بابكر عباس الامين
10-27-2009, 03:06 AM
يمتاز السودانيون بقدر عال من التسامح والتعايش السلمي يفوق العديد من الأمم حتي بمقاييس العصر الحديث. وهذا التسامح لدي السودانيين هو أمرَ ضاربَ في القِدم وقد سبق دخول الإسلام , إذ إستقبلت قبائل البِجة في شرق السودان واّوت بعض العرب قبل الإسلام , كما ثبت من بعض الاثار في مُثلث حلايب وخور نبت بالقرب من هيا.
وبعد دخول العرب تشرّب السودانيون إسلاماً صوفياً متسامحاً لم يعهد الغلو أو التطرف ولم يُفرض عليهم بالسيف إذ ظلّت النوبة علي مسيحيتها بعد توقيع إتفاقية البقط. وكان بعض الحجيج القادم من نيجيريا وبقية غرب أفريقيا - أثناء عبوره للسودان في طريقه إلي مكة - قد اُعجِب بتسامح السودانيين فاثرالعيش معهم. إستضافت القبائل السودانية وسمحت بإستيطان هؤلاء الوافدين عبر القرون. لم يشأ أولئك الوافدين الإستيطان في الحجاز أرض المقدسات , ولم تغريهم مراعي السودان لأن مواطنهم الأصلية غنية في الزرع والضرع , إنما هاموا بتسامح السودانيين فأصبحوا رافداً هاماً من النسيج السوداني.
وقد نهلت الثقافة السياسية السودانية في العصر الحديث من موروث التسامح هذا فامتاز السياسيون - بإستثناء المُحدثين - بالتسامح والتواضع وسماع الرأي الاخر, ولم يكن هناك حاجزاً بين الحكام والمحكومين. وكان الشرطي الحارس للرئيس إسماعيل الأزهري قد ذكر له بأن بعض الصبية الذين لهم فريق كُرة قدم في الحي يودون لقائه. وكان سبب اللقاء أن كُرتهم قد أصابها العطب ولم تكن ميزانية الفريق تسمح بشِراء أخري فسمح لهم الرئيس باللقاء وإستمع إليهم!
ورغم السِجال والمعترك السياسي الذي كان يدور في البرلمان , فقد كانت هناك علاقات إجتماعية جيدة بين السياسيين من الأحزاب المختلفة. وكان المرحوم عبدالخالق محجوب يبعث بكتب إسلامية لأحد المعتقلين الإسلاميين في السجن. كما سمحت الثقافة السياسية المتسامحة للمرأة السودانية بحق الإقتراع والترشيح منذ عام 1965 بينما ما زالت بعض الدول تمنعها من قيادة السيارة وتحرمها حقها في التصويت - هذا إن وُجِد. بل أن السودان قد سبق بعض الدول الأوربية في هذا الشأن كسويسرا التي لم تحصل المرأة فيها علي حقوقها السياسية إلا عام 1971.
ولم تعرف الثقافة السياسية السودانية الإغتيال والتصفية الجسدية لأسباب سياسية كما هو الحال في بعض الدول العربية : فيصل في السعودية , السادات في مصر , فيصل في العراق , الحريري في لبنان. كما لم تعرف تلك الثقافة - قبل البِعثة التُرابية - الإرهاب الفكري. والمعروف أن الفكر السياسي المقنِع والذي تتجسد المُثل التي ينادي بها في قادته وكوادره لا يحتاج إلي فرضه بالقوة أو البطش أوالتشفّي في الخصوم السياسيين.
بدأ الإرهاب الفكري بإختلاق التُرابيين لتلك الحادثة التي أدت إلي حل الحزب الشيوعي عام 1965, وطرد نوابه من البرلمان واّثارها الكارثية التي تمثلت في إنقلاب مايو 1969 , الذي قطع نمو وتطور الديمقراطية الطبيعي لستة عشر عاماً عِجاف ساد فيها الفساد. وإنتهت حقبة مايو عندما أضفي التُرابيون قداسة علي طاغية لم يعرف السودان مثله من قبل , وصاغوا له قوانين في سبتمبر 1983, بإمكان خريجو الخلوة تفنيدها شرعياً. ولو سلّمنا جدلاً بصحة إساءة أحد الشيوعيين لعقيدة المسلمين , فليس من المنطق والعدل عقاب الحزب كله وطرد نوابه وتجريدهم من حقهم الذي كفله الدستور وتجاوز قرار المحكمة الدستورية. إنما كان كل الأمر مصادرة فكر تمكن من كسب شعبية - خاصة وسط القوي الحديثة - تنافسهم وله مقدرة علي مقارعتهم بالحجة والمنطق والديالكتيك.
تطور الإرهاب الفكري السياسي بإسم الدين درجة بإغتيال الأستاذ محمود محمد طه - شيخ في السبعينات من عمره - في 1984. وقرروا إلقاء جثمانه في الصحراء كأنهم لم يطلعوا علي تلك الاّية التي أبدي فيها ابن ادم أسفه وحسرته لأنه لم يوارِجسد أخيه بينما فعل الغُراب ذلك. ولم أجد في القران أو السنة أو سيرة السلف ما يمنع تكريم الميت بدفنه إلا سابقة واحدة - ربما كانت مرجعية الترابيين - هي عندما منع الثوار المتمردون الذين قتلوا عثمان بن عفان من دفنه في البقيع.
لقد كان إغتيال الأستاذ طه أمرا أصاب السودانيين - بمختلف توجهاتهم السياسية - بالذعر لأنها قامت بمحاولة لنسف أهم الموروثات السودانية الراسخة عبر القرون وهو التسامح والتعايش السلمي. ذلك بالإضافة إلي تقدُمه في العُمر وأنه ظلّ يدعو لفكره منذ الخمسينيات في حرية وسلام ولم يمسسه أحداً بسؤ. وعكس الترابيين , إمتاز الأستاذ طه بأنه لم يقم بإنقلاب عسكري لفرض مفاهيمه علي السودانيين بالقوة , بل كان يدعو لها بالحكمة والموعظة الحسنة. وذلك لأن مفهوم السلطان والسيطرة علي الإقتصاد لم يكن محورياً في فكره , إذ كان يعيش زاهداً في بيتٍ متواضعٍ من اللبِن. لقد كانت حادثة إغتياله - كحادثة حل الحزب الشيوعي - نوع من الكيد السياسي والتشفّي وتصفية للخصوم , لأنه كان قد أصدر كتاباً أوضح فيه أن الذي حدث في سبتمبر 1983 ليس له علاقة بالإسلام.
وعقب الإنقلاب , قام رجال أمن الإنقاذ - في إساءة أخري لتسامح السودانيين - بذلك الفعل الذي يستحي القلم عن ذكره في العميد محمد أحمد الريح , الذي أثبت شجاعته وأصالته السودانية عندما قام بفضحهم وتعريتهم. وذلك فعل من الأفعال التي لا تمارسها الحيوانات رغم أنها لم تتطلع علي دِين. وكان أحد ضباط الأمن قد هدّد أحد الإتحاديين من زعماء أحدي قبائل شرق النيل في ولاية الخرطوم بأن مصيره سيكون كالعميد الريح , فتوفي ذلك الزعيم كمداً عقب سقطة قلبية.
ثم ّحدثت مذبحة رمضان عام 1990 - حسب فتوي الترابي - والتي أريقت فيها دماء ثمان وعشرون ضابطا من القوات المسلحة بتهمة تدبير إنقلاب عسكري , كأنما النظام قد جاء إلي سدة الحكم عن طريق صناديق الإقتراع. ولأن السودانيين يأنفون بطبعهم المتسامح من الإعدام , فقد صُدم السودانيون وكان عيد ذلك العام أسوأ عيد عرفه السودان.
لم تكن هناك ضرورة أمنية لتلك المذبحة لأنه كان من الممكن الحكم عليهم بالسجن المؤبد , إنما أراد النظام بها وبحادثة العميد الريح وما دار في بيوت الأشباح إرسال رسالة واضحة وفي غير لبس إلي السودانيين. فحوي تلك الرسالة هي أننا نحن "الإسلاميون" وبعد أن حققنا طموحنا الذي ظللنا نعمل ونخطّط له منذ الستينيات لحكمكم لن نتواني عن البطش والتنكيل وإراقة الدماء لمن تسول له نفسه المساس بحكمنا ولن يلجمنا دين أو عُرف أوأسطورة التسامح والتعايش السلمي لديكم.
ثم كانت الحرب الجهادية في الجنوب والتي إستمرت لخمسة عشر عاما سالت فيها أنهار من الدماء من الجانبين والتي هلك فيها من الشماليين إضافة إلي الجيش , أولئك الذين تمّ أخذهم عُنوة كحادثة معسكر أم دوم والتي مات فيها العشرات من شبابٍ في ريعان شبابهم. واخرون كان قد تمّ غسيل مخهم فطمعوا في الظفر بالحور العين في الجنة , خاصة وقد سمعوا بالمعجزات التي حدثت في أحراش الجنوب إذ كانت القرود تنبيء المجاهدين بأماكن الألغام.
لم يتعظ المحافظون الجُدد من حرب الجنوب والحل الذي الت له , والذي هو في الواقع دولة في الجنوب لها جيشها وعلاقاتها الدولية وتحالفاتها الإقليمية , بل واصلوا إسالة الدماء في دارفور. أهل دارفور ظلوا مقيمين في هذه البقعة من قبل قبل الإسلام ولم يسملوا بفتح إنما عن طريق التجار وأحسنوا إسلامهم. وتمسكوا بروح الإسلام وكان سلطانهم علي دينار قد قام بكسوة الكعبة وظلت دولة مستقلة إلي أن ضمها الإستعمار الإنجليزي إلي السودان عام 1916.
يحاول بعض مُنظِري المُحافظين الجُدد في كتاباتهم المعروفة بتغليف الحقائق وتزوير التاريخ تصوير هذا الصراع العرقي علي أنه يدور حول المراعي. وهذا رأي باطل لأن الفور قد سمحوا بتواجد قبائل عربية شاركتهم تلك المراعي. وكيف يكون صراعاً قبلياً وقد أستخدم فيه الجيش الطائرات المروحية ضد الفور؟
يرفض الرئيس الأرقام التي تشير إلي مئاتي ألف قتيل من الفور ويعترف بأن الرقم الحقيقي هو تسعة ألف متناسياً الاية التي تقول أن من يقتل نفسَ بغير نفس كأنما قتل الناس جميعا وكيف والرقم تسعة ألف؟ لا يكترث الحزب الحاكم إن إنفصلت دارفور إذ ينادي بمثاث حمدي ولكن اسرائيل
رغم أن إسالة الدماء لتحقيق مارب سياسية لا يمكن تبريره إطلاقاً دينياً أوأخلاقياً , إلا أن المرء ربما وجد بعض العذر للعنف عند حركتهم الأم : الأخوان المسلمين في مصر. وذلك لأن تلك الحركة قد نشأت وعملت في ظِل نظامٍ كان قد بطش بها ولم يسمح لها بالعمل العلني وأعدم وربما إغتال قادتها (قطب , البنا). بيد أن الأمر مختلفاً تماماً في السودان الذي سمح لهم تسامح أهله - بإستثناء إعتقال قادتهم خلال سني مايو الأولي - بكامل الحرية في إنشاء حزبهم ومنظماتهم ومصارفهم. إذن فلدينا طائفة إستغلت تسامح السودانيين ثمّ أساءت له بالتنكيل والتشفّي في الخصوم السياسيين وإراقة الدماء دون أي مُبرر.
ما هو الحل؟
لا يمكن إدارة أزمة تُحدّد مصير ومستقبل أمة اُستهدِفُت في هويتها بمفهوم "عفا الله عمّا سلف" الذي يناسب حل شجار حدث بين شخصين. يبدو أن السودان يحتاج أولاً إلي قانون إنتخابات جديد أو حتي دستوراً جديداً يفرضه نظام ثوري. وبما أن المحافظين الجًدُد قد حذفوا صفة "إسلامي" من حزبيهما , فإن قانون الإنتخابات المصري الذي يحظر الأحزاب القائمة علي أساس ديني لن يخرجنا من هذا المأزق. إذن تبقي لنا الحل الأخير والأوحد وهو سن قانون كقانون إجتثاث البعث العراقي لإستئصال هذا الداء. خلا ذلك فإن الأخطبوط سيظهر وينمو في شكل جديد ونعود لندور في نفس الحلقة المفرغة.
تمّ نشره في سودانايل والحوار المتمدن
وبعد دخول العرب تشرّب السودانيون إسلاماً صوفياً متسامحاً لم يعهد الغلو أو التطرف ولم يُفرض عليهم بالسيف إذ ظلّت النوبة علي مسيحيتها بعد توقيع إتفاقية البقط. وكان بعض الحجيج القادم من نيجيريا وبقية غرب أفريقيا - أثناء عبوره للسودان في طريقه إلي مكة - قد اُعجِب بتسامح السودانيين فاثرالعيش معهم. إستضافت القبائل السودانية وسمحت بإستيطان هؤلاء الوافدين عبر القرون. لم يشأ أولئك الوافدين الإستيطان في الحجاز أرض المقدسات , ولم تغريهم مراعي السودان لأن مواطنهم الأصلية غنية في الزرع والضرع , إنما هاموا بتسامح السودانيين فأصبحوا رافداً هاماً من النسيج السوداني.
وقد نهلت الثقافة السياسية السودانية في العصر الحديث من موروث التسامح هذا فامتاز السياسيون - بإستثناء المُحدثين - بالتسامح والتواضع وسماع الرأي الاخر, ولم يكن هناك حاجزاً بين الحكام والمحكومين. وكان الشرطي الحارس للرئيس إسماعيل الأزهري قد ذكر له بأن بعض الصبية الذين لهم فريق كُرة قدم في الحي يودون لقائه. وكان سبب اللقاء أن كُرتهم قد أصابها العطب ولم تكن ميزانية الفريق تسمح بشِراء أخري فسمح لهم الرئيس باللقاء وإستمع إليهم!
ورغم السِجال والمعترك السياسي الذي كان يدور في البرلمان , فقد كانت هناك علاقات إجتماعية جيدة بين السياسيين من الأحزاب المختلفة. وكان المرحوم عبدالخالق محجوب يبعث بكتب إسلامية لأحد المعتقلين الإسلاميين في السجن. كما سمحت الثقافة السياسية المتسامحة للمرأة السودانية بحق الإقتراع والترشيح منذ عام 1965 بينما ما زالت بعض الدول تمنعها من قيادة السيارة وتحرمها حقها في التصويت - هذا إن وُجِد. بل أن السودان قد سبق بعض الدول الأوربية في هذا الشأن كسويسرا التي لم تحصل المرأة فيها علي حقوقها السياسية إلا عام 1971.
ولم تعرف الثقافة السياسية السودانية الإغتيال والتصفية الجسدية لأسباب سياسية كما هو الحال في بعض الدول العربية : فيصل في السعودية , السادات في مصر , فيصل في العراق , الحريري في لبنان. كما لم تعرف تلك الثقافة - قبل البِعثة التُرابية - الإرهاب الفكري. والمعروف أن الفكر السياسي المقنِع والذي تتجسد المُثل التي ينادي بها في قادته وكوادره لا يحتاج إلي فرضه بالقوة أو البطش أوالتشفّي في الخصوم السياسيين.
بدأ الإرهاب الفكري بإختلاق التُرابيين لتلك الحادثة التي أدت إلي حل الحزب الشيوعي عام 1965, وطرد نوابه من البرلمان واّثارها الكارثية التي تمثلت في إنقلاب مايو 1969 , الذي قطع نمو وتطور الديمقراطية الطبيعي لستة عشر عاماً عِجاف ساد فيها الفساد. وإنتهت حقبة مايو عندما أضفي التُرابيون قداسة علي طاغية لم يعرف السودان مثله من قبل , وصاغوا له قوانين في سبتمبر 1983, بإمكان خريجو الخلوة تفنيدها شرعياً. ولو سلّمنا جدلاً بصحة إساءة أحد الشيوعيين لعقيدة المسلمين , فليس من المنطق والعدل عقاب الحزب كله وطرد نوابه وتجريدهم من حقهم الذي كفله الدستور وتجاوز قرار المحكمة الدستورية. إنما كان كل الأمر مصادرة فكر تمكن من كسب شعبية - خاصة وسط القوي الحديثة - تنافسهم وله مقدرة علي مقارعتهم بالحجة والمنطق والديالكتيك.
تطور الإرهاب الفكري السياسي بإسم الدين درجة بإغتيال الأستاذ محمود محمد طه - شيخ في السبعينات من عمره - في 1984. وقرروا إلقاء جثمانه في الصحراء كأنهم لم يطلعوا علي تلك الاّية التي أبدي فيها ابن ادم أسفه وحسرته لأنه لم يوارِجسد أخيه بينما فعل الغُراب ذلك. ولم أجد في القران أو السنة أو سيرة السلف ما يمنع تكريم الميت بدفنه إلا سابقة واحدة - ربما كانت مرجعية الترابيين - هي عندما منع الثوار المتمردون الذين قتلوا عثمان بن عفان من دفنه في البقيع.
لقد كان إغتيال الأستاذ طه أمرا أصاب السودانيين - بمختلف توجهاتهم السياسية - بالذعر لأنها قامت بمحاولة لنسف أهم الموروثات السودانية الراسخة عبر القرون وهو التسامح والتعايش السلمي. ذلك بالإضافة إلي تقدُمه في العُمر وأنه ظلّ يدعو لفكره منذ الخمسينيات في حرية وسلام ولم يمسسه أحداً بسؤ. وعكس الترابيين , إمتاز الأستاذ طه بأنه لم يقم بإنقلاب عسكري لفرض مفاهيمه علي السودانيين بالقوة , بل كان يدعو لها بالحكمة والموعظة الحسنة. وذلك لأن مفهوم السلطان والسيطرة علي الإقتصاد لم يكن محورياً في فكره , إذ كان يعيش زاهداً في بيتٍ متواضعٍ من اللبِن. لقد كانت حادثة إغتياله - كحادثة حل الحزب الشيوعي - نوع من الكيد السياسي والتشفّي وتصفية للخصوم , لأنه كان قد أصدر كتاباً أوضح فيه أن الذي حدث في سبتمبر 1983 ليس له علاقة بالإسلام.
وعقب الإنقلاب , قام رجال أمن الإنقاذ - في إساءة أخري لتسامح السودانيين - بذلك الفعل الذي يستحي القلم عن ذكره في العميد محمد أحمد الريح , الذي أثبت شجاعته وأصالته السودانية عندما قام بفضحهم وتعريتهم. وذلك فعل من الأفعال التي لا تمارسها الحيوانات رغم أنها لم تتطلع علي دِين. وكان أحد ضباط الأمن قد هدّد أحد الإتحاديين من زعماء أحدي قبائل شرق النيل في ولاية الخرطوم بأن مصيره سيكون كالعميد الريح , فتوفي ذلك الزعيم كمداً عقب سقطة قلبية.
ثم ّحدثت مذبحة رمضان عام 1990 - حسب فتوي الترابي - والتي أريقت فيها دماء ثمان وعشرون ضابطا من القوات المسلحة بتهمة تدبير إنقلاب عسكري , كأنما النظام قد جاء إلي سدة الحكم عن طريق صناديق الإقتراع. ولأن السودانيين يأنفون بطبعهم المتسامح من الإعدام , فقد صُدم السودانيون وكان عيد ذلك العام أسوأ عيد عرفه السودان.
لم تكن هناك ضرورة أمنية لتلك المذبحة لأنه كان من الممكن الحكم عليهم بالسجن المؤبد , إنما أراد النظام بها وبحادثة العميد الريح وما دار في بيوت الأشباح إرسال رسالة واضحة وفي غير لبس إلي السودانيين. فحوي تلك الرسالة هي أننا نحن "الإسلاميون" وبعد أن حققنا طموحنا الذي ظللنا نعمل ونخطّط له منذ الستينيات لحكمكم لن نتواني عن البطش والتنكيل وإراقة الدماء لمن تسول له نفسه المساس بحكمنا ولن يلجمنا دين أو عُرف أوأسطورة التسامح والتعايش السلمي لديكم.
ثم كانت الحرب الجهادية في الجنوب والتي إستمرت لخمسة عشر عاما سالت فيها أنهار من الدماء من الجانبين والتي هلك فيها من الشماليين إضافة إلي الجيش , أولئك الذين تمّ أخذهم عُنوة كحادثة معسكر أم دوم والتي مات فيها العشرات من شبابٍ في ريعان شبابهم. واخرون كان قد تمّ غسيل مخهم فطمعوا في الظفر بالحور العين في الجنة , خاصة وقد سمعوا بالمعجزات التي حدثت في أحراش الجنوب إذ كانت القرود تنبيء المجاهدين بأماكن الألغام.
لم يتعظ المحافظون الجُدد من حرب الجنوب والحل الذي الت له , والذي هو في الواقع دولة في الجنوب لها جيشها وعلاقاتها الدولية وتحالفاتها الإقليمية , بل واصلوا إسالة الدماء في دارفور. أهل دارفور ظلوا مقيمين في هذه البقعة من قبل قبل الإسلام ولم يسملوا بفتح إنما عن طريق التجار وأحسنوا إسلامهم. وتمسكوا بروح الإسلام وكان سلطانهم علي دينار قد قام بكسوة الكعبة وظلت دولة مستقلة إلي أن ضمها الإستعمار الإنجليزي إلي السودان عام 1916.
يحاول بعض مُنظِري المُحافظين الجُدد في كتاباتهم المعروفة بتغليف الحقائق وتزوير التاريخ تصوير هذا الصراع العرقي علي أنه يدور حول المراعي. وهذا رأي باطل لأن الفور قد سمحوا بتواجد قبائل عربية شاركتهم تلك المراعي. وكيف يكون صراعاً قبلياً وقد أستخدم فيه الجيش الطائرات المروحية ضد الفور؟
يرفض الرئيس الأرقام التي تشير إلي مئاتي ألف قتيل من الفور ويعترف بأن الرقم الحقيقي هو تسعة ألف متناسياً الاية التي تقول أن من يقتل نفسَ بغير نفس كأنما قتل الناس جميعا وكيف والرقم تسعة ألف؟ لا يكترث الحزب الحاكم إن إنفصلت دارفور إذ ينادي بمثاث حمدي ولكن اسرائيل
رغم أن إسالة الدماء لتحقيق مارب سياسية لا يمكن تبريره إطلاقاً دينياً أوأخلاقياً , إلا أن المرء ربما وجد بعض العذر للعنف عند حركتهم الأم : الأخوان المسلمين في مصر. وذلك لأن تلك الحركة قد نشأت وعملت في ظِل نظامٍ كان قد بطش بها ولم يسمح لها بالعمل العلني وأعدم وربما إغتال قادتها (قطب , البنا). بيد أن الأمر مختلفاً تماماً في السودان الذي سمح لهم تسامح أهله - بإستثناء إعتقال قادتهم خلال سني مايو الأولي - بكامل الحرية في إنشاء حزبهم ومنظماتهم ومصارفهم. إذن فلدينا طائفة إستغلت تسامح السودانيين ثمّ أساءت له بالتنكيل والتشفّي في الخصوم السياسيين وإراقة الدماء دون أي مُبرر.
ما هو الحل؟
لا يمكن إدارة أزمة تُحدّد مصير ومستقبل أمة اُستهدِفُت في هويتها بمفهوم "عفا الله عمّا سلف" الذي يناسب حل شجار حدث بين شخصين. يبدو أن السودان يحتاج أولاً إلي قانون إنتخابات جديد أو حتي دستوراً جديداً يفرضه نظام ثوري. وبما أن المحافظين الجًدُد قد حذفوا صفة "إسلامي" من حزبيهما , فإن قانون الإنتخابات المصري الذي يحظر الأحزاب القائمة علي أساس ديني لن يخرجنا من هذا المأزق. إذن تبقي لنا الحل الأخير والأوحد وهو سن قانون كقانون إجتثاث البعث العراقي لإستئصال هذا الداء. خلا ذلك فإن الأخطبوط سيظهر وينمو في شكل جديد ونعود لندور في نفس الحلقة المفرغة.
تمّ نشره في سودانايل والحوار المتمدن