشرك أحدًا من بنى قيلة حتى غزاة بدر الكبرى وهو ما نرجحه وعللناه فى كتاباتنا السوابق.
لم يمض عليه سوى سبعة أشهر حتى استهلها بسرية وضع على رأسها عمه الحمزة بن عبد المطلب إلى سيف البحر الأحمر وبعدها بشهر واحد عقد لواء آخر لعبيدة بن الحارث إلى رابغ، ولم ينصرم شهر حتى استنفر ثالثة ألقى زمام قيادها إلى سعد بن أبى وقاص وجهه إلى خرار الجُحفة القريب من خُم. [ يوجد فى خُم غدير يؤكد إخوتنا الشيعة أن " المحمود فى الأرض والسماء" أعلن أن على بن أبى طالب كرم الله وجهه وعطر مرقده هو وصيه وهم يحتفلون بهذه المناسبة وأهل السنة والجماعة ينكرون مسألة الوصية مع ملاحظة أن حديث غدير خم ورد فى صحيح البخارى ـ انتهى ].
ثم غزا بنفسه الشريفة الأبواء على رأس أحد عشر شهرًا وفى الثالث عشر بواط حيال صبّة من ناحية ذى خشب ثم أعقبها غزاة بدر الأولى أو الصغرى وما إن بزع هلال السادس عشر حتى غزوة ذى العشيرة. وبعدها بأربعة أسابيع سرية نخلة وأميرها عبدالله بن جحش وسنقلب أخبارها فيما يلحق. ثم سرايا وغزوات أخريات لا موجب لذكرها لأننا لسنا بصدد استقصائها فليرجع إليها من أراد فى مصنفات السيرة المحمدية العاطرة الفاخرة.
سرايا بنى الرحمة
لماذا أقدم المصطفى على إنفاذ السرايا ثم بعث الغزوات ولم يمر على مقانه ببلدة الأثاربة سوى شهورر قليلة.
هنالك بواعث عديدة لَبَكَ بعضها بالبعض واختلط أحدها بالآخر وأنشب أولها بمنتهاها والتبس المجلى " السايق " بالمصلى " اللاحق له " ومن ثم يتعذر ترتيبها، منها النشأوى " من النشأة " والنفسى والسياسى والاقتصادى ، ولذا فسوف ننسخ طرفًا منها بهيأته المتشبكة ونحاول على قدر الطاقة والوسع تصنيفها:
1 ـ من استقراء المعالم التاريخية والأنساق الإجتماعية ندرك أنه لدى عربان شبه جزيرة العرب الميمونة فإن الغارات ومداهمة العدو وغزوه وتصبيحه وحياطته فى عماية الصبح وهو مستغرق فى نوم عميق، يشكل شطرًا وسيعًا من تكوينهم النفسى ومساحة عريضة من بنيتهم الوجدانية ومكانًا رحبًا من سمتهم الشعورية، فضلاً على أن ما تدره هذه الهجمات من عائد يتمثل فى الأسلاب والغنائم هو مصدر دخل على درجة من الأهمية والاستمرارية معًا حتى إنه من المتعذر أو المستحيل تصور وجود مجتمعهم إذا صفر من الغارات أو خلا من الغزوات أو تجرد من المنهوب أو خوى من المغضوب وهو مَعْلَم مُتوافق تمامًا مع أوديتهم غير ذات الزرع و جهالتهم التى تحول دونهم ومعرفة استخراج المعادن التى لاتقوم بدونها الصناعة.
2 ـ إن الأخذ بالثأر عرف مستقر لديهم وعادة مركوزة فى نفوسهم وتقليد راسخ فى وجدانهم حتى إنهم عندما دعسوا أرض الكنانة بخيولهم المبروكة !!! وغزوها واستوطنوها واستعمروها ونهبوها بقيادة عمرو بن العاص ـ ذلك الذى فعل الأفاعيل فى مصر المحروسة هو وجنوده الأعاريب ـ جلبوا معهم هذه العادة الحضارية الرائعة ـ يا للأسف ـ وما زالت رغم ذهاب أكثر من أربعة عشر قرنًا مُعششة فى الأقاليم التى استوطنوها بحد السيف ثم عدنوا فيها مثل الصعيد ومحافظة الشرقية.
إذا تجاوزنا التنظير إلى التطبيق العملى أو بعبارة مقاربة إذا أنزلنا المبادئ على ما وقع فعلاً ، نجد أن " المنصور بالرعب مسيرة شهر" علاوة على أنه ابن بجدتها فإنه أثبت ـ ودائمًا ـ أنه سياسى محنك وقائد فاذ وعسكرى طويل الباع واقتصادى خبير.
أطبق طواغيت مكة على أن ينزح منها تبعه ( = النبى الأمين ) مليطين لا يملك أحدهم شروى نقير حتى دورهم وضعوا أياديهم النجسة عليها فوصلوا قرية اليثاربة وقد صفرت أيديهم حتى من الفلوس " العملات الصغيرة" وليس من بينهم من يعرف مهنة أو حرفة أو صناعة إلا النادر الذى لايقاس عليه إذ من المعروف أن قريشًا قوم تجار والمال هو شريان البيع والشراء وبدونه يتحول التاجر إلى صعلوك. [ فيما بعد وصف " سيد ولد آدم" أحد صحبه وفى ذات الوقت صهره بأنه صعلوك ومن الغريب أنه بعد أقل من ربع قرن تولى هذا الصعلوك ولاية الشام لعشرين عامًا ثم خليفة عشرين أخرى ].
ولولا أن بنى قيلة اظهروا كرمًا وآووا المنازيح لتفاقمت أزمتهم ولغدوا فى وضع بئيس وانطلاقًا من نشأته الرائعة وعبقريته التى لا ضريب لها ألفى أن إرسال صحبه فى سرايا سوف يحقق له ولهم أهدافًا عديدة منها:
أولاً: الموجهة لإعتراض قوافل صناديد قريش :
ابو تراجى
01-04-2010, 04:42 PM
أ ـ الراحة النفسية الكاملة التى ستشملهم بأن تشفى صدورهم وتريح قلوبهم وتدخل السرور على أفئدتهم من الذين أخرجوهم من بلدتهم الحبيبة وقلوعهم من دورهم واحتازوها واستولوا على نشبهم وتجاراتهم وجِماعه تم ظلمًا وعدوانًا وجورًا واعتصابًا إذ كل جريرتهم فى نظر طواغيت مكة أنهم اعتنقوا الديانة التى أفشاها " سيد بنى هاشم".
ب ـ الخناق الإقتصادى الذى سيضرب أفراد الملأ القرشى الذين لا هم لهم إلا جمع المال من أى طريق بغض النظر عن الوسيلة فهم يتعاملون بالربا الفاحش. [ من بين أكابر المرابين العباس بن عبد المطلب عم الرسول وخالد بن الوليد بن المغيرة سيف الله المسلول قبل إسلامهما ].
واستحلال عرق العبيد بل وأفخاذ الإماء والجوارى، فقد نقلت إلينا مدونات السيرة المحمدية الفياضة أن بعضًا من أكابرهم تملك البغايا اللاتى عرفن بـ " صواحب الرايات الحمر" ، فقد سمحت أخلاق أولئك المرازبة الجحاجح أن يغدو الواحد منهم ديوثًا ولا يرى فيه مسبة أو عيبًا أو نقيصة أو مما يحل بالرجولة أو يخدش الكرامة أو يمس الحياء.
ج ـ الغنائم والأسلاب التى يفوز بها الصحاب بعد كل هجمة وإثر كل غارة وعقب كل كبيسة وعزوة ستعدل أحوالهم المالية وتجعلهم أقل اعتمادًا على بنى قيلة مما يمنحهم استقلالاً فى الرأى وحرية فى اتخاذ القرار وطلاقة فى التصرف.
د ـ تخلف فى قلاية القداسة عدد من ضعفة المسلمين الذين منعتهم ظروفهم النزوح إلى يثرب وعندما يتيقن طواغيت قريش أن " سيد البادى والحاضر" أمست شوكته قوية ويداه ذواتى طول وذراعه لها قدرة فلاشك أنهم سيكفون آذاهم وسيرفعون رذالاتهم عنهم، لأن هؤلاء العرب الأجلاف يخبرنا تاريخهم المجيد ؟؟ بل يؤكد أن الجبن طبيعة فيهم والخسة غائرة فى حنايا نفوسهم والنذالة من مقومات تكوينهم ولا تردعهم إلا القوة ولا يعملون حسابًا إلا للغلبة فهم لا يستأسدون إلا على النحيف الأعجف المهزول، أما إذا لاحت لهم أى بارقة منعة فإنهم يولون الأدبار.
هـ ـ القبائل حول مكة وقرية الحرتي المتربصة المنتظرة عندما ترى أن " صاحب الزوجات الطاهرات ؟ " فثأ شدة المكاكوة وكسر حدتهم ووهن جمعهم وألحق بهم الخسائر وأزال مهابتهم ومرّغ كرامتهم فى التراب فإن القبائل الجافية المتبدية ستعيد حساباتها، فإن وجد حلف يربطها بهم فسخته أو موالاة أنكرتها أو إيلاف ضربن به عرض الحائط أو عقد نبذته.
وليس بمستغرب على الأعاريب فهم كما وصفناهم، ثم يرقلون إلى التقرب إلى " سيد الناس جميعهم عربًا وعجمًا " وإلى طلب وده والعمل على نوال رضاه انتظارًا للأسلاب والغنائم والإنتقام من صناديد قريش.
ثانيًا : عن السرايا التى أُرْسِلَتْ إلى القبائل :
أ ـ يأتى فى البدء الظفر بالغنائم فهو قاسم مشترك مع الأول " التعرض لقوافل أهل مكة " والعنصر المادى عامل فى غاية الخطورة ويتوجب أن يتوافر للمنازيح فى أقرب آونة ، لأن المليط من النشب الصفر اليدين من المال ، الخالى الوفاض ، المملق تراه زائغ البصر، مشوش الفكر، نفسيته محمومة ووجدانه مضطرب ، ومثله لانفع منه فى شأن دينى ولا رجاء فى أمر دنيوى .. خاصة أنهم ( = المنازحين ) جرثومهم من " أى أصلهم وأسّهم " من سخينة. [ هى قريش ، هكذا وصفها كعب بن مالك فى إحدى هجائياته للمكاكوة وقد أعجب الحبيب بهذا الوصف وهذا الشعر وقال له: ما نسى ربك وما كان ربك نسيًا شعرًا قلته ـ انتهى. ومالك أحد شعرائه المدافعين عنه مثل حسان بن ثابت وكعب بن زهير ـ دلائل إعجاز القرآن: لعبد القاهر الجرجانى ـ قراءة وتعليق أبو فهر محمود محمد شاكر ـ ص 17 ـ طبعة سنة 2000 ـ مكتبة الأسرة ـ الأعمال الدينية ـ الهيئة المصرية العامة ].
وقد وصف الذكر الحكيم بنى سحينة أنهم: { وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلا لَّمًّا. وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا [ سورة الفجر: 19، 20 ].
ب ـ نشر الديانة الإسلامية التى جاء بها " النذير " ، ففى حديث محمدى لامطعن عليه ورد فى صحبح مسلم أن أُمِر أن يقاتل لناس حتى ينطقوا باشهادتين فإن فعلوا عصموا دماءهم وأموالهم، وكذا آية السيف { وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ } [ البقرة : 191 ]. التى هى باتفاق مدنية وهناك من رأى أنها أشرقت فى رحلة النزوح ما خلا بضع آيات.
ونحن ملزمون باحترام اتفاق العلماء الأثبات على أنها مدينة إذن هى باستنطاق وقائع السرايا والمغازى والبحوث .. قد هلّت قبل تحريكها أو تسييرها أو استنهادها، ومن ثم قرأنا فى أخبار بعضها لا كلها أن قائد أو أمير وأعضاء السرية ملزم بدعوة المغزوين أو المصبحين " بفتح الباء مع التشديد " أو المهاجَمين " بفتح الجيم " إلى الدخول فى دينهم ـ دين الإسلام ، فإن فعلوا شملتهم عصمة الأبشار والأموال وإن استكبروا أعملوا فيهم السيف فقتلوا رجالهم عن بكرة أبيهم وأسروا من استأسر " رفع الراية البيضاء" واسترقوا ذراريهم وفتياتهم ونسوانهم فإما استبقوهن للمتعة أو الخدمة وإما باعوهن فى أسواق النخاسة واستوفوا أثمانهن.
وفى كلتا الحالتين هم الكاسبون فإن لم يذعن المغزون فى عقر ديارهم وأبوا الإيمان بعقيدتهم غنموا الأموال والأسرى " الرجال" والنساء الفتيات والذرية أما إن أسلموا فعليهم بالظعن إلى أثرب لأن الإسلام لم يتم إلا به ، فهذه قاعدة أصلها حديث محمدى شريف فى غاية الصحة، وهنا يغدو الرجال قوة تضاف إلى جيش المسلمين ويفرز اتساعًا لرقعة الإسلام كما يؤدى إلى موازنة تدريجية بين عدد المنازيح وعدد الأثاربة وفيه ترسيخ لمركز " خيرة خلق الله" وهو يعمل بهمة قعساء على إنشاء دولة قريش ـ حلم أجداده قصى وهاشم وعبد المطلب.
ج ـ إشعار القبائل فى كافة أنحاء الجزيرة العربية المباركة بأن نجم بنى سخينة أو المكاكوة أو طواغيت قريش فى أفول ومنعتهم فى طريقها إلى الضمور وضوءهم فى ذبول ومكانتهم فى انحدار، ومن ثم فعلى كل قبيلة تحكيم عقلها فلا تختار الجانب الذى يتدحرج بسرعة نحو الهاوية.
د ـ فى صفحات السير المحمدية العظيمة بضعة أخبار عن عدد من زعماء القبائل ممن راودته نفسه الأمارة بالسوء ووزّه طموحه الأرعن ودفعه شيطانه المريد أن يسيطر على الجزيرة العربية فيسمى هو عميدها وسيدها وملكها وينافس " ذروة سنام بنى إسماعيل".
بيد أن توالى السرايا والغزوات والبعوث والفرق ومهمتها التصفية الجسدية للمناوئين يقطع دابر أحلام أولئك الطائشين ويقنعهم بأنها مجرد أضغاث أحلام أو هى رؤى يقظة لا صلة لها بالواقع وأن وشيجتها بالحقيقة مهترئة وحبلها بالأوضاع الرواهن ذائب.
هـ ـ هناك حصيلة مؤكدة من الغزوات والسرايا والبعوث وهى أسر نسون وفتيات الأعادى الذين لا يستسلمون ولا يسلمون بل يظلون على عنادهم ويتشبثون بكفرهم ، ومن بين هاتيك المأسورات الحسناء والوضيئة والفائقة الجمال والبالغة القسامة ومثلهن لا كفئ لهن إلا " صاحب التاج والبراهين". وقد نسخنا فيما سلف أن جويرية بنت الحارث سيد بنى المصطلق وصفتها بنت ابن أبى قحافة أنها حلوة ملاحة تأخذ بنفس من يقع بصره عليها وأن حدسها " عائشة" لم بنزل الأرض فلما جاءت إليه تستعينه على أداء مكاتبتها " ثمن عتقها" للصاحب الذى وقعت فى قرعته " حظه ونصيبه" عرض عليها أن يعتقها وينكحها هو فقبلت على الفور لأنه شرف لم يخطر لها فى يقظة ولم تره فى نومة.
نكاح صفية بنت حيي بن أخطب
وفى غزاة خيبر أسرت صفية بنت حيي بن أخطب أحد زعماء اليهود ومن أنشط العناصر التى دأبت على التأليب والتجييش والتحريض ضد " أبى القاسم" وقد قتل زوجها كنانة بن الربيع وهو مالك أمنع وأقوى حصن فى خيبر ومن ثم أصبحت صفية خلاء من موانع النكاح فلما دنا منها وشملها بنظرة فاحصة ألقى عليها رداء " وهى عادة عربية مستقرة تعنى العزم على الزواج " وأمر بها فحِيزت خلفه فعلم تبعه أنه اصطفاها لنفسه.
وسلمها للماشطة " الكوافيرة" أم خادمة أنس بن مالك [ تحول بعد الغزو الاستيطانى النهبوى لدول الجوار من كبار الأثرياء ]. كيما تقينها وتزينها فوصفتها بأنها لم تر بين النساء أضوأ منها.
وأقيمت وليمة العرس حافلة بطيبات خيبر ، فأكل المدعوون حتى شبعوا ودخل عليها وهم فى طريقهم إلى الحرتين بالرغم من أنها لم تقضى عدتها الشرعية، وتطوع أحد كبار بنى قيلة بحراسة القبة التى شهدت الدخول وظل ساهرًا طوال الليل متوحشًا سيفه حتى الصباح ففاز بدعوة طيبة " اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظنى" وعلل اليثربى ما فعله بـ " أن هذه المرأة قد قُتِل أباها وزوجها وقومها وكانت حديثة عهد بكفر فخفتها عليك " [ نساء النبى: لبنت الشاطئ ـ الفصل العاشر : صفية بنت حيي ـ عقيلة بنى النضير، ص 159 وما بعدها واستندت فى ذلك إلى السيرة النبوية لابن هشام ، وتاريخ الطبرى لابن جرير، والإصابة لابن حجر .. إلخ ].
إنما من باب الأمانة العلمية علينا أن نرقم أن نكاح الأسيرات الفواتن شكل قصدًا هامشيًا وبأى حال من الأحوال لم تستهدفه الغزوات والسرايا فى المقام الأول ولم يدخل فى حساباتها الهامة، بيد أن التحليل الموضوعى الصحيح لا يشمل القصود الرئيسية فحسب بل يتعين حتى يغدو مكتملاً وعرّياً عن النقصان أن يضم بين حناياه الأهداف الجانبية خاصة أن الفهوم تختلف والعقول تتباين والأنظار تفترق فى توصيف الغايات فما قد يراه البعض جِذعًا ينتهى الآخر إلى فرع وما قد يذهب إليه واحد أنه جوهر يعده الآخر عرضًا ويقدر نفر أنه خطير فى حين أن الآخرين يؤكدون أن أهميته بين بين.
ابو تراجى
01-04-2010, 04:43 PM
ثالثا: عن المقيمين فى قرية الحرتين
أ ـ بالنسبة إلى اليهود الذين حققوا وجودًا كثيفا فيها وربطتهم ببنى قيلة وشائج متشابكة: الجوار ـ الحلف ـ الولاء ـ المناكحة [ كعب بن الأشرف الذى أرسل " المنصور بالرعب مسيرة شهر" فرقة مما يمكن أن نسميه " سلاح المهمات الخاصة" صفته جسديًا أبوه عربى من طيئ وأمه يهودية]. والعلاقات التجارية والمالية والزراعية وتنشئة الأولاد لدى القبائل اليهودية فالأثربية التى يموت أولادها فى طفولتهم عندما ترزق بولد تبعث به إلى القبيلة اليهودية التى يربطها بقبيلتها عقد ليتربى بينهم باعتبار أنهم أهل كتاب وفيهم البركة، وقد حدث أن كثيرًا منهم اعتنقوا ديانة اليهود ونفر منهم رفض بشدة تركها والدخول فى الإسلام وبعضهم فضل مصاحبة اليهود الذين أجلاهم " أبو القاسم" عنها على العدن فى يثرب بين أهله وعشيرته . انتهى.
فقد ذكرنا فيما سلف أنه فى المبتدأ عمد إلى الملاطفة والملاينة، لكن التركيبة النفسية لأولاد يعقوب من التعقيد بحيث إنها لم تستجب ربما لأن بأيديهم الكتاب المقدس الأول أو لأن التجارب المريرة التى مروا بها والتى حكى رواياتها إسطيرهم العتيق وما وقع لهم بعد تدوينه. ويضاف إليه نظرتهم المتعالية للعرب والعربان والأعراب والأعاريب وما ترسب فى وجدانهم أنهم أرقى منهم فى سلم الحضارة، جِماعة قبض نفوسهم عن مبادلة مبادرات " الحبيب المصطفى" بمثلها ولو اكتفوا بهذا الموقف السلبى لهان الخطب بيد أنهم عمدوا إلى الدس ومالوا إلى الوقيعة وجنحوا إلى الفرتكة وعملوا على النقض وسعوا إلى الإتلاف وعاضدهم تقدير بنى قيلة لهم باعتبار أنهم أصحاب إسطير مقدس وعندهم علم وفير بالكتاب مما دفعهم إلى مزيد من التحريض والتحريش والإفساد.
لقد غاظهم وأحرق قلوبهم أن ما توعدوا به بنى قيلة من ظهور نبى من سلالة إسحق بن يعقوب يستبصرون به عليهم لم يتم إنما الذى دفع الإحباط للهيمنة على نفوسهم ووز اليأس للسيطرة على وجدناهم وحث الخيبة القوية للتغلغل فى شعورهم هو نجاح محمد فى إعادة الوئام والصفاء بين فرعى بنى قيلة لأن هذا التأليف بين قلوبهم أصابهم فى مقتل فهم يستثمرون الشقاق بين العشيرتين ويتكسبون من الفرقة بين الرهطين ويترجون من دوام التناحر بين الفريقين، وفى محاولة يائسة ومخطط ساقط وبادرة وخبيثة أرسل بنو قينقاع واحدًا من شبانهم الرقعاء وفتيانهم المخنثين وأولادهم الخلعاء فجلس بين اليثاربة وأخذ ينشد أشعارًا مما قاله الجانبان فى " يوم بعاث" [ عركة شهيرة بين الأوس والخزرج حدثت قبل الإسلام ، سقط فيها قتلى من كل وتوزع فيها أولاد الأفاعى فحالف بعضهم الأوس والآخر الخزرج. أ هـ ]. فاشتعلت الحماسة واتقدت الحمية وارتفع لهيب العصبية وامتشقوا السلاح ليحارب بعضهم بعضًا وليستكملوا ما بدأوه فى وقعة بعاث لولا شجاعة " سيد أهل الله" وحكمته وذلاقه لسانه فأغمدوا السيوف وطفقوا يتعانقون وعيونهم تفيض بالدمع السخين ندمًا على السقطة التى تردوا فيها والزلة التى ارتكبوها والخطيئة التى مارسوها والفحاشة التى أقدموها عليها، ومما زاد مرارتهم وضاعف ندمهم وعمق أساهم لم يلتفتوا إلى مكر أولاد الأفاعى ولم يتنبهوا إلى خبثهم ولم يفطنوا إلى مكيدتهم.
هنا أدرك " الصادق الصادوق " أنه لافائدة معهم أو فيهم وأن الإنتصارات التى يفوز بها فى المغازى والسرايا وترفع رايته إلى عنان السماء ستدفعهم إلى الإلتزام جحورهم والقبوع فى كنيسهم. بيد أن هذا الهدف لم يفلح ولم ينجح كله بل فاز جزئيًا فبعد بدء المغازى والسرايا لملم بنو إسرائيل أرجلهم المفرشحة إنما ظلت أياديهم الوسخة وأصابعهم القذرة وأناملهم الملطخة وراحاتهم الدرناء تعمل فى الخفاء فتحيك الدسائس من وراء ستار وتدبر المكائد وتخطط للفتن ومن ثم عالجهم " السراج المنير" بالدواء الناجح لشرورهم بما إستأصل شأفة آثامهم وقضى على سمومهم فقتل من قتل وغرب من غرب.
ب ـ وصفنا المنافقين بالمعارضين السياسيين الذين هم بمثابة الشوكة فى الحلق أو الطابور الخامس الذى يمالئ العدو ويعاون الخصم ويعاضد المحارب ويساعد المهاجم وأخطر ما فيهم إظهارهم المودة وإبطانهم العداوة وإبرازهم الصفاء وإخفاؤهم الضغينة. ومن ثم طفق " سيد ولد آدم" يعدهم من ألد الأعداء وإن اضطر إلى ملاينتهم لأنهم ينطقون بالشهادتين ويؤدون صلوات النهار بل ويحضرون بعض مجالسه الشريفة بحسبان أنهم من الصحب والتبع والأوفياء. وجاءت المغازى والسرايا ضربة على رؤوسهم، إذ انتصر " سيد البادى والحاضر" فى عامتها وفلج فى غالبيتها الأمر الذى أصابهم بالغم وملأهم بالنكد وشحنهم بالكراهية حتى إنهم فى بعض الغزوات والسرايا اضطروا إلى الخروج وسبق أن أوضحنا دوافعهم. بعض بنى قيلة آمن بدعوة " أشرف ولد عدنان" وهو فى المشاعر المقدسة قرب مكة وتحديدًا فى منى واندفع جمهور غفير منهم إلى اعتناق الإسلام على يد مندوبه الذى بعث به إلى قريتهم مصعب بن عمير وهو أحد الصحبة الخلص المتجردين بينما الغالبية أسلمت عند نزوحه إليهم. إنما الذى لا مشاجة فيه أن شطرًا لا بأس به من الأثاربة ظل مترددًا يقدم رجلاً ويؤخر الآخرى، يظهر ثم يخنس، يبرز ثم يكنس، والدوافع كثيرة والبواعث متعددة والتخضيض أنواع منها: الحماسة للعقيدة السابقة أو الإقتناع بآراء يهود أو لانتصاب العلاقات الملتبكة التى ذكرناها فيما سلف ربما أكثر من مرة. فجاءت الغزوات والسرايا والبعوث تضع حدًا للذبذبة ولو أنه لم يتم دفعة واحدة، فحين ينتصر المسلمون مثل ما حدث فى بدر الكبرى يتشجعون ولما ينكسرون كما فى غزوة أحد يتقهقرون إذ طفقت نفوسهم تخاطبهم: لو أنهم على حق لما تخلى عنهم ربهم، ولضيق أفقهم لم يدركوا أن الفلج والخيبة فى المعارك مرجعها إلى حُسن التخطيط أو سوئه ودقة الاستعداد أو خرقته وثقل التسليح أو هزاله وهكذا، ولا صلة لهما البتة بالماورائيات ولا وشيجة بينهما وبين الغيبيات ولا حبل يربطهما بالعوالم الخفية ولا علاقة لهما بالكائنات غير المنظورة...... إلخ. لما شالت كفة الهزائم ورجحت كفة الانتصارات السواحق وارتفعت الرايات المحمدية إلى أعلى عليين، وإذا شئنا الدقة رقمنا أنه بدأت تلوح فى الأفق بشائر الظفر وتظهر علامات الغلبة وتحصحص آيات النجاح، خلف المترددون وراء ظهورهم التذبذب وتركوا الإحجام وفارقوا الارتجاح وطفقوا يعتنقون الديانة الإسلامية على ربث لا على عجل وعلى مهل لا على سرعة وبروية دون اندفاع، بيد أن مصنفات سيرة " المحمود فى الأرض والسماء" أخبرتنا أن إسلامهم لم تشبه شائبة ولم تخالطه عكارة ولم تفسده غيرة وغدا شطر وسيع منهم من خيرة الأصحاب وأبلى بعضهم فى سبيل الإسلام بلاء حسنًا.
الخلاصة
تلك إذن الأسباب أو الدوافع التى وزَّت " صاحب الجهاد" على إصدار قراره الحاسم القيام بالمغازى وبعث السرايا وإرسال البعوث وإنفاذ فرق المهمات الخاصة التى اقتصرت على تصفية الأعداء جسديًا واشتبكت البواعث بالنتائج وبلغ فى عدد منها حدًا يصيب بالربك ويدعو للحيرة ويستنفر الدهش، إذ من الصعب التوصل إلى رأى سديد: هل هذا حضيض أم محصّلة؟.
إنما فى مغلاق الشأن تبقى حقيقة مؤكدة أنه أثبت ويثبت دائمًا فى مختلف مقاطع سيرته المعطاءة أنه عبقرى لا يفرى فريه أحد وفاذ شديد الفذوذة لم تر له جزيرة العرب مثيلاً ولا حتى شبيهًا.
إذ إن القرار الذى نسخناه فى فاتحة هذه الفاصلة ( = إرسال الغزوات والسرايا والبعوث ) من أحكم القرارات التى إتخذها فى حياته المباركة والحصيلة التى نتجت عنه بكل المقاييس: العسكرية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية والاعلامية والسياسية فاقت كل التصورات حتى إن عصبة ممن رقموا سيرته المجيدة بهرتهم المغازى فاحتلت رجا ً مفرطحًا من مصنفاتهم ولو أننا نفاصلهم فيه لأن فى مذهبنا أن الحقبة المكية هى الأعظم والأشمخ ولو أن كل مراحل حياته الشريفة هى كذلك وخاصة فترة التأسيس فهى ذروة سنام التألق وقُلة ( بضم القاف ) الروعة وقمة السمو. [ خصصنا لها كتابنا السايق على هذا وقد ظهر بعنوان " فترة التكوين فى حياة الصادق الأمين" 2001 دار ميريت ].
سرية عبد الله بن جحش
جِماع ما سبق هو فرشة للسرية التى هلّت عقبها آيات من الموعظة / القرآن تقف بجانب " المعصوم من الناس" تعاضده وتؤازره وترفع عنه الحرج وتنفى عنه الضيق وتغرّب عنه القلق وتلقم الأعداء حجرًا وتقطع حجة المناوئين.
تلك هى " سرية نخلة" أو " سرية عبدالله بن جحش" الذى أمره " من تنام عيناه ولا ينام قلبه" على نفر من قريش ودفع إليه كتابًا أى رسالة مكتوبة على صحيفة من جلد مطوية لا يفتحها إلا بعد مسيرة ليلتين وفى بقعة يطلق عليها " بطن نخلة" نشرها وقرأ ما فيها على مسلحته فإذا بها تخيير لهم: من يشاء أن يمضى معه ومن أراد أن يتخلف ويعود لداره.
ومن البديهى أن يسمع جميعهم ويطيع لما يقطع به الرجوع من جبانة.
هذا من ناحية ومن أخرى دأبت الديانات السامية الإبراهيمية الثلاث على دمغ تبعها ببصمة " أكليشيه " الطاعة ووسمه بخاتم السمع والطاعة وشمه بعلامة الإنقياد وكيّه " غالبًا ما يتم ذلك على جبهته " بأثر يقطع به التسليم وليس مصادفة أن وردت " الطاعة" بتصريفاتها المتنوعة عشرات المرات فى القرآن. ومن جانب ثالث إذا رفض النازح " القرشى أو غيره" الإنخراط فى الغزوات والسرايا سيقال له إذن دبّر حالك وشمّر عن ساعديك وقم على أمور معاشك..
ولنستأنف سياقة خطوات السرية :
أمره المكتوب أن يستدبر البطن " بطن نخلة" ويستقبلها هى " نخلة" وفيها فوجئوا بعير لقريش وتشاور المنازيح فيما يفعلون واستقر قرارهم على مهاجمتهم ليحتازوا ما معهم من بضائع فحلقوا رأس أحدهم ليطمئن القرشيون أصحاب العير أنهم عُمَّار بيت الله الحرام ليأمنوا وليصحبوا لقمة سائغة.
وجازت الحيلة على المكاكوة وأمنوا فى أنفسهم وأخذوا يصطنعون طعامًا وبداهة ألقوا أسلحتهم وقيدوا ركابهم وسرحوها ...... هنا انتهز أصحاب السرية الفرصة ةشدوا عليهم فاستأسروا بعضهم وأعجزهم هربًا وقتل آخر واستاقوا العير ومن بين البضائع خمر من زبيب الطائف وشرب الخندريس وقتها حلال زلال.
إلى هنا ومسلك المنازيح لا غبار عليه، حتى حلْق رأس أحدهم ليطن عدوهم أنهم ليسوا أهل حرب بل هم معتمرون قد يجد تبريره تحت شعار أن الحرب خدعة، بيد أن الذى عقَّد المسألة أن القتال وقع فى آخر يوم من شهر رجب وهو من الأشهر الحرم وهى كما هو معلوم أربعة ثلاثة سرد وواحد فرد وهو رجب ، ومن ثم يقال له رجب الفرد وهناك عُرف راسخ الجبال فى جزيرة العرب المباركة أن القتال محرم فيها ولهذا العرف وازع اقتصادى، إذ إن هذه الأشهر جعلوا منها مواسم بيع وشراء وأسواقًا تجارية وتنتقل فيها القوافل فى دروب الصحراء وهى آمنة مطمئنة والذى وزَّ النَزَحَة على تحطيم هذه العرف المتأصل عند جميع قاطنى الجزيرة أنهم لو تركوا العير لدخل الحرم ولأفلتت منهم الغنيمة التى يتحلب ريقهم عليها. ورجع السبعة الكرام بها وبالأسيرين اللذين استسلما إلى أثرب .
[ 1ـ " كتاب المغازى" للواقدى ـ الجزء الأول ـ ص14 وما بعدها، مصدر سابق.
2 ـ " تاريخ الطبرى" لابن جرير ـ الجزء الثانى ـ ص 412 وما بعدها، مصدر سابق.
3 ـ " سيرة ابن هشام " تحقيق د / السرجانى ـ الجزء الثانىـ ص 175 ـ طبعة 1978 المكتبة التوفيقية / مصر.
4 ـ " إمتاع الأسماع" للمقريزى 848هـ ـ تحقيق محمد عبد الحميد النميسى ومرجعه د/ محمد جميل غازى ـ الجزء الأول ـ ص 69ـ الطبعة الأولى 1401هـ / 1981م، الناشر: دار الأنصار بالقاهرة.
استحلال الأشهر الحرم
زلزلت الأرض من جراء هذا الحدث فقد اهتبل السفلة المناوئون لـ" أبى القاسم" على تباين توجهاتهم النهزة وطفقوا يوجهون سهام النقد له ولتبعه: " فقال المشركون للمسلمين: فعلتم كذا وكذا فى الشهر الحرام فأتوا النبى ـ ص ـ فحدثوه الحديث " [ تاريخ الطبرى : الجزء الثانى ـ ص 415 ].
إن عرامة الرغبة لدى ابن جحش وعسكره للإستحواذ على الغنيمة وشدة ميلهم لتملكها وعمق تشوقهم لوضع يدهم عليها دفعتهم إلى أن يدوسوا بأقدامهم على حرمة شهر رجب الفرد ولهم التصريح فى الرساله التى أعطاها لهم" المنصور بالرعب"، ولقد وضعت فى حجورنا أسفار السيرة المحمدية البازخة المنيفة، أن أكثر من واحد من أولئك الصحاب فى سبيل أن يستولى على السلب وهو أخفض نفاسة من الغنيمة لا يتورع أن يقتل الرجل حتى بعد أن ينطق بالشهادتين كيما يؤكد له أنه مسلم مثله ولا يحق له قتله، الأمر الذى أحزن " الرحمة المهداة" فمرة يسأل الصاحب القاتل أو القاتل الصحب: هل شققت قلبه، أى لتعرف هل نطق بالشهادتين عن صدق وإخلاص أم خوفًا من حرّ السيف وفرارًا من القتل، ومرة يجابهه: كيف لك بـ " لا إله إلا الله" ويظل يكررها من شدة بثه وعميق حزنه ودفين أساه حتى يعقب التابع الباطش الفاتك : ليته سكت.
ثم مآبة إلى السياق:
ذاك الصنع النزق أصاب " صاحب النسب الموصول " وتبعه بالحرج فقد نبح سائر الكلاب الذين يتربصون بهم ويتمنون أن تدور بهم الدوائر وأن تنصب على رؤوسهم النوازل وأن تصك يوافيخهم المصائب:
قالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام وسفكوا فيه الدم وأخذوا فيه الأموال وأسروا فيه الرجال. [ السيرة النبوية لابن هشام ـ تحقيق محمد فهمى السرجانى ـ الجزء الثانى ـ ص 177 ـ مصدر سابق ].
وفى رواية ابن جرير الطبرى وهو عمدة مؤرخى الإسلام:
ففخر عليه المشركون وقالوا: محمد يزعم أنه يتبع طاعة الله وهو أول من استحل الشهر الحرام وقتل صاحبنا فى رجب. [ تاريخ الطبرى ـ الجزء الثانى ـ ص 414 ].
واضطرب المسلمون الباقون فى مكة وهيمن عليهم الربك وأصابتهم الحيرة وشملتهم اللخمة ومن غزارة ما اعتراهم لم يثبتوا على قول، فمرة ادعوا أن الواقعة المشينة ارتكب فى جمادى [ ذات المصدر والجزء والصفحة ]، وكرة أخرى زعموا أنهم ( = رجال السرية المغاوير ) إنما أصابوه " يعنى القتيل" فى شهر شعبان. [السيرة النبوية لابن هشام ـ تحقيق محمد فهمى السرجانى ـ الجزء الثانى ـ ص 177، مصدر سابق ]. ومعلوم أن التخبط دليل على التبلبل وبهان على ضعف الحجة وشاهد على المرج. ليس من المتصور أن يترك اليهود هذه الفرصة دون أن يخبوا فيها ويضعوا " وقالت يهود ـ تفاءل بذلك على رسول الله ـ ص ـ عمرو بن الحضرمى قتله واقد بن عبد الله، عمرو = عمرت الحرب ـ والحضرمى = حضرت الحرب، وواقد بن عبدالله وقدت الحرب، فجعل الله ذلك عليهم لا لهم " [السيرة النبوية لابن هشام ـ تحقيق محمد فهمى السرجانى ـ الجزء الثانى ـ ص 177، مصدر سابق ]. إن اليهود لم يكتفوا بالأقوال المرسلة بل تراهم يعمدون إلى تحريض قريش على الأخذ بثأر رجلهم المقتول فى الشهر الحرام = عمرو بن الحضرمى. والذى شوش على صناديد قرية التقديس وهم قوم تجار أنهم ذعروا من الإستهانة بالأشهر الحرم من قبل المسلمين لأن دالته المباشرة هى إعلان موت حرمة الأشهر التى تغدو فيها وتروح قوافلهم آمنة مطمئنة بل أنهم ، أى المسلمين، كفنوها ( الحرمة ) وصلوا عليها صلاة الجنازة. ولم يعد لها وجود ومن ثم فإن متاجرهم، وهى عماد حياتهم، أمست فى خطر داهم وشر مستطير وتهديد مستمر.
فإذا أضيف تمريغ كرامتهم فى التراب وشرفهم فى الوحل ومكانتهم فى الطين مع قتل واحد منهم وأسر اثنين أصبح لتحضيض بنى إسرائيل إياهم على شن الحرب صدى عميق يلفى منهم آذانًا مصغية ونفوسًا مستجيبة.
ومن ثم بلغ الضيق بـ " المنصور بالرعب مسيرة شهر" مداه حتى إنه " قال لأصحابه: ما أمرتكمبقتال فى الشهر الحرام". [ إمتاع الأسماع: للمقريزى ـ الجزء الأول ص70 / وأسباب النزول: للواحدى ـ ص 43ـ ]. بالرغم من الصحيفة المكتوبة لقائد السرية ابن جحش.
ولم يكتف بهذا التعنيف بل إنه وقف العير وأبى أن يأخذ شيئًا. وشعر ابن جحش وجنده بنكارة فعلتهم وفحاشة صنيعهم وسوء تدبيرهم " فلما قال ذلك رسول الله ـ ص ـ سقط فى أيدى القوم وظنوا أنهم قد هلكوا وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا ". [السيرة النبوية لابن هشام ـ تحقيق محمد فهمى السرجانى ـ الجزء الثانى ـ ص 177، مصدر سابق ].
وتبكيت إخوانهم لهم مرده فى تقديرنا لأمرين:
أولهما: أنهم رأوا فى فعلة ابن جحش وزمرته تحطيمًا لمعلم هام وعرف مستقر وتقليد راسخ وهو الكف عن القتال فى الأشهر الحرم وعدم رضائهم عنها وعن الباحث اليتيم الذى كمن خلفها.
آخرهما: ما لمسوه بأيديهم وسمعوه بآذانهم ونظروه بباصراتهم ما أصاب سيدهم وسيد الخلق من غم وما علاه من هم واعتوره من قلق من جراء عدم تملك ابن حجش وعصبته لزمام أنفسهم وانسياقهم وراء غريزة الجشع والطمع.
الآيات المنقذة
وإذ بلغت الأزمة ذروتها والمعضلة غايتها والمشكلة أقصى مداها فمن المستحيل أن يذر " الحق / القرآن" " قطب الأقطاب" فى الحالة التى وصفناها، فأشرقت آية عظيمة تتهادى تلبى نداءه الكريم وتحقق طلبته العزيزة وتوفر له مُنيته الملحة والتى وإن لم يصرح بها فقد كشفت عنها شواهد الحال.
" فوقف على ذلك النبى ـ ص ت وقال: لم يمركم بالقتال فى الشهر الحرام، فقالت قريش: استحل محمد الشهر الحرام فنزلت: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ } إلى قوله { وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ }. [ أسباب النزول: للواحدى ص 41 ].
" فقال المشركون للمسلمين قتلتم فى الشهر الحرام فأنزل الله تعالى: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ـ الآية } [ أسباب النقول فى أسباب النزول: للسيوطى ص 29 ].
والآية هى السابعة عشرة بعد المائتين من سورة البقرة ونصها:
{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }.
أى " أن القتال فى الأشهر الحرم كبير وعظيم ولكن الأعمال التىارتكبوها مع المسلمين ومع النبى ـ ص ـ ولا تزالون ترتكبوها هى أكبر وأفظع وأشد خطرًا على الإنسانية من القتال فى الأشهر الحرم " [ سيرة المصطفى ـ نظرة جديدة: تأليف هاشم معروف الحسنى ـ ص 319 ـ الطبعة الأولى 1416هـ / 1996م ـ دار التعارف للمطبوعات ـ بيروت ].
ابو تراجى
01-04-2010, 04:44 PM
وهنا استراحت نفس " المصطفى" الشريفة وهدأ باله واطمأن خاطره فقبل الغنيمة والأسيرين " فلما نزل القرآن بهذا الأمر وفرج الله تعالى عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق قبض رسول الله ـ ص ـ العير والأسيرين " [السيرة النبوية لابن هشام ـ تحقيق محمد فهمى السرجانى ـ الجزء الثانى ـ ص 178، مصدر سابق ].
واخذ " المدثر" خمس الغنيمة وهو أول خمس من أول غنيمة وفادى الأسيرين بأربعين أوقية لكل منهما وهذا أول فداء لأول أسير فى الإسلام. [ إمتاع الأسماع: للمقريزى ـ الجزء الأول ص70].
وهكذا أثبت الذكر الحكيم أنه يدور مع القائد المظفر حيثما دار ويحاثيه أينما ذهب ويواكبه أنى تحرك وما إن يتعرض لضائقة أو يوقعه تبعه فى ورطة أو تتآمر عليه نستؤه تشرق إحدى شموسه النيرة" نعنى آياته" فتجلو عنه الظلمة وتبدد من حوله العتمة وتعيد إلى أساريره الطاهرة : البسمة.وعنها قالت
حكاية ماريا القبطية
ردًا على رسالة " أجود الناس" أرسل المقوقس هدية إليه فيها فتاتان إحداهما مارية القبطية " شابة مصرية حلوة جعدة الشعر جذابة الملامح جاءت من أرض النيل .. تحمل فى كيانها سحر مصر وفى أعطافها أريج الوادى العطر .. "[ نساء النبى: لبنت الشاطئ ـ ص190ـ وما بعدها ].
وعنها قالت التيمية ينت ابن أبى قحافة " ما غرت على امرأة ما غرت على مارية وذلك أنها جميلة من النساء دعجة فأعجب بها رسول الله ـ ص ـ وكان أنزلها أول ما قدم بها فى بيت الحارثة بن النعمان وكانت جارتنا وكان رسول الله ـ ص ـ عامة النهار والليل عندها حتى فرغنا لها فجزعت فحولها إلى العالية وكانت يختلف إليها هناك وكان ذلك أشد علينا ثم رزقه الله منها الولد وحرمناه". [ السمط الثمين فى مناقب أمهات المؤمنين: تأليف الإمام محب الدين الطبرى ـ المتوفى 694هـ ـ تحقيق أ. د/ حمزة النشرتى، والشيخ عبد الحفيظ فرغلى ـ ص 246، 247 ـ الطبعة الأولى 1382هـ / 1961م ـ الناشر هو المحقق الأول ].
وذكر المحققان أن المؤلف إمام عالم بلغ منزلة رفيعة فريدة فى العلم وشهد له بها شيوخه وأساتذته وله عشرة مؤلفات فى شتى فروع العلوم الإسلامية خلا " السمط" مما يضفى على كتاباته سمة الصحة والصدق.
وتضيف الدكتورة عائشة عبد الرحمن أنه فى ذياك الوقت شارف الستين ونزوج بعد السيدة خديجة عشر زوجات منهن الشابة الفتية والمرأة الناضجة. [ نساء النبى ص 192 ].
فى يومى وعلى فراشى
عن عائشة قالت: ... فلما كان يوم حفصة، استأذنته أن تأتى أباها فأذن لها فذهبت فأرسل إلى جاريته مارية فأدخلها بيت حفصة قالت حفصة: فرجعت فوجدت الباب مغلقًا، فخرج ووجه يقطر وحفصة تبكى فعاتبته قائلة: أفى يومى وعلى فراشى، فقال أشهدك أنها علىّ حرام انظرى ولا تخبرى بهذا امرأة وهى عندك أمانة" [ المقبول من أسباب النزول: د/ أبو عمر الأزهرى ص 683 مرجع سابق ].
أما الواحدى فيطلعنا على الحوار الذى دار بين " متمم مكارم الأخلاق؟؟" وبين زوجته العدوية حفصة بنت عمر الذى مسّ مارية فى حجرتها وعلى فراشها " دخل رسول الله ـ ص ـ بأم ولده مارية فى بيت حفصة فوجدته حفصة معها فقالت: لم تدخلها بيتى ما صنعت بى هذا من بين نسائك إلا من هوانى عليه، فقال لها لا تذكرى هذا لعائشة هى علىّ حرام إن قربتها، قالت حفصة، وكيف تحرم عليك وهى جاريتك فحلف لها ألا يقربها ، قال لها لا تذكريه لأحد " [ أسباب النزول للواحدى ـ ص 291 ـ مصدر سابق ].
وفى " المختصر": { قيل أصاب رسول الله مملوكته مارية القبطية فى بيت زوجه حفصة بنت عمر وفى يومها فوجدته حفصة فى ذلك فغارت فقال: ألا ترين بأن احرّمها فلا أقربها، قالت: بلى فحرمها على نفسه وقال: لا تذكرى ذلك لأحد} [ المختصر فى تفسير القرآن: مختصر من تفسير الإمام الطبرى ـ لابن صمادح التجيبى وأمهات كتب التفسير ـ تنقيح وتحقيق د/ عدنان زرزور ـ فى تفسير سورة التحريم ص 447 ـ الطبعة الأولى 1399هـ / 1979م ـ مؤسسة الرسالة بيروت ].
حفصة من بين الزوجات غير الجميلات نكحها " المعصوم من الناس" إرضاءً للعدوى ابن الخطاب الذى يعتبر بمثابة وزيره الثانى وقد عرضها قبله على كل من التيمىّ أبى بكر والأموى عثمان فرفضاها رغم شبابها الغض إذ لم تصل إلى العشرين وكثيرًا ما ردد أبوها على مسامعها أن " سيد الناس" لايحبها ولولا هو لطلقها ومع عدم اتسامها بالقسامة ورثت عن بنى عدىّ حدة المزاج ويبدو أنه لم يطق عشرتها وقد جمعت بين الأمرين فطلقها، لكنه سرعان ما راجعها، لأنه أدرك أن طلاقها سوف يغيّر قلب العدوىّ وهو من ركائز مجلس شوراه وله مناقبه. وهى من اللائى استبقاهن على ذمته لأسباب أخرى بخلاف الرغبة فيهن كزوجات وتنضم إليها سودة بنت زمعة وأم حبيبة بنت أبى سفيان بعكس اللاتى استبقاهن لذواتهن بغض النظر عن أى اعتبار آخر وهنّ : عائشة وأم سلمة وزينب بنت حجش اللاتى تمتعن بحسن فائق ووضاءة بالغة وجمال فاتن وحلاوة آسرة وقسامة أخاذة. وهذا يفسر قول العدوية: ما صنعت لى هذا من بين نسائك إلا لهوانى عليك. ومن المفسرين المحدثين اخترنا عبد الحميد كشك: روى النسائى بسنده عن أنس أن رسول الله كانت له أمة يطؤها فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمّها فأنزل الله عز وجل { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [ فى رحاب التفسير : للشيخ عبد الحميد كشك ـ الجزء الثامن والعشرون ـ 6 تفسير سورة التحريم ـ ص 7267ـ د. ت. ن. المكتب المصرى الحديث ـ القاهرة ].
ولعل القارئ لاحظ أن هذه المفسر الحديث اختصر الواقعة اختصارًا مخلاً بيد أنه لم يستطع أن يشكك فيها وأورد سندها. والمؤلفون المحدثون على بكرة أبيهم فى ضروب الإسلاميات ينهجون ذات النهج متوهمين أنهم على حق وأن سلفهم الصالح قد ذكروا الوقائع كما هى على ضلال وبداهة وهو منهاج فسيد علاوة على مجافاته للموضوعية والأمانة العلمية فهم ليسوا بأكثر تقوى ولا أشد ورعًا ولا أعمق إيمانًا من السلف.
لم يحب من الدنيا سوى الطيب والنسوان
بعد أن حلف " ذروة بنى هاشم" للعدوية ألا يقرب أم ولده مارية القبطية وهى بالوصف الذى جاء على لسان التيمية عائشة وهو فى ذات الوقت شديد الإعجاب بها وعامة النهار والليل عندها وهى فى نفس الحين أمته وسريته وجاريته وملك يمينه ومن حقه أن يأتيها ـ ينكحها ويعتليها ـ متى شاء فهذا حقه وحق أى مسلم. تسببت العدوية حفصة إذن بغيرتها الملتهبة ومزاجها الحاد فى أزمة لـ " سيد الأولين والآخرين" فإما ألا يأتى ناحية مارية وهى من من هى وإما أن يحنث بحلفه وحاشاه، أن يفعل، وهو إمام المتقين وصاحب الخلق العظيم والشمائل الكاملة والمناقب الشريفة !!! ، مما لا يتصور معه أن يفعل.
وللإبانة عن وقع الضيق على نفس " الفدغم " [ الحسن الجميل والعظيم الجليل" سبل الهدى والرشاد فى سيرة خير العباد" للإمام محمد بن يوسف الصالحى الشامى المتوفى سنة 942هـ وهو المعروف بـ" السيرة الشامية" الجزء الأول ـ ص 612 ـ تحقبق د. مصطفى عبد الواحدـ الطبعة الأولى 1392هـ / 1972م ـ لجنة إحياء التراث الإسلامى ـ المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بمصر]. نذكر أنه لم يحب من الدنيا سوى الطيب والنسوان " عن الزهرى عن النبى ـ ص ـ قال: رأيت كأنى أُتيت بقدر فأكلت منها حتى تضلعت فما أريد أن آتى النساء أى ساعة إلا فعلت منذ أكلتها".
وعن مجاهد قال:{ أُعطى رسول الله ـ ص ـ قوة بضع وأربعين رجلاً كل رجل من اهل الجنة } أى فى الجماع. [ الخصائص الكبرى للسيوطى ـ الجزء الأول ص 168 ].
بيد أن القرآن المجيد لا يفاصله طرفة عبن ، يعاضده فى كل موقف ويقف بجانبه فى كل حين فتظهر الآيتان الأولى والثانية من سورة التحريم : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيم }
إذن فما عليه إلا أن يكفر عن يمينه التى حلفها { قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ } أى أوجب لكم الكفارة. [ تفسير غريب القرآن: لأبى محمد عبدالله بن مسلم بن قتيبة ـ تحقيق السيد أحمد صقر ـ ص 472 ـ الطبعة الولى 1398هـ / 1978م ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ لبنان // احكام القرآن : للإمام الفقيه عماد الدين محمد الطبرى المعروف بالكيا الهراسى ـ المجلد الثانى ـ الجزء الرابع ـ ص 425 ـ الطبعة الأولى 1403هـ / 1983م ـ وفى الهامش " انظر محاسن التأويل ـ ح/16 ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت. ويؤكد الكيا الهراسى أنه: " لا إيمان فى مجرد التحريم" ].
ويذكر الشيخ عبد الحكيم كشك عند تفسيره لسوة التحريم ما يلى:
" وقال ابن جرير ( الطبرى شيخ المفسرين ) إن ابن عباس كان يقول فى الحرام يمين تكفرها ـ وقال ابن عباس " لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة" يعنى أن رسول الله ـ ص ـ حرم جاريته فقال الله تعالى:{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} إلى قوله { قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ } فكفر يمينه فصيّر الحرام يمينًا ورواه البخارى ومسلم والدارقطنى. [ فى رحاب التفسير : للشيخ عبد الحميد كشك ـ الجزء الثامن والعشرون ـ 6 تفسير سورة التحريم ـ ص 7267ـ د. ت. ن. المكتب المصرى الحديث ـ القاهرة ].
وبهذا بلغ هذا الحديث قمة التوثيق وذروة التوكيد وقمة الصحة.
ومرة أخرى وليست أخيرة يهدى الذكر الحكيم آيتين كريمتين إلى خيرة خلق الله ترجان عنه الضائقة وتنتزعانه من الحرج وتنفحانه الحل السعيد فيعود إلى مملوكته المحبوبة المعْجبة مارية القبطية بعد أن كفرّ يمينه بل إنه يغدو حُكْمًا لكل مسلم بعده يحلف على إمرأته أنها حرام عليه.
حلف عائشة وصفية
نهى " أول من تنشق عنه الأرض" العدوية بنت ابن عبد الخطاب نهيًا قاطعًا أن تخبر أحدًا بما حدث وخاصة زوجاته وبالأخص عائشة التيمية وهذا حديث صحيح أورده الحافظ ( = ابن حجر العسقلانى ) فى الفتح والطبرانى فى تفسيره وابن جرير الطبرى فى التغسير والضياء المقدسى فى المختار وابن كثير فى تفسيره والهيثم بن كليب فى مسنده والسيوطى فى اسباب النزول والحاكم فى المستدرك وصححه الذهبى. [ المقبول فى اسباب النزول: للأزهرى ـ ص 678 وما بعده ].
وطاعة " أحمد" فرض واجب على كل مسلم ومسلمة بنص القرآن المجيد، بل إن هناك آيات تقرن طاعته بطاعة الله جل جلاله وهو شرف لم ينله من فبله أحد من الذين سبقوه، وحفصة تعلمه حق العلم وتعيه جيدًا فضلاً عن أنها زوجته ومن المنظور الإسلامى طاعة الزوجة لزوجها أمر مفروغ منه، ويوجد حديث محمدى شريف يخبرنا أنه لو الأمر بيده لأمر الزوجة أن تسجد لزوجها. إذن ما الذى وزّ العدوية على مخالفة ذياك النهى الصارم؟، فما إن غادرها حتى أرقلت إلى ابنة عتيق: عائشة تخبرها بالواقعة " فلما خرج نزعت الجدار الذى بينها وبين عائشة فقالت: ألا أخبرك؟ إن رسول الله ـ ص ـ قد حرَّم أمته " أى أنها لن تنتظر حتى تدخل على بنت التيمىّ من الباب بل نزعت الجدار الفاصل بينهما. هناك أكثر من سبب ودافع لهذا السلوك من قبل ابنة عمر يأتى فى مقدمها حدة أخلاقها وهذه تمنع صاحبها أو صاحبتها من السيطرة على نفسه ويندفع فيما يندّ عنه من أعمال من أقوال أو أفعال ـ هذا من ناحية ومن رجا آخر فإنها اعتبرت غِشيان " سيد ولد إسماعيل" لأمته على فرشها وفى حجرتها صدعًا لكرامتها وما درت أنه زوج غير عادى وأن هذا يعتبر من خصوصياته التى انفرد بها عن سائر المسلمين مثل استبقائه تسع زوجات على ذمته فى حين أن سائر تبعه لايحق لهم أكثر من أربه لقد دخل الديانة التى بشَّر بها نفر من العُربان لكل واحد منهم أكثر من أربع " بعضهم له عشر" فاضطر إلى مفاصلة الزوائد واقتصر على الأربع، ثم نؤوب إلى السياق. أرادت العدوية من إخبار التيمية بالحادثة تحقيق غرضين: أولهما: أن تتحبب إليها فهى تعرف منزلتها لدى " المزمل" فتحمل إليها بشرى تحريم مارية علبه التى ذكرت ابنة إبى بكر أنها ما غارت من واحدة من نسوانه مثلما غارت من القبطية الحسينة .
آخرهما: أن التيمية بمالها من مقام محمود لديه تساعدها على رأب الشرخ الذى أصاب كرامتها، إذ ليس للعدوية " حفصة" فى نفسه من الحظوة ما يمكنها من ذلك، بل لو أن لها أقل نصيب منها لما حدثت الواقعة من الأساس. هنا دخل " قطب الأقطاب" فى أزمة جديدة أعقبت الأولى وجاءت مُصلية لها، فقد تحالفت التيمية مع العدوية إذ تخبرنا كتب السيرة المعطار والأحاديث المحمدية الشريفة أنه" كانت عائشة ابنة أبى بكر وحفصة تتظاهران على سائر نسونه" وترسّخت الأزمة على ركيزتين: أ ـ أنهما ابنتا وزيريه ومستشاريه والمساس بهما كطلاق أو ظهار ... إلخ، لن يمر بسهولة بل سوف يخلف وراءه ندوبًا بل جروحًا غوائر فى شتى المناحى السياسية والأمنية والعصبية خاصة أنه يمر بمرحلة دقيقة وسبق أن ذكرنا أن العدوىّ أفلتت من فيه عبارة من جراء حدة مزاجه وشت بحقيقة مكانتها وهى قوله لها : لولاى لطلقك". ب ـ ان عائشة أحب زوجاته إليه وأصغرهن سنًا وهى فى حدود الخامسة عشرة إبان ذاك ومن اجملهن وكيف لا تغدو كذلك فأبوها أبو بكر له لقب شى بالوسامة والقسامة وهو " عتيق" وقد درجت سيدة نسون قريش خديجة فى حياتها على مناداته به كما أن وادلة عائشة (أم رومان) امتازت بعينين حوراوين بل بالغتى الحَوَر ( = شدة بياض العين مع شدة سوادهما والعرب تفضله فى المرَة )، وهناك أثر يقول: من سره أن ينظر إلى حور عينى الجنة فلينظر إلى عيني أم رومان. إذن مفارقة هذه الزوجة الجارية الصبية ذات الوضاءة البالغة أمر فيه عَنَت لأى زوج فما بالكم بـ " الأمين" الذى كثيرًا ما ردد أنه ما حبب إيه من دنيا إلا الطيب والنساء و" أنه كان النبى ـ ص ـ يدور على نسائه فى الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن إحدى عشر قلت لأنس " وهو راوى الحديث" أو كان يطيقه؟ قال: كنا نتحدث أنه اُعطى قوة ثلاثين " [ أخرجه البخارى عن طريق أنس ـ وهو خادم " خير البرية" وأعرف الصحاب بأحواله]. كما أخرج ابن سعد عن مجاهد وطاوس واقتصر على عُجُز الحديث " أُعطى رسول الله قوة أربعين رجلاً فى الجماع" [ هذه الأحاديث أوردها فى " الخصائص الكبرى" السيوطى ـ المجلد الأول ـ فى باب للآية فى الجماع ص 167 ـ مصدر سبق لنا ذكره ].
وهكذا تتوالى الأزمات وتظل تزحف حتى تصل إلى عقر داره كأنما لا يكفيه الأعباء الثقال التى يحملها وهو يبشر بديانة جديدة ويُعلى بنيان دولة أجداده وكل واحدة منهما تنوء بها كواهل العصبة من الرجال الأقوياء الأشداء. ويتشوف " خليفة الله" إلى ما يفك هذه العقدة وإلى نهاية سعيدة تحفظ عليه سلام بيته ولا تبعد زوجته الحبيبة عنه ويظل وزيراه المخلصان على سابق العهد بهما. ولا يبطئ الهدى المجيد كما عوده وكالبدر فى منتصف الشهر تظهر الآيات الكريمات { وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ } [ سورة التحريم 3، 4 ]. وقبل أن نمضى فى التحليل الموضوعى أو التنقير والتنقيب نضع فى بؤبؤ عين القارئ أن النص الحكيم خاطب اثنتين " جاء بالمثنى" .. تتوبا .. قلوبكما وتظاهرا. حقيقة أن كلمة قلوب جاءت بالجمع إنما ضمير الخطاب أو المخاطب ورد بالتثنية !!!!!!!. وهما حصرًا وتحديدًا التيمية والعدوية " أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: قلت لعمر بن الخطاب: من المرأتان اللتان تظاهرتا؟ قال: عائشة وحفصة" [ المقبول للأزهرى ص 684 مصدر سبق ذكره].
وهكذا قطعت جهيزة قول كل خطيب أى لم تعد هناك ذرة من ريب أن المتظاهرتين هما ابنة عتيق وبنت ابن الخطاب الذى نقل عنه حِبر الأمة ابن عباس الخبر. الآيتان السابقتان طلبتا منهما الكف عن التظاهر ضد " الخاتم" . بان خيرتهما بين أمرين: الأول: التوبة عن التظاهر مما يمنح دلالة أنها خطأ أو غلطة لايجوز الإقدام عليها وحتى الإقتراب منها بل مجرد الهم بها، ولقد فسر الشيخ محمد سيد طنطاوى رأس مؤسسة التقديس بمصر " صغت قلوبكما" انها مالت عن الحق. وهو تعبير أوعر من الخطأ. [ معاجم اللغة تخبرنا عن معنى تظاهروا أى اجتمعوا معًا لإعلان الرضا أو السخط عن أمر يهمهم ].
أما ابن صمادح التجيبى فى " المختصر" فيدرج هذه العَمْلة تحت بند البَغى بالسوء لـ " سابق العرب" إذ نص على ما ياتى: وليه وناصره عليهما وعلى كل من بغاه بسوء. [ المختصر فى تفسير القرآن: مختصر من تفسير الإمام الطبرى ـ لابن صمادح التجيبى فى تفسير سورة التحريم ].
الآخر: فى حالة الإصرار على التظاهر ضده فإن ربه ناصره ومؤيده وجبريل والملائكة وكل مؤمن صالح.
وهو جمع كريم وفى ذات الوقت قوى مكين لاطاقة لبشر مهما بلغ به الجبروت ووصل به العُتُوّ وأعماه الظغيان أن يتحداه ويواجهه فما بالك بإمرأتين أولاهما لم تجاوز الرابعة عشرة إلا بقليل والأخرى ناهزت العشرين، وحققت الآيتان مراد " المتوكل" وكفَّت الزوجتان عن التظاهر بل لم تفكرا فى العودة إليه أبدًا.
{ إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } هذا خطاب لعائشة وحفصة وتوبتهما مما جرى منهما ... ومعنى صغت أى مالت عن الصواب وقرأ بن مسعود : زاغت. والمعنى إن تتوبا إلى الله فقد صدر منكما ما يوجب التوبة ... { وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ } والمعنى إن تعاونتما عليه ـ ص ـ بما يسوؤء من إفراط الغيرة وإفشاء سره ونحو ذلك فإن له من ينصره ومولاه ... " [ كتاب التسهيل لعلوم التنزيل: للإمام العلامة محمد بن أحمد بن جزئ الكلبى ـ الجزء الرابع ص 131 عند تفسير سورة التحريم ـ الطبعة الثانية 1392هـ / 1973م دار الكتاب العربى ـ بيروت ـ لبنان ].
وأورد الزمخشرى الخبر الذى مفاده أن ابن عباس سال عمر بن الخطاب: من هما؟ فقال: عجبًا يا ابن عبباس، كأنه كره ما سال عنه ثم قال: هما حفصة وعائشة، ونضيف أنه هنا قدّم حفصة على عائشة.
ثم استطرد الزمخشرى مفسرًا: { فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } فقد وجد منكما ما يوجب التوبة وهو ميل قلوبكما عن الواجب فى مخالصة رسول الله ـ ص ـ من حب ما يحبه وكراهة ما يكره، وقرأ ابن مسعود: فقد زاغت و" إن تظاهرا" وإن تعاونا " عليه" بما يسوؤه من الإفراط فى الغيرة وإفشاء سره فلن يعدم هو من يظاهره وكيف يعدم المظاهر من الله مولاه: أى وليه وناصره... فما يبلغ تظاهر امراتين على من هؤلاء ظهراؤه.
[ الكشاف للزمخشى ـ المجلد الرابع ـ ص 131 عن تفسيره لسورة التحريم ـ مصدر سابق ].
ومن المتيقن أنه بعد أن تابت التيمية والعدوية وكفتا عن التظاهر ضده ثاب إليه هدوؤه وراحته النفسية. وأثبت القرآن المجيد أنه يكلؤه بعنايته ويحوطه برعايته ويشمله باهتمامه ويتولى تفريج ما يعرض له من هموم وما ينتابه من غموم وما يمسَّه من كروب على كافة المستويات، وهذا من رجا ومن آخر تتبدى حكمة نزوله منجمًا أى مفرقًا بدخوله فى علاقة جدلية مع الواقع المعاش إن من جهته أو من ناحية تبعه أو من جانب الأشخاص الفاعلين فى المجتمع كما سوف نرى ونحن نتابع مسيرته المدهشة المُعجبة.
لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء
رقمنا فيما سبق مناوأة بنى إسرائيل لـ" الزاهد؟؟" منذ اللحظة الأولى التى وطئت الشريفتان قرية الأثاربة ذات الحرتين وما انفكت سوءاتهم الفعلية وبذاءاتهم الكلامية وسفالاتهم اللسانية تترى فى الخفاء والظهور وفى السر وفى النور والظلماء ـ رغم محاوىته العديدة التى قدمها فى سبيل الموادة أو حتى الحياد الإيجابى حتى انتهى به الأمر إلى إجلاء بعضهم وقتل البعض الآخر، ويقدر بعض الإخباريين أن عدد من تمت تصفيتهم جسديًا من بنى قريظة ما بين الستمائة والنسعمائة من الرجال والصبيان الذين نبت شعر عانتهم.
والجالية اليهودية فى أثرب فى ذياك العهد قدرها أحد الباحثين بأكثر من أربعين ألف نسمة " ... ولذلك فإن اليهود بأسرهم المبنية على زواج الأقارب التى تتكون كل منها من ستة إلى سبعة أعضاء ملاعين كانوا يشكلون عددًا من السكان يتراوح بين 36000 و 42000 نسمة" [ محمد واليهود ـ نظرة جديدة : تأليف د. بركات أحمد ـ ترجمة: محمود على مراد ـ ص 88 الطبعة الأولى 1998 ـ " الأعمال الدينية ـ مكتبة الأسرة ـ مهرجان القراءة للجميع ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ].
وهو عدد ليس مهزولاً بالإضافة إلى أن ذراعهم الاقتصادية بلغت منتهى المُكنة، وينبئنا الإخباريون أنهم تملكوا وقت ذاك أربعمائة دكان صياغة " ذهب وفضة" وهيمنوا على أسواق باكملها وبعضها حمل أساميهم مثل " سوق بنى قينقاع".
وكذا لهم باع طويل فى تجارة السلاح، ولا يُفهم منه أنهم اُلافة أو ممتشقوه، فقد أثبتت السيرة المحمدية الطيبة أنهم جبناء رعاديد خلا الشجاعة والجرأة القولية والإقدام الشفاهى، أما عند اللقاء فهم أشد اضطرابًا وأبلغ ارتعاشًا وأفحش ارتعادًا من النعام.
يقول الباحث د. بركات أحمد:" إن من الغريب أن اليهود يظهرون فى سيرة الرسول كتجار للسلاح والدروع بنفس الصورة التى كانوا يظهرون بها فى انجلترا فى العصور الوسطى التى يصورها الروائى الاسكتلندى والتر سكوت والظاهر أنهم لم يكونوا يستعملون هذا السلاح بصفة فعلية ". [ محمد واليهود : ص 110 مرجع سايق ].
القبائل اليهودية الثلاث: قريظة والنضير وقينقاع ربطتهم وشائج متينة بعدد من بطون وأفخاذ بنى قَيْلة، منها ما هو عقد أو حلف أو ولاء بل وأنساب وقرابة، وللأسف فإن كتاب السيرة المحمدية المجيدة يعتمون على الرجا ولا يذكرونه، إذ فى نظرهم يشين الأنصار وهذا وهم، ذلك أن الأوضاع بمختلف أضلاعها هى التى حتّمت انتصاب تلك العلائق ولم يخترها اليثاربة العَرَبة بمحض إرادتهم.
المهم أن تلك الروابط وردت آيات من البيان المحكم إما بمناسباتها وغما تعليقًا عليها:
{ أخرج بن جرير من طريق سفيان الثورى عن الأعمش عن جعفر بن إياس عن سعيد بن جرير عن ابن عباس قال:
كان أناس من الأنصار لهم أنساب وقرابة من قريظة والنضير، وكانوا يتصدقوا عليهم ويريدونهم أن يسلموا فنزلت :" ليس عليك هداهم"} [ المقبول للأزهرى ص 184 ـ مرجع سابق].
ولعل هذا الخبر يشكل محطة عبور من الشك إلى اليقين وجسر انتقال من الريب إلى التحقيق وقناة توصيل من التردد إلى الثبات بصدد الواقعة التاريخية وهى لبْك بنى قيلة بأولاد الأفاعى.
{ أخرج الواحدى عن جزيبر عن الضحاك عن ابن عباس قال:
نزلت فى عُبادة بن الصامت الأنصارى، وكان بَدريًا نقيبًا، وكان له حلفاء من اليهود، فلما خرج النبى ـ ص ـ يوم الأحزاب، قال عبادة: يا نبى الله، إن معى خمسمائة رجل من اليهود وقد رأيت أن يخرجوا معى فأستظهر بهم على العدو. فأنزل الله تعالى:" لايتخذ المؤمنون الكافرين أولياء" } [ الدخيل للأزهرى ـ ص 67 ـ مرجع سابق ].
فهذا العُبادة الذى يحلّى صدره لقبان منفيان، نقيب " ممن حضر أو شهد العقبة"، وبدرى " أى قاتل فى غزوة بدر الكبرى" لا يتحرج من إخطار " الناطق بالحق" بقيام حلف بينه وبين أولاد يعقوب بل وإنه على استعداد أن يُجيّش منهم خمسمائة يقاتلةن تحت لوائه ـ فى حين نرى الكتبة المحدثين يغمضون أعينهم ويولون ظهورهم وينأون بجوانبهم عن هذه الحقيقة التاريخية الموثقة التى تمتلئ بها دواوين السيرة الطبية ومؤلفات التاريخ وكتب علم القرآن بشتى ضروبها.
لقد ارتفعت الوشيجة المتين بين الطرقين إلى قُلة قامتها:
{ أخرج أبو داود وابن حبان وابن جرير عن ابن عباس قال: كانت المرأة تكون مِقْلاتًا ـ أى لا يعيش لها ولد ـ فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا لا ندع أبناءن، فأنزل الله عز وجل: " لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى" } [ المقبول للأزهرى ص 140 ].
إن أبجديات سنن الاجتماع البشرى تبصّرنا أن فصم التواصل بين الأثاربة الإسرائيليين واليثاربة الأعاريب من المستحيل أن يقع فجأة ومن المتعذر أن يتم فورًا ومن الصعب أن يحدث بغتة، وهى ظاهرة خطيرة من الحتم اللازم أن تقلق " المُلبّى" وتثير فى نفسه نوازع الإضطرب وفى وجدانه بواعث الملل، لأن استمرار هذه العلاقات الحميمة والروابط العميقة والصلات المتينة يرسّخ خطرًا داهمًا على المنازيح، باعتبار أن اليهود وبنى قيلة من أقرب الاحتمالات يشيآن على أرض الواقع قطْبى الرحا التى هى فى أى وقت على استعداد لطحنهم ... هذا من شق ومن آخر لعله مترتب عليه أو مرتبط به ارتباط النتيجة بالسبب ـ يقف حجرة عثرة أو عقبة كأداء أو حاجزًا عضالاً أو شوكة صلبة حادة فى حلق الدولة القرشية التى عقد " البدر البديع" عزمه على تأسيسها فى قريو الحرتين ليثبت للقاصى والدانى أنه " ابن عبد المطلب" ونذكّر القارئ بالعرض الساذج الذى قدمه عُبادة بن الصامت له، بأن فى مقدوره تجنيد خمسمائة يهودى للقتال معه وبقدر ما أثبت هذا اليثربى طيبة قلبه شأن بنى قيلة على بكرة أبيهم أو أمهم وهذا هو السر فى أن بنى سخينة " قريش" فى سقيفة بنى ساعدة التهموا الكعكة وحدهم ولم يتركوا لهم فتاتة. مع أن البلد بلدهم والديار ديارهم ولا تعليل لهذا اللغز التاريخى إلا بالعبط وخموم القلب لديهم، ثم نعود فنرقم أنه بقدر ما أثبت ذلك ابن الصامت سلامة الطوبة بقدر ما أثبت " المدثر" بعد نظر وحنكة وحصافة ولا نديد لها فى رفضه للعرض، لأنه من المؤكد ـ لا من المحتمل فحسب أن يغدو الخمسمائة يهودى وحلفاؤهم من رهط ذلك العُبادة نواة فيلق معارضة مسلحة وهذه داهية دهياء وباقعة صماء وفاقرة قاصمة للظهر لا يعلم إلا الله تعالى وحده مدى خطورتها على المنازيح ودولتهم الوليد.
وكما تعودنا أنه فى اللحظات الحرجة والوقات العصيبة العسرة وساعات المزنق لا يتخلى الذكر الحكيم بل يظاهره بقوة ويناصره بإحكام ويعاضده بأزر فى سرعان ما تسطع كالنجم فى وسط السماء فى الليل البالغ الحلكة آيات كريمات منه تتوعد ينى قيلة بالجزاء الرادع إذا استمروا فى ولاء بنى يعقوب وجعلته نقيضًا للإيمان ومباينًا للإسلام ومفارقًا للانقياد ومضادًا للإذعان ومخالفًا لليقين.
{ اخرج ابن جرير من طريق ابن إسحق عن محمد بن أبى محمد عن سعيد أو عكرمة عن ابن عباس قال:
كان الحجاج بن عمرو حبيب كعب بن الأشرف ، وابن أبى الحقيق وقيس بن زيد قد بطنوا بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم. فقال رفاعة بن أبى عمر وعبدالله بن جبير، وسعد بن خيثمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء النفر من اليهود واحذروا مباطنتهم لا يفتنوكم عن دينكم، فأبوا ، فأنزل الله فيهم: " لا يتخذ المؤمنون الكافرون أولياء" إلى قوله " والله على كل شئ قدير" } [ المقبول للأزهرى: ص 153، 154 ـ مرجع سابق، ووصفه المصنف بأنه حديث حسن وأضاف أن الطبرى أخرجه فى تفسيره وابن حاتم فى تفسيره ونعته محقق هذا التفسير بالحسن وأورده السيوطى فى الدر المنثور وهكذا غدا عريًا عن المطاعن، وبعيدًا عن المعايب نائيًا عن القوادح أ . هـ ].
ونسب د. عبدالله شحاته الحديث إلى ابن عباس وذهب إلى ( أن الموالاة تطلق لغة على الحب والصداقة والمباطنة بالأسرار وتطلق على النصرة وكلا المعنيين تصح إرادته ولهذا لايحل للمؤمنين أن يوالوا الكافرين بأى معنى من معانى الموالاة ومن يفعل ذلك فليس من دين الله فى شئ وقد ذكر صريحًا فى قوله تعال:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ " [ المائدة 51]. والذى لا مشاحة فيه أن اليثاربة العرب بعد أن تلا عليهم " السابق بالخيرات " هذه الآيات الحاسمة التى قرعت أسماعهم وصكت آذانهم وجاءت بعقاب أليم وهو التسوية بين اليثربى العربى واليثربى اليهودى إذا ما والاه وناصره وظاهره ... نقول إن بنى قيلة قد انزجروا وكفوا عن ذلك كله، ولا أدل عليه من أن اليهود عندما اصطدموا بـ " صاحب البيان" وبلغت المواجهة ذروتها وحكم على بعضهم بالتغريب وعلى الآخر بقطع الرقاب وعلى الثالث بقبول الإسلام دينًا لم يجرؤ واحد من العرب الأثربيين أن يؤيدهم أو يقف فى صفهم، حقيقة أن نفرًا منهم تشفع لهم عنده إنما مناصرة أو معاضدة فلا. [ تفسير القرآن لعبدا شحاته ـ عند تفسيره لسورة آل عمران ـ الجزء الثالث ص 55 ـ مرجع سابق سبق أن ذكرناه ].
وبذلك أثمرت الآيات التى حملها القرآن العظيم مفعولها الوثيق وأثبت أنه دائمًا مع " الأعز الأعظم" لايغيب عنه طرفة عين ومن ثم انفرجت عن نفسه الأبية كربة عظيمة وانزاح عن صدره الشريف هم رَجَاح وغادر قلبه الكريم غم ثقيل من الجائز أن يعيق المسيرة ويخربق الخطة ويفسد الرسم الذى ما انفك يُحكم تصويره لتنهض الدولة القرشية وتقف على قدميها.
ابو تراجى
01-04-2010, 04:45 PM
تزوجها وهو مُحْرِم
قبيلة بنى النضير إحدى القبائل اليهودية الثلاث فى أثرب وهى تسامى بنى قريظة فى القوة والمنعة ولم تتوقف عن مناوأة " صاحب التاج" والكيد له بسائر أنواع الكيد. منهم كعب بن الأشرف أبوه من طيئ ثم أحد بنى النبهان وأمه منهم .. وطبقًا للشريعة الموسوية فهو يعتبر يهوديًا و" انتخب كبيرًا لليهود بدلاً من مالك بن الصيف" [ السيرة الحلبية: لبرهان الدين الحلبى ـ الجزء الثانى ص116 ـ نقلاً عن كتاب " محمد واليهود " لبركات أحمد ص 114، 115 ].
وهُزم صناديد مكة فى غزوة بدر الكبرى ( فلما تيقن عدو الله الخبر، خرج حتى قدم مكة فنزل على عبد المطلب أبى وداعة ضبيرة السهمى وعنده عاتكة بنت أسيد بن أبى العيص بن امية بن عبد شمس فأنزلته وأكرمته وجعل يحرّض على رسول الله ـ ص ـ وينشد الأشعار ويبكى على أصحاب القليب الذين أصيبوا ببدر من قريش ) [ تاريخ الطبرى ـ تاريخ الرسل والملوك: الجزء الثانى ـ ص 488 ـ مصدر سابق ]. ومن نافلة القول أن ننسخ أن الشعر فى ذياك الوقت هو أخطر وسائل الإعلام يحفظونه ويتناقلونه ويؤثر تأثيرًا بالغًا. ولم يكتف النضيرى ابن الأشرف باتخذ يشبب ينسون المسلمين فى أبيات فاضحة وممن مدّ لسانه القذر إليهن أم الفضل بنت الحارث قال فى حقها قصيدة منها: يرتج ما بين كعبيها ومرفقيها وإذا تأتت قيامًا ثم لم تقم [ المصدر السابق نفس الصفحة ـ وكذلك ( محمد واليهود) مرجع سابق ص106 ]. وقد علق المؤلف على هذا البيت بالآتى ( ويثضح المجون فى هذا البيت حتى يدرك المرء أنه يشير إلى حركة ردفى أم الفضل حين تنخنى ) [ المصدر السابق ص 112 ]. وأم الفضل هذه هى زوجة العباس بن عبد المطلب عم " البرهان " وشقيقة ميمونة بنت الحارث إحدى زوجاتته [ المحبّر: لأبى حعفر محمد بن حبيب الهاشمى ـ ص 112 ـ مصدر سابق ]. التى طلبت الاقتران به وعمرها آنذاك ستة وعشرون عامصا أبلغت رغبتها إلى أختها ثم نقلها عمه إليه فقبل وأصدقها أربعمائة درهم فأشرقت بشأنها الآية : { .... وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا } [ سورة الأحزاب 50] حدث ذلك فى عمرة القضاء بمكة ولكن القرشيين رفضوا أن يتم النكاح فى بلدهم لأن الثلاثة أيام التى تنص عليها عهد الحديبية انقضت فقال لهم:" ما عليكم لو تركنمونى فَأعرس بين أظهركم وصنعنا لكم طعامًا فحضرتموه" ، " بيد أنهم لجُّوا فى عنادهم وإبائهم فرحل عنهم وبنى بها ( دخل بها ) فى سَرَف قرب التنعيم ـ بعد قرية القداسة بمسافة قصيرة ثم انصرف راجعًا إلى أثرب " [ باختصار من كتاب : نساء النبى لبنت الشاطئ ـ ص 204 ـ 206 وكذلك كتاب " المط الثمين فى مناقب أمهات المؤمنين" لمحب الدين الطبرى ـ الباب التاسع ـ ص 192ـ وما بعدها ـ مصدر سابق ].
وقد أورد المحب الطبرى:" عن ابن عباس أن النبى ـ ص ـ تزوجها وهو مُحْرِم " وقد أخرجه مسلم فى صحيحه فى كتاب النكاح والبخارى فى صحيحه فى باب النكاح. [ المط الثمين ـ ص194 ].
وذكر السيوطى فى " باب اختصاصه بجواز النكاح وهو مُحْرِم": ( أخرج الشيخان " أى البخارى ومسلم" عن ابن عباس أن النبى ـ ص ـ نكح ميمونة وهو مُحْرِم ) وذلك فى سنة سبع. [ الخصائص الكبرى: للسيوطى ـ المجلد الثانى ـ ص 542 تحقيق أ.د. حمزة النشرتى وآخرين ـ الطبعة الأولى 1996ـ والمحقق الأول هو الناشر ]. ولا مانع من نكاحه ـ ص ـ وهو مُحْرِم، فإن من خصائصه ـ ص ت حَلّ عقد النكاح فى الإحرام. [ إنسان العيون فى سيرة الأمين المأمون: الشهير بالسيرة الحلبية ـ الجزء الثانى ـ ص 782ـ الطبعة الأولى ـ 1384هـ/ 1984م ـ شركة مكتبة مصطفى البابى الحلبى وأولاده ـ بمصر ].
من لى من ابن الأشرف ثم نؤوب إلى سياقة التنقير:
خطيئتان مُهلكتان تردى فيهما كعب عليه اللعنة:
أولاهما: سياسة عسكرية وهى تحريشه على قتال " البز الأبلج" وتحريضهم على الهجوم عليه وتهييجهم على حربه.
وآخرهما: شخصية ذاتية تمس وترًا حساسًا لدى اى عربى بل عند كل رجل يغير على عرضه وهى التشبيب بنساء تبعة عامة وبزوجة عمه. [ فى ذياك الوقت لم ينكح ميمونة بعد ا.هـ].
تشبيبًا خليعًا و وتغزل فيهن غزلاً فاضحًا ووصفهن وصفًا داعرًا ونعتهن نعتًا فاجرًا فأصبح السكوت عن هذا النضيرى الخبيث العربيد أمرًا محلاً ةقد بلغ الضيق بـ " الفارق بين الحق والباطل مداه" فقال لتبعه: " من لى من ابن الأشرف". [ تاريخ الطبرى: ص 488ـ سابق، ومن مطالعة سيرته التى هى المثل الأعلى لكل مسلم يثبت أنه إذا قال عبارة: " من لى من فلان أو بفلان" فاعتبره منذ تلك اللحظة فى عداد الأموات ا.هـ.].
فشمرت عن ساعديها المفتولتين إحدى فرق المهمات الخاصة ( الاغتيالات ) وهم غالبًا من الشببة أميرها محمد بن مسلمة الأشهلى. [ الفرقة بأسرها من بنى الأشهل أى جميعهم من اليثاربة ليس من بينهم نازح فرد أ.هـ.].
واغتالته فى عقر داره فاستراح "أول المسلمين" من آثامه الفواحش.
فلما عادوا وجدوا رسول الله ـ ص ـ واقفًا على باب المسجد فقال " أفلحت الوجوه" فقالوا : ووجهك يا رسول الله ورموا برأسه بين يديه فحمد الله على قتله". [ المغازى للواقدى ـ الجزء الأول ـ ص 190 ـ مصدر سابق ].
تلك الخبطة الصمّاء أرعبت اليهود وأخبرتنا كتب السيرة المحمدية ذات الرتبة المنيفة أنهم ما إن تيقنوا منها حتى سيطر الفزع وهيمن عليهم الخوف وركبهم الهلع وهمهم الذعر ( فأصبحنا وقد خافت يهود بوقعتنا بعدو الله فليس بها يهودى إلا وهو يخاف على نفسه ) [ تاريخ الطبرى ص 419 مصدر سابق].
وذكر الواقدى فى مفازيه " فخافت اليهود فلم يطلع عظيم من عظمائهم ولم ينطقوا وخافوا أن يُبيتوا كما بُيّت ابن الأشرف" [ المغازى للواقدى ـ الجزء الأول ـ ص 191 ].
وأثلج هذا الفلج صدر " الأخشى لله" فأعطى تبعه الضوء الأخضر للتخلص من رجال اليهود. [ بداهة دون النساء والفتيان والأولاد الصغار والأطفال. ا. هـ.]. واستئصال شأفتهم وإفنائهم على بكرة أبيهم يعقوب.
( .. فقال رسول الله ـ ص ـ من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه ) [ المغازى للواقدى ـ الجزء الأول ـ ص 191 ].
ولم يقصر الصحب فى تنفيذ الأمر الحاسم الباتر كما السيف الحديد السنين وقد حمل إلينا الطبرى فى تارخه مثالاً وهو أن أحد الصحابة اليثاربة وهو محيصة بن مسعود إثر سماعه الإذن الصريح وثب على تاجر يهودى اسمه " بن سنينة" ربطته بأخيه الأكبر علاقة تجارية وثيقة فقتله فاستفظع أخوه غير المسلم فعلته النكراء، بيد أنه سرعان ما أعلن إسلامه على الفور لا التراخى تحاشيًا أن يلقى مصير شريكه الإسرائيلى. [ إقرأ تفاصيل هذه الأقصوصة فى " ناريخ الطبرى" الجزء الثانى ص 491 أ.هـ. وكذلك المغازى للواقدى ص191، 192 ].
وخلاصة الأمر أن اليهود ( حذرت وخافت وذلّت من يوم قتل ابن الأشرف ) [ المغازى للواقدى ص 192 ].
بنى النضير
بيد أن بنى النضير رغم فرقهم الشديد واستكانتهم الظاهرية، فغنهم لم يعدلوا عن مسلكهم الخبيث ( ذلك أن النبى ـ ص ـ حين قدم المدينة صالح ينو النضير رسول اببه ـ ص ـ على ألا يكونوا عليه ولا له فلما ظهر يوم بدر قالوا هو النبى الذى نعته فى التوراة فلما هُزِم المسلمون يوم احد ارتابوا ونكثوا ) [ تفسير النسفى : للإمام أبى البركات عبدالله النسفى ـ الجزء الرابع ـ ص 238، فند تفسيره لسورة الحشر ـ د. ت دار إحياء الكتب العربية ـ عيسى البابى الحلبى ـ بمصر ].
أما الواقعة التى تؤكد غدر بنى النضير فهى شروعهم فى قتل " أجود الناس" غغيلة ومبتدؤها أنه افلت من نازلة بئر معونة عمرو بن امية وفى طريقه إلى يثرب لقى رجلين من بنى عامر فنسبهما فانتسبا ... حتى إذا ما ناما قتلهما وأخذ سلبهما ( كالعادة المتبعة ) ولما ورد على " الكامل" نقل خبرهما فقال له: بئس ما صنعت لوجود عهد بينه وبين رهطهما فرد عليه عمرو بعدم علمه وأمر " الأبرّ" بعزل السلب وبعث به مع الدية التى طلبها عامر بن الطفيل ثم سار " المؤيد المنصور" إلى بنى النضير يستعين فى ديتهما لأنهم حلفاء لبنى عامر فوجد النضيريين فى ناديهم فكلمهم فقالوا نفعل ما أحببت .. اجلس حتى نطعمك فجلس إلى جنب جدار من بيوتهم ومعه نفر من أصحابه فيهم ابو بكر وعمر وعلى، فخلا اليهود بعضهم إلى بعض وقالوا إنكم لن تجدوه على مثال هذه الحالة فمن رجل يعلو هذا البيت فيلقى عليه صخرة فيريحنا منه؟. فقال أحد ساداتهم وهو عمرو بن جحاش: أنا لذلك ونهاهم ين مشكم لأن هذا نقض للعهد الذى بينه وبينهم، ولكنهم أصروا لأنه إن قُتل تفرق أصحابه ولحقوا ببلدهم بكة وبقى بنو قيلة حلفاؤهم، وأضاف سلام:" والله لإن فعلتم ليُخبرن بأنا غدرنا به .. يا قوم أطيعونى هذه المرة وخالفونى الدهر" ، بيد أن ابن جحاش هيأ صخرة ليرسلها على " الإكليل" ويحدرها .. ( فلما أشرف بها جاء رسول الله ـ ص ـ الخبر من السماء بما هموا به فنهض رسول الله ـ ص ـ سريعًا كأنه ييد حاجة وتوجه إلى المدينة وجلس أصحابه يتحدثون وهم يظنون انه قام يقضى حاجة ). [ المغازى للواقدى ـ الجزء الأول ـ ص364/365 والسيرة الحلبية ـ الثانى ـ ص 560، وتاريخ الطبرى ص 550، 551 وبقية خبر هذه المكيدة الخسيسة أن تبعه لما استبطأوه عادوا أدراجهم إلى يثرب فأنبأهم بها وأمرهم بالتهيؤ لحربهم والمسير إليهم. أدرك " الوسيم الوجيه" أن ذهابه فى نفر معدود من صحبه إلى معقل بنى النضير ثم جلوسه وإياهم إلى جنب أحد جدران بيوتهم فيه مخاطرة مؤكدة خاصة أنه منذ عام قتل أحد زعمائهم المبرزين كعب بن الأشرف، وربما لمحهم يتشاورون ويتهامسون، وهذا فرض احتمالى لا نعول عليه كثيرًا إنما نستند إلى الحقائق الثوابت من حيث أن محاولة اغتيال " متمم مكارم الأخلاق" لم تتم فمن أين أتت كتب التراث الإسلامى بمثل هذه القصة؟. خاصة أن راويها وربما مبتدعها أو مُخطط لها من قبل ذهابه إلى بنى النضيرهو رسول الله ـ ص ـ والمعروف بذكائه اللماح وفطنته البالغة وبصيرته العسكرية الفذة ورغبته الأكيدة فى التخلص من أولاد الأفاعى اليهود. ولن تواتى اليهود فرصة مثل هذه ليثأروا لاغتيال سيدهم الذى وقع منذ عام ، فتوصل إلى أن أمثل الحلول للخروج من هذه الورطة هو ان ينسل بهدوء كأنه يريد قضاء حاجة ثم يؤوب إلى قرية الحرتين ، لأنه لو أشعر أصحابه بجلية الأمر لطوقهم النضيريون وهم عدد محدود واليهود داخل حصونهم ومعهم الحلقة والسلاح فلن يستطيعوا مقاومتهم وبمنتهى اليسر يقضون عليهم إذ كما يقول المثل :" الكثرة تغلب الشجاعة" اصة وانه ليس من المعقول أن يسير إليهم " العابد" وصحبه وهم مدججون بالسلاح لأنهم لم يذهبوا لقتال بل لطلب سلمى وهو حث ينى النضير على دفع دية القتيلين نفاذًا للعقد الذى يربط بينهم
قطع النخيل والتحريق
ثم نستأنف السياقة: أرسل إليهم محمد بن مسلمة وهو اختيار بارع لأنه أوسىّ وبنو النضير حلفاء الخزرج وطالما بجانبهم ضد الأوس وأقربها يوم بعاث إذن فهو ( = محمد بن مسلمة ) يعتبر فى حكم عدوهم ولذا: { قالوا يا محمد ما كنا نرى أن تأتى بهذا الرجل من الأوس } [ المغازى للواقدى ج1 ص 367]. هذا من رجا ومن آخر فهو رأس العصبة التى اغتالت سيدهم ابن الأشرف ـ كيما يبلغهم أن يخرجوا من البلد وأنه أجلهم عشرًا بيد أنهم لم يمتثلوا وأخذوا يتجهزون للمعركة خاصة وأن رأس النفاق وزعيم المعارضة السياسية أرسل إليهم يُمنيهم ويعدهم وعودًا خُلبًا ... فسار المسلمون إليهم وحاصرهم واستمروا خمسة عشر يومًا وهم يقاومون فلجأ ( سيد الكونين ) إلى سلاح يغيظ أولاد يعقوب ويوجعهم وهو سلاح الحرب الإقتصادية ( فأمر رسول الله ـ ص ـ بقطع النخيل والتحريق فيها ). [ السيرة النبوية لابن إسحق ـ المجلد الثانى ـ ص 47 ].
فقطعت وحرقت " واستعمل على قطعها رجلين من أصحابه: أبا ليلى المازنى وعبد الله بن سلام فكان أبو ليلى يقطع العجوة وكان عبد الله بن سلام يقطع اللون ( وهو النخيل ما خلا العجوة والبرنى واحدته لينة ا.هـ. ) ..... وكانت العجوة خير أموالهم " [ المغازى للواقدى ج1 ص 372].
وجاء هذا الأمر بمثابة قاصمة الظهر لبنى إسرائيل بيد أنه أحدث دويًا صاخبًا لدى كافة الفرقاء:
( وجاء رسول الله ـ ص ـ وأحاط بحصنهم وغدر بهم عبدالله بن اُبىّ فكان رسول الله ـ ص ـ إذا ظهر بمقدم بيوتهم حصّنوا ما يليهم وخربّوا ما يليه .. وقد كان رسول الله ـ ص ـ أمر بقطع نخلهم فجزعوا من ذلك وقالوا يا محمد إن الله لم يأمرك بالفساد إن كان لك هذا فخذه وإن كان لنا فلا تقطعه ) [ تفسير سورة الحشر: للشيخ حسن الفريد الكلبايكانى ـ ص 26 ـ الطبعة الأولى 1396هـ / قم ـ طهران ].
ويورد لنا الواحدى النيسابور أنهم جزعوا من قطع النخل وتحريقه ( وقالوا زعمت يا محمد أنك تريد الإصلاح أفمن الصلاح عَقْر الشجر المثمر وقطع النخيل؟ وهل وجدت فى ما زعمت أنه أنزل عليك الفساد فى الأرض؟ . [ أسباب النزول: للواحدى النيسابورى ـ ص 279 ـ والسيرة الحلبية ص 564 ـ وتفسير البيضاوى ص 725 ـ السيرة النبوية لابن إسحق ـ المجلد الثانى ـ ص 47 ـ مصدر سابق ـ تاريخ الطبرى المجلد الثانى ص 552].
أما نِسوانهم فـ ( لما قُطعت العجوة شقَّ النساء الجيوب وضربن الخدود ودعون بالويل ). وصاح اليهود فى وجوه المسلمين ( وقالوا لمؤمنين إنكم تكرهون الفساد وأنتم تفسدون ) [ السيرة الحلبية ـ المجلد الثانى ـ ص 564 ـ مصدر سابق ].
المعضلة والحل
فشق ذلك على النبى ـ ص ـ [ أسباب النزول ـ للواحدى النيسابورى ـ ص 279 ـ مصدر سابق ]. وربما ضاعف هذا الشعور فى نفسه موقف بعض تبعه إذ حاك فى صدورهم قطع اللون وتحريق العجوة ( وحينئذ وقع فى نفوس بعض المسلمين من ذلك شئ ). [ السيرة الحلبية ـ الثانى ـ ص 564 ].
بل بدأ نفر منهم يتردد فى تنفيذ الأمر وهذا شأن خطير لأنه بمثابة عصيان للقائد ( فوجد المسلمون فى أنفسهم من قولهم وخشوا لان يكون ذلك فسادًا فى ذلك " هكذا وربما فسادًا فى الأرض أ. هـ ) قال بعضهم لا تقطعوا مما أفاء الله علينا وقال بعضهم بل اقطعوا ) [ أسباب النزول للواحدى ـ ص 297 ].
ونحن نرجح أن أولئك النفر من اليثاربة عمومًا ومن الخزارجة تحديدًا إذ طالما طَعِموا من هذه العجوة والألوان " بلهجتهم وهو جمع لينة أ.هـ"
ومسألة ما دخل فى قلوب تبع " محمد" من إحساس إزاء الإذن بالقطع والتحريق أوردها اثنان من كتب الصحاح الستة : النسائى والترمذى بخلاف الطبرانى وأبى يَعلى والن كثير فى تفسيره.
( اخرج الترمذى والنسائى وأبو يعلى والطبرانى عن ابن عباس فى قوله الله عز وجل { مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً }.
قال اللينة النخلة : { وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ } قال: استنزلوهم من حصونهم قال وأمروا بقطع النخل فحك فى صدورهم فقال المسلمون قد قطعنا بعضًا وتركنا بعضًا ولنسألن رسول الله ـ ص ـ هل لنا فيما قطعنا من أجر؟ وهل علينا فيما تركنا من وزر؟ . فأنزل الله تعالى:
{ مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ } [ الحشر [
وبذلك أصبحت هذه المسالة ثابتة والمحاجة فيها ضربًا من المماحكة.
من جراء الدعوة لقطع وتحريق النخيل التى تنتج المحصول العماد الرئيسى لاقتصاد قرية الأثاربة الذين يعرفون قيمته ونفاسته واهميته لديهم جميعًا يهودًا وعَرَبَة قبت ازمة ذات شقين:
الأول: عقائدى أثاره اليهود وهو أنه يُشكل إفسادًا وفسادًا والله لا يأمر به ولا يرضاه ولا توجد ديانة ذات إسطير أو مليطة من كتاب تُقرّه أو تأذن به أو تدعو إليه.
الآخر: عسكرى هو أن التبع وهم الجنود اثّر فى نفوسهم كلام اليهود وأحزنهم منظر نسوتنهم وهن يصحن ويولولن ويلطمن خدودهن أسفًا على العجوة التى تُجذ والنخيل التى تلتهما النيران، كما أن أولئك العسكر وفيهم نسبة واضحة من بنى قيلة يدركون أكثر من المكاكوة بما لايقاس مكانة النخيل وثمانة ما تنتجه كمصدر غذائى ومورد مالى بالإضافة إلى قيام أُلفة حميمة بين اليثربى والنخلة. بحيث إن إقدامه على جعلها وقودًا للحريق بما تحمله من بلح أو تمر واجب عسير على نفسه وصعيب على وجدانه، وحتى نقرب المسألة إلى ذهن القارئ نرقم: تصوّر كيف يغدو حال الفلاح المصرى فى جنوب الصعيد إذا أمرته بتحريق حقول القصب وتدميرها أو الفلاح المصري فى الدلتا إذا دعوته إلى إضرام النار فى مزارع القطن وإتلافها.
ومن ثم أطلعتنا المصادر العوالى من التراث أن صدور الجند الصحاب بدأ يحيك فيها ما يمكن أن نسميه الشعور بالذنب، وهذا يتمثل فى قولهم لـ " أشجع الناس!!" ( هل علينا من وزر ) وطفق بعضهم يتردد فى التنفيذ وقال: ( قال بعضهم لا تقطعوا ... ) من جِماع ذياك شق الأمر.
بيد أن القرآن العظيم!!!، كما هو شأنه معه لايتركه يعانى تلك الأزمة العقائدية العسكرية فتهادت كأنوار الفجر الصادق الآية الخامسة من سورة الحشر التى نسخنا نصها الكريم قبل سطور ومفادها أن تحريق النخل وقطع العجوة تمّ بإذن من الله كما أن ما لم تمتد إليه النار ولم تلحقه الأيادى بالإتلاف بقى أيضًا بإذن الله ؟؟!!.
واستراحت ضمائر الأجناد ما دامت مشيئة ربهم هى التى أمرتهم بما قاموا به وارتفع ما حاك فى صدورهم وغادرها إلى الأبد وتنفس" المحجّة" الصعداء وتبخرت المعضلة وصارت بددًا وتحولت إلى هباء منثور بل غدت كانها كابوس ثقيل يراه النائم فيزعجه فما إن يستيقظ يصبح ذكرى عابرة كما هى فى كتب التراث العوالى.
ويوثق ( الأمر / المثانى / القرآن ) أنه مع " البارع" دائمًا سواء فى حجرات نسائه أو فى ميادين القتال، وهذه هى العلاقة الجدلية التى تلحمه برباط وثيق مع الواقع وهذا هو سر ظهوره منجمًا.
ابو تراجى
01-04-2010, 04:47 PM
النبى ينهى الصحابه عن كثرة الأسئلة
نهى " المرتضى" أصحابه عن كثرة الأسئلة وبصرهم بمآل أتباع " الكُمَّل " الذين سبقوه عندما مشوا فى ذات الدرب، وشددوا فى المسألة فشدد الله عليهم.
وضرب لهم مثلاً بمسلك بنى إسرائيل فى قصة البقرة المُعجبة.
لكن أسئلة الصحبة توالت واستفساراتهم تواترت واستفهاماتهم تتابعت ولهم عذرهم فـ " الأزج / الأزكى" دعا إلى ديانة جديدة مغايرة لديانتهم شملت أرجاء عديدة: العقيدة / العبادة / الأحوال الشخصية / الجزاءات / المعاملات .. إلخ، وهم مليطون من أى ثقافة دينية باستثناء نفر محدود وحتى هؤلاء فإن ما علموه مغاير لما جاء به، لأن الدين الذى بشر به هو الخاتم والمهيمن على ما سبقه زمانًا لا رتبة.
والصحبة بهم تشوّف للمعرفة ولديهم شوق نحو التعلم وعندهم تطلع صوب التفهم وفى باطنهم نهم للإدراك.
هذا من شق.
ومن آخر: اعترضتهم فى حياتهم صعاب عبادية ومشكلات خاصة شخصية ونوازل تجارية أو مالية وقفوا عندها وقد أحاطهم الرَبك وعلتهم " اللخمة = كلمة عربية فصيحة معناها : ثقل النفس ا.هـ " ، وشملهم الاضطراب وعمتهم الحيرة وسيطر عليهم الإشكال ... لايدرون كيف يتصرفون ولا أين يتوجهون وفى أى طريق يسيرون.
ومن ثم فليس لديهم وأمامهم إلا " القيّم الكامل" فأمّوه وقصدوه فهو الذى حمل إليهم الديانة الجديدة وهم موقنون أنهم سضيَلْفون عنده الجواب لكل سؤال والرد على أى استفهام والإيضاح لأى استفسار ...
وكنتيجة حتمية تعددت وتنوعت وتباينت ولزام عليه أن يشفى غليلهم وينقع غُلّتهم وهو موقف يتسم بالعسر ويمتلئ بالمشقة ويتضلع من الرهق خاصة إذا تموضع السؤال فى شأن حساس أو تعلق الإستفسار بأمر مريج أو اتصل الإستفهام بموضوع دقيق.
هنا لا يذر القرآن المجيد " الأبطحى" يواجه هذه القضايا منفردًا بل كالمتبع يعاضده ويعاونه ويؤازره ويتشكل جِماعه فى تقديم حل لكل معضلة ونفح فَكّ لكل ازمة وإهداء وتدبير لكل نازلة تختلف صورها وتتباين هيئاتها وتتنوع أشكالها وتتغاير رسومها إنما الذى لا مشاحة فيه ولا ينتطح على صحته عنزان أن المخاطبين بها تلقفوها مسرورين: صدورهم منشرحة وثلوبهم مطمئنة ونفوسهم راضية.
وإليك حفنة مما حباه الذكر الحكيم لـ " الهجود" من نفحات شافية وإشراقات كافية وهبات وافية، فاز بها تبعه وألسنتهم تلهج بالشكر الجزيل والحمد الوفير والإمتنان البالغ والثراء العاطر.
إذ إن ملامسة الحليلة لدى أولئك العُربان طقس يومى فشقّ عليهم، فخالفوه.
( أخرج الإمام أحمد والطبى عن كعب بن مالك ـ رض ـ قال:
كان الناس فى رمضان إذا صام الرجل فأمسى فنام حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد، فرجع عمر بن الخطاب ذات ليلة من عند النبى ـ ص ـ وقد سمر عنده فوجد امرأته قد نامت فأرادها فقالت: إنى قد نمت ، فقال: ما نمت ثم وقع عليها.
وصنع كعب بن مالك مثل ذلك.
فغدا عمر بن الخطاب إلى النبى ـ ص ـ فأخبره الخبر.
فأنزل الله تعالى { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } [ البقرة : 187]
[ المقبول من أسباب النزول: لأبى عمر الأزهرى ص 95ـ مرجع سابق، وأضاف المصنف فى غسناده صحيح وان أبا داود " من أصحاب الصحاح" اخرجه بنحوه من رواية ابن عباس.
و ( لباب النقول فى أسباب النزول ) للسيوطى ـ ص33 ـ مصدر سابق أورده من رواية عبدالله بن كعب بن مالك وقال: أخرجه أحمد وابن جيري ( = الطبرى ) وابن أبى حاتم.
و ( أسباب النزول ) للواحدى ـ ص20 ـ مصدر سابق.
وقد ذكر الواحدى النيسابورى أن الصحابة " شكوا ذلك لرسول اللله ـ ص ـ فأنزل الله هذه الآية ] .
وينفحنا الواحدى بمُعطى هام هو أن الصحاب عمهم السرور عندما تلا عليهم " الهادى" هذه الآية، كيف لا ومقاربة الزوجات وملك اليمين معلم يومى بارز فى حياتهم المبرورة، وذكر ان مسالة الإنبساط هذه أورها البخارى فى صحيحه وهو أصح كتاب السنة والجماعة بعد القرآن ففرحوا فرحًا شديدًا ـ رواه البخارى [ ذات الصدر السابق ـ ص 31].
تزوج أبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال من بنى مخزوم أيضًا وهو فى ذات الوقت ابن عمة " الفاتح" بَرّة بنت عبد المطلب بن هاشم وأخوه من الرضاعة أرضعتمها مولاة لأبى لهب تبت يداه ـ تسمى ثُويبة.
وأسلم كلاهما ونزحا إلى الحبشة مع من نزح ثم عادا ونزحا مرة أخرى لقرية الحرتين واشترك أبو سلمة فى الغزوات والسرايا ثم مات فى السنة الرابعة وغدت هند أرملة.
وتميزت بجما نادر ووضاءة باهرة وحسن فائق ونضارة ربانية. قبل زواجها " كانت جموع شباب تتسارع لتخطب ودها ولتطلب يدها" [ "أم سلمة أم المؤمنين" إعداد : أ. أمينة أمزيان الحسنىـ الجزء الأول ـ ص50 ـ الطبعة الأولى 1419هـ/1998م ـ وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية / المملكة المغربية ].
إذن جمعت بنت زاد الركب المخزومى بين عراقة المحتد ونبالة الأب وارستقراطية البيت والوسامة والقسامة والملاحة.
فلما تأيّمت وانقضت عدتها وأمست صالحة للتزوج أرقل إليها عتيق عارضًا نفسه عليها ونسى أنه من فرع هزيل فى قريش " تَيْم" لا يصل إلى مستوى ركبة رهطها’ ولأدبها الجم وأخلافها العوالى " ردته فى رفق" [ المصدر نفسه ص 170 ].
فحَجَل إليهل أبو حفص عمر وتلقى ذات الجواب. [ المصدر والصفحة ].
وهو أمر بديهى لا ندرى كيف لم يفطن إليه ابن الخطاب فهو من بطن خَمَيْص ضامر، فأين عدىّ من مخزوم. [ نحن نرجح أن أهم دوافع التيمىّ والعدوىّ لخطبة أم سلمة هو أن يحولا دون نكاح " صاحب البيان" إياها لما تتمتع به من جمال باهر ووضاءة فائقة فتغدو منافسة خطيرة لابنتيهما عائشة وحفصة ونزاحمهما فى مكانتهما عنده ولما يسببه لهما ذلك من غيرة وقلق وهو ما تحقق بحذافيره أ.هـ. ].
ثم تقدم لخطبتها " سعد الخلائق" بيد أنها اعتذرت بلطف ورقة بالغتين وتعللت بأنها مُصبيّة ولعدم وجود ولىّ من اهلها يزوجها. [ السمط الثمين للمحب الطبرى ـ ص 150 ـ مصدر سابق ].
ونرجح أن مرجعه لسببين:
أ ـ حزنها الشديد على زوجها أبى سلمة إذ كثيرًا ما رددت ( من خير من أبى سلمة )؟.
ب ـ الفارق فى العمر فـ " ذو البراهين" عند تزويجه بلغ الثالثة والخمسين ووفاة أبى سلمة فى السنة الرابعة أى سنة آنذاك سبع وخمسون سنة.
أما هند فقد حققت الباحثة المغربية وتوصلت إلى أنها توفيت سنة إحى وستين وأن سنها أربع وثمانون سنة [ المصدر السابق ص 574 ]. أى أنها وقت نزوح ( نعمة الله ) بلغت الثالثة والعشرين من عمرها وعند وفاة زوجها ناهزت السابعة والعشرين ( واستنادًا إلى ذلك نستطيع أن نستنتج أن ام سلمة ولدت قبل الهجرة بثلاث وعشرين سنة أى قبل بعثة الرسول بعشر سنوات ). [ نفس المصدر ص 49 ].
وبحسبة بسيطة نصل إلى أن الفارق ينيف على ثلاثين عامًا.
وقد غضب العدوىّ أشد الغضب حين ردّت " صاحب التاج" ولم توافق على قبول خطبته وكلمها فى ذلك ولكنها أظهرت له أعذارها. [ السمط الثمين للمحب الطبرى ـ ص 150 ].
ونحن نذهب إلى ان غضب العدوىّ الشديد هو ما يسميه علم النفس " عملية إسقاط" فهذا تعبير عن مكنون صدره لأنها أولته ظهرها.
ولكن " صاحب المنر" لم ييأس فَغِبّ أن أخفقت سفارة حاطب بن أبى بلتعة [ ذات المصدر ص 149]. توجه إليها بنفسه يخطبها ويحاورها ويفند ما تعللت به [ أورده أحمد فى مسنده وعبد الرازق فى مصنفه وابن سعد فى طبقاته نقلاً عن " ام سلمة" لأمينة الحسنى ـ ص 110 ـ مصدر سابق ].
كما أن عمار بن ياسر أدى دورًا طيبًا فى إقناعها لقبول نكاح " المُنجد" غياها، فهو اخوها فى الرضاعة. [ السمط الثمين للمحب الطبرى ص 152 ـ مصدر سابق ].
وفى ذات الوقت مولى لبنى مخزوم رهطها [ فى إحدى المرات تلاحى خالد بن الوليد المخزومى مع عمار فى حضرة " الأخشم" ، فأغلظ عمار لابن الوليد الذى تعجب واندهش وتوجه للمانح متسائلاً: أتدع هذا العبد يشتمنى؟، باعتبار ابن ياسر مولى لبنى مخزوم أى تابع لهم بيد أن " الشهيم" زجر خالدًا زجرًا عنيفًا. فإذا ثبت أن الواقعة حدثت قبل مراودات الخطبة فإن ما فعله عمار بشأنها يعد لجميل " صاحب العطاء" لأنه انتصر له من خالد سيده السابق وابن الوليد بن المغيرة رجل قريش فى الأيام الخوالى. أ. هـ. ].
وما فعله عمَّار فى هذا السبيل أنه انتزع من حِجر أم هند طفلتها المولودة حديثًا ووصفها بـ " المشبوحة" ـ زينب وذهب بهل لمن ترضعها كيما تتفرغ أمها تفرغًا كاملاً [ السمط الثمين: ص152ـ ونساء النبى لبنت الشاطئ ص123ـ ورد فى الفتح الربانى لترتيب مسند الإمام أحمد: للساعاتى وأخرجه عبد الرازق فى مصنفه وابن سعد فى طبقاته والبيهقى فى سننه نقلاً عن" أم سلمة" لأمينة الحسنى ـ جزء أول ص 58 ].
تم الزواج وانضمت بنت أبى أمية إلى ركب نسوان وزوجات " البارع" وصوّت ذلك عندهن دويًا صاخبًا لما يعلمنه علم اليقين عن فتنتها وحسنها " عن هشام بن عروة عن أبيه أن النبى ـ ص ـ تزوج أم سلمة وكانت من أجمل النساء " [ السمط الثمين ـ ص152].
وتصف بنت الشاطئ هند بأنها عزيزة ذات جمال وإباء وفطنة، وأحدث دخولها ضجة فى دور النبى وأشاع قلقًا وأى قلق فى الزوجتين الشابتين عائشة وحفصة. [ نساء النبى لبنت الشاطئ ص 118 ]. ومن المحال ألا يقع وأكثر منه ولعل ما صرحت به التيمية ينت عتيق فى حقها يثبته : " لما تزوج رسول الله ـ ص ت أم سلمة حزنت حزنًا شديدًا لما ذُكر لنا من جمالها، قالت: فتلطفت لها حتى رأيتها فرأيتها والله أضعاف ما وُصِف لى من الحسن " [ الإصابة ج/8 ص 241 نقلاً عن نساء النبى لبنت الشاطئ ص 117 و" أم سلمة" لأمينة الحسنى ص 120 وأضافت آخر بخلاف الإصابة وهو " الطبقات الكبرى" لابن سعد ج/8 ص 94].
فأم سلمة ذات أصل عريق وحسب ونسب كما كانت على جانب كبير من النضارة وتتمتع بقسط وافر من الحُسن والجمال مما أحدث ضجّة فى بيت النبى ـ ص ـ عند زواجه منها وأشاع قلقًا وغيرة واضحة فى نفس ضرّتيها عائشة وحفصة. [ أم سلمة : لأمينة الحسنى ص 49، 50].
من نافلة القول أن نرقم أن " أم سلمة" حظيت عند " الذاكر" ومكث عندها ثلاثة أيام بعد أن إختلج عمار منها رضيعتها زينب وعرض عليها أن يمُدّ فترة الُبْث إلى أسبوع بيد أنها ردت ثلّث. [ "السمط الثمين" للمحب الطبرى ص 153].
ويبدو أنها إقتنعت بالثلاثة أيام فقط لأنها افتقدت طفلتها الرضيعة زينب.
وتعددت مظاهر حظوتها لديه منها " تقبيله إياها وهو صائم". [ أخرجه الشيخان فى صحيحهما وهما البخار ومسلم : نقلاً عن " السمط الثمين" للمحب الطبرى ص 155].
ابتداؤه بها عندما يدور على نسائه. [ المصدر السابق ص 156]. نومها معه فى لحاف واحد وهى حائض. [ صحيح البخارى والمسند لأحمد ابن حنبل ـ المصدر السابق ونفس الصفحة ] . إغتسالها معه فى الجنابة فى إناء واحد [ صحيح مسلم : كتاي الطهارة ص 157]. ونص الحديث الشريف: { صحيح البخارى ـ كتاب الحيض المجلد الأول 4 ـ باب: من سمى النفاس حيضا.
294ـ حدثنا المالكي بن إبراهيم قال : حدثنا هشام ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة: أن زينب بنت أم سلمة حدثته: أن أم سلمة حدثتها قالت: بينا أنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، مضطجعة في خميصة، إذ حضت، فانسللت، فأخذت ثياب حيضتي، قال: (أنفست). قلت: نعم، فدعاني، فاضطجعت معه في الخميلة. [ 316، 317، 1828 ] ش أخرجه مسلم في الحيض، باب: الاضطجاع مع الحائض في لحاف واحد، رقم: 296.
( خميصة) ثوب مربع من خز أو صوف. ( فانسللت) ذهبت في خفية. ( ثياب حيضتي) الثياب التي أعددتها لألبسها حالة الحيض. (الخميلة) هي الخميصة أو هي ثوب له خمل وهدب }.
وفى صحيح مسلم: الجزء الثالث. كتاب الحيض ـ 57 ـ باب الاضطجاع مع الحائض في لحاف واحد. ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ حَدَّثَتْهَا قَالَتْ:
بَيْنَمَا أَنَا مُضْطَجِعَةٌ مَعَ رَسُولِ اللّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْخَمِيلَةِ إِذْ حِضْتُ، فَانْسَلَلْتُ فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حيْضَتِي، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنُفِسْتِ؟"
قُلْتُ: نَعَمْ.
فَدَعَانِي فَاضْطَجَعْتُ معَهُ فِي الْخَمِيلَةِ.
قَالَتْ: وَكَانَتْ هِيَ وَرَسُولُ اللّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَغْتَسِلاَنِ، فِي الإِنَاءِ الْوَاحِدِ، مِنَ الْجَنَابَةِ }.
فى هدية النجاشى المردودة عندما قسّمها على نسونه ففضلها عليهن. [ المسند أحمد بن حنبل : ص 158].
تلك الزوجة الغضة النضرة الحسينة الأثيرة عند زوجها " البحر" عندما تؤمه باستفسار من حقها عليه أن يبين لها. فهى فضلاً عما أكسبتها حياة البادية من صفات الشجاعة والمروءة والإعتزاز بالنفس، وغير ذلك من الصفات التى ورثتها عن أبيها فنشأت فصيحة اللسان قوية البيان ذات ذكاء وفطنة. [ أم سلمة : لأمينة الحسنى ـ ص 50].
ولقد أهمها موقف القرآن الكريم من النساء:
{ أخرج الترمذى والحاكم وأبو يعلى وغيرهم أن أم سلمة أنها قالت يا رسول الله، لا أسمع الله ذكر النساء فى الهجرة بشئ ... فأنزل الله عز وجل : { فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ } [ آل عمران 195].
[ ( المقبول من أسباب النزول ) لأبو عمر نادى الأزهرى ص 150. وأضاف بخلاف مصادره التى أوردها فى فاتحة الخبر أن الواحدى رواه فى أسباب النزول والحميدى فى مسنده والبخارى فى التاريخ الكبير والطبرى فى تفسيره وأن الذهبى اقره وصححه والمصنف قال عنه: إسناده صحيح. ـ ( ولباب النقول فى أسباب النزول ) للسيوطى وذكر أن عبد الرازق أخرجه فى مصنفه مسعيد بن منصور وابن أبى حاتم ـ بخلاف الترمذى والحاكم ـ مصدر سابق .
وأسباب النزول : الواحدى ـ ص 92.
( أم سلمة ) لأمينة الحسنى ـ ص 239. وأضافت أن راوى الحديث هم سلمة بن عبدالله بن عمر .. أحد حفدة هند / أم سلمة وسبق أن وصفت مثل هذا الحديث أنه عائلى مما يوثق صحته].
وهكذا تضافرت هذه المصادر والمراجع على علو قدر هذا الحديث ونأيه المطاعن وبعده عن القوادح وخلوه من المثالب. والذى يشحن قلب ابنة أميّة بالهم والقلق والشجن لابد وبطريق الحتم واللزوم أن يصيب " الحفىّ / اللطيف " بقدر وسيع منه لأنها بعلته الحبيبة وزوجته المضلة وحليلته المقربة.
وقد رأينا أنه فى أمثال هذه المقامات يتكرم " المبين المُحكم" ويفتح طاقة منها مكونات الهم وعناصر الغم وأجزاء الإزعاج فعلى الفور انبثقت منه آية بالمساواة بين الذكور والإناث فى الأجر وخاصة أجر النزوح لأنها من بين من نزح مرتين الأولى إلى بلد أصْحَمَة ( الحبشة ) والأخرى إلى القرية ذات الحرتين " أثرب".
فلما تلا " خيرة الله" الآية على زوجته ذات المنزلة الحميمة تهلل وجهها وانفرجت أساسيرها ومن البديهى أن جميعه انعكس على " آية الله" طلاقة وبشرًا وأنسًا.
وتقدم لنا الباحثة المغربية أمينة الحسنى هدية بالغة الثمانة عالية القيمة وهى ان استجابة " مأدبة الله" جاءت على الفور لا على التراخى، لم تتأخر أو تتمهل أو تتباطأ ومردّه إلى المنزلة السامية لابنة زاد الركب . قال الشيخ منصور على ناصف صاحب التاج الجامع للأصول معلقًا: " ففيه إشعار بعلو مكانة أم سلمة حيث أجابها الله بسرعة " [ ( التاج الجامع للأصول فى أحاديث الرسول ) للشيخ منصور على ناصف الجزء الرابع ص 90 كتاب التفسير / نقلاً عن ( أم سلمة) لأمينة الحسنى ص 239 ].
ونأمل أن يتفرس القارئ فى عبارة وردت فى الفقرة التى نسخناها عن الشيخ منصور وهى " أجابها الله بسرعة " إذ تشف عن أن البعض فَطِن إلى العلاقة الجدلية بين الذكر الحكيم والقائد وكذا إلى العلة فى انبثاق سوره وأياته نجومًا ولماذا لم يشرق جميعه فجأة وكرّة واحدة يتيمة. وما علاقة ذلك باللوح المحفوظ؟؟؟؟؟ . ولو أن فطانة الشيخ منصور وأنداده إلى هذا الملمح المُمْعن عُمق شأنه تنبع من منظور الدروشة ولغقالة العقل وتغييب الوعى وتغريب الفكر وتهجيره.
وهو بالطبع بخلاف منهجنا الى إلتزمناه ومازلنا وبداهة لا نُكره غيرنا على اتباعه فكما يقول المثل " لكل شيخ طريقة" بيد انّا على إقناع أن جادتنا هى الأصح والأصوب إلى أن ياتى من يثبت لنا العكس لأننا لا ندعى لمنهجنا العصمة ولا لأفكارنا المطلقية كما يدعى الآخرين وهيئات التقديس السلفية.
ورجالهم فى نطاق الإتصال بنسونهم لا يكتفون بقضاء الوطر وإشباع الغريزة والحصول على الخلفة بل يتغنون فى أوضاع المعاسفة، فمرة مقبلة وأخرى مدبرة وثاثة باركة ورابعة مُجبية، وخامسة شَرْحًا وبفضل أن يجئ مُنكرًا إمعانًا فى الحصول على أعلى قدر من المتعة .. وأمسى هذا المسلك من قبل القرشيين عُرفًا مستقرًا وأمرًا ثابًا وتقليدًا راسخًا يقوم به رجالهم وترحب يه نساؤهم أيما ترحيب.
فى حين أن الأثاربة الأعاريب على العكس لا يبغون من مجامعة النساء سوى أن يقضوا وَطَرهم وعلى الحرف مع اكبر قدر من الستر، ولعل مآبه علتان:
الأولى: أنهم تاثروا باليهود الذين ربطتهم بهم علاقات متعددة كما رقمنا، وهؤلاء ـ خاصة طائفة الفريسيين ـ ينظرون إلى العلاقة الجنسية نظرة ضيقة أى يتعين أن تؤدى تحت ضغط الغريزة وبأبسط صورة. احترامًا للمراة وقداسة الزوجية.
الأخرى: أن بنى قيلة أوضاعهم المالية أخفض من مثيلاتها لدى بنى سخينة.
فلما نزح بنو سخينة إلى يثرب نقلوا معهم تلك العادة الرائعة !!. وعند نكاح بعضهم لنسون بنى قيلة أراد ممارستها معهن فاستهولتها الأقريبيات واستنكرنها واستقبحنها ورفصنها بالكلية لأنه حسب علمهن أنها تُرتكب مع الجوارى والإماء والسرارى والمحظيات وملك اليمين أما مع الزوجة الحرة فلا،
عندئذ طقت تساؤلات من فبل الأثربيات توجهن بها إما مباشرة وإما بالواسط إلى " صاحب السلطان" الذى وجد نفسه فى منتصف المسافة فإذا وافق الأثاربة ضاق المنازيح بنو سخينة ذرعًا وهم أجناده الأوفياء ، وإذا أرضاهم تململ بنو قيلة وهم الذين آووا ونصروا.
إذن ما المخرج؟
أن يشرق جبريل بآية أو أكثر من القرآن المجيد تضع الأمر فى نصابه الصحيح ويحتفظ للرسول الأمين بأحلافه ورجاله المقاتلين من المنازحين والأثاربة ، ولا يستطيع أحد من الفريقين أن ينبس بعدها ببنت شفة.
{ قال ابن عباس إن هذا الحى من قريش كانوا يتزوجون النساء ويتلذذون بهن مُقبلات ومُدبرات فلما قدموا المدينة تزوجوا من الأنصار، فذهبوا ليفعلوا بهن كما كانوا يفعلون بمكة فأنكرن ذلك وقلن هذا شئ لم نكن نُؤتى عليه، فانتشر الحديث حتى انتهى إلى رسول الله ـ ص ت فأنزل الله تعالى فى ذلك { نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } [ البقرة 223 ]. قال: إن شئت مُقبلة وإن شئت بَركة وغنما يعنى بذلك موضع الولد } [ ( أسباب النزول ) للواحدى ص47 . وقال رواه الحاكم / و( لباب النقول فى أسباب النزول ) للسيوطى ص 31 ـ أضاف أبى الحاكم أبا داود وهو واحد من الصحاح الست / و( المقبول ) لأبى عمر نادى الأزهرى ص 126، 127، 128 ـ وأورد حديثًا مشابهًا قال عنه: أخرجه النسائي عن نافع مولى ابن عمر ].
وهناك خبرًا عن رجل من حمير أتى " أبا القاسم" فقال له:
{ غنى أحب النساء وأحب أن آتى امرأتى مجيبة أى منكبة على وجهها فكيف ترى ـ فأنزل الله تعالى الآية { نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } [ المرجع السلبق ص 129].
ولنلتفت فى هذا إلى ملحظين:
أ ـ قول الحميرى إنى أحب النساء مما يقطع أنه مكون اساسى فى نفوس أولئك العَرَبة الأجلاف الأوباش ، وهذا مآبه كما رقمنا فى كتابات لنا سوابق أن حيواتهم تَصْفُر من أى نشاط اجتماعى أو ثقافى أو فنى أو رياضى ومن ثم فليس ثمة أمامهم إلا هذا النزوع.
ب ـ أنه استبيان مباشر توجّه به صاحبه إلى " الفخر " ولا يتصور أن يذر الإعرابى دون إجابة شافية خاصة أنه لابد أن لمح من لهجته وانفعاله وكيفية نطقه أنه يعتبرها بالنسبة إليه مسألة حياة أو موت.
تدخلت هند أم سلمة فى خبر ثالث وأدت دور الوسيطة بين اثربية وبين " الظَفُور" واستوضحته نيابة عنها لأن المرأة هابته واستحيت أن تتقدم إليه مباشرة خاصة أن فى السؤال حساسية: { أخرج الترمذى واحمد عن أم سلمة قالت: لما قدم المهاجرون المدينة على الأنصار تزوجوا من نسائهم وكان المهاجرون يُجِبون وكانت الأنصار لا تُجبى، فأراد رجل من المهاجرين امرأته على ذلك فأبت عليه حتى تسأل رسول الله ـ ص ت قالت فاستحيت أن تسأله، فسألته أم سلمة فنزلت الآية: { نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } [ المقبول ص 130 ونلفت النظر إلى أن من أخرجه الترمذى أحد الصحاح الست وأحمد فى المسند، ووصف المصنف أن إسناده حسن. وأم سلمة لأمينة الحسنى ص 221، 222 ].
قدّ أحسن القصص موقف " المصطفى" فى هذه المسالة التى إمتازت بقدر من الدقة لأن بنى سخينة يحتل موضوع " معاسفة الإناث" مساحة طويلة عريضة من نفوسهم ووجدانهم وغرائزهم.
فى حين أن بنات قيلة علقنها على الكرامة والمكانة والاعتبار الشخصى لأنها ببساطة شديدة تحولهن من حرائر إلى إماء ، وإجابة أى طرف لمبتغاه سوف تثير لدى الآخر قدرًا من الغضب المكتوم والحنق المدسوس والغيظ الخبئ، من هذا المنطلق أسعفه بآية لابد أن يتقبلها الجميع بالرضا ويتلقفها بالتسليم ويتناولها بالإذعان، ومما لا مشاحة فيه أن " ذا المقام المحمود" شكر الذكر الحكيم على وقوفه معه يحل له الأزمات.
ومن هنا ما انفكت استفهاماتهم واستيضاحاتهم تدور فى هذا المضمار.
وشكلت أسئلتهم لـ " الأمين" فى هذا المجال نسبة متميزة، ونحن لا تخالجنا ذرة من ريب فى أنه " ذو الخلق العظيم ومتمم مكارم الأخلاق" بشهادة القرآن كان لابد من أن يجيبهم ويلبى ما يجول فى خواطرهم لأنهم عسكره الذين بسيوفهم الباترة ورماحهم النافذة وخناجرهم القاطمة يحقق طابتين عزيزتين عليه أثيرتين لنفسه، ححبيبتين إلى فؤاده:
الأولى: نشر الديانة التى بشر بها { صحيح البخارى ـ باب الإيمان ـ حديث 24: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُسْنَدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحٍ الْحَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ حَمَّدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحََهِ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّ الإِسْلامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ }. [ وأخرجه مسلم فى صحيحه ايضًا
الآخر: إقامة الدولة التى مهد لها اجداده : قصىّ، وهاشم، وعبد المطلب.
لقى المسلمون فى حنين فى اول المعركة هزيمة نكراء كما حدث فى أحد لولا شجاعة " الشديد" ونفر قليل معه وثباتهم وعدم فرارهم كما فعل الكثير من الصحابة الأجلاء المقربين فلما انهزمت هوازن عسكروا بأوطاس عسكرًا عظيمًا. [ المغازى للواقدى ـ الثالث ـ ص 915 ].
وغنموا مغانم جزيلة حتى إن عددًا من المؤرخين والإخباريين ومصنفى كتب السيرة المحمدية المعطاءة لكل خير يذهب إلى أنهم لم يحظوا بمثلها فى أى غزوة أو سرية ومن بينها سبايا كثيرات من نسوان وفتيات وصبايا قبيلة هوازن وإذ إن " المكىّ المكين" أدرى بنفسيات تبعه فقد وزّع عليهم أنصبتهم على الفور وفى ذات الموقع وكأنما يحدّث نفسه " لِمَ خرجوا معى إذن؟"و وعلى الرغم من انهم فى بدّى المعركة انكشفوا انكشافًا مريعًا وولوا الأدبار ومنحوا عدوهم أكتافهم وظهورهم وأمعنوا فى الهروب حتى إن أبا سفيان بن حرب قال متهكمًا عليهم (لا ننتهى هزيمتهم حتى البحر) [ ذات المصدر ص 910 ].
وفاز عدد وفير من الصحبة كل منهم بواحدة أو اثنتين من السبايا الوضيئات فتلمظت شفاهم ولم ينتظروا حتى يصلوا بهن إلى يثرب مع أن المسافة قصيرة وعزموا النية وعقدوا الخناصر وأجمعوا الأمر على مفاخذتهن غِبّ تسلمهن بيد أن أولئك السبايا أبدين قدرًا من المكر وشطرًا من المخادعة ونصيبًا من المخاتلة تهربًا بقدر ما يستطيعن من هتك أعراضهن وهن الحرائر بنات النسب والحسب والشرف، فكلما اقترب صاحبى من واحدة منهن أخبرته أنها ذات بعل ، فعكرن عليهم مزاجهم وأذهبن بهجتهم وأطفأن شعلة غريزتهم وفرحهم وتلهفهم و شبقهم لأن معناه الإنتظار ختى تحيض ولو حيضة واحدة وهى " حيضة الاستبراء" أى خلو الرحم من اى شئ علق به حتى يغدو الولد ابن الصحابى حقيقة لا فرضًا.
إزاء ذلك وقع الأتباع فى خاص باص فإما أن يعتلوهن وفى هذا مخاطرة لنسبة الولد إليهم وإما أن يتريثوا حتى تحيض المملوكة وهو لا طاقة بهم على الإنتظار ولا استعدادًا لديهم للبث ولا صبر عندهم على المُكث.
فماذا يفعلون إزاء هذه المشكلة التى أهمتهم وأررقتهم وأقضت مضاجعهم؟.
ليس أمامهم إلا باب " العالم" كيما يلوذوا بجنابه ويقفوا على أعتابه ويطرقوا أبوابه:
{ روى مسلم وأبو داود والترمذى والنسائى عن أبى سعيد الخدرى قال: أصبنا سبايا من سبئ أوطاس لهن أزواج فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أزواج فسألنا النبى ـ ص ـ [ ( لباب النقول ) للسيوطى ص 50 ـ مصدر سابق].
الحديث ورد فى اربعة من كتب الصحاح الستة وفى مقدمتها صحيح مسلم المًصلى ( التالى ) لصحيح البخارى.
كما أن راوى الحديث أبو سعيد الخدرى ذكر أن السبايا ذوات بعول حقيقية لا مجرد ادعاء منهن.
وجاء به الواحدى فى ( أسباب النزول ) برواية الخُدرى أيضًا [ ص 98].
وذكره الأزهرى فى ( المقبول ) بذات رواية السيوطى التى نسخناها قبل سطور وأضاف الآتى:
{ إسناده صحيح ورواه ابن أبى شيبة فى مصنفه واحمد فى المسند وأبو يعلى فى مسنده والبيهقى فى السنن والطبرى فى التفسير والسيوطى فى الدر المنثور ونسبه أيضًا ( = السيوطى لا الأزهرى ) للفريانى وعبد الرازق والطيالسى وعبيد بن حميد [ المقبول للزهرى ص 206 ].
لكن المصنف الأزهرى رقم معلومة على درجة عميقة من الأهمية وهى أن مُسلمًا فى الصحيح أورد فى كتاب الرضاع باب = جواز وطء السبية بعد الإستبراء [ ذات المرجع والصفحة ] ، أى أن استبراء رحم الجارية أو المملوكة أو الأمة شرط لإمتطائها.
ومن المفسرين القدامى أو السلف القاضى البيضاوى لقول أبى سعيد الخدرى أصبنا يوم اوطاس سبيًا ولهن ازواج فكرهنا أن نقع عليهن فسالنا النبى ـ ص ـ [ تفسير البيضاوى ص 108].
ومن المحدثين الشيخ عبد الحميد كشك إذ أورد الخبر ذاته بحروفه. [ فى رحاب التفسير لعبد الحميد كشك ج/5 ص 878 ـ مرجع سابق ].
ونذكر القارئ بما سبق أن أسلفناه فى المقدمة أن المحدثين يتعكزون على السلف وياخذون بمقولاتهم دون غضافة أو تعليق أو تفنيد.
ثم نختم بعمدة مؤرخى الغزوات :
وأصاب المسلمون يومئذ سبايا فكانوا يكرهون أن يقعوا عليهن ولهن أزواج فسالوا النبى ـ ص. [ المغازى للواقدى ج/3 ص919 سبق لنا إثباته ].
بعد أن أم التبع " أكرم خلق الله " يسألونه حلاً لهذه المعضلة الجنسية التى اهمتهم واكربتهم وأزمتهم وهو ينقه موقعها فى نفوسهم أمسى الموقف دقيقًا، فمن ناحية هناك " حيضة الإستبراء" التى يتعين عليهم أن ينتظروها ومن ناحية اخرى هو يعلم مدى لهفتهم على وطئ السبايا أو الصبايا الوضيئات، فإذا أباح لهم الوطء جاء ذلك مخالفًا لقاعدة شرعية مستقرة هم يعرفونها والواجب عليهم أن يُذعنوا لها وألا يطلبوا مخرجًا من هذه الزنقة. وإذا أمرهم بالتربص والإنتظار أصابهم أمره بالنكد والتمرد إذ حال بينهم وبين المتعة التى يلهثون وراءها ، وهو من عمق الحصافة والحرص على عسكره وغزاته بحيث يدرك أن إدخال الغم على صدورهم لا يعد من حسن السياسة.
ابو تراجى
01-04-2010, 04:48 PM
وهنا يقتحم القرآن دائرة الأزمة ويحاصرها ويطوقها ويقضى عليها:
فأنزل الله تعالى الآية: { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا } [ النساء: 24 ]. [ المغزى للواقدى ج/3 ص 919 ].
وفى تفسير البيضاوى : ( فاستحللناهن وإياه عَنَى الفرزدق بقول: وذات أنكحتها رماحنا : حلال لمن يبنى بها لم تطلّق ) [ ( أنوار التنزيل وأسرار التأويل المسمى تفسير البيضاوى ) ص 180 مصدر سابق ـ وكذلك ( أسباب النزول ) للواحدى النيسابورى ص 98 ـ مصدر سابق].
وفى المقبول : ( يعنى السبية من المشركين: تصاب لابأس بذلك ) [ المقبول فى ألسباب النزول : لأبى عمر نادى للأزهرى ـ ص 207 ].
ويبدو أن البعض منهم تحرّج وربما دفعه لذلك خشيته أن السبية قد علقت من زوجها فأخذ يعزل أى يهريق ماءه خارج الرحم فسألوا النبى ـ ص ـ يومئذ عن العزل فقال: ليس من كل الماء يكون الولد، وإذا أراد الله أن يخلق شيئًا لم يمنعه شئ . [ فى رحاب التفسير : لعبد الحميد كشك ص 878 ].
وبهذه الآية الكريمة حُلت المشكلة وبداهة ان أصحاب السبايا الجميلات عمهم الفرح والسرور وفرحوا بالتفخيذ.
وبها يزيدنا القرآن حجة أنه دائمًا مع " الصبور " لايدعه طرفة عين وأنه معه فى ترحاله .
وأظهر ما نتصبت فبه بداوتهم وتمثلت فى حُشيتهم وبرزت فيه جفاوتهم أسئلتهم السمجة واستفساراتهم السقيمة واستيضاحاتهم المستهجنة واستبياناتهم المرذولة ... إلخ.
( عن ابن عباس كان قوم يسألون رسول الله ـ ص ـ استهزاء فيقول الرجل من أبى؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتى؟ .. ) [ ( لباب النقول) للسيوطى ص 78 ، وقال إنه فى صحيح البخارى / و ( أسباب النزول ) للواحدى النيسابورى ص 141 وذكر أيضًا أن محمد بن إسماعيل البخارى قد رواه / و ( المقبول ) للأزهرى ص 310 / وأكد أنه فى صحيح البخارى وأضاف أن إسناده صحيح وأن الطبرانى رواه فى الكبير والطبرى فى التفسير والسيوطى فى الدر المنثور وأنه زاد نسبته لابن مردويه وابن أبى حاتم / و ( التسهيل لعلوم التنزيل ) لابن جزئ الكلبى ص 189 ].
وهكذا ثبت ركاكة وتفاهة عصبة من صحبه من واقع حدي رواه البخارى فى صحيحه ونقلته عنه مصادر من ذوات الرتب العوالى.
وعدد هؤلاء ليس ضئيلاً بل هو مفرطح ومفرشح ووسيع. مما حث " المُتبتل ؟؟ " على أن يعتلى المنبر وهو غاضب للغاية ويخطب بشأن هذه السخافات لدرجة أن العدوىّ ابن الخطاب اعتبرها فتنة واستعاذ من شرها:
{ روى أنس أنهم سألوا النبى ـ ص ت فأكثروا المسالة فقام على المنبر فقال: لا تسألونى عن شئ ما دمت فى مقامى هذا إلا حدثتكم به، فقام عبدالله بن حذافة السهمى ـ وكان يُطعن فى نسبه ـ فقال يا نبى الله من أبى ؟ فقال أبوك حذافة بن قيس. وقال سراقة بن مالك، ويروى عكاشة بن محصن يارسول الله: الحج علينا فى كل عام؟ فأعرض عنه رسول الله ـ ص ـ حتى أعاد مرتين أو ثلاثًا فقال ـ ص ت ويحك وما يؤمنك أن أقول نعم، والله لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت لتركتم ولو تركتم لكفرتم، فآتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه. وقام آخر فقال يا رسول اله أين أبى؟ فقال فى النار، ولما اشتد غضب الرسول ـ ص ـ قام عمر وقال: رضينا بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًأ .. } [ مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير: للإمام فخر الدين الرازى ـ ج 6 ـ عند تفسيره المائدة 164 مصدر سابق / والمقبول للأزهرى ص 311 وقال إنه صحيح الإسناد أورده ابن جرير اطبرى رواه فى تفسيره وكذا ابن كثير وفى تفسيره والسيوطى فى الدر وأضاف لما رقمه الرازى على لسلن العدوى : ... ونعوذ بالله من سوء الفتن ].
الذكر الحكيم هل يترك الحنيف يعانى هذا المسلك الجانح والفعل المنفلت من أولئك الصحابة الذين بلغت شدة خشالتهم وكثافة تنطعم دفعه إلى ذروة الغضب وهو مضرب المثل فى الحلم والقدوة والصبر؟؟.
لاشك أن الإجابة ستجئ بالسلب استقراء من مواقف القرآن العظيم معه فأهداه آية كريمة { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنْهَا وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ } [ سورة المائدة: 10 ].
وفيها إعلام لهؤلاء النفر ولغيرهم بالكف عن ولوج هذا الدرب، وإذ أنه نهى جاء به الفرقان فلا مجال إذن للنقاش فيه أو مخالفته ، وبذا استراح " السابق بالخيرات" من هذه المشكلة التى بعثت الغيظ إلى ذاته الشريفة وهكذا يتم تدخل القرآن فى الوقت المناسب لأنه يعاين عن كثب كافة شئونه وأوضاع.
6ـ هاجس الحصول على الغنائم والأنفال والأسلاب هو الذى هيمن على أتباع " الصادق الصادوق" وهم يخرجون بمعيته الشريفة فى اغزوات أو منفردين فى السرايا، وهذا ميراث متأصل فى نفوسهم من النشأة الباكرة والتربية المتقدمة، ويستحيل عقلاً وواقعًا أن يفارقوه أو يفارقهم فى البضع سنوات التى حظوا فيها بصحبة المصطفى فإن سنن الإجتماع ترفضه وتخبرنا عن أن غلف العادة التى ترجع إلى الصبا من أعسر الأمور التخلى عنه.
ومصداقيه أن واحدًا من أسبق الذين تابعوه على ديانته التى بشر بها حزن حزنًا دفينًا يعادل حزنه على مقتل أخيه لأن " المطاع" رفض أن يعطيه سيف أحد قتلى الأعداء فى غزوة بدر الكبرى.
{ عن محمد بن عبد الله الثقفى عن سعد بن أبى وقاص قال: لما كان يوم بدر قُتل أخى عمير وقُتل سعيد بن العاص وأخذت سيفه وكان يسمى ذا الكتيفة فأتيت به النبى ـ ص ـ قال: فاذهب فأطرحه فى القبض قال: فرجعت وبى ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخى واخذ سلبى .. } [ ( أسباب النزول ) للواحدى النيسابورى ص 155 / و ( لباب النقول ) للسيوطى ص 85 وذكر أن أحمد بن حنبل رواه فى مسنده / و ( المقبول ) للأزهرى ص 533 ـ مراجع سابقة ].
هكذا وجد هذا الصحابى على فقد سلبه أو حرمانه منه ما وجد على قتل أخيه، وهذا ينفحنا مؤشرًا على أن نفوس هؤلاء أسربت حب الغنائم والأسلاب، وتعليله أنها مصدر رئيسى لديهم فهم لا يعرفون الصناعة بل ويحتقرون من يزاولها ويسمونه قيْنًا أى عبدًا، وهناك قبيلة مضاربها قرب أثرب تسمى بنى سليم احترفوا صناعة الأسلحة وبالأخص السيوف فتهكم عليهم هؤلاء العَرَبة وسموهم بالقُيون أى العُبدان.
وبذات القدر سخروا من الزراعة والزراع وعندما امتهن بنو حنيفة الزراعة تهزأ هؤلاء الأعاريب بهم وقالوا عنهم: سيوفهم مساحيهم.
ولما غزوا العراق والشام ومصر وداسوا بخيولهم المباركة أراضيها واستعمروها واستوطنوها ونزحوا خيراتها تعالوا على اهلها ووسموهم ب ( العْلوج ) لأن عملهم الأصيل الزراعة ولم يستحوا أن الأموال الطائلة بكافة صنوفخا التى كسحوها من هذه البلاد ونقلوها إلى واديهم القفر الغير ذى زرع هى نتاج جهود وعرق الفلاحين أو ( العلُوج ).
ثم عود إلى السياق:
لخلو أيدى تبع " الموقر" من أى حرفة أو مهنة ولن بنى سخينة جردوهم من أموالهم التى درجوا على توظيفها فى التجارة. هذا من ناحية المنازيح أما بالنسبة لبنى قيلة فشأنهم كسائر العرب فى اعتبار حب الغنائم وتوابعها بمثابة الغريزة، لجماعه كله حدثت خناقة بين كبار الصحاب وصغارهم وشيبهم وشبيبتهم عليها وفى أول غزاة يخرجون فيها.
{ روى أن يوم بدر: الشبان قتلوا وأسروا والأشياخ وقفوا مع رسوا الله ـ ص ت فى المصاف، فقال الشبان:
الغنائم لنا لأننا قتلنا وهزمنا وقال الأشياخ:
كنا ردءًا لكم ولو انهزمتم لانحزتم إلينا فلا تذهبوا بالغنائم دوننا فوقعت المخاصمة لهذا السبب} [ ( مفاتيح الغيب ) للرازى ـ المجلد السابع ـ ص 431 ـ مصدر سابق ].
أما القرطبى فيضع بين أيدينا رواية مشابهة أهميتها أن من ادلى بها هو واحد من المقدمين بين تبع ( العدة / الزخيرة ).
روى عبادة بن الصامت قال: خرج رسول الله ـ ص ت إلى بدر فلقوا العدو فلما هزمهم الله اتبعهم طائفة من المسلمين:
وأحدقت طائفة برسول الله ـ ص ت واستولت طائفة على العسكر والنهب، فلما نفى الله العدو ورجع الذين طلبوهم قالوا: لنا النفل، نحن الذين طلبنا العدو وبنا نفاهم الله وهزمهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله ـ ص ت ما انتم أحق به منا نحن أحدقنا برسول الله لئلا ينال العدو منه، وقال الذين استولوا على العسكر والنهب ما انتم باحق منا هو لنا نحن حويناه واستولينا عليه. [( الجامع لأحكام القرآن أو تفسير القرطبى ) للقرطبى ـ المجلد الرابع ص 2796 / و ( مرويات غزوة بدر ) جمع ودراسة وتحقيق أحمد محمد العليمى بارويز ـ ص 278، 279 الطبعة الأولى 1400هـ/1980م ـ مكتبة طيبة ـ المدينة المنورة ـ المملكة العربية السعودية. وهو رسالة نال بها المحقق درجة الماجستير من شعبة السُنَّة بالدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ـ هذا الحديث فى مسند الإمام أحمد وفى هامش ص 279: قال البناء فى تعليقه على الحديث فى الفتح الربانى 14/73، قال الترمذى هذا حديث صحيح ثم قال وأورده الهيثمى وقال رجال أحمد ثقات ثم قال: أورده الحاكم فى المستدرك وصححه وأقره الذهبى ـ وبذلك يغدو هذا الحديث صحيحًا بعيدًا عن المطاعن ].
هكذا حولت الأنفال والغنائم والأسلاب الإخوة المتحابين الرحماء بينهم إلى خصوم ألداء يوشكون أن ينقلبوا إلى أعداء، ونلفت نظر القارئ إلى كلمة ( نهب ) وردت فى الخبر مرتين والنهب فى معاجم اللغة هو الإستيلاء على الشئ قَهْرًا واغتصابًا وغلبة.
وعن السيوطى:
{ روى أبو داود والنسائى وابن حبّان والحاكم عن ابن عباس قال: قال النبى ـ ص ـ من قتل قتيلاً قله كذا وكذا ومن أسر أسيرًا فله كذا وكذا فأما المشيخة فثبتوا تحت الرايات وأما الشبان فسارعوا إلى القتل والغنائم فقالت المشيخة للشبان أشركونا معكم فإننا كنا لكم رِدءًا ولو كان منكم شئ للجأتم إلينا فاختصموا إلى النبى ـ ص ـ .. } [ لباب النقول للسيوطى ص85 ].
هذا الحديث رواه أبو داود والنسائى وهما من اصحاب الصحاح الستة وكذا الحاكم فى المستدرك وهو من دواوين السنة المحمدية المعتبرة وقد جاء به ذكر الاختصام صراحة.
كما أورده عمر الأزهرى فى المقبول وأضاف فى أسانيد الحديث المذكور بخلاف ما رقمه السيوطى:
صححه الحاكم وأقره الذهبى وأورده البيهقى فى الدلائل وابن أبى شيبة فى المصنف والطبرى فى تفسيره ( قال الشيخ شاكر فى عمدة التفسير: رواه الطبرى بثلاثة أسانيد صحاح إلى ابن عباس، وكذا زاد ابن كثير نسبته فى تفسيره لابن مروديه )
وذكر الأزهرى أن إسناده صحيح. [ المقبول لأبى عمر نادى الأزهرى هامش ص 336 ].
هكذا أمسى اختصام بل عراك الصحابة على الغنائم حقيقة تاريخية موثقة لا يمارى فيها إلا لجوج ولا يجادل بشأنها إلا خصيم ولا يحاج فيها إلا شكِس.
بعد هذا أصبح اللبيب بغير شك ضيق الصدر من تخاصمهم الذى أوضحته لنا هذه الأخبار الصحيحة بيد أن القرآن المجيد لا يذره يعانى هذه الحُروجة فتقبل آية كريمة هى الأولى من سورة الأنفال: { ... يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }
وهكذا فُض الاشتباك بين تابعيه وارتفع عن صدره الكريم الضيق وقسمها عن بَوَاء أى عن مساواة ورضى المتنازعون، وكيف لا يفعلون والتقسيم جاءت به آية صريحة على المقاس أمرتهم بالتقوى وإصلاح ذات البين وبطاعة " المشير" وعلقتها على الإيمان وقرنتها بطاعة الله جل جلاله.
{ فبمجرد أن نزل الوحى بإرجاع ذلك إلى الله ورسوله سلموا الأمر وانقادوا للحق واطاعوا الله ورسوله } [ ( مرويات غزوة بدر ) احمد بارويز ص 273 ].
وبذا على الدوام يثبت القرآن العظيم أنه مع " المُخبِت" لايغفل عنه طرفة عين ويؤكد لنا فى كل حين الحكمة من إشراقه منجمًا.
7ـ ترك اليهود أثرًا غائرًا فى بنى قيلة باعتبار أنهم أصحاب إسطير مقدس هو أقدمها جميعًا ( أخرج أبو داود والحاكم عن ابن عباس أنما كان أهل هذا الحى من الأنصار ( وهم أهل وثن ) مع هذا الحى من يهود ( وهم أهل كتاب ) كانوا يرون فضلاً عليهم فى العلم فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم ). [ لباب النقول للسيوطى ص21 ].
وقد رقمنا من قبل ما نقشه منهم الأثاربة رجالهم ونسونهم فى مسألة طيقة الجماع.
ولما وصل المنازيح إلى قرية الحرتين صار من الطبيعى أو البديهى أن تَزْرِب إليهم عدوى التأثر باليهود مباشرة أو عن طريق إخوانهم أعراب قرية ما بين الحرتين.
من بين ما اشتهر عن أولاد يعقوب موقفهم من المَرَة الحائض، فهم لا يؤاكلونها بل ولا يجمعها بهم بيت، واحد ولا شك أن الأوس والخزرج فعلوه ووصل خبره إلى المنازيح وجلهم من بنى سخينة ( قريش ) فحاك فى صدورهم لأنهم حتى ذياك الحين نظرتهم إلى بنى إسرائيل لم تتغير خاصة من ناحية احتيازهم لكتاب مقدس وفيهم علماء دين وعليه نص الذكر الحكيم { أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرَائِيلَ } [ الشعراء : 197].
ونشد الانتباه إلى ملحظ وفير الأهمية هو أنه لم يصف رجال دين بعلماء إلا هم بل لم يذكر هذا اللفظ فيه كرة أخرى.
والذى خربش نفسية النزحة ليس هو عدم المؤاكلة فهذا مألوف لديهم حتى وهى طاهرة. [ العربة عندما غزوا مصر واستعمروها واستوطنوها واستنزفوا خيراتها أتوا معهم بهذه العادة الحضارية الرائعة حتى إنها ما زالت مهيمنة فى المناطق التى احتلوها مثل الصعيد رغم مضى أربعة قرنًا مع أن المصرى القديم لم يعرفها طوال تاريخه الطويل، ربما لأن المصرى القديم أخفض منهم درجة فى سلم المدنية أ.هـ ].
إنما عزل المرة فى مكان منفصل. لماذا؟.
لأنهم خاصة بنى سخينة لابد أن يعاسفوا زوجاتهم حتى وهن حُيض بأن تُحكم إزارها على منبع الدم ويباشر ما دونه: ما فوقه وما تحته وربما يرى بعضهم أنه لابأس من المفاخذة التامة.
إذن هذا الخطر أزعجهم وهذا القيد أربكهم وهذا النهى ضيّق عليهم، كيف لا وهو سوف يحرمهم من القيام بالطقس الذى يؤدونه ولو جزئيًا، ويمارسونه ولو ناقصًا .
إذن ما المخرج؟
ليس أمامهم إلا أن يهرعوا إلى " المستجيب" يسألونه حلاً ... وبذا قبت مشكلة : إذا خالف يهودًا، ربما تأولوه أنه مناكفة لخطة الموادة والملاينة التى شرع ينفذها كما سبق أن أوضحنا، وإن وافقهم حرم تبعه من عادة شبوا عليها، ويجدون فيها متعة بل هى الوحيدة التى لهم إذ ليس لديهم أنشطة ثقافية أو فنية أو أدبية.
وهنا يأتى القرآن بالحل:
{ أخرج الإمام أحمد مسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة وغيرهم عن أنس أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم أخرجوها من البيت ولم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها فى البيوت. فسئل رسول الله عن ذلك ...
فأنزل الله الآية :{ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } [ البقرة 222].
فقال رسول الله ـ ص ـ { جامعوهن فى البيوت واصنعوا كل شئ إلا النكاح } [ ( روح المعانى فى تفسير القرآن العظيم والسبع المثانى ) المعروف بـ ( تفسير الألوسى ) لأبى الفضل شهاب الدين محمود الأوسى، تحقيق محمود الشرقاوى الجزء الثانى ـ ص 181ـ 1415هـ / 1994م ـ كتاب الشعب الدينى ـ دار الشعب بمصر ].
والحديث أورده أربعة من أصحاب الصحاح الستة، بالإضافة إلى أحمد بن حنبل مما يقطع بصحته.
وأتى به عبدالله شحاته فى تفسيره برواية أنس بن مالك أيضًا نقلاً عن مسلم وأحمد أبى داود وأضاف : غيرهم. [ تفسير القرآن الكريم: لعبدالله شحاته ج/2 ـ ص353 ].
ومما يثبت وجهة نظرنا أن سؤال التبع انصب على مقطع محدد وهو معرفة الاقتراب من المَرَة ولا تهم المؤاكلة والمشاربة أن الآية الكريمة خلت مما يخص غيره ( = الاقتراب ) وما بيّنه الهادى من إباحة كل شئ إلا الجماع ولعل مما يوثقها ما حمله تفسير الأوسى عند تناوله لآية { فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ }
وإن اختاره الإمام وقال: إن المعنى اعتزلوا مواضع المحيض. [ المصدر ذاته ص 183].
فى التفسير الوسيط:
جاء أن سبب النزول هو ما ورد بالحديث الذى نسخه الألوسى وبذات الإسناد: مسلم واحمد أبو داود.
بهن ( المقصود باعتزالهم فى المحيض هو تجنب الاتصال الجنسى. [ التفسير الوسيط للقرآن الكريم: تأليف لجنة من العلماء : إشراف مجمع البحوث الإسلامية الجزء الرابع ص 363 وما بعدها ت الطبعة الأولى 1393هـ/1973م من إصدارات مجمع البحوث الإسلامية ـ الأزهر مصر ].
ونضع تحت باصرة القارئ اللوذعى الفطن عبارة ( واللمس نحو ذلك ) وهى حجة تنضم إلى ما سبقها على صحة ما إرتأيناه.
وإن المرء يتولاه العجب من أولئك العربان الذين لا يتوفقون عن إشباع غريزتهم حتى ولو أن الزوجة غريقة فى طوفان دماء الحيض لا يعتقونها. [ الواحدى فى ( أسباب النزول ) ص 46. السيوطى فى ( لباب النقول ) ص 30 ].
ساعتئذ حلّت هذه الآية الكريمة التى نفحها الحق المحكم لـ " فضل الله" ـ المشكلة التى أصابت الصحبة بالسهد وضربهم بالأرق وألزمهم السهر، ولا شك أنهم بعد سماعهم إياها منه تنفسوا الصعداء وعادوا إلى زوجاتهم البائسات يصنعون معهن كل شئ إلا النكاح وما اكرم المعصوم كيف صبر على كل هذه الخُشالات التى لايكاد يمضى يوم إلا ويصدمونه بها سواء فى جلهم أو ترحالهم. ولاشك لانه لم يكف عن حمد الله على أن الذكر الحكيم يلازمه كظله فى عَدَنه وظعنه وانه انبثق نجومًا ليواكب تعاريج واقعه.
8 ـ التجارة فى مواسم الحج
أوضحنا فيما سلف الظروف البيئية والإجتماعية التى دفعت أولئك العربان لاحتراف التجارة وبالمثل الكراء ( = الأجرة سواء للدور أو الدواب ) ولم ينقطعوا عن ممارستها حتى فى المواسم الدينية التى جعلت أساسًا للذكر والعبادة’ فلما جاء الإسلام أسقط فى أياديهم المتربحة ولم يدروا ماذا يفعلون وكالعادة ليس امامهم إلا الموقن فأزلفوا إليه مستفسرين: روى البخارى عن ابن عباس قال: كانت عكاظ ومجَنّة وذو المجاز أسواقًا فى الجاهلية فتأثموا أن يتجروا فى الموسم فسألوا رسول الله ـ ص ـ عن ذلك فنزلت { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ } [ البقرة 198]. فى مواسم الحج.
وعكاظ وذو المجاز ومَجَنّة دأبوا على إقامتها على هامش موسم الحج وبمناسيته.
ويقول ابن جزئ الكلبى { فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ } التجارة فى أيام الحج أباحها الله تعالى. ويضيف معلومة فى غاية الأهمية ، وقرأ ابن عباس: { فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فِى مَوَاسِمِ اَلْحَجَّ } [ ( كتاب التسهيل لعلوم التنزيل ) لابن جزئ الكلبى ص75 ج/1 ].
عن ابن عباس قال: كان ذو المجاز وعكاظ متجر ناس فى الجاهلية فلما جاء الإسلام كرهوا ذلك حتى نزلت: { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُم } ـ فى موسم الحج.
وروى مجاهد عن ابن عباس قال : كانوا يتقون البيوع والتجارة فى الحج يقولون أيام ذكر لله فأنزل الله تعالى الآية فَإتْجِرُوا }. [ ( أسباب النزول للواحدى ـ ص 38 ].
أى حاك فى صدورهم قلق بشأن بيوعهم ومتاجرهم فى مواسم الحج فإما أن ينقطعوا أى يكفوا عنها وفيه خسارة لهم ومفارقة لإلقهم وإما أن ينصرفوا لذكر الله فى الموسم الدينى الكبير كما يحضهم عليه الإسلام فلجأوا إلى الكريم علهم يجدون لديه الحل.
والعدوى ابن الخطاب يوثق أن البيع والشراء هما العمود الفقرى لخولهم عن أبى صالح مولى عمر، قال: قلت يا أمير المؤمنين كنتم تتجرون فى الحج قال: وهل كانت معيشهم إلا فى الحج. [ ( التيسير خلاصة تفسير ابن كثير ) بقلم محمود محمد سالم ص 90 ].
ونلفى توثيق حديث ابن عباس عند صاحب القبول فيذكر: أخرجه البخارى فى صحيحه فى كتابى الحج والتفسير وأخرجه الحاكم بنحوه وصححه وأقره الذهبى وأورده ابن جرير فى تفسيره، أما المنصف ذاته فوصفه بأنه صحيح. [ المقبول للأزهرى ص 108 / ونضيف أن ابن كثير أورده فى تفسير التيسير ص 90 ]. ويذكر عبدالله شحاته فى تفسيره أن الحديث رواه البخارى عن ابن عباس وعبد الرزاق فى مصنفه وسعيد بن منصور وأن هناك حديثًا مماثلاً فى ذات الموضوع رواه أبو داود وغيره عن ابن عباس. [ تفسير القرآن الكريم: تأليف عبدالله شحاته ـ ص 303 ج/3 ]. وهكذا بلغ هذا الحديث درجة من الصحة بحيث يمتنع على المُقسط العادل الذى يبتغى وجه الحق أن يمارى فيه.
أولئك العَرَبة يجرى فى دمائهم التعيش من الدخول الريعية التى تأتى دون بذل أى مجهود وقد رأينا فيما سلف كيف أنهم ارتكزوا فى معايشتهم على عرق العُبدان بل وعلى ما تدره أفخاذ جواريهم دون أن يشعروا فيه بأى معرّة أو منقصة إو إخلال بالرجولة أو خدش للحياء والفحولة أو مساس بالكرامة. ومن بين الموارد الريعية كِراء أو تأجير دورهم ودوابهم للحجاج.
{ أخرج أبو داود والإمام احمد والحاكم وغيرهم عن أبى أمامة التيمىّ قال:
كنت رجلاً اكرى من هذا الوجه وكان أناس يقولون لى إنه ليس لك حج فلقيت ابن عمر ، فقلت: يا ابا عبد الرحمن أكى فى هذا الوجه وإن ناسًا يقولون لى ليس لك حج.
فقال: ألست تُحرم وتُلبّى وتظوف من عرفات وترمى الجِمار؟.
قال: قلت: بلى، قال: فإن لك حج.
رجل أتى رسول الله ـ ص ـ فسأله عن مثل ما سألتنى عنه، فسكت عنه رسول الله ـ ص ـ فلم يجبه حتى نزلت هذه الآية ...
فأرسل إليه رسول الله ـ ص ـ وقرأ هذه الآية وقال: لك حج } [ المقبول للأزهرى ص 110، 11
ويهمنا أن يتيقظ القارئ للعبارة التى ضمها الحديث : { فسكت عنه رسول الله ـ ص ـ فلم يجبه حتى نزلت هذه الآية }. وممن ذكر الكراء فى الحج ابن عطية الغرناطى فى تفسيره { قال ابن عمر فيمن أكرى ليحج، حج تام ولا حرج عليه فى ابتغاء الكراء } [ المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز: لبى محمد عبد الحق بن عطية الغرناطى ـ 481هـ /541هـ تحقيق وتعليق أحمد صادق الملاح ـ ج/1 ص55 ـ الطبعة الأولى 1394هـ / 1974م ـ لجنة القرآن والسنة ـ بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية مصر ]. وينفحنا الغرناطى بمُعطى شديد الخطر وقرأ ابن عباس وابن مسعود وابن الزبير : { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ " فِى مَوَاسِمِ اَلْحَجَّ } [ المصدر ذاته ونفس الصفحة ]. وأورد الزمخشرى فى كشافه : وقرأ ابن عباس : { فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ " فِى مَوَاسِمِ اَلْحَجَّ } [ الكشاف للزمخشرى ـ المجلد الأول ـ ] وقد نسخنا فيما تقدم ما رقمه مفسرون آخرون خلاف الزمخشرى زابن عطية ـ عن قراءة للآية بإضافة { فِى مَوَاسِمِ اَلْحَجَّ } ومع ذلك جاء المصحف العثمانى خُلْوَا منها. عسى حّبْر الأمة ابن عباس اعتمد فى تلاوتها أو قراءتها على القرآن العظيم الذى كنّه صدره. ربما طرحناه فى هذه الفاضلة يثبت أن الكراء أيضًا يتضام مع البيع والشراء كنشاط اقتصادى لم يتوقف غالبيتهم عن مزاولته ومن بينهم عدد من الصحابة الكبار المقربين ومن متقديميهم ومتنفذيهم كما اعترف بذلك العدوى دون مواربة أو لف أو دوران: {.. قلت يا أمير المؤمنين كنتم تتجرون فى الحج قال: وهل كانت معيشهم إلا فى الحج }.[ المصدر ذاته ]. ولنلاحظ أن ابن الخطاب جاءت إجاباته بالجمع ( معايشنا ) مما يشى بهيمنة ذياك المنزع على جُلّهم، يضاف إليه ما عُرف عن بنى سخينة حبهم للتجارة.
ولنتساءل هل "النبى الكريم" كان شريكًا لهم فى هذه التجارة.
من جِماع ما سبق نقوا تحدد الموقف فى هذه المشكلة كالآتى:
الصحا ومن بينهم مرازبة جحاحج صناديد يتكسبون مكاسب جزيلة من التجار والكراء فى مواسم الحج وهذا ما ألفوه قبل أن يدخلوا الإسلام. والحج شرع للعبادة وذكر الله والتبتل والقيام بالمناسك وهذا ما نص عليه ( المُحكم / التذكرة ) بصراحة.
ومن ثم فعندما سألوا " اللبيب " أطيقت الأحاديث على أنه توقّف ولم يجبهم على الفور، لأنه لو نهاهم لأحزنهم ذلك لجرمانهم مما يدخل جيوبهم الوسيعة من مال شبّوا منذ نعومة أظافرهم على احتيازه. وبوده ألا يدخل على قلوبهم غمًا ولا يملأ صدورهم همًا قهم جنوده الأوفياء وأعوانه المخلصون وتبعه المناصرون له وعدته فى نشر الديانة الجديدة التى يشيعها والدولة التى يُعلى بنيانها.
ومن رجا آخر، فإن الحج وتوابعه مواسم دينية سُداها الذكر والدعاء والتضرع .. إلخ ولحمتها التجرد من مشاغل الدنيا.
بيد أم الذكر الحكيم لم يترك " أذن خير الناس" أن يتوقف طويلاً فسرعان ما بزغت الآية التى نسخناها قبل وهى الثامنة والتسعون بعد المائة فى سورة البقرة أخبرت الصحابة التجار أو التجار الصحابة وسائر المسلمين من بعدهم ألا إثم عليكم فى البيع والشراء والكراء فى مواسم الحج فانفرجت أساريرهم وطابت نفوسهم وقّرت عينهم فباعوا واشتروا وربحوا وزاطوا .... وحجوا!!!.
وفى كل مرة يقدم لنا البرهان تلو الآخر على أن الذكر الحكيم يأخذ بحُجُزته ولا يدعه نهبًا للحيرة وأن قدومه نجومًا مثّل غاية الحكمة التى خفيت على اليهود الذين اعتبروها منقصة لأن توراتهم أقبلت دفعة واحدة كاملة تامة، وكذلك خفيت على كفار قريش الذين أعتقدوا لجهلهم أن البطاركة الكوامل لابد أن ياتوا بكتبهم لأقوامهم وهى مستوفاة وجاهزة وعلى سنجة عشرة وإنه ( البلاغ / المطهر ) أقام علاقة جدلية مع الواقع المعاش . يعنى حسب الطلب!!!.
وبهذه الواقعة نكتفى بضرب أو تقديم الأمثلة التى توثق بأن هناك شطرًا وسيعًا من القرآن الكريم وآياته طلعت مشرقة تلبية لرغبة " المصطفى" إما عن تشوّف وإما عن توقع وإما عن تربص وإما عن ترضية وإما عن رغبة وإما عن فك أزمة .
وسرعان ما تناصره وتؤازره أو تنافح عنه وفى ذات الوقت تضع فى حجر الفَطِن النَقِه اللوذعى الحُجّة الساطعة والبرهان القاطع على أنها وشيجة الصلة بالواقع المعاش لاتفاصله وبالحياة اليومية لا تفارقها ةبأنشطة الدائبين لا تباينها وهو سر انبثاقها نجومًا متفرقة.
ابو تراجى
01-04-2010, 04:49 PM
الفصل الثانى
آيات كريمة ظهرت تلبية لرجاوات تبعه
الظهار
اتسمت نظرة أولئك العربان للمَرَة الدونية تمثلت فى أمور عديدة منها حرمانها من الميراث لأنها تشارك فى غزوات النهب والسلب ولا طاقة لها بالدفاع عن حمى القبيلة ( ولو أن المسالة تحتاج إلى دراسة أعمق ا.هـ. ) وكذلك فى سهولة فصم عروة الزوجية التى من المفروض أن لها قدرًا من القدسية. ومن بين صور مفارقة الزوجة عندهم ( الظهار ) وهو أن يقول الواحد منهم لحليلته أنت عَلَىّ كَظهر أمى فَتُعدّ طالقًا لأنه كما لا يحل له أن يعتلى أمه كذلك بتلك الجملة الفلوت غدت زوجته محرمة عليه ولا يحق له أن يمتطيها. أوس بن الصامت وهو أثربى وأخو عبادة بن الصامت من مشاهيرهم بعد أن استمرت الزوجية بينه وبين مبعولته خولة بنت ثعلبة وتفانت فى خدمته وخلفت له أولادًا وبدأت التجاعيد تظهر فى وجهها والشَمَط ( اختلاط البياض بالسواد ا.هـ ) يعلو شعرها والوهن يدب فى مفاصلها قرر أن يتخلص منها كيما ينكح جارية ( صبية ) نضرة يتمتع بها مذاكيره فبمنتهى الاستهتار نادى على خولة التى أسرعت تلبى فقال لها: أنت على كظهر أمى. صُدمت الزوجة البائسة فلم تتوقع أن يجازيها هذا الصامت جزاء سنّمار ويطلقها دون جريرة إلا الإخلاص له والتفانى فى خدمته وولده وفكرت فى هذه النازلة التى حطت على يأفوخها دون توقع فلم تجد إلا أن تفزع إلى ( المرحمة ) وقصَّت عليه عبث زوجها واستهانته بأقدس علاقة تقوم بين اثنين ومن عمق أساها وغزارة بثها وشدة حزنها نطقت بكلام بليغ أوضح دفين ألمها وشفّ عن مكنون نفسها ورفع الستر عن جبئ إحساسها: ( يا رسول الله أكل شبابى ونثرت له بطنى حتى إذا كبرت سنى وانقطع له ولدى ظاهر منى ). [ أسباب النزول: للواحدى / ولباب النقول للسيوطى ص 164 / والمقبول: للأزهرى ص 639 / ووصف المصنف بأن إسناده صحيح وذكر أنه ورد فى مسند أحمد وفى المستدرك للحاكم النيسابورى وصححه وأقره الذهبى، والبيهقى فى سننه. وقال الجاحظ ( ابن حجر العسقلانى ) فى الفتح ( فتح البارى بشرح البخارى ) هذا أصح ما ورد فى قصة المجادلة وتسميتها ا. هـ. وهكذا حاز الحديث رتبة منيفة فى الصحة ].
ويتحفنا الفخر الرازى برواية أخرى: فظاهر منها فأتت رسول الله ـ ص ـ وقال إن أوسًا تزوجنى وأنا شابة مرغوب فىّ، لما خلت سنى وكثر ولدى جعلنى كظهر أمه وإن لى صبية صغارًا إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إلىّ جاعوا .... [ مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير: للإمام فخر الدين الرازى ـ الجزء الثلاثون ـ المجلد الخامس عشر ـ ص 419 ]. فى هذا الحديث أوضحت الزوجة المغلوبة على أمرها العلة فى الظهار وهى أنها وقت شبابها والرغبة فيها استبقاها حتى شاب رأسها وكبرت سنها وغدت ذات أولاد ومن ثم لم تعد لديها الإمكانات التى بها تعطيه المتعة ففارقها بعبارة من أربع كلمات لكى ينكح فتاة تمنحه ما يرغب. وهكذا يُثبت هؤلاء العَرَبة أن هاجس المعافسة أو الملامسة هو الذى يملأ أدمغتهم الريّة من العلم، المليطة من الفكر، الخالية من الثقافة. بعض المفسرين القدامى من جوقة المداحين والطبالين الذين يريدون أن يرفعوا الصحب فوق مستوى البشرية وأعلى من مقام الإنسانية وانهم فى درجة أقرب إلى الملائكة وأن الغرائز والعواطف والنوازع... إلخ يستحيل عليها أن تقترب منهم ، نقول البعض من أولئك نفى عن هذا الأوس الباعث الحثيث الذى دفعه للظهار من بعلته ووصفه بأن عنده لَمَمًا أى مسًا خفيفًا من الجنون أو عدم اتزان وتقدير للأمور على وجهها الصحيح، بيد أن الإمام فخر الدين الرازى أوضح أن الذى هيمن عليه ودفعه لأن يظاهر من زوجته العجوز بأنه (الإلمام بالنساء وشدة الحرص والتوقان إليهن) . [ المصدر ذاته والصفحة نفسها ].
ونأمل أن يتفرّس القارئ فى العبارات التى أوردها الفخر فى وصف ذاك الصامت فى ناحية ولعه بالنسوان لأنه يُعتبر نموذجًا لأولئك الأعاريب فى هذا المجال، وتكملة القصة أن خولة اشتكت زوجها و ( أنه ـ ص ـ قال لها ما عندى فى أمرك شئ ). [ المصدر ذاته والصفحة نفسها ].
لكن ( مأدبة الله ) يستجيب لشكاية خولة على الفور لا على التراخى:
( قالت عائشة: فما برحت " خولة " حتى نزل جبريل ـ س ـ ب ـ الآيات ). [ المقبول : ذات الصفحة السابقة، وأسباب النزول: ذات الصفحة السابقة، ولباب النقول : ذات الصفحة السابقة ].
وهكذا جاءت الآيات الكريمة بالحل فبعد عَدّ الظهار لديهم من أشد صور الطلاق ( قبل الإسلام ) لأنه فى التحريم أوكد ما يمكن، أصبح بعد انبلاح هذه الآيات من اليسير رفعه أو دفعه بالكفارات.
هذا هو المثل الأول الذي نسوقه فى هذا الفصل:
ففضلاً عن أن الآيات الأربع أقبلت بناء على شكوى خولة وإنقاذًا لها من الورطة التى أوقعها فيه طيش زوجها ونزقه فإنه ( العروة الوثقى ) أثبت أن عينه الساهرة تلحظ المجتمع وتتفاعل معه وترتبط بعلاقة جدلية حميمة. { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ . الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ . وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ . فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [ سورة المجادلة : 1 ـ 4 ].
تحريم الخمر
انصياعًا لإكراهات المجتمع الذى شبّوا فبه وانسياقًا لموجبات البيئة التى تربوا فيها ونزولاً على أنساق الوسط الذى نشأوا فيه تمكن شرب الخمر من نفوس الصحاب وعدد من مقدميهم.
( روى أن آية تحريم الخمر نزلت فى ملاحاة جرت بين سعد بن أبى وقاص ورجل من الأنصار وهما على شراب لهما وقد انتشيا فتفاخرت الأنصار وقريش فأخذ الأنصارى لِحيْى جمل فضرب به انف سعد ففرزه يعنى شقّه ... وروى أن ذلك الأنصارى كان عتبان بن مالك ـ روى ذلك الطبرى والترمذى وغيرهما ). [ أحكام القرآن: لأبى بكر محمد عبداله المعروف بابن العربى ، تحقيق محمد البجاوى ـ المجلد الثانى ـ الطبعة الأولى 1407هـ / 1987م ـ دار المعرفة ودار الجيل ـ بيروت لبنان ].
ومثال آخر:
( روى حميد الطويل عن أنس قال: كنت أسقى أبا عبيدة واُبى بن كعب وسهيل بن بيضاء فى نفر فى بيت طلحة فمر بنا رجل فقال: إن الخمر قد حُرّمت ). [ أحكام القرآن : للكيا الهراسى ـ المجلد الثالث ـ ص 99 ـ مصدر سابق ].
ومثال ثالث:
دعا أثربى جماعة من كبار الصحب المنازيح والمقيمين على طعام وشراب فلما حضرت صلاة المغرب فتقدم عبد الرحمن بن عوف ليؤمهم فقرأ { قل يا أيها الكافرون } ولكنه خلط فيها ـ رواه الحاكم فى المستدرك عن طريق الثورى عن عطاء، وقال عن حديث صحيح ولم يخرجاه ( = الشيخان البخارى ومسلم ) [ المقبول للأزهرى ـ هامش ص 211 / أحكام القرآن لابن العربى ـ الثانى ـ ص 657 ].
وفى رواية أخرى أن الذى أمهم وهم نشاوى آخر غير ابن عوف إنما يُعد من متقديمهم.
المثال الرابع والأخير:
آية تحريم الخمر: نزلت فى قبيلتين من الأنصار شربوا الخمر وانتشوا فعبث بعضهم ببعض فلما صَحَوا رأى بعضهم فى وجه بعض آثار ما فعلوا وكانوا إخوة ليس فى قلوبهم ضغائن فجعل الرجل يقول ( لو كان أخى بى رحيمًا ما فعل هذا بى ).
فحدثت بينهم الضغائن فأنزل الله تعالى: { إنما يريد الشيطان ... } إلى آخر الآية. [ أحكام القرآن لابن العربى ـ المجلد الثانى ـ ص 657، لباب النقول للسيوطى ص77 ].
نكتفى بهذا لندلل على أن الخمر تغلغل حبها فى أعماق قلوبهم وأنهم لم يكفوا عن تعاطيها إلا بعد شروق آية التحريم: ( أمر رسول الله ـ ص ـ مناديه أن ينادى فى سكك المدينة: ألا إن الخمر قد حُرّم فكُسرت الدنان وأريقت الخمر حتى جرت فى سكك المدينة ). [ المقبول للأزهرى ص 306، أحكام القرآن لابن العربى ـ المجلد الثانى ـ ص 657 ].
وهذا نص بالغ الثمانة لأنه حمل بين دفتيه معطى عميق الدلالة وهو أن شرب الصريفية ( = الخمر ) منتشر بينهم بكثافة. [ رجعت فى أسماء الخمر إلى كتاب ( نظام الغريب فى اللغة ) تأليف عيسى الربعى الوحاظى الحميرى تحقيق محمد بن على الأكوع ـ ص 94، 95 ـ الطبعة الأولى 1400هـ / 1980م ـ دار المأمون للتراث / دمشق / بيروت ].
كما منع السكارى من حضور الصلاة خلف ( المرشد / الهادى ) فى مسجده.
تفشى معاقرة الخمر ( = القرقف ) من قبل جمهور الصحاب بل وصناديدهم أقلق ( البشير / الحازم ) ومجلس شوراه لأن هؤلاء الصحبة هم أجناده فى نشر الدين وعسكره فى إقامة الدولة ( الحلم ) وقد نسخنا فيما تقدم فى المفتتح كيف تدرّج ( البيان / الصادق ) فى معالجة هذا الأمر بيد أن آية التحريم لم تجئ إلا مُصَلّية وعلى ريث، وفى هذا الإبان أخذ العدوىّ عمر بن الخطاب يتململ ويستعجل الأمر بالكف والنهى عن التعاطى:
( عن أبى ميسرة قال: قال عمر اللهم بيّن لنا فى الخمر فَنزلت { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ } النساء 4/ 43 فقال اللهم بيّن لنا فى الخمر فنزلت { قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما } فقال: اللهم بيّن لنا فى الخمر فنزلت { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }المائدة 5/90 إلى قوله { إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ } المائدة 5/91 فقال عمر: انتهينا إنها تذهب المال وتذهب العقل ). [ أحكام القرآن للجصاص ـ المجلد الأول ـ ص 323 ].
مع ملاحظة أن العبارة التى وردت على لسان العدوىّ عمر تدل على انه من بين من دأبوا على احتساء الكَلفاء ( = الخمر ) ويؤكده ابن العربى بقوله: ( فقال عمر : انتهينا حين علم أن هذا وعيد شديد ) [أحكام القرآن لابن العربى ـ المجلد الثانى ـ ص 657 و أسباب النزول للواحدى ص 139 ].
ومما له دلالة بالغة هذا الخبر:
( فدُعى عمر فقرئت عليه آية { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ } 4/43 فكان منادى رسول الله إذا أقام الصلاة: أن لا يقربن الصلاة سكران، فدُعى عمر فقرئت فقال اللهم بين لنا فى الخمر بيانًا شافيًا فنزلت الآية التى فى المائدة فدُعى عمر فقرئت عليه فلما بلغ { فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ } قال عمر: انتهينا ). [ المقبول للزهرى ص 307 ].
إن قارئ هذا الخبر لابد أن يتساءل: لماذا العدوى بالذات الذى طُلب وقُرئت عليه الآية؟.
ربما لاهتمامه الشديد بهذا الأمر وهو عضو بارز فى مجلس الشورى وربما لسبب ىخر لا بخفى على فطانة القارئ الذكى وإن ذكرناه آنفًا.
وعلى كلٍ فإن الزرجون ( = الخمر ) حتى ذياك الوقت لم تُحرّم أى أنه لا غضاضة على متعاطيها.
وعمومًا فهذه نقطة هامشية.
أما الجوهرى فى الأمر هو أن القرآن العظيم تفضّل بآية كريمة حرمت الصرخدية ( = الخمر ) على معتنقى الديانة الإسلامية منذ بزوغها حتى الآن وإلى ما شاء الله، ولا شك أن عمر قلق ومطالبته بورود بيان فى شأنها وإلحاحه فى الرجاء جِماعه يُحسب له ويضيف زَبْرة لرصيد مناقبه، فضلاً على أن الذكر الحكيم كما يتضح لنا يلاحق احوال ذلك المجتمع ويتصل به بحبل متين.
إرث النسوان
قلنا منذ عشرين عامًا إن الدين ثورة على الأوضاع الفاسدة للمجتمع الذى ينبثق فى حناياه ويتولد بين جنباته وينمو بين أضلعه وإن الذين يبشرون به هم ثوار بمعنى الكلمة هدفهم تقويض قواعده المنهارة وتهديم قوائمه المتهالكة وتحطيم أسسه المتهاوية كيما يبنى المبشِّر بالديانة الجديدة مجتمعًا جديدًا فى كل المناحى.
العقيدة ـ العبادة ـ العلاقات الإجتماعية ـ الروابط الأسرية ـ الأسس الاقتصادية ـ التوجهات السياسية .. تجمعها ( أيديولوجية) ذات خصائص معينة وتنتظمها كما يضم السلك حبات العقد سواء جاءت من جوهر نفيس أو معدن ثمين.
ما إن يعلن الثائر المبارك صوته المبرور مُعْلِمًا بثورته حتى يَغُدّ إليه المطحونون ويَجْذِم إليه المظلومون ويُوضِع إليه المُعوِزون ويَخَبّ إليه المحتاجون ويُرقَل إليه المعدمون ويهرول إليه المنكسرة قلوبهم حسبما درج على مناداة تبعه ثائر مبرور وأحد البطاركة المرموقين عيسى ابن الصديقة مريم.
وجِماع هؤلاء أطلق عليهم ( العَلَم العليم ) ( الأراذل ) يؤمنون بثورته ويقفون تحت رايته ويصطفون خلف لوائه ويدافعون عن الثورة بكل ما لديهم وإذ إنهم مَلِطيون من كل شئ فإن ما لديهم يعنى أبشارهم وجشومهم وأرواحهم يقدمونها فَداءً لها وشهادة فى سبيلها وثمنًا لفَلحِها.
ولكن ما هو التَحضِيْض الذى يُوزّهم إليها؟.
الإجابة اليسيرة هم يرون فيها: سفينة النجاة مما هم فيه من ظلم وبرّ الأمان مما يعانونه من حرمان والدواء الشافى لكافة الأمراض التى تضربهم والأسقام التى تركبهم والأدْواء التى تنخر فيهم واليد التى سوف تنتشلهم من الوَهْدة التى يتدون فيها .. إلخ.
وفى مقابلهم يقف الأغنياء والمرابون وتجار الرقيق والطواغيت والمرازبة والجحاجح والبغاة والظلمة والمستكبرون وهم ( الملأ ).
كما أطلق عليهم القرآن ويفسره الراغب بـ : الذين يملأون العيون رواة ومنظرًا والنفوس بهاءً وجلالاً يناوئون الثائر ويعارضونه بل يحاربونه ويسخرون من تابعيه ويستهزءون من مناصريه ويعبثون بمؤيديه دفاعًا عن أوضاعهم الطبقية وحماية لمصالحهم المادية وتمسكًا بمكاسبهم المالية لأنهم يُنقهون أن دعوته سوف تفقده جمعية ذلك. [ المفردات فى غريب القرآن: للراغب الأصفهانى 502هـ / تحقيق محمد سيد كيلانى ت طبقة 1381هـ / 1981م ـ مكتبة الباب الحلبى ـ بمصر ].
ومن بين الفئات المغلوبة على أمرها النساء فى الجزيرة العربية عندما دعا ( المصلح ) بالديانة الجديدة. [ يقول العمة عنهم فى مصر: صنف الحريم ].
وأوضحنا فيما سلف نتـفاً من مظاهر القهر الذى وقع عليهن ومن أبرزها حرمانهن من الميراث وهو الأمر الذى دفع أم سلمة ( سبق نسخنا قطاعًا من حياتها ا.هـ 9. إلى أن ترفع صوتها محتجة باعتبارها من زعيمات النِسون حتى بعد أن زَبَدَهن القرآن الكريم نصف الميراث. [ زَبَدَه يزبده = أعطاه ومنه الحديث المروى: ( إنا لانقبل زبد المشركين ) ـ ( تصحيح الفصيح وشرحه ) لابن درستويه ـ تحقيق د. محمد بدوى المحتوت ـ مراجعة د. رمضان عبد التواب ص 23 ـ الطبعة الأولى 1419هـ / 1998م. المجلس الأعلى للشئون الإسلامية. بمصر ].
( أخرج الترمذى والإمام أحمد والطبلرانى قال: قالت أم سلمة: يارسول الله يغزو الرجال ولا نغزو فأنزل الله تعالى: { وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا } [ سورة النساء 32 ]. ثم نزلت { إنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى } الآية. [ المقبول للأزهرى ـ ص191 ـ ووصف إسناده بأنه حسن ].
أما الباحثة المغربية أمينة الحسنى فقد أوردت رواية أخرى:
( أخرج الترمذى من حديث ابن عمر عن مجاهد عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله، يغزو الرجال ولا تغزو النساء زاد الحاكم: ولاتقاتل فتستشهد وإنما لنا نصف الميراث فأنزل الله تعالى وتبارك: { ولا تتمنوا ما فضل الله به ....... } الآية ) . [ أم سلمة أم المؤمنين ـ مصدر سابق ص 132 ].
يبين أن الحديث بلغ درجة عالية من الصحة فقد أخرجه الترمذى وأحمد والطبرانى والحاكم النيسابورى ووصفه بأنه حديث حسن صحيح الإسناد على شرط الشيخين. كما ذكر السيوطى أن الحاكم خَرّجه فى المستدرك. [ لباب النقول ـ ص51 ].
ولولا أن إختصاص النساء بنصف الميراث حاك فى صدر أم سلمة لما أسرعت بتلك المقولة الاحتجاجية، كما أنها بنت زاد الركب فى ما نرجح ظلت على موقفها فأشرقت آية اخرى { أنى لا أضيع عما عامل منكم من ذكر أو أنثى } فرضيت أو سلّمت أمرها لله تعالى.
بعد هذا الاستطراد الذى دفعنا إلى زَبْره ( نسخه ) موقف هند أم سلمة من ميراث المَرَة، نعود إلى سياقة البحث.
قبل الإسلام أطبق أولئك العربان على نفى النسوان من الإرث بالكلية وهذا موقف لم يُرض ( نعمة الله ) لأمرين:
الأول : فيه إجحاف بالغ بهن ومعلوم وعمق كراهيته له بعد أن ذاق من الكثير فى طفولته وصباه وشبابه.
الآخر: أنهن من أوائل من تبعه وآمن بدعوته، با إن اول من استشهد فى سبيلها امرأة هى ( سُميّة أم عمار بن ياسر )، واشترك فى بيعة العقبة الأخيرة مَرَتان من بنات قيلة هما أم عمارة بنت كعب وأسماء بنت عمر، وهذه البيعة على الأحمر والأسود وشكلت نقطة الانطلاق بالنسبة للإسلام، كما ان مواقف النسوة البطولية فى المعارك خاصة فى غزاة أحد تقطع بعمق إيمانهن بالديانة التى بشر بها وبإخلاصهن وتفانيهن.
فأخذ يتربص النُهزة لعل ( العروة الوثقى / القرآن ) يهديه نصًا يرفع هذا الظلم عن المَرَة ولو جزئيًا، إذ إن إزالة العنت جميعه عنهن أمر عسير بل مستحيل لأن مجتمع العَرَبة ذكورى بطريركى والمساواة بين الرجل والمرأة فى التراث سوف تثير حفيظتهم وتشعل غضبهم.
وهنا جاءت الفرصة:
( أخرج الإمام أحمد والترمذى وابن ماجة والحاكم وغيرهم عن جابر قال: جاءت غمرأة سعد بن الربيع فقالت: يارسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قُتل أبوهما معك يوم احد شهيدًا وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالاً، فقال: يقضى الله فى ذلك فنزلت آية الميراث، أرسل رسول الله ت ص ـ إلى عمهما فقال: أعط لبنتى سعد الثلثين وأمهما الثمن وما بقى فهو لك ). [ المقبول للزهرى ص 200، 201 ووصف إسناده بأنه صحيح ].
وأورد السيوطى الحديث ذاته وأضاف: ولا تنكحان إلا ولهما مال. ثم ذكر عبارة: يقضى الله فى ذلك ، فنزلت آية الميراث. [ لباب النقول للسيوطى ص 49 ].
وجاء برواية أخرى :
( وقد ورد فى قصة سعد بن الربيع وجه آخر: اخرج القاضى إسماعيل فى احكام القرآن من طريق عبد الملك بن حزم أن عَمْرة بن حزام كانت تحت سعد بن الربيع فقتل عنها فى احد وكان له منها ابنه فأتت النبى ـ ص ت تطلب ميراث ابنتها ففيها نزلت ( يستفتونك فى النساء ) الآية ) . [ لباب النقول للسيوطى ص 49 ].
بيد أن الرواية الأولى أصح وأشد توثيقًا وأليق بالمناسبة.
أما الوحدى النيسابورى فيزيدنا برواية شبيهة بواقعة بنتى سعد بن الربيع ( قوله تعال: { وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا } الآية [ النساء : 33]، قال المفسرون: إن أوس بن ثابت الأنصارى توفى وترك امرأة يقال لها أم كَجّة وثلاث بنات فقام رجلان هما ابنا عم الميت ووصياه يقال لهما سويد وعجرفة فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته شيئًا ولا بناته وكانوا فى الجاهلية لا يورثون النساء الرجال الكبار وكانوا يقولون لانعطى إلا من قاتل على ظهور الخيل وحاز الغنيمة، فجاءت أم كجة إلى رسول الله ـ ص ـ فقالت يا رسول الله إن أوس بن ثابت مات وترك بنات وأنا امرأة ليس عندى ما أنفق عليهن، وقد ترك ابوهن مالاً حسنًا وهو عند سويد وعجرفة ولم يعطيانى ولا بناته من المال شيئًا وهن فى حجرى ولا يطعمانى ولا يسقيانى ولا يرفعن لهن رأسًا .
فدعاهما رسول الله ـ ص ـ فقالا: يا رسول الله ولها لا يركب فرسًا ولا يحمل كلأ ولا يُنكئ عدوًا، فقال رسول الله ـ ص ـ: انصرفوا حتى أنظر ما يحدث الله لى فيهن فأنزل الله هذه الأية ) . [ أسباب النزول للواحدى النيسابورى ص 95، 96 ].
وقد حمل كتاب ( المقبول ) للأزهرى ذات الواقعة وأضاف أن امرأة ثابت طلبت من ابن العم خالد بدلاً من سويد وبنات أوس اثنتان لا ثلاث.[ وهذ يوثق ما سبق أن رقمناه: أن الفترة المبكرة اكتظت بالاختلاف فى جُلّ المناحى : الأسماء ( أسامى الأشخاص والأماكن ) والأعداد والوقائع والتواريخ ... إلخ ا. هـ ]. ولكنهما رفضا نكاحهما لدملمتهما، وانه نزلت بشانها آيتان: { وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا {111} وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا {127} } [ سورة النساء 111، 127]. [ المقبول للأزهرى ص 196، 197 ووصف الحديث بأنه صحيح ].
أما السيوطى فقد رقم انه ( ورد سبب ثالث: اخرج ابن جرير عن السدى قال: كان أهل الجاهلية لا يورّثون الجوارى ( أى البنات أو الفتيات الصبايا) ولا الضعفاء من من الغلمان، لايرث الرجل من ولده إلا من اطق القتال ـ فمات عبد الرحمن أخو حسان الشاعر وترك امرأة يقال لها كَجّة ذلك إلى النبى ـ ص ت فأنزل هذه الآية { يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا}[ النساء : 11] ، ثم قال فى أم كَجّة { وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ } [ النساء: 12]. [ لباب النقول للسيوطى ـ ص 49 ].
ورواية السيوطى فى الباب توثق ما قلناه بشأن الاختلاف فى الأخبار سواء فى الوقائع أم الأسامى أم الأعداد وانه لا يقدح فى جوهر النازلة أو الواقعة.
وهذه ملاحظة هامشية اقتضاها التحليل والتقييم إنما الثابت من الحديث:
1 ـ أن أولئك العربان وضعوا مقياسًا لمن يستحق التراث وهو الذكر الذى يمتطى ظهر الفرس ويحوز الغنيمة وهو معيار يدل على البداوة ويؤكد أن الغنائم هى هممهم المقيم مشغلهم الشاغل. ولنتساءل هل هذا العيار متوفر الآن ، هل يوجد فى العصر الحالى غنائم؟، ألا تخرج المرأة للعمل مثلها مثل الرجل بل وأكثر، متبوأة أعلى المناصب ، واترك لقريحتك أيها القارئ أن تضع أمامك عشرات من الأسئلة والأمثلة لعلك تجد لها جوابًا تقنع به نفسك ، أو مخرجًا تنأى به عن مخارج التراث وتفاسيره وقوالبه.
2 ـ أن ابنى عم قيس بن ثابت ( أو غيره ) لا يعنيهما أن تعيش زوجته وابنتاه ( أو بناته ) فى مسبغة أو لا تتزوجان إذ لديهما مال تنكحان من أجله ت وابنا العم يعلمان ذلك بداهة ـ إنما الذى يهمهما هو الحصول على المال وهو أمر يشف عن جلافة فى الطبع وبداوة فى الذوق وانعدام فى الإحساس وخَواء فى الخلاق وصُفور فى الضمير ومَآبه الافتقار إلى الحضارة والبعد عن المدنية والنأى عن الرقى وجِماعه يؤكد النعوت التى رددناها عن ذياك المجتمع.
3 ـ أن العبارة التى وردت على لسان ( العظيم / العفو ): انصرفوا حتى أنظر ما يحدث الله لى فيهن . وعدها نزلت الآية، حافلة بالدلالات ثَرّة بالمعانى جَيّاشة بالإيحاءات ولا تحتاج إلى تعليق وهى غنية عن الشرح ولا تفتقر إلى تبيين، يفهمها الذكى وينفقها الفطن ويدركها اللوذعى ويستوعبها اللبيب.
فى فاتحة هذا الكتاب أخذنا على المفسرين المحدثين استقاءهم الكثير من كتب التفسير التراثية وقد يعترض قارئ: ها أنت ترجع إليهم؟.
وردنا ينحصر فى أمرين:
الأول: أننا ـ بعكس المفسرين المحدثين ـ لا نتوكأ أو نتعكز على القدامى وفرق بين الاستشهاد ببضع فقرات لتحليلها وتقييمها وبين النَهْل والعَبّ.
الآخر: ما نأخذه منهم يدور فى نطاق ( أسباب النزول ) لتوثيق ما جاء فى المؤلفات التى خصصها مصنفوها للأسباب فحسب.
بعد هذه الملحوظة نرجع إلى السياق:
( روى عطاء قال: استشهد سعد بن الربيع وترك ابنتين وامرأة وأخًا فأخذ الأخ المال كله، فأتت المرأة: يارسول الله هاتان ابنتا سعد وإن سعدًا قتل وإن عمهما أخذ مالهما، فقال ـ ص ـ ارجعى فلعل الله سيقضى فيه ثم إنها عادت بعد مدة وبكت فنزلت هذه الآية [ النساء 11 ]، فدعا رسولالله ـ ص ـ عمهما وقال: أعط ابنتى سعد الثلثين وأمها الثمن وما بقى فهو لك، فهذا أول ميراث فى الإسلام ). [ مفاتيح الغيب ـ التفسير الكبير: للفخر الرازى ـ الجزء التاسع ـ ص 47ـ مصدر سابق ].
وما أورده الفخر الرازى ( ثم إنها عادت بعد مدة ) يدل على أن ( مادبة الله / القرآن ) تمهّل حتى أشرقت آية المواريث لأنها تمس عُرفًا راسخًا رسوخ الأجْبَل الرواسى، كما ان الذُكران نازحين وأثاربة سوف يتململون بعد انبثاقها لأنها تنال من وضْعَيهم المادى والمعنوى وقد شبوا وشابوا على إلفه ( = عدم فراقه ) واعتياده وبناء حساباتهم المعاشية على مقتضاه.
أما قول فخر الرازى إنه أول ميراث قُسّم فى الإسلام فمعناه أن نظام التوريث السابق على الإسلام بما فيه حرمان النِسون والجوارى وصغار الغلمان ظل معمولاً به حتى بعد غزوة أحد التى وقعت فى السنة الثالثة من النزوح. [ تاريخ الطبرى ـ الجزء الثانى ـ ص 499 ]. أى أنه استمر سارى المفعول ستة عشر عامًا منها ثلاثة عشر فى قرية التقديس وثلاثة فى قرية الحَرّتين أى ما يقرب من ثلثى عمر الدعوة المحمدية المباركة وهذا يقطع باستقرار عرف التوريث البدوى الذكورى وإلا لما احتاج تغييره هذا المدى الطويل.
ويقول اَلْكيا الهراسى ( وقضى رسول الله ـ ص ـ فى تركة سعد بن الربيع للبنتين الثلثين وللزوجة الثمن والباقى لأخته) [ أحكام القرآن: لعماد الدين محمد الطبرى ج/2 ص 343، وذكر فى الهامش: رواه أحمد والترمذى وأبو داود وابن ماجة ].
ولا يفوتنا أن نلحظ عبارة ( والباقى لأخته) لا لأخيه كما جاء فى روايات سوابق، لأن التباين والاختلاف أهم علامة تَسِم مَرْويات فترة التدشين لعدم معرفتهم بالتدوين الذى درج عليه وأتقنه منذ ألوف الأعوام قبل هذه الأحداث المُعجبة المبروكة أجدادنا قداماء المصريين.
أما أبو بكر محمد بن عبدالله المعروف بابن العربى فقد أورد خبر مجئ زوجة سعد بن الربيع للرسول وشكواها إليه بذات التفصيلات التى عبقت بها الرواية الأصلية التى سقناها فيما سلف وقوله لها ( يقضى الله فى ذلك ) فنزلت { يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ } وهكذا عاضدت كتب التفسير، مصنفات أسباب النزول فى توثيق خبر شكوى زوجة سعد بن الربيع لحرمانها وابنتيها من ميراثه لأن عمهما استفاه لنفسه وبعدها هلّت بطلعتها المشرقة آية المواريث على مهل وريث. [ أحكام القرآن: لابن العربى ـ مجلد أول ـ ص 333 ].
وهكذا غدا هذا الحديث صحيحًا لا تعتريه أدنى شائبة.
ولا نضيف جديدًا حين نرقم أن الآية حققت مطلب أرملة سعد وكافة النِسون غِبّ أن منحهن ( الإيمان والموعظة ) نصف التراث بعد حرمان امتد مئات الأعوام.
ومن رجا آخر أقبلت الآية كمكافأة للنساء على مواقفهن من الدعوة التى بشّر بها ( سيد الخلق ) والتى نسخنا فيما مضى نُتفًا منها خاصة فى عركة أحد بخلاف عدد من كبار الصحابة أدبر وأعطى ظهره للعدو وهو يعلم أن ذلك من أكبر الكبائر ومن غرائب التاريخ أن من بين من فعله من تولى الإمامة العظمى أى الخلافة، يضاف إلى ذلك أن ( أول من يفيق من الصعقة ) بثاقب بصره ونافذ بصيرته ووسيع أفقه أدرك بعد ما حدث فى أحد النسون فيهن أو لديهن نفع كبير فى ميادين القتال. وللديانة التى يذيعها ويفشيها وللدولة التى يضع فى صرحها لبنة بعد أخرى واللتين تعبران مزنقًا ضيقه ملحوظ وحروجته واضحة وعقباته عديدة وعثراته خطرة ومن ثم فهما ( = الديانة والدولة ) فى أمس الحوجة ليد العون من كل رد فى المجتمع.
وفى حديث له معروف ( النساء شقائق الرجال ) ولرفع روحهن المعنوية ولتشجيعهن على مزيد من البذل ولحضهن على تقديم ضعف العطاء فلا أقل من زبدهن شطر الإرث، وهكذا يثبت القرآن الحميد أنه يواكب جماعة المسلمين وأن عينه عليها وأنه يتفضل بإجابة طلب أفرادها ويتكرم بتحقيق رغبة أعضائها ويتعطف برفع سبب شكاية من يئن ويتوجع من ذُكرانها ونسونها وأن إطلال آياته كالشموس المضيئة بين الحين والآخر بلغ غاية الحكمة التى خفيت عن العقول القاصرة لليهود.
الرجل لعبته المرأة
هذه مقولة تنطبق على مجتمع أولئك العُربان ، وقد صرح بها أحد كبارهم عندما ناقشته بمنتهى الأدب والخضوع زوجته فى أمر يهمها أو يخصها فصاح فى وجهها: مالك وذاك ما أنت إلا لعبة ألعب بها وقت حاجتى إليها ثم أركنها أسفل الجدار. ومن الجائز أن تغدو الأحاديث والأقوال موضع تهزيل (من الهزال) ومجال توهين ومحل تشكيك وهناك شعار شهير لأحد المبرزين فى علم الحديث: أىّ حديث ضعيف قويناه وأى حديث صحيح أو حسن ضعفناه. وهى دعوى تنضوى على أدنى قدر من المبالغة، لأن دفع الحديث قد يأتى من صوب المَتْن بزعم أنه لا يتفق وما جاء فى القرآن الكريم ( بداهة من وجهة نظر الطاعن ) أو ياتى من ناحية السند، فإن لم يلحق به تاريخية الرواية شائبة أى أن فلانًا روى عن فلان فى حين أنه لم يحدث بينهما لقاء أو يغمز أحد رواته بأنه صاحب بدعة أى ممن تكلموا فى الذات أو فى الصفات ( صفات الله ) أو فى القضاء والقدر أو غيرها أو عرف بالتشيع وهكذا. فإذا صح المتن وسلم رواته من المطاعن قالوا عنه = (الحديث ) إنه منسوخ إما بآية وإما بحديث آخر مع وضع ملاحظة هامة فى الحُسبان وهى أن الحديث الذى يطعن فيه لا يوافق مذهبه أو رأيه أو حتى هواه. إذن التعكز على مقولة لأحدهم ولو من مرازبتهم لإثبات نظرة أولئك العربان المتدنية للمََرَة لا ينتصب دليلاً قاطعًا. إنما الأفعال هى التى تقطع المناوئ وتُخرس المشاغب وتُسكت المخاصم: ( كان الرجل يطلق امرأته ما شاء الله أن يطلقها وإن طلقها مائة مرة أو اكثر إذا ارتحعها قبل أن تنقضى عدتها، حتى قال رجل لامرأته والله لا أطلقك فتبينى منى ولا آويك إلى، فقالت وكيف ذاك؟ قال: أطلقك وكلما قاربت عدتك أن تنقضى ارتجعتك ثم أكلقك وأفعل ذلك. فشكت المرأة ذلك إلى عائشة فذكرت ذلك عائشة لرسول الله ـ ص ت فسكت فلم يقل شيئًا حتى نزل القرآن ( الطلاق مرتان .. ) [ المقبول: للأزهرى ص 132، 133. وقال المصنف: رواه الحاكم والترمذى والطبرى عن عائشة ـ رض ـ ووصف إسناده بأنه صحيح وأن الحاكم صحححه فى المستدرك. ورواه عبد بن حميد فى تفسيره ورواه ابن مردويه فى السنن ومالك فى الموطأ ].
وذكره السيوطى فى اللباب بذلك السند ولو أنه اكتفى بالترمذى من أصحاب الصحاح والحاكم النيسابورى ولكنه رَقَم أن المَرَة تشكّت إلى ( صاحب المغنم ) مباشرة دون توسط التيمية بنت عتيق بن أبى قحافة. وفى أحكام القرآن لابن العربى أن الزواج من الأثاربة بنى قيلة وان شكوى ميعولته أفضت بها بنفسها إلى القرآن الكريم. [ أحكام القرآن: لابن العربى ـ المجلد الأول ـ ص 189 ]. أكد الباحث عبدالله شحاته ـ بعد تمحيص منه ـ مسألة لعب أولئك العُربان بالطلاق ونحن من جانبنا نرجعها إلى استهانتهم بأقدس علاقة ولنظرتهم للمرأة التى تتسم بالتعالى من جهتهم والدونية إلى ناحيتها وجِماعة منبعه التبدىّ. يوثق شحاته ذلك فيزبر ( أى يكتب ) ( ثبت لأن أهل الجاهلية لم يكن عندهم للطلاق عدد وكانت عندهم العدة معلومة مقدرة. [ تفسير القرآن الكريم: لعبدالله شحاته ـ الجزء الثانى ثم ساق الحديث كما طلع علينا أبو عمر نادى الأزهرى. إذن نحن بصدد شكاية صحابية من بنات قيلة بثتها بالذات أو بالوساطة للبهاء ضد زوجها الذى عزم على تعليقها نزولاً على العرف المستقر فى المجتمع البدوى الذكورى بأن طلقها حتى إذا قاربت عدتها على النهاية راجعها وهكذا حتى أقرب الأجلين: أجلها أو أجله. و ( الخالص ) يعلم هذا التقليد المستقر الراسخ فى المجتمع وأنه سلاح فى يد الذُكران يشكمون به النسوة، يهددون به الناشز ويخيفون بموجبه العاصية ويردعون بمقتضاه النفور ولو انتزعه من أيديهم لعصلبن ( = عصلجت ). عليهم ولما استطاعوا التحكم فيهن ( هذا ما يتوهمونه ). هذا من رجال ( ناحية )، ومن آخر فإن النسون يعانين بشدة الظلم الذى يقع عليهن من جراء استمرار هذا العرف الوبئ والعادة الدنيئة والتقليد الطِفس، ولقد أثبتن منذ فجر الدعوة المباركة أنهن من أشد الأعوان إخلاصًا كما أن الأيام المستقلة تعمق الحَوجة إليهن إن فى جناح الديانة أو قطاع الدولة الوليد. تلك هى دَوَال العبارة التى وردت فى الحديث الشريف ( فسكت ولم يقل شئ بيد أن ( القرآن ) لم يسكت وانىّ له أن يفعل وقد تقدمت بطابتها صحابية أثربية لتصحبح وضع جائر يُضيرها هى بنات جنسها حتى يرث الله الأرض ومن عليها فبعثت آية كريمة ( الطلاق مرتان استجابت للشكاية وقضت على التقليد الظالم وأنصفت شقائق الرجال وكأنى به ( الكتاب / النور يقول لهم ولهن إنى معكم لا أغادركم طرفة عبن وادخل معكم فى علاقات جدلية حميمة ومن هنا لم أنبث دفعة واحدة كتوراة موسى وإنما تهل نجومى على مراحل تنير لكم الجَادة ( الطريق ) أمام مشكلاتهم وتبدد الظلام الدامس الذى عشش حول الكثير من تقاليدكم المتفسخة وتفتح المغاليق التى سكرتها عاداتكم البالية.
القِبْلَة المحيرة
رقمنا فيما سلف أن ( رضوان الله ) عندما شرّف قرية الحرتين وخبر أحوال ( إخوان القردة والخنازير وعبدة الطاغوت ) كما أطلق عليهم يوم قريظة:
أخرج بن جرير عن مجاهد قال: قام النبى ـ ص ـ يوم قريظة تحت حصونهم فقال: يا إخوان القردة والخنازير وعبدة الطاغوت. [ ( لباب النقول فى أسباب النزول ) للجلال السيوطى، على هامش ( تنوير المقياس من تفسير ابن عباس ) للفيروزى آيادى صاحب القاموس ، المتوفى 817هـ ـ الطبعة الثانية 1370هـ / 1951م. مكتبة مصطفى البابى الحلبى ـ مصر ].
وأدرك كثافتهم وفَرشَحة ذراعهم الاقتصادية وقوة تأثيرهم الدينى والاجتماعى باعتبار أنهم ( = القردة لا اليثاربة العربان ) من ذوى العلم الدينى وبأيديهم إسطير مقدس مَنَحَنَ من بيره سائر الإسطيرات التالية:
فصلى تجاه بيت المقدس أو قرية السلام ـ أورشليم ـ وتابعه صحبه. وشكلت البادرة خطوة فى درب الموادعة أو الموادّة التى قرر أن يمشى فيها يقرب من عام ونصف عام، بيد أنهم أثبتوا بحق أنهم قردة وخنازير، فانبثقت آية عظيمة من القرآن ـ وكل آياته عظيمة ـ أذنت له ولتبعه الاتجاه فى الصلاة نحو قرية القداسة العربية أو الكعبة أو إرث إبراهيم!!. [ هناك خناقة ( وهى كلمة فصيحة لرب السماء بين المسلمين واليهود على أمرين:
الأول: أيتهما أقدم وأكثر قداسة بَكّة أم إيليا ( أورشليم ).
الآخر: كبير البطاركة وأبوهم وأصل أصولهم إبراهيم أو أبرهام.
( فى مصر يدلعون من يسمى إبراهيم ببرهوم مرة وهيمة أخرى ا.هـ. ).
هل هو يهودى أو حنيف.
ورغم بلوغ عمر العركة المبرورة بدايات القرن الخامس عشر فإن الطائفتين لم تصلا حتى كتابة هذه السطور إلى حل وسط مع أن كليهما تكتظ بطوابير مرصوصة من العلماء والمشايخ والأحبار والربيين
تحويل القبلة أقلق عددًا من الصحابة لا بسبب التردد: مكة ( الكعبة ) ثم إيليا ثم مكة مرة اخرى إنما لعلة أخرى مغايرة ولكنها تقترن أو تتصل بها بحبل ربما لا يتسم بالمتانة والشدة إنما فى نهاية الشوط من اليسير العثور على وشيجة لبَكَتْهما ( = خلطهما ).
ما هو موقف أو مصير الصلوات التى صلوها هم ومن سبقهم إلى الدار الآخرة خلال الأشهر الثمانية عشرة صوب القرية التى يقدسها أولاد الأفاعى كما وسمهم عيسى ابن الصديقة مريم. [ علماء المسيحية يؤكدون أن اسم أمة ألله ام عيسى المسيح هو مارى أما مريم فهو اسم أخت هارون أخى موسى ، بيد أن القرآن المجيد سماها مريم وتوج سورة كاملة بهذا الاسم وهو شرف منيف لم تنله سيدة نساء الدنيا أم هند الطاهرة خديجة بنت خويلد. وبداهة نحن لاشأن لنا بما يدعيه الدين المسيحى ونتتبع ما جاء بالقرآن وإن اختلف نتيجة تشابه الأسماء، ومن ثم رقمنا اسمها الذى ورد فيه وهو مريم ا.هـ ].
( كان رجال من أصحاب رسول الله ـ ص ـ قد ماتوا على القبلة الأولى منهم أسعد بن زرارة وأبو أمامة أحد بنى النجار والبَرَاء بن معرور أحد بنى سَلَمة وأناس آخرون جاءت عشائرهم فقالوا: يا رسول الله توفى إخواننا وهم يصلون إلى القبلة الأولى وقد صرفك الله تعالى إلى قبلة إبراهيم فكيف بإخواننا؟. قأنزل الله تعالى { مَا كَان الله لِيُضَيِّعَ إِبْمَانَكُم } الآية. [ ( أسباب النزول ) للواحدى ص 36، ( لباب النقول ) للسيوطى ص 19 طبعة دار الشعب ، وقد أورده أبو عمر نادى الأزهرى فى ( المقبول ) وذكر أن إسناده صحيح وأضاف أن ابن كثير أورد فى تفسيره وقال عنه الشيخ شاكر فى ( العمدة ) إسناده صحيح وأخرج بعضه الترمذى فى تفسير سورة البقرة وقال عنه: حسن صحيح، وأبو داود ( من أصحاب الصحاح الستة كالترمذى ) وكذا ابن ماجة فى سننه وهو منهم وأخرجه أحمد بن حنبل فى المسند كما جاء فى صحيح ابن حيان وعزاء السيوطى فى الـ ( لباب ) للطبرى والأخير أورده فى تفسيره ( المقبول ) ص 81 . وهذا وصل هذا الحديث إلى محطة الصحة وهو مطمئن البال].
كالمنهج الذى اتبعناه نيمم صوب كتب التفسير العوالى لنتعرف سبب انبثاق الآية توثيقًا وشدًا لأزر مصنفات ( أسباب النزول ) { مَا كَان الله لِيُضَيِّعَ إِبْمَانَكُم } أى ثباتكم على الإيمان وقيل إيمانكم بالقبلة المنسوخة وصلاتكم إليها لما رُوى أنه ـ ص ـ لما وُجّه للكعبة قالو: كيف بمن مات يا رسول الله قبل التحويل لإخواتنا فنزلت: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } [ البقرة 143 ]. [ أنوار التنزيل أو تفسير البيضاوى: لقاضى القضاة البيضاوى ص 30 ].
ويؤيد أبو محمد بن عطية سبب إشراقة الآية السالفة الإلماع فيقول: ( فوجست نفوس بعض المؤمنين وأشفقوا على من مات قبل التحويل من صلاتهم السالفة فأنزل: { وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ }. [ ( المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز ) لأبى محمد عبد الحق بن عطية 481/541هـ تحقيق الملاح ـ ج1 ـ ص 441ـ لجنة القرآن والسنة ـ المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ـ بمصر ].
وفى تفسير الجلالين: { وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ } أى صلاتكم إلى بيت المقدس بل يثبتكم عليه لأن سبب نزولها السؤال عمن مات قبل التحويل. [ ( تفسير الجلالين ) وهما جلال الدين محمد بن أحمد المحلى وجلال الدين السيوطى ـ ص20 ـ دون تاريخ ـ مكتبة الجمهورية العربية المتحدة ].
أما المقصود بكلمة إيمانكم التى وردت فى الآية هو صلاتكم كما ذكر الجلالان ويقول الراغب فى مفرداته { وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ أى صلاتكم }. [ المفردات فى غريب القرآن: للراغب الأصفهانى ـ ص 26 ].
ويعلل ابن عطية تسمية الصلاة بالإيمان ( فسميت إيمانًا إذ هى من شُعب الإيمان ). [ المحرر الوجيز ص 441 ].
إن تحويل القبلة من إيليا إلى الكعبة بقدر ما غاظ بنى إسرائيل نفحهم مجالاً وسيعًا للدسّ والوقيعة والإدعاءات الخبيثة والمزاعم التى تقطر سمًا. ينفثونها فى آذان تبع ( المكتفى بالله ) خصوصًا اليثاربة وهم عُربان ضيقو الأفق، ومحدودو النظرة، منعدمو الثقافة، مليطون من الفكر، فما إن سمع اليهود بآية التحويل حتى ارثقلوا إليهم يبلبلون إيمانهم ويشوشون عليهم إسلامهم ويخلخلون عقيدتهم ويزلزلون ديانتهم الهشة خاصة أنهم حديثى عهد بها إذ لم يمض على إعتناقهم إياها أقل من عام ونصف عام فطفقوا يسألونهم:
أى دين هذا الذى يغير قبلة صلاته، ففى بدىّ الشأن التوجه إلى الكعبة ثم بعدها التحول صوب أورشليم مدينة السلام وعقب أقل من عامين العودة إلى الكعبة مرة اخرى؟.
إن ما علمناه من كتبنا أن القبلة إذا شُرِّعت لا تبدل وكيف تُغيّر والصلاة عماد الدين وأول ركن فيه بعد الشهادتين؟.
إن الأمر لايخرج عن فرضين:
إما التوجه فى الصلاة إلى أورشليم حق وصدق من عند الله فلا يصح تبديله ويتعين الاستمرار عليه إلى يوم القيامة!.
وإما أنه باطل وليس فيه حق ولم يأمر به الرب فكيف إذن يممتم صوب بيت المقدس طوال تلك المدة؟.
أما أن يصبح حقًا ثم يمسى باطلاً فما يقول به عاقل!.
وما السبب فى انقلابه من باطل إلى حق؟.
ألا يدل التحول على أن " أبا القاسم " قد جرفه الحنين إلى مسقط رأسه وإلى دين أبيه واجداده
وأن التحويل بداية فى جادة العودة إليه؟.
وفيم إذن هذا العناء وكل التضحيات؟.
والأهم من جماعه:
ما هو مصير الصلوات التى صليتموها طوال الأشهر الثمانية عشر؟.
وإذا أتيحت لكم الفرصة للتصحيح فكبف بآبائكم وإخواتكم وأبنائكم الذين قُبِروا قبل التحويل وبالتالى انعدمت لديهم أى نُهزة للتصويب؟.
هذه التساؤلات الماكرة التى طرحوها على المسلمين أثّرت فى عدد كبير منهم وفى المقدمة الأثاربة وفعلت فى قلوبهم فعل السحر وأقلقتهم، ونستدل عليه بما جاء فى الخبر: ( جاءت عشائرهم ) أى لم يأت أفراد منهم بل عشائر بالجمع. ومن بين معانى العشيرة : القبيلة. [ تقول عشيرة الرجل = قبيلته ] ، أى أن قبائل من ماتوا جاءت .. والمقصود هنا: أرهاطهم وأفخاذهم وبطونهم لأن بنى قيلة يشكلون قبيلة واحدة من فرعين هما الأوس والخزرج.
المهم أن الاضطراب هيمن على أهاليهم ولم يقتصر على نفر محدود، مما يشى بنجاح أولاد يعقوب فى دسائسهم وفلجهم فى مكائدهم وظفرهم فى ألاعيبهم، بل إن الغاية بلغت مداها فقد أثرت دعاوى يهود الفاسدة المفسدة إذ ارتد عدد من المسلمين عن دينهم ( وقد ارتد لذلك جماعة ). [ تفسير الجلالين ].
وإذ إن الشئ بالشئ يُذكر فلم يرد فى كتب السيرة المحمدية المعطار أو فى مصنفات أحاديثه الشريفة أنه قتل أو امر بقتل هؤلاء المرتدين مما يؤيد مقولة إن الردة ليست حدًا شرعيًا إذ حاشاه أن يسكت ولا يطبق . ا.هـ. عند ذلك بلغ المَرج أقصاه والهَرَج منتهاه والفتنة ذروتها وصار حتمًا مقضيًا إجابة العشائر على شؤالها عن مصائر الذين يمموا شطر أورشليم ثم ماتوا قبل التحويل إلى كعبة قرية التقديس. [ فى ذياك الزمن المدهش انضوت جزيرة أولئك العُربان على أكثر من عشرين كعبة ولكن لم يكن إحداها بشهرة كعبة بنى سخينة فى بكة. ا. هـ. ]. ولوقف نزيف الردة التى هى طعنة نجلاء فى جسد الدولة الجديدة ولطمة مزلزلة للدين الناشئ إذ إنها فى أمس الحوجة إلى الأجناد والعسكر والغزاة والأعوان لا العكس.
وكمنهاج القرآن الذى استنه الرسول الكريم ، سارع لتقديم الحل والإجابة المرضية للنبى ـ ص ـ خاصة أن السؤال لم يطرحه فرد أو نفر محدود بل عِزون ( جماعات واحدتها عِزة ) [ نظام الغريب فى اللغة ص 147 ]. أكثروا الوعوعة وأداموا اللغط وأجلبوا بالضخب وهنا طلعت كالبدر المنير آية { ...وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ...} [ البقرة 143 ]، أى صلاتكم ( والأيمان ها هنا الصلاة ) . [ المختصر فى تفسير القرآن: لابن صمادح التجيبى ـ ص 17 ].
فتلاها ( ذو الخلق الكريم ) على تلك الفِئام فهدأت قلوبهم إذ تيققنوا أن ذويهم الموتى قبل التغيير لم يُبخسوا حقهم واستوفوا جزاءهم ونالوا مثوبتهم.
وانفرجت أسارير ( صاحب المقام المحمود ) حين رضوا إذ هم سواعده القوية يقهر بها مشركى الجزيرة على أن ينطقوا بالشهادتين وأعضاء الصلبة فى تأسيس دولة قريش وبنى هاشم التى طالما تمناها الأجداد المباركون.
وفى كل نازلة يؤكد الذكر الحكيم العلاقة الجدلية التى يلتحم بها مع المجتمع وأفراده وأنه لا يتخلى عنهم ولو برهة يسيرة ويلبى طلباتهم ومتطلباتهم دون إبطاء.
شعائر الصفا والمروة
انتقش الإسلام كثيرًا من الفترة السابقة عليه. [ تسمى الجاهلية تنقيرًا منها وتبغيضًا فيها وهى تسمية أيديولوجية ]. فى كافة القطاعات، ففى قطاع العقيدة نادى الحنفاء أو المتحنفين بالتوحيد ونبذ الشرك.
ابو تراجى
01-04-2010, 04:50 PM
الفصل الثانى
آيات كريمة ظهرت تلبية لرجاوات تبعه
الظهار
اتسمت نظرة أولئك العربان للمَرَة الدونية تمثلت فى أمور عديدة منها حرمانها من الميراث لأنها تشارك فى غزوات النهب والسلب ولا طاقة لها بالدفاع عن حمى القبيلة ( ولو أن المسالة تحتاج إلى دراسة أعمق ا.هـ. ) وكذلك فى سهولة فصم عروة الزوجية التى من المفروض أن لها قدرًا من القدسية. ومن بين صور مفارقة الزوجة عندهم ( الظهار ) وهو أن يقول الواحد منهم لحليلته أنت عَلَىّ كَظهر أمى فَتُعدّ طالقًا لأنه كما لا يحل له أن يعتلى أمه كذلك بتلك الجملة الفلوت غدت زوجته محرمة عليه ولا يحق له أن يمتطيها. أوس بن الصامت وهو أثربى وأخو عبادة بن الصامت من مشاهيرهم بعد أن استمرت الزوجية بينه وبين مبعولته خولة بنت ثعلبة وتفانت فى خدمته وخلفت له أولادًا وبدأت التجاعيد تظهر فى وجهها والشَمَط ( اختلاط البياض بالسواد ا.هـ ) يعلو شعرها والوهن يدب فى مفاصلها قرر أن يتخلص منها كيما ينكح جارية ( صبية ) نضرة يتمتع بها مذاكيره فبمنتهى الاستهتار نادى على خولة التى أسرعت تلبى فقال لها: أنت على كظهر أمى. صُدمت الزوجة البائسة فلم تتوقع أن يجازيها هذا الصامت جزاء سنّمار ويطلقها دون جريرة إلا الإخلاص له والتفانى فى خدمته وولده وفكرت فى هذه النازلة التى حطت على يأفوخها دون توقع فلم تجد إلا أن تفزع إلى ( المرحمة ) وقصَّت عليه عبث زوجها واستهانته بأقدس علاقة تقوم بين اثنين ومن عمق أساها وغزارة بثها وشدة حزنها نطقت بكلام بليغ أوضح دفين ألمها وشفّ عن مكنون نفسها ورفع الستر عن جبئ إحساسها: ( يا رسول الله أكل شبابى ونثرت له بطنى حتى إذا كبرت سنى وانقطع له ولدى ظاهر منى ). [ أسباب النزول: للواحدى / ولباب النقول للسيوطى ص 164 / والمقبول: للأزهرى ص 639 / ووصف المصنف بأن إسناده صحيح وذكر أنه ورد فى مسند أحمد وفى المستدرك للحاكم النيسابورى وصححه وأقره الذهبى، والبيهقى فى سننه. وقال الجاحظ ( ابن حجر العسقلانى ) فى الفتح ( فتح البارى بشرح البخارى ) هذا أصح ما ورد فى قصة المجادلة وتسميتها ا. هـ. وهكذا حاز الحديث رتبة منيفة فى الصحة ].
ويتحفنا الفخر الرازى برواية أخرى: فظاهر منها فأتت رسول الله ـ ص ـ وقال إن أوسًا تزوجنى وأنا شابة مرغوب فىّ، لما خلت سنى وكثر ولدى جعلنى كظهر أمه وإن لى صبية صغارًا إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إلىّ جاعوا .... [ مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير: للإمام فخر الدين الرازى ـ الجزء الثلاثون ـ المجلد الخامس عشر ـ ص 419 ]. فى هذا الحديث أوضحت الزوجة المغلوبة على أمرها العلة فى الظهار وهى أنها وقت شبابها والرغبة فيها استبقاها حتى شاب رأسها وكبرت سنها وغدت ذات أولاد ومن ثم لم تعد لديها الإمكانات التى بها تعطيه المتعة ففارقها بعبارة من أربع كلمات لكى ينكح فتاة تمنحه ما يرغب. وهكذا يُثبت هؤلاء العَرَبة أن هاجس المعافسة أو الملامسة هو الذى يملأ أدمغتهم الريّة من العلم، المليطة من الفكر، الخالية من الثقافة. بعض المفسرين القدامى من جوقة المداحين والطبالين الذين يريدون أن يرفعوا الصحب فوق مستوى البشرية وأعلى من مقام الإنسانية وانهم فى درجة أقرب إلى الملائكة وأن الغرائز والعواطف والنوازع... إلخ يستحيل عليها أن تقترب منهم ، نقول البعض من أولئك نفى عن هذا الأوس الباعث الحثيث الذى دفعه للظهار من بعلته ووصفه بأن عنده لَمَمًا أى مسًا خفيفًا من الجنون أو عدم اتزان وتقدير للأمور على وجهها الصحيح، بيد أن الإمام فخر الدين الرازى أوضح أن الذى هيمن عليه ودفعه لأن يظاهر من زوجته العجوز بأنه (الإلمام بالنساء وشدة الحرص والتوقان إليهن) . [ المصدر ذاته والصفحة نفسها ].
ونأمل أن يتفرّس القارئ فى العبارات التى أوردها الفخر فى وصف ذاك الصامت فى ناحية ولعه بالنسوان لأنه يُعتبر نموذجًا لأولئك الأعاريب فى هذا المجال، وتكملة القصة أن خولة اشتكت زوجها و ( أنه ـ ص ـ قال لها ما عندى فى أمرك شئ ). [ المصدر ذاته والصفحة نفسها ].
لكن ( مأدبة الله ) يستجيب لشكاية خولة على الفور لا على التراخى:
( قالت عائشة: فما برحت " خولة " حتى نزل جبريل ـ س ـ ب ـ الآيات ). [ المقبول : ذات الصفحة السابقة، وأسباب النزول: ذات الصفحة السابقة، ولباب النقول : ذات الصفحة السابقة ].
وهكذا جاءت الآيات الكريمة بالحل فبعد عَدّ الظهار لديهم من أشد صور الطلاق ( قبل الإسلام ) لأنه فى التحريم أوكد ما يمكن، أصبح بعد انبلاح هذه الآيات من اليسير رفعه أو دفعه بالكفارات.
هذا هو المثل الأول الذي نسوقه فى هذا الفصل:
ففضلاً عن أن الآيات الأربع أقبلت بناء على شكوى خولة وإنقاذًا لها من الورطة التى أوقعها فيه طيش زوجها ونزقه فإنه ( العروة الوثقى ) أثبت أن عينه الساهرة تلحظ المجتمع وتتفاعل معه وترتبط بعلاقة جدلية حميمة. { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ . الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ . وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ . فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [ سورة المجادلة : 1 ـ 4 ].
تحريم الخمر
انصياعًا لإكراهات المجتمع الذى شبّوا فبه وانسياقًا لموجبات البيئة التى تربوا فيها ونزولاً على أنساق الوسط الذى نشأوا فيه تمكن شرب الخمر من نفوس الصحاب وعدد من مقدميهم.
( روى أن آية تحريم الخمر نزلت فى ملاحاة جرت بين سعد بن أبى وقاص ورجل من الأنصار وهما على شراب لهما وقد انتشيا فتفاخرت الأنصار وقريش فأخذ الأنصارى لِحيْى جمل فضرب به انف سعد ففرزه يعنى شقّه ... وروى أن ذلك الأنصارى كان عتبان بن مالك ـ روى ذلك الطبرى والترمذى وغيرهما ). [ أحكام القرآن: لأبى بكر محمد عبداله المعروف بابن العربى ، تحقيق محمد البجاوى ـ المجلد الثانى ـ الطبعة الأولى 1407هـ / 1987م ـ دار المعرفة ودار الجيل ـ بيروت لبنان ].
ومثال آخر:
( روى حميد الطويل عن أنس قال: كنت أسقى أبا عبيدة واُبى بن كعب وسهيل بن بيضاء فى نفر فى بيت طلحة فمر بنا رجل فقال: إن الخمر قد حُرّمت ). [ أحكام القرآن : للكيا الهراسى ـ المجلد الثالث ـ ص 99 ـ مصدر سابق ].
ومثال ثالث:
دعا أثربى جماعة من كبار الصحب المنازيح والمقيمين على طعام وشراب فلما حضرت صلاة المغرب فتقدم عبد الرحمن بن عوف ليؤمهم فقرأ { قل يا أيها الكافرون } ولكنه خلط فيها ـ رواه الحاكم فى المستدرك عن طريق الثورى عن عطاء، وقال عن حديث صحيح ولم يخرجاه ( = الشيخان البخارى ومسلم ) [ المقبول للأزهرى ـ هامش ص 211 / أحكام القرآن لابن العربى ـ الثانى ـ ص 657 ].
وفى رواية أخرى أن الذى أمهم وهم نشاوى آخر غير ابن عوف إنما يُعد من متقديمهم.
المثال الرابع والأخير:
آية تحريم الخمر: نزلت فى قبيلتين من الأنصار شربوا الخمر وانتشوا فعبث بعضهم ببعض فلما صَحَوا رأى بعضهم فى وجه بعض آثار ما فعلوا وكانوا إخوة ليس فى قلوبهم ضغائن فجعل الرجل يقول ( لو كان أخى بى رحيمًا ما فعل هذا بى ).
فحدثت بينهم الضغائن فأنزل الله تعالى: { إنما يريد الشيطان ... } إلى آخر الآية. [ أحكام القرآن لابن العربى ـ المجلد الثانى ـ ص 657، لباب النقول للسيوطى ص77 ].
نكتفى بهذا لندلل على أن الخمر تغلغل حبها فى أعماق قلوبهم وأنهم لم يكفوا عن تعاطيها إلا بعد شروق آية التحريم: ( أمر رسول الله ـ ص ـ مناديه أن ينادى فى سكك المدينة: ألا إن الخمر قد حُرّم فكُسرت الدنان وأريقت الخمر حتى جرت فى سكك المدينة ). [ المقبول للأزهرى ص 306، أحكام القرآن لابن العربى ـ المجلد الثانى ـ ص 657 ].
وهذا نص بالغ الثمانة لأنه حمل بين دفتيه معطى عميق الدلالة وهو أن شرب الصريفية ( = الخمر ) منتشر بينهم بكثافة. [ رجعت فى أسماء الخمر إلى كتاب ( نظام الغريب فى اللغة ) تأليف عيسى الربعى الوحاظى الحميرى تحقيق محمد بن على الأكوع ـ ص 94، 95 ـ الطبعة الأولى 1400هـ / 1980م ـ دار المأمون للتراث / دمشق / بيروت ].
كما منع السكارى من حضور الصلاة خلف ( المرشد / الهادى ) فى مسجده.
تفشى معاقرة الخمر ( = القرقف ) من قبل جمهور الصحاب بل وصناديدهم أقلق ( البشير / الحازم ) ومجلس شوراه لأن هؤلاء الصحبة هم أجناده فى نشر الدين وعسكره فى إقامة الدولة ( الحلم ) وقد نسخنا فيما تقدم فى المفتتح كيف تدرّج ( البيان / الصادق ) فى معالجة هذا الأمر بيد أن آية التحريم لم تجئ إلا مُصَلّية وعلى ريث، وفى هذا الإبان أخذ العدوىّ عمر بن الخطاب يتململ ويستعجل الأمر بالكف والنهى عن التعاطى:
( عن أبى ميسرة قال: قال عمر اللهم بيّن لنا فى الخمر فَنزلت { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ } النساء 4/ 43 فقال اللهم بيّن لنا فى الخمر فنزلت { قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما } فقال: اللهم بيّن لنا فى الخمر فنزلت { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }المائدة 5/90 إلى قوله { إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ } المائدة 5/91 فقال عمر: انتهينا إنها تذهب المال وتذهب العقل ). [ أحكام القرآن للجصاص ـ المجلد الأول ـ ص 323 ].
مع ملاحظة أن العبارة التى وردت على لسان العدوىّ عمر تدل على انه من بين من دأبوا على احتساء الكَلفاء ( = الخمر ) ويؤكده ابن العربى بقوله: ( فقال عمر : انتهينا حين علم أن هذا وعيد شديد ) [أحكام القرآن لابن العربى ـ المجلد الثانى ـ ص 657 و أسباب النزول للواحدى ص 139 ].
ومما له دلالة بالغة هذا الخبر:
( فدُعى عمر فقرئت عليه آية { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ } 4/43 فكان منادى رسول الله إذا أقام الصلاة: أن لا يقربن الصلاة سكران، فدُعى عمر فقرئت فقال اللهم بين لنا فى الخمر بيانًا شافيًا فنزلت الآية التى فى المائدة فدُعى عمر فقرئت عليه فلما بلغ { فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ } قال عمر: انتهينا ). [ المقبول للزهرى ص 307 ].
إن قارئ هذا الخبر لابد أن يتساءل: لماذا العدوى بالذات الذى طُلب وقُرئت عليه الآية؟.
ربما لاهتمامه الشديد بهذا الأمر وهو عضو بارز فى مجلس الشورى وربما لسبب ىخر لا بخفى على فطانة القارئ الذكى وإن ذكرناه آنفًا.
وعلى كلٍ فإن الزرجون ( = الخمر ) حتى ذياك الوقت لم تُحرّم أى أنه لا غضاضة على متعاطيها.
وعمومًا فهذه نقطة هامشية.
أما الجوهرى فى الأمر هو أن القرآن العظيم تفضّل بآية كريمة حرمت الصرخدية ( = الخمر ) على معتنقى الديانة الإسلامية منذ بزوغها حتى الآن وإلى ما شاء الله، ولا شك أن عمر قلق ومطالبته بورود بيان فى شأنها وإلحاحه فى الرجاء جِماعه يُحسب له ويضيف زَبْرة لرصيد مناقبه، فضلاً على أن الذكر الحكيم كما يتضح لنا يلاحق احوال ذلك المجتمع ويتصل به بحبل متين.
إرث النسوان
قلنا منذ عشرين عامًا إن الدين ثورة على الأوضاع الفاسدة للمجتمع الذى ينبثق فى حناياه ويتولد بين جنباته وينمو بين أضلعه وإن الذين يبشرون به هم ثوار بمعنى الكلمة هدفهم تقويض قواعده المنهارة وتهديم قوائمه المتهالكة وتحطيم أسسه المتهاوية كيما يبنى المبشِّر بالديانة الجديدة مجتمعًا جديدًا فى كل المناحى.
العقيدة ـ العبادة ـ العلاقات الإجتماعية ـ الروابط الأسرية ـ الأسس الاقتصادية ـ التوجهات السياسية .. تجمعها ( أيديولوجية) ذات خصائص معينة وتنتظمها كما يضم السلك حبات العقد سواء جاءت من جوهر نفيس أو معدن ثمين.
ما إن يعلن الثائر المبارك صوته المبرور مُعْلِمًا بثورته حتى يَغُدّ إليه المطحونون ويَجْذِم إليه المظلومون ويُوضِع إليه المُعوِزون ويَخَبّ إليه المحتاجون ويُرقَل إليه المعدمون ويهرول إليه المنكسرة قلوبهم حسبما درج على مناداة تبعه ثائر مبرور وأحد البطاركة المرموقين عيسى ابن الصديقة مريم.
وجِماع هؤلاء أطلق عليهم ( العَلَم العليم ) ( الأراذل ) يؤمنون بثورته ويقفون تحت رايته ويصطفون خلف لوائه ويدافعون عن الثورة بكل ما لديهم وإذ إنهم مَلِطيون من كل شئ فإن ما لديهم يعنى أبشارهم وجشومهم وأرواحهم يقدمونها فَداءً لها وشهادة فى سبيلها وثمنًا لفَلحِها.
ولكن ما هو التَحضِيْض الذى يُوزّهم إليها؟.
الإجابة اليسيرة هم يرون فيها: سفينة النجاة مما هم فيه من ظلم وبرّ الأمان مما يعانونه من حرمان والدواء الشافى لكافة الأمراض التى تضربهم والأسقام التى تركبهم والأدْواء التى تنخر فيهم واليد التى سوف تنتشلهم من الوَهْدة التى يتدون فيها .. إلخ.
وفى مقابلهم يقف الأغنياء والمرابون وتجار الرقيق والطواغيت والمرازبة والجحاجح والبغاة والظلمة والمستكبرون وهم ( الملأ ).
كما أطلق عليهم القرآن ويفسره الراغب بـ : الذين يملأون العيون رواة ومنظرًا والنفوس بهاءً وجلالاً يناوئون الثائر ويعارضونه بل يحاربونه ويسخرون من تابعيه ويستهزءون من مناصريه ويعبثون بمؤيديه دفاعًا عن أوضاعهم الطبقية وحماية لمصالحهم المادية وتمسكًا بمكاسبهم المالية لأنهم يُنقهون أن دعوته سوف تفقده جمعية ذلك. [ المفردات فى غريب القرآن: للراغب الأصفهانى 502هـ / تحقيق محمد سيد كيلانى ت طبقة 1381هـ / 1981م ـ مكتبة الباب الحلبى ـ بمصر ].
ومن بين الفئات المغلوبة على أمرها النساء فى الجزيرة العربية عندما دعا ( المصلح ) بالديانة الجديدة. [ يقول العمة عنهم فى مصر: صنف الحريم ].
وأوضحنا فيما سلف نتـفاً من مظاهر القهر الذى وقع عليهن ومن أبرزها حرمانهن من الميراث وهو الأمر الذى دفع أم سلمة ( سبق نسخنا قطاعًا من حياتها ا.هـ 9. إلى أن ترفع صوتها محتجة باعتبارها من زعيمات النِسون حتى بعد أن زَبَدَهن القرآن الكريم نصف الميراث. [ زَبَدَه يزبده = أعطاه ومنه الحديث المروى: ( إنا لانقبل زبد المشركين ) ـ ( تصحيح الفصيح وشرحه ) لابن درستويه ـ تحقيق د. محمد بدوى المحتوت ـ مراجعة د. رمضان عبد التواب ص 23 ـ الطبعة الأولى 1419هـ / 1998م. المجلس الأعلى للشئون الإسلامية. بمصر ].
( أخرج الترمذى والإمام أحمد والطبلرانى قال: قالت أم سلمة: يارسول الله يغزو الرجال ولا نغزو فأنزل الله تعالى: { وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا } [ سورة النساء 32 ]. ثم نزلت { إنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى } الآية. [ المقبول للأزهرى ـ ص191 ـ ووصف إسناده بأنه حسن ].
أما الباحثة المغربية أمينة الحسنى فقد أوردت رواية أخرى:
( أخرج الترمذى من حديث ابن عمر عن مجاهد عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله، يغزو الرجال ولا تغزو النساء زاد الحاكم: ولاتقاتل فتستشهد وإنما لنا نصف الميراث فأنزل الله تعالى وتبارك: { ولا تتمنوا ما فضل الله به ....... } الآية ) . [ أم سلمة أم المؤمنين ـ مصدر سابق ص 132 ].
يبين أن الحديث بلغ درجة عالية من الصحة فقد أخرجه الترمذى وأحمد والطبرانى والحاكم النيسابورى ووصفه بأنه حديث حسن صحيح الإسناد على شرط الشيخين. كما ذكر السيوطى أن الحاكم خَرّجه فى المستدرك. [ لباب النقول ـ ص51 ].
ولولا أن إختصاص النساء بنصف الميراث حاك فى صدر أم سلمة لما أسرعت بتلك المقولة الاحتجاجية، كما أنها بنت زاد الركب فى ما نرجح ظلت على موقفها فأشرقت آية اخرى { أنى لا أضيع عما عامل منكم من ذكر أو أنثى } فرضيت أو سلّمت أمرها لله تعالى.
بعد هذا الاستطراد الذى دفعنا إلى زَبْره ( نسخه ) موقف هند أم سلمة من ميراث المَرَة، نعود إلى سياقة البحث.
قبل الإسلام أطبق أولئك العربان على نفى النسوان من الإرث بالكلية وهذا موقف لم يُرض ( نعمة الله ) لأمرين:
الأول : فيه إجحاف بالغ بهن ومعلوم وعمق كراهيته له بعد أن ذاق من الكثير فى طفولته وصباه وشبابه.
الآخر: أنهن من أوائل من تبعه وآمن بدعوته، با إن اول من استشهد فى سبيلها امرأة هى ( سُميّة أم عمار بن ياسر )، واشترك فى بيعة العقبة الأخيرة مَرَتان من بنات قيلة هما أم عمارة بنت كعب وأسماء بنت عمر، وهذه البيعة على الأحمر والأسود وشكلت نقطة الانطلاق بالنسبة للإسلام، كما ان مواقف النسوة البطولية فى المعارك خاصة فى غزاة أحد تقطع بعمق إيمانهن بالديانة التى بشر بها وبإخلاصهن وتفانيهن.
فأخذ يتربص النُهزة لعل ( العروة الوثقى / القرآن ) يهديه نصًا يرفع هذا الظلم عن المَرَة ولو جزئيًا، إذ إن إزالة العنت جميعه عنهن أمر عسير بل مستحيل لأن مجتمع العَرَبة ذكورى بطريركى والمساواة بين الرجل والمرأة فى التراث سوف تثير حفيظتهم وتشعل غضبهم.
وهنا جاءت الفرصة:
( أخرج الإمام أحمد والترمذى وابن ماجة والحاكم وغيرهم عن جابر قال: جاءت غمرأة سعد بن الربيع فقالت: يارسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قُتل أبوهما معك يوم احد شهيدًا وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالاً، فقال: يقضى الله فى ذلك فنزلت آية الميراث، أرسل رسول الله ت ص ـ إلى عمهما فقال: أعط لبنتى سعد الثلثين وأمهما الثمن وما بقى فهو لك ). [ المقبول للزهرى ص 200، 201 ووصف إسناده بأنه صحيح ].
وأورد السيوطى الحديث ذاته وأضاف: ولا تنكحان إلا ولهما مال. ثم ذكر عبارة: يقضى الله فى ذلك ، فنزلت آية الميراث. [ لباب النقول للسيوطى ص 49 ].
وجاء برواية أخرى :
( وقد ورد فى قصة سعد بن الربيع وجه آخر: اخرج القاضى إسماعيل فى احكام القرآن من طريق عبد الملك بن حزم أن عَمْرة بن حزام كانت تحت سعد بن الربيع فقتل عنها فى احد وكان له منها ابنه فأتت النبى ـ ص ت تطلب ميراث ابنتها ففيها نزلت ( يستفتونك فى النساء ) الآية ) . [ لباب النقول للسيوطى ص 49 ].
بيد أن الرواية الأولى أصح وأشد توثيقًا وأليق بالمناسبة.
أما الوحدى النيسابورى فيزيدنا برواية شبيهة بواقعة بنتى سعد بن الربيع ( قوله تعال: { وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا } الآية [ النساء : 33]، قال المفسرون: إن أوس بن ثابت الأنصارى توفى وترك امرأة يقال لها أم كَجّة وثلاث بنات فقام رجلان هما ابنا عم الميت ووصياه يقال لهما سويد وعجرفة فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته شيئًا ولا بناته وكانوا فى الجاهلية لا يورثون النساء الرجال الكبار وكانوا يقولون لانعطى إلا من قاتل على ظهور الخيل وحاز الغنيمة، فجاءت أم كجة إلى رسول الله ـ ص ـ فقالت يا رسول الله إن أوس بن ثابت مات وترك بنات وأنا امرأة ليس عندى ما أنفق عليهن، وقد ترك ابوهن مالاً حسنًا وهو عند سويد وعجرفة ولم يعطيانى ولا بناته من المال شيئًا وهن فى حجرى ولا يطعمانى ولا يسقيانى ولا يرفعن لهن رأسًا .
فدعاهما رسول الله ـ ص ـ فقالا: يا رسول الله ولها لا يركب فرسًا ولا يحمل كلأ ولا يُنكئ عدوًا، فقال رسول الله ـ ص ـ: انصرفوا حتى أنظر ما يحدث الله لى فيهن فأنزل الله هذه الأية ) . [ أسباب النزول للواحدى النيسابورى ص 95، 96 ].
وقد حمل كتاب ( المقبول ) للأزهرى ذات الواقعة وأضاف أن امرأة ثابت طلبت من ابن العم خالد بدلاً من سويد وبنات أوس اثنتان لا ثلاث.[ وهذ يوثق ما سبق أن رقمناه: أن الفترة المبكرة اكتظت بالاختلاف فى جُلّ المناحى : الأسماء ( أسامى الأشخاص والأماكن ) والأعداد والوقائع والتواريخ ... إلخ ا. هـ ]. ولكنهما رفضا نكاحهما لدملمتهما، وانه نزلت بشانها آيتان: { وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا {111} وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا {127} } [ سورة النساء 111، 127]. [ المقبول للأزهرى ص 196، 197 ووصف الحديث بأنه صحيح ].
أما السيوطى فقد رقم انه ( ورد سبب ثالث: اخرج ابن جرير عن السدى قال: كان أهل الجاهلية لا يورّثون الجوارى ( أى البنات أو الفتيات الصبايا) ولا الضعفاء من من الغلمان، لايرث الرجل من ولده إلا من اطق القتال ـ فمات عبد الرحمن أخو حسان الشاعر وترك امرأة يقال لها كَجّة ذلك إلى النبى ـ ص ت فأنزل هذه الآية { يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا}[ النساء : 11] ، ثم قال فى أم كَجّة { وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ } [ النساء: 12]. [ لباب النقول للسيوطى ـ ص 49 ].
ورواية السيوطى فى الباب توثق ما قلناه بشأن الاختلاف فى الأخبار سواء فى الوقائع أم الأسامى أم الأعداد وانه لا يقدح فى جوهر النازلة أو الواقعة.
وهذه ملاحظة هامشية اقتضاها التحليل والتقييم إنما الثابت من الحديث:
1 ـ أن أولئك العربان وضعوا مقياسًا لمن يستحق التراث وهو الذكر الذى يمتطى ظهر الفرس ويحوز الغنيمة وهو معيار يدل على البداوة ويؤكد أن الغنائم هى هممهم المقيم مشغلهم الشاغل. ولنتساءل هل هذا العيار متوفر الآن ، هل يوجد فى العصر الحالى غنائم؟، ألا تخرج المرأة للعمل مثلها مثل الرجل بل وأكثر، متبوأة أعلى المناصب ، واترك لقريحتك أيها القارئ أن تضع أمامك عشرات من الأسئلة والأمثلة لعلك تجد لها جوابًا تقنع به نفسك ، أو مخرجًا تنأى به عن مخارج التراث وتفاسيره وقوالبه.
2 ـ أن ابنى عم قيس بن ثابت ( أو غيره ) لا يعنيهما أن تعيش زوجته وابنتاه ( أو بناته ) فى مسبغة أو لا تتزوجان إذ لديهما مال تنكحان من أجله ت وابنا العم يعلمان ذلك بداهة ـ إنما الذى يهمهما هو الحصول على المال وهو أمر يشف عن جلافة فى الطبع وبداوة فى الذوق وانعدام فى الإحساس وخَواء فى الخلاق وصُفور فى الضمير ومَآبه الافتقار إلى الحضارة والبعد عن المدنية والنأى عن الرقى وجِماعه يؤكد النعوت التى رددناها عن ذياك المجتمع.
3 ـ أن العبارة التى وردت على لسان ( العظيم / العفو ): انصرفوا حتى أنظر ما يحدث الله لى فيهن . وعدها نزلت الآية، حافلة بالدلالات ثَرّة بالمعانى جَيّاشة بالإيحاءات ولا تحتاج إلى تعليق وهى غنية عن الشرح ولا تفتقر إلى تبيين، يفهمها الذكى وينفقها الفطن ويدركها اللوذعى ويستوعبها اللبيب.
فى فاتحة هذا الكتاب أخذنا على المفسرين المحدثين استقاءهم الكثير من كتب التفسير التراثية وقد يعترض قارئ: ها أنت ترجع إليهم؟.
وردنا ينحصر فى أمرين:
الأول: أننا ـ بعكس المفسرين المحدثين ـ لا نتوكأ أو نتعكز على القدامى وفرق بين الاستشهاد ببضع فقرات لتحليلها وتقييمها وبين النَهْل والعَبّ.
الآخر: ما نأخذه منهم يدور فى نطاق ( أسباب النزول ) لتوثيق ما جاء فى المؤلفات التى خصصها مصنفوها للأسباب فحسب.
بعد هذه الملحوظة نرجع إلى السياق:
( روى عطاء قال: استشهد سعد بن الربيع وترك ابنتين وامرأة وأخًا فأخذ الأخ المال كله، فأتت المرأة: يارسول الله هاتان ابنتا سعد وإن سعدًا قتل وإن عمهما أخذ مالهما، فقال ـ ص ـ ارجعى فلعل الله سيقضى فيه ثم إنها عادت بعد مدة وبكت فنزلت هذه الآية [ النساء 11 ]، فدعا رسولالله ـ ص ـ عمهما وقال: أعط ابنتى سعد الثلثين وأمها الثمن وما بقى فهو لك، فهذا أول ميراث فى الإسلام ). [ مفاتيح الغيب ـ التفسير الكبير: للفخر الرازى ـ الجزء التاسع ـ ص 47ـ مصدر سابق ].
وما أورده الفخر الرازى ( ثم إنها عادت بعد مدة ) يدل على أن ( مادبة الله / القرآن ) تمهّل حتى أشرقت آية المواريث لأنها تمس عُرفًا راسخًا رسوخ الأجْبَل الرواسى، كما ان الذُكران نازحين وأثاربة سوف يتململون بعد انبثاقها لأنها تنال من وضْعَيهم المادى والمعنوى وقد شبوا وشابوا على إلفه ( = عدم فراقه ) واعتياده وبناء حساباتهم المعاشية على مقتضاه.
أما قول فخر الرازى إنه أول ميراث قُسّم فى الإسلام فمعناه أن نظام التوريث السابق على الإسلام بما فيه حرمان النِسون والجوارى وصغار الغلمان ظل معمولاً به حتى بعد غزوة أحد التى وقعت فى السنة الثالثة من النزوح. [ تاريخ الطبرى ـ الجزء الثانى ـ ص 499 ]. أى أنه استمر سارى المفعول ستة عشر عامًا منها ثلاثة عشر فى قرية التقديس وثلاثة فى قرية الحَرّتين أى ما يقرب من ثلثى عمر الدعوة المحمدية المباركة وهذا يقطع باستقرار عرف التوريث البدوى الذكورى وإلا لما احتاج تغييره هذا المدى الطويل.
ويقول اَلْكيا الهراسى ( وقضى رسول الله ـ ص ـ فى تركة سعد بن الربيع للبنتين الثلثين وللزوجة الثمن والباقى لأخته) [ أحكام القرآن: لعماد الدين محمد الطبرى ج/2 ص 343، وذكر فى الهامش: رواه أحمد والترمذى وأبو داود وابن ماجة ].
ولا يفوتنا أن نلحظ عبارة ( والباقى لأخته) لا لأخيه كما جاء فى روايات سوابق، لأن التباين والاختلاف أهم علامة تَسِم مَرْويات فترة التدشين لعدم معرفتهم بالتدوين الذى درج عليه وأتقنه منذ ألوف الأعوام قبل هذه الأحداث المُعجبة المبروكة أجدادنا قداماء المصريين.
أما أبو بكر محمد بن عبدالله المعروف بابن العربى فقد أورد خبر مجئ زوجة سعد بن الربيع للرسول وشكواها إليه بذات التفصيلات التى عبقت بها الرواية الأصلية التى سقناها فيما سلف وقوله لها ( يقضى الله فى ذلك ) فنزلت { يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ } وهكذا عاضدت كتب التفسير، مصنفات أسباب النزول فى توثيق خبر شكوى زوجة سعد بن الربيع لحرمانها وابنتيها من ميراثه لأن عمهما استفاه لنفسه وبعدها هلّت بطلعتها المشرقة آية المواريث على مهل وريث. [ أحكام القرآن: لابن العربى ـ مجلد أول ـ ص 333 ].
وهكذا غدا هذا الحديث صحيحًا لا تعتريه أدنى شائبة.
ولا نضيف جديدًا حين نرقم أن الآية حققت مطلب أرملة سعد وكافة النِسون غِبّ أن منحهن ( الإيمان والموعظة ) نصف التراث بعد حرمان امتد مئات الأعوام.
ومن رجا آخر أقبلت الآية كمكافأة للنساء على مواقفهن من الدعوة التى بشّر بها ( سيد الخلق ) والتى نسخنا فيما مضى نُتفًا منها خاصة فى عركة أحد بخلاف عدد من كبار الصحابة أدبر وأعطى ظهره للعدو وهو يعلم أن ذلك من أكبر الكبائر ومن غرائب التاريخ أن من بين من فعله من تولى الإمامة العظمى أى الخلافة، يضاف إلى ذلك أن ( أول من يفيق من الصعقة ) بثاقب بصره ونافذ بصيرته ووسيع أفقه أدرك بعد ما حدث فى أحد النسون فيهن أو لديهن نفع كبير فى ميادين القتال. وللديانة التى يذيعها ويفشيها وللدولة التى يضع فى صرحها لبنة بعد أخرى واللتين تعبران مزنقًا ضيقه ملحوظ وحروجته واضحة وعقباته عديدة وعثراته خطرة ومن ثم فهما ( = الديانة والدولة ) فى أمس الحوجة ليد العون من كل رد فى المجتمع.
وفى حديث له معروف ( النساء شقائق الرجال ) ولرفع روحهن المعنوية ولتشجيعهن على مزيد من البذل ولحضهن على تقديم ضعف العطاء فلا أقل من زبدهن شطر الإرث، وهكذا يثبت القرآن الحميد أنه يواكب جماعة المسلمين وأن عينه عليها وأنه يتفضل بإجابة طلب أفرادها ويتكرم بتحقيق رغبة أعضائها ويتعطف برفع سبب شكاية من يئن ويتوجع من ذُكرانها ونسونها وأن إطلال آياته كالشموس المضيئة بين الحين والآخر بلغ غاية الحكمة التى خفيت عن العقول القاصرة لليهود.
الرجل لعبته المرأة
هذه مقولة تنطبق على مجتمع أولئك العُربان ، وقد صرح بها أحد كبارهم عندما ناقشته بمنتهى الأدب والخضوع زوجته فى أمر يهمها أو يخصها فصاح فى وجهها: مالك وذاك ما أنت إلا لعبة ألعب بها وقت حاجتى إليها ثم أركنها أسفل الجدار. ومن الجائز أن تغدو الأحاديث والأقوال موضع تهزيل (من الهزال) ومجال توهين ومحل تشكيك وهناك شعار شهير لأحد المبرزين فى علم الحديث: أىّ حديث ضعيف قويناه وأى حديث صحيح أو حسن ضعفناه. وهى دعوى تنضوى على أدنى قدر من المبالغة، لأن دفع الحديث قد يأتى من صوب المَتْن بزعم أنه لا يتفق وما جاء فى القرآن الكريم ( بداهة من وجهة نظر الطاعن ) أو ياتى من ناحية السند، فإن لم يلحق به تاريخية الرواية شائبة أى أن فلانًا روى عن فلان فى حين أنه لم يحدث بينهما لقاء أو يغمز أحد رواته بأنه صاحب بدعة أى ممن تكلموا فى الذات أو فى الصفات ( صفات الله ) أو فى القضاء والقدر أو غيرها أو عرف بالتشيع وهكذا. فإذا صح المتن وسلم رواته من المطاعن قالوا عنه = (الحديث ) إنه منسوخ إما بآية وإما بحديث آخر مع وضع ملاحظة هامة فى الحُسبان وهى أن الحديث الذى يطعن فيه لا يوافق مذهبه أو رأيه أو حتى هواه. إذن التعكز على مقولة لأحدهم ولو من مرازبتهم لإثبات نظرة أولئك العربان المتدنية للمََرَة لا ينتصب دليلاً قاطعًا. إنما الأفعال هى التى تقطع المناوئ وتُخرس المشاغب وتُسكت المخاصم: ( كان الرجل يطلق امرأته ما شاء الله أن يطلقها وإن طلقها مائة مرة أو اكثر إذا ارتحعها قبل أن تنقضى عدتها، حتى قال رجل لامرأته والله لا أطلقك فتبينى منى ولا آويك إلى، فقالت وكيف ذاك؟ قال: أطلقك وكلما قاربت عدتك أن تنقضى ارتجعتك ثم أكلقك وأفعل ذلك. فشكت المرأة ذلك إلى عائشة فذكرت ذلك عائشة لرسول الله ـ ص ت فسكت فلم يقل شيئًا حتى نزل القرآن ( الطلاق مرتان .. ) [ المقبول: للأزهرى ص 132، 133. وقال المصنف: رواه الحاكم والترمذى والطبرى عن عائشة ـ رض ـ ووصف إسناده بأنه صحيح وأن الحاكم صحححه فى المستدرك. ورواه عبد بن حميد فى تفسيره ورواه ابن مردويه فى السنن ومالك فى الموطأ ].
وذكره السيوطى فى اللباب بذلك السند ولو أنه اكتفى بالترمذى من أصحاب الصحاح والحاكم النيسابورى ولكنه رَقَم أن المَرَة تشكّت إلى ( صاحب المغنم ) مباشرة دون توسط التيمية بنت عتيق بن أبى قحافة. وفى أحكام القرآن لابن العربى أن الزواج من الأثاربة بنى قيلة وان شكوى ميعولته أفضت بها بنفسها إلى القرآن الكريم. [ أحكام القرآن: لابن العربى ـ المجلد الأول ـ ص 189 ]. أكد الباحث عبدالله شحاته ـ بعد تمحيص منه ـ مسألة لعب أولئك العُربان بالطلاق ونحن من جانبنا نرجعها إلى استهانتهم بأقدس علاقة ولنظرتهم للمرأة التى تتسم بالتعالى من جهتهم والدونية إلى ناحيتها وجِماعة منبعه التبدىّ. يوثق شحاته ذلك فيزبر ( أى يكتب ) ( ثبت لأن أهل الجاهلية لم يكن عندهم للطلاق عدد وكانت عندهم العدة معلومة مقدرة. [ تفسير القرآن الكريم: لعبدالله شحاته ـ الجزء الثانى ثم ساق الحديث كما طلع علينا أبو عمر نادى الأزهرى. إذن نحن بصدد شكاية صحابية من بنات قيلة بثتها بالذات أو بالوساطة للبهاء ضد زوجها الذى عزم على تعليقها نزولاً على العرف المستقر فى المجتمع البدوى الذكورى بأن طلقها حتى إذا قاربت عدتها على النهاية راجعها وهكذا حتى أقرب الأجلين: أجلها أو أجله. و ( الخالص ) يعلم هذا التقليد المستقر الراسخ فى المجتمع وأنه سلاح فى يد الذُكران يشكمون به النسوة، يهددون به الناشز ويخيفون بموجبه العاصية ويردعون بمقتضاه النفور ولو انتزعه من أيديهم لعصلبن ( = عصلجت ). عليهم ولما استطاعوا التحكم فيهن ( هذا ما يتوهمونه ). هذا من رجال ( ناحية )، ومن آخر فإن النسون يعانين بشدة الظلم الذى يقع عليهن من جراء استمرار هذا العرف الوبئ والعادة الدنيئة والتقليد الطِفس، ولقد أثبتن منذ فجر الدعوة المباركة أنهن من أشد الأعوان إخلاصًا كما أن الأيام المستقلة تعمق الحَوجة إليهن إن فى جناح الديانة أو قطاع الدولة الوليد. تلك هى دَوَال العبارة التى وردت فى الحديث الشريف ( فسكت ولم يقل شئ بيد أن ( القرآن ) لم يسكت وانىّ له أن يفعل وقد تقدمت بطابتها صحابية أثربية لتصحبح وضع جائر يُضيرها هى بنات جنسها حتى يرث الله الأرض ومن عليها فبعثت آية كريمة ( الطلاق مرتان استجابت للشكاية وقضت على التقليد الظالم وأنصفت شقائق الرجال وكأنى به ( الكتاب / النور يقول لهم ولهن إنى معكم لا أغادركم طرفة عبن وادخل معكم فى علاقات جدلية حميمة ومن هنا لم أنبث دفعة واحدة كتوراة موسى وإنما تهل نجومى على مراحل تنير لكم الجَادة ( الطريق ) أمام مشكلاتهم وتبدد الظلام الدامس الذى عشش حول الكثير من تقاليدكم المتفسخة وتفتح المغاليق التى سكرتها عاداتكم البالية.
القِبْلَة المحيرة
رقمنا فيما سلف أن ( رضوان الله ) عندما شرّف قرية الحرتين وخبر أحوال ( إخوان القردة والخنازير وعبدة الطاغوت ) كما أطلق عليهم يوم قريظة:
أخرج بن جرير عن مجاهد قال: قام النبى ـ ص ـ يوم قريظة تحت حصونهم فقال: يا إخوان القردة والخنازير وعبدة الطاغوت. [ ( لباب النقول فى أسباب النزول ) للجلال السيوطى، على هامش ( تنوير المقياس من تفسير ابن عباس ) للفيروزى آيادى صاحب القاموس ، المتوفى 817هـ ـ الطبعة الثانية 1370هـ / 1951م. مكتبة مصطفى البابى الحلبى ـ مصر ].
وأدرك كثافتهم وفَرشَحة ذراعهم الاقتصادية وقوة تأثيرهم الدينى والاجتماعى باعتبار أنهم ( = القردة لا اليثاربة العربان ) من ذوى العلم الدينى وبأيديهم إسطير مقدس مَنَحَنَ من بيره سائر الإسطيرات التالية:
فصلى تجاه بيت المقدس أو قرية السلام ـ أورشليم ـ وتابعه صحبه. وشكلت البادرة خطوة فى درب الموادعة أو الموادّة التى قرر أن يمشى فيها يقرب من عام ونصف عام، بيد أنهم أثبتوا بحق أنهم قردة وخنازير، فانبثقت آية عظيمة من القرآن ـ وكل آياته عظيمة ـ أذنت له ولتبعه الاتجاه فى الصلاة نحو قرية القداسة العربية أو الكعبة أو إرث إبراهيم!!. [ هناك خناقة ( وهى كلمة فصيحة لرب السماء بين المسلمين واليهود على أمرين:
الأول: أيتهما أقدم وأكثر قداسة بَكّة أم إيليا ( أورشليم ).
الآخر: كبير البطاركة وأبوهم وأصل أصولهم إبراهيم أو أبرهام.
( فى مصر يدلعون من يسمى إبراهيم ببرهوم مرة وهيمة أخرى ا.هـ. ).
هل هو يهودى أو حنيف.
ورغم بلوغ عمر العركة المبرورة بدايات القرن الخامس عشر فإن الطائفتين لم تصلا حتى كتابة هذه السطور إلى حل وسط مع أن كليهما تكتظ بطوابير مرصوصة من العلماء والمشايخ والأحبار والربيين
تحويل القبلة أقلق عددًا من الصحابة لا بسبب التردد: مكة ( الكعبة ) ثم إيليا ثم مكة مرة اخرى إنما لعلة أخرى مغايرة ولكنها تقترن أو تتصل بها بحبل ربما لا يتسم بالمتانة والشدة إنما فى نهاية الشوط من اليسير العثور على وشيجة لبَكَتْهما ( = خلطهما ).
ما هو موقف أو مصير الصلوات التى صلوها هم ومن سبقهم إلى الدار الآخرة خلال الأشهر الثمانية عشرة صوب القرية التى يقدسها أولاد الأفاعى كما وسمهم عيسى ابن الصديقة مريم. [ علماء المسيحية يؤكدون أن اسم أمة ألله ام عيسى المسيح هو مارى أما مريم فهو اسم أخت هارون أخى موسى ، بيد أن القرآن المجيد سماها مريم وتوج سورة كاملة بهذا الاسم وهو شرف منيف لم تنله سيدة نساء الدنيا أم هند الطاهرة خديجة بنت خويلد. وبداهة نحن لاشأن لنا بما يدعيه الدين المسيحى ونتتبع ما جاء بالقرآن وإن اختلف نتيجة تشابه الأسماء، ومن ثم رقمنا اسمها الذى ورد فيه وهو مريم ا.هـ ].
( كان رجال من أصحاب رسول الله ـ ص ـ قد ماتوا على القبلة الأولى منهم أسعد بن زرارة وأبو أمامة أحد بنى النجار والبَرَاء بن معرور أحد بنى سَلَمة وأناس آخرون جاءت عشائرهم فقالوا: يا رسول الله توفى إخواننا وهم يصلون إلى القبلة الأولى وقد صرفك الله تعالى إلى قبلة إبراهيم فكيف بإخواننا؟. قأنزل الله تعالى { مَا كَان الله لِيُضَيِّعَ إِبْمَانَكُم } الآية. [ ( أسباب النزول ) للواحدى ص 36، ( لباب النقول ) للسيوطى ص 19 طبعة دار الشعب ، وقد أورده أبو عمر نادى الأزهرى فى ( المقبول ) وذكر أن إسناده صحيح وأضاف أن ابن كثير أورد فى تفسيره وقال عنه الشيخ شاكر فى ( العمدة ) إسناده صحيح وأخرج بعضه الترمذى فى تفسير سورة البقرة وقال عنه